الطبعة الأولى للكتاب المترجم باللغة العربية

طرائق ونُهج البحث في التربية المقارنة

المحررون: مارك براي، بوب آدمسون، مارك ميسون

ترجمة: حنان محمود محمد عبد الرحيم

مارك براي

أستاذ التربية المقارنة التابع لليونسكو بجامعة هونج كونج

بوب آدمسون

أستاذ في قسم التربية الدولية بجامعة هونج كونج

مارك ميسون

أستاذ في قسم التربية الدولية بجامعة هونج كونج

حنان محمود محمد عبد الرحيم

أستاذ التربية المقارنة المساعد بكلية التربية، جامعة الإسكندرية، جمهورية مصر العربية

تاريخ النشر: نوفمبر 2025

يصدر هذا العمل بموجب رخصة المشاع الإبداعي الدولية: نَسب المُصنَّف - غير تجاري - منع الاشتقاق 4.0 (CC BY-NC-ND)، ويجيز هذا الترخيص استعمال المادة ومشاركتها وإعادة تداولها في أي وسيط على أن يكون الاستخدام غير تجاري، مع الإحالة إلى المؤلف والمصدر، ومن دون إدخال أي تعديل على النص، ويمكن الرجوع إلى النص الكامل للرخصة عبر الرابط: https://creativecommons.org/licenses/by-nc-nd/4.0/، وينحصر سريان هذه الرخصة في المحتوى الأصلي للكتاب، في حين تبقى المواد المأخوذة من مصادر أخرى بما فيها الصور والرسوم والمقتطفات الكتابية ضمن حقوق أصحابها الأصليين، وقد يستلزم استعمالها إذنًا مسبقًا.

جاء نشر هذا العنوان بنظام الوصول المفتوح دعمًا لسياسة الشفافية في الإفصاح عن التمويل وفق إرشادات لجنة أخلاقيات النشر (COPE)، إذ أسهمت مؤسسة الشيخ سعود بن صقر القاسمي لبحوث السياسات في توفير الدعم المالي الذي مكّن إصدار هذا العمل، وتولت ترجمة الكتاب (حنان محمود عبد الرحيم)، وأصدرته شركة نولِدج إي. هذه النسخة للكتاب باللغة العربية ترجمة الطبعة الثانية من الكتاب الصادر عام 2014.

الكتاب

تُعد الطرائق والنهج في التربية المقارنة ذات أهمية جليّة، إلا أنها لا تحظى دائمًا بالاهتمام الكافي. وتُسهم هذه النسخة العربية من كتاب نال استحسانًا واسعًا — نُشر في الأصل باللغة الإنجليزية وتُرجم إلى عشر لغات أخرى — في إثراء الحقل المعرفي بإضاءات جديدة ضمن تقاليده الراسخة.

ومن الخصائص المميزة لهذا العمل تركيزه على وحدات تحليلية متنوعة؛ إذ تتناول الفصول المختلفة مقارنات بين أماكن، ونُظم، وأزمنة، وثقافات، وقيم، وسياسات، ومناهج دراسية، وغيرها من الوحدات. وتُدرج هذه الفصول ضمن أطر تحليلية أوسع تُبرز أهداف التربية المقارنة ومواطن قوتها. كما يتناول الكتاب المقارنات داخل الدولة الواحدة إلى جانب المقارنات العابرة للحدود الوطنية، ويُبرز أهمية تناول القضايا التربوية من زوايا متعددة. ويُعد هذا العمل ذا قيمة كبيرة ليس فقط للباحثين في ميدان التربية المقارنة، بل أيضًا للممارسين والمهتمين الذين يسعون إلى فهم أعمق لمحددات هذا الميدان وأهميته.

المحررون

يشغل مارك براي منصب أستاذ التربية المقارنة التابع لليونسكو بجامعة هونج كونج. أما بوب آدمسون ومارك ميسون، فقد شغلا منصب أستاذين في قسم التربية الدولية بجامعة هونغ كونغ. وقد تولّى المحررون الثلاثة رئاسة الجمعية المقارنة للتربية في هونغ كونغ (CESHK)، كما شغلوا منصب مديرين لمركز أبحاث التربية المقارنة (CERC) بجامعة هونغ كونغ. ويُذكر أن مارك براي قد تولّى أيضًا رئاسة الجمعية الأمريكية للتربية المقارنة والدولية (CIES)، فضلاً عن رئاسته للمجلس العالمي لجمعيات التربية المقارنة (WCCES).

المترجمة

حنان محمود محمد عبد الرحيم هي أستاذ التربية المقارنة المساعد بكلية التربية، جامعة الإسكندرية، جمهورية مصر العربية. وهي أيضًا مدرّبة دولية معتمدة في ريادة الأعمال. وتُعد حنان عضوًا في الجمعية المصرية للتربية المقارنة والإدارة التعليمية.

المحتويات

مقدمة الدكتور خلف العبري، رئيس الجمعية الخليجية للتربية المقارنة
مقدمة المترجم
مقدمة
الفصل الأول: الجهات المؤثرة في التربية المقارنة وغاياتها
الفصل الثاني: البحث العلمي في ميدان التربية المقارنة
الفصل الثالث: النهج الكمية والنوعية في التربية المقارنة
الفصل الرابع: مقارنة الأماكن
الفصل الخامس: مقارنة النظم التعليمية
الفصل السادس: مقارنة الأزمنة
الفصل السابع: مقارنة العِرق والطبقة الاجتماعية والنوع الاجتماعي
الفصل الثامن: مقارنة الثقافات
الفصل التاسع: مقارنة القيم
الفصل العاشر: مقارنة السياسات
الفصل الحادي عشر: مقارنة المناهج الدراسية
الفصل الثاني عشر: مقارنة الابتكارات التربوية
الفصل الثالث عشر: مقارنة طرائق التعلم
الفصل الرابع عشر: مقارنة الإنجازات التعليمية
الفصل الخامس عشر: تباين النماذج واختلاف محاور التركيز وتنوّع الرؤى
المراجع

قائمة الجداول

الجدول 1.1بيانات إحصائية حول التعليم الثانوي الأدنى في مجموعة من الدول الآسيوية المختارة
الجدول 1.2التصنيفات وفقا لنتائج PISA في القراءة والرياضيات والعلوم
الجدول 2.1مجموعات الميادين المعرفية وطبيعة المعرفة
الجدول 4.1تحليلات دراسة الحالة المقارنة
الجدول 4.2معدلات إلمام الشباب بالقراءة والكتابة بحسب أقاليم العالم
الجدول 4.3مقارنة بين عدد من الدول والولايات الأمريكية من حيث نسبة الانحراف عن النتائج المتوقعة لاختبار الرياضيات للصف الثامن (1990)، ومستوى الإنفاق على التعليم للفرد
الجدول 4.4الخصائص السكانية والثقافية والاجتماعية للكانتونات في سويسرا
الجدول 5.1توزيع التلاميذ على نظام المدارس الابتدائية ذي السنوات الست في عدد من المقاطعات والبلديات بالصين الرئيسية لعام 2010
الجدول 5.2هيئات التعليم الابتدائي والثانوي في هونغ كونغ، 2012/2013
الجدول 5.3تصنيف المدارس الثانوية في هونغ كونغ وفق لغة التدريس، 1993/1994
الجدول 5.4المدارس في ماكاو، حسب الملكية ووسيلة التدريس
الجدول 11.1أيديولوجيات المناهج ومكوناتها
الجدول 11.2مظاهر المناهج وطرائق البحث النموذجية
الجدول 13.1متوسط معاملات الارتباط بين مقاييس مناهج التعلّم والتحصيل الأكاديمي وتقدير الذات ومكان الضبط
الجدول 14.1البنية الهرمية لمهارات الثقافة العلمية
الجدول 14.2عدد بنود الرياضيات من كل نوع ونقاط الدرجات للصف الثامن حسب فئة التقرير
الجدول 14.3نتائج الدرجات الفرعية لأول أربعة تلاميذ في الصف
الجدول 14.4نتائج مقارنة نسبية لأداء مدرسة مع مدارس مشابهة ومع عموم المدارس في هونغ كونغ
الجدول 14.5عرض إنجازات طلاب هونغ كونغ في دراسة TIMSS لعام 1999 ومقارنتها بالمتوسطات الدولية المعتمدة
الجدول 14.6نتائج التلاميذ في القراءة والرياضيات والعلوم في دراسة PISA 2006 وفق خصائص الأقاليم في كوريا
الجدول 14.7النِّسَب المئوية لتلاميذ الصف الخامس في فيتنام الذين بلغوا مستويات مهارية مختلفة في القراءة والرياضيات
الجدول 14.8نسب وأخطاء المعاينة لتلاميذ الصف الخامس في فيتنام بحسب مستويات الكفاءة في القراءة والرياضيات
الجدول 14.9نسب التلاميذ وهوامش خطأ العينات عند كل مستوى قياسي بحسب الأقاليم في فيتنام
الجدول 14.10نتائج مختارة من PISA 2009
الجدول 14.11توزيع الإنجاز في الرياضيات في دراسة TIMSS المتقدمة لعام 2008
الجدول 14.12معاملات الارتباط داخل الصفوف في مادة الرياضيات للصف الثامن وفق دراسة TIMSS 2007 لعدد من الدول

قائمة الأشكال

الشكل 1.1الأطفال في سن المدرسة الابتدائية الذين كانوا خارج المدرسة، حسب المنطقة العالمية النسبة المئوية لتوزيع الأطفال في سن التعليم الابتدائي غير الملتحقين بالمدارس (%)
الشكل 1.2رواتب المعلمين في مرحلة التعليم الثانوي الأدنى، محسوبة بما يعادلها بالدولار الأمريكي بعد تحويلها باستخدام معاملات تعادل القوة الشرائية
الشكل 2.1تصنيف (أوليفيرا) المنهجي للميادين المعرفية المتعلقة بالتربية
الشكل 2.2خريطة شاملة للنماذج الإرشادية والنظريات في ميدان التربية المقارنة والدولية
الشكل 4.1نموذج بيرداي لإجراء الدراسات المقارنة
الشكل 4.2نقاط التقارب في بيئات مختلفة
الشكل 4.3رسم خرائط ديناميكيات العولمة من خلال المنظمات الإقليمية
الشكل 4.4مقارنة بين أنماط تنظيم الحصص الدراسية
الشكل 5.1النُظم التعليمية في ماكاو كما وردت في وثيقة رسمية عام 1989
الشكل 5.2النُظم التعليمية في ماكاو كما وردت في وثيقة رسمية عام 1993
الشكل 8.1تصنيف الداخلين والخارجيين في البحث الإثنوغرافي إلى فئات أولية وثانوية
الشكل 9.1تباينات في التركيزات المنهجية ضمن الدراسات المقارنة للقيم
الشكل 9.2مخطّط تصميم العيّنات في البحوث المعتمدة على دراسة الحالة
الشكل 9.3أربع استراتيجيات استدلالية في البحوث المقارنة المعتمدة على دراسة الحالة
الشكل 11.1إطار منهجي لمقارنة المناهج
الشكل 11.2تقييم نماذج التعليم ثلاثي اللغات في الصين
الشكل 11.3قراءات تفسيرية للتعلّم القائم على المهام ابتداءً من نوايا السياسات وانتهاءً بمرحلة التنفيذ
الشكل 12.1تمثيل الحالات السبع للابتكار على الإطار المفاهيمي الذي وضعه (كامبيلِس وآخرون) لتصنيف الابتكارات ورصد مساراتها
الشكل 12.2تمثيل مستوى المشاركة المطلوب للتوافق الاستراتيجي في مقابل مستوى الوصول ضمن دراسة (SCALE CCR)
الشكل 14.1المكوّنات الرئيسة لمجال الرياضيات كما يقدَّم في إطار (PISA)
الشكل 14.2مثال على معايير التصحيح لبند أدائي
الشكل 14.3تباين تحصيل التلاميذ في القراءة موزّعًا بحسب الإقليم والمدرسة والصف داخل المدرسة والتلاميذ داخل الصفوف في فيتنام
الشكل 15.1التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة ذات موقعين
الشكل 15.2التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة بموقع واحد في المركز
الشكل 15.3التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة لثمانية مواقع
الشكل 15.4التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة لـ 25 موقعًا
الشكل 15.5المقارنات عبر الزمن باستخدام مكعب (براي) و(توماس)

مقدمة الدكتور خلف العبري، رئيس الجمعية الخليجية للتربية المقارنة

إنه لمن دواعي سروري أن أكتب هذا التقديم للنسخة العربية من الطبعة الثانية من كتاب "بحوث التربية المقارنة: مناهج وأساليب"، الذي حرّره الأساتذة مارك براي وبوب آدمسون ومارك ماسون، وهم من أبرز الباحثين في مجال التربية المقارنة والدولية. يُعدّ هذا الكتاب حجر الزاوية في هذا الحقل، ليس فقط لعمقه الفكري وانتشاره العالمي، بل أيضًا لفائدته العملية للباحثين والطلبة والمتخصصين في التربية في سياقات وطنية وإقليمية متنوعة. إنه مرجع علمي أصيل، يستخدمه العديد من الأكاديميين والباحثين حول العالم في تأطير أبحاثهم، كما يدّرس في برامج التربية المقارنة، وقد سمعت عددًا من الزملاء يشيدون به لما يتمتع به من سهولةٍ في الاستخدام ولغة مناسبة لمختلف الفئات.

ساهم الكتاب منذ صدوره عام ٢٠٠٧ في صياغة الخطاب الأكاديمي عالميًا في مجال التربية المقارنة، وقد أسهمت ترجمته إلى لغات متعددة –منها الصينية والفرنسية واليابانية والإسبانية والفارسية والإيطالية – في توسيع نطاق تأثيره. وتأتي هذه النسخة العربية لتفتح المجال أمام جيل جديد من الباحثين والطلاب وصنّاع السياسات العرب للانخراط بعمق في الأسس المنهجية والتطوّرات المتسارعة في هذا المجال الحيوي. ونأمل أن تُستثمر هذه النسخة في تأطير البحوث والمنشورات العربية في التربية المقارنة.

ومن الجدير بالذكر أن الطبعة الثانية التي صدرت عام ٢٠١٤، جاءت استجابةً لملاحظات مهمة من مستخدمي الطبعة الأولى، وكذلك للتطورات الحاصلة في مجال التربية المقارنة. وقد حافظت هذه الطبعة على نقاط القوة الأساسية في الطبعة الأصلية، مع إدخال تحديثات جوهرية، كان من أبرزها إضافة فصل جديد حول العرق والطبقة والجنس، مما يعكس النقاشات العالمية المعاصرة حول المساواة والشمول. كما تم حذف بعض المحتوى من الطبعة الأولى لطوله، دون أن يمس ذلك تماسك الهيكل العام للكتاب من الناحية التربوية. وتمثل هذه الطبعة إضافة علمية منقحة تعكس التغيرات العالمية والأجندات التعليمية المستجدة.

ومن الجدير بالذكر أيضا أن الإطار المفاهيمي للكتاب المتمثل في "مكعب براي وتوماس" (١٩٩٥)، يتصدر هذه الطبعة، حيث يوضح ثلاثة أبعاد رئيسية للبحث المقارن: مستويات التحليل (من الأفراد إلى مناطق العالم) والمجموعات غير المحلية (مثل اللغة أو العرق أو الدين) و الموضوعات (مثل المناهج الدراسية أو أصول التدريس أو التمويل أو السياسات). ويعد هذا المكعب، الذي أُعيد النظر فيه في هذه الطبعة، أداةً فعّالة لتأطير البحوث متعددة المستويات والأبعاد. ولا يزال من أكثر الأطر استخدامًا في الدراسات العليا حول العالم. وقد استخدمت هذا الإطار شخصيًّا في أبحاثي وفي تدريسي لمقرر سياسات التعليم ضمن برنامج ماجستير الإدارة التربوية، وكانت موجّها فعّالًا في تنفيذ أبحاث تربوية مقارنة.

تكمن إحدى نقاط القوة الرئيسية في هذه الطبعة في تركيزها على "وحدات المقارنة"، التي تشكّل جوهر الجزء الثاني من الكتاب، والذي يتناول منهجيًّا كيفية مقارنة الأماكن والأنظمة والسياسات وأساليب التدريس والثقافات والقيم والإنجازات. وقد لقيت هذه الفصول استحسانًا واسعًا من المراجعين والمعلمين، وتعدّ مصدرا لا غنى عنه للتدريس والإشراف الأكاديمي في مرحلتي الماجستير والدكتوراه.

ولا شك في أن أهمية هذا الكتاب بالنسبة للمنطقة العربية لا تُضاهى، إذ تأتي في لحظة تتسارع فيها التحولات التعليمية وتتزايد التحديات الاستراتيجية التي تواجه نظم التعليم. فمع أن الدول العربية تختلف في ظروفها السياسية والثقافية والاقتصادية، فإنها تشترك في إشكاليات مركزية، من أبرزها: الحاجة إلى إصلاح الحوكمة التعليمية وتحديث المناهج الدراسية وتحسين جودة التعليم العالي وتوسيع فرص التعليم للجميع دون تمييز. وفي هذا السياق يبرز البحث المقارن كأداة تحليلية تُمكّننا من تجاوز الرؤى الانعزالية والنظر في تجاربنا الوطنية في ضوء الخبرات الدولية، دون السقوط في فخ التقليد أو النقل غير المدروس.

إن المقاربات المنهجية التي يعرضها هذا الكتاب، مثل تحليل السياسات عبر "الوحدات المقارنة" والمستويات المتداخلة من الفرد إلى النظام الوطني، توفر أدوات فعّالة لتحليل السياسات التعليمية في الدول العربية، خصوصًا في سياق "الاستيراد التربوي" أو "استعارة السياسات". فكما يشير العديد من الباحثين في التعليم المقارن، فإن نجاح أي سياسة تعليمية منقولة لا يعتمد فقط على جودتها التقنية، بل على مدى ملاءمتها للسياق الثقافي والاجتماعي والاقتصادي الذي تُطبَّق فيه. وهنا تتجلى أهمية البحث المقارن في تفكيك السياسات واختبار فرضياتها وتحديد عناصر النجاح أو الإخفاق بمنهجية علمية دقيقة ومتعددة الأبعاد. لقد شهدت بعض البلدان العربية خلال العقدين الماضيين موجة من "المقارنات المُعجلة" مع الدول ذات الأداء المرتفع في مؤشرات التعليم الدولية، خاصة في آسيا وأوروبا، ما أدى أحيانًا إلى تبني نماذج تقييم أو مناهج تعليمية مستوردة دون فهم عميق لمنطلقاتها الفكرية والسياقية. ومن هنا، فإن نشر هذا الكتاب باللغة العربية يُعدّ فرصة ثمينة لتمكين الباحثين العرب من فهم هذه النماذج ضمن أطرها النظرية والتطبيقية الصحيحة، وتحليلها نقديًا، مما يُعزز إنتاج سياسات تعليمية أكثر وعيًا وارتباطًا بالسياق المحلي.

بالإضافة لما ذكر، توفر هذه النسخة لأعضاء هيئة التدريس في كليات التربية العربية أساسًا غنيًا وشاملًا لتدريس مناهج البحث والإشراف على الرسائل العلمية، كما تمكنهم من توجيه المقررات متعددة التخصصات في دراسات السياسات والتنمية والتعليم الدولي. أما طلاب الدراسات العليا، لاسيما الساعين للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، فيجدون في الكتاب وضوحًا في التأطير المفاهيمي والخيارات المنهجية، مما يدعم البحوث الأكاديمية الدقيقة التي تنطلق من الحقائق المحلية وتستنير بالمعرفة العالمية. وبالنسبة للباحثين ومستشاري السياسات، يقدّم الكتاب أدواتٍ لفهم الاقتراض التعليمي من الدول الأخرى ونقل السياسات وتحليل أداء النظم التعليمية مع الحفاظ على الحساسية تجاه السياقات الثقافية المختلفة.

كما أؤكد أن هذه النسخة العربية تُسهّل الوصول إلى أدوات ومفاهيم أساسية في التربية المقارنة، وتسهم في معالجةِ فجوةٍ طويلة الأمد في توافر أدبيات عالية الجودة في هذا المجال باللغة العربية. وهي أيضًا دعوة للمجتمع الأكاديمي العربي للمشاركة الفاعلة في الحوارات العالمية، وإنتاج بحوث سياقية تُسهم في المعرفة المحلية والدولية على حد سواء.

وأخيرًا، أود أن أُشيد بالمحررين على قيادتهم العلمية، وبالمترجمين والناشرين على إتاحة هذا العمل المهم للقراء الناطقين بالعربية. وأؤكد أن الطبعة الثانية من كتاب "البحوث التربوية المُقارنة: مناهج وأساليب" تُمثل مرجعًا رائدًا في ميدان التربية المقارنة والبحوث التربوية، إذ لا يُعلّمنا هذا الكتاب كيفية المُقارنة فحسب، بل يدعونا أيضا إلى التفكير النقدي في أغراض المقارنة وأخلاقياتها وتداعياتها. وأنا على ثقة بأن هذه النسخة ستكون مرجعًا دائمًا في منطقتنا، يعزز التفاعل الأعمق مع التربية المقارنة وإمكاناته التحويلية.

مقدمة المترجم

أما قبل..،

حين كنت معيدًا، وقبل تسجيل أطروحتي لنيل درجة الماجستير، كنت أتلقى محاضرات على يد أستاذي الدكتور عبد الفتاح أحمد حجاج، رحمه الله. وكان يبث فينا وقتئذٍ أهمية أن يكون للأكاديمي دورٌ فاعلٌ في الميدان المعرفي الذي ينتمي إليه. وكان يحثّنا على المبادرة منذ ذلك الحين. ومع صدور الطبعة الأولى من كتاب "طرائق ونُهج البحث في التربية المقارنة" –وتحديدًا في عام 2008م– كان يحفزنا على البدء في ترجمة الكتب الأصيلة في التخصص، وقد ضرب لنا مثالًا رائعًا في هذا الصدد؛ فكتاب "مناهج البحث العلمي في التربية وعلم النفس" لفاندلين ترجمه أساتذة بارزون كانوا آنذاك من الأكاديميين الناشئين (معيدين).

ولطالما تمنيت أن أشرع في ترجمة كتاب "طرائق ونُهج البحث في التربية المقارنة"، خاصة مع كونه علامةً فارقةً ومضيئةً تهمُّ كثيرينَ من المتخصصين في ميدان التربية المقارنة. وبدأت بالفعل، ثم توقفت، ثم حاولت أن أشكِّل –بمعاونة زملائي– فريقًا لترجمة هذا العمل، ولكننا لم نبدأ لانخراطنا في استكمال مهامنا البحثية. ولكنني –ومع انخراطي في أطروحتَيَّ للماجستير والدكتوراه– كان يُعاودني ذلك الحلم، الحين بعد الحين، خاصة وأنني عبَرْتُ جنباتِ هذا الكتاب مرارًا وتكرارًا، وعاونني خلال رحلتي البحثية كأحد الأعمدة الرصينة في ميدان التربية المقارنة. وتكوَّنت لديَّ مُسوَدَّات لترجماتٍ لفصولٍ وأجزاءٍ عديدةٍ من هذا الكتاب خاصة مع ظهور طبعته الثانية في عام 2014. وظل هذا الحلم يرافقني إلى أن قَدّم لي الدكتور مارك براي –مؤلف هذا الكتاب– فرصة رائعة، وحثني على ترجمته إلى اللغة العربية، ليُفيد الباحثين. وحقيقة الأمر أنه لن يسع المجال هنا لتقديم جزيل العرفان والشكر إلى دكتور مارك براي على دعمه السديد، ومتابعته الدؤوبة منذ لقائنا الأول، الذي كان حلمًا بالنسبة لي.

أما بعد،

فكتاب "طرائق ونُهج البحث في التربية المقارنة" ليس عملًا علميًا في ميدان التربية المقارنة فحسب؛ وإنما لبنة في جدار هذا الميدان. يمكنك من خلاله تتبُّع مراحل تطوره، والتعمق في قضاياه التي يحتاجها الباحثون التربويون المقارنون في سبر أغوار ميدانهم العلمي، والمضي قدمًا في تحديد ملامحه.

ويتكون الكتاب من (15) فصلًا يجمعها بنيان رائع يجعلها أشبه بفسيفساء لا يمكن نزع جزء منه، فتنقل الباحث في رحلة شائقة للغاية لا يستطيع التوقف عنها؛ ليكمل جزءًا تلو الآخر حتى ينتهي منه.

فالكتاب قدَّم في مقدمته مختصرًا لتطور ميدان التربية المقارنة منذ بزوغه تقديمًا رصينًا، وشرعيته الفكرية بوصفه ميدانًا علميًا، وانتهى بالإسهام القيِّم الذي قدمته الورقة البحثية لبراي وتوماس، وتركيزها على التحليل متعدد المستويات، وضرورته في الدراسات التربوية المقارنة.

وربما كان هذا دافعًا آخر لديّ لترجمة الكتاب؛ فلا يزال الاهتمام الصارخ بالكيانات الجغرافية كبؤرة للاستقصاء المقارن يُميز بحوثنا العربية في ميدان التربية المقارنة، في دعوة للتخلص من هذا، والخروج نحو أفق أوسع لعددٍ من وحدات التحليل الجامعة لاتجاهات المكعب الثلاثة: (الجوانب الجغرافية، والجوانب الديموغرافية، وجوانب التربية والمجتمع).

ويقدم الكتاب –في القسم الأول– ثلاثة فصول، يعرض أولها إطلالةً على الفاعلين والأغراض المتنوعة في الميدان، ثم ينتقل في فصله الثاني إلى إسهامٍ مميزٍ آخر، ليعبر عن موقع ميدان التربية المقارنة كميدان علمي رصين، ويُفرِّق بين الميدان المعرفي والحقل الدراسي. وقد استدعى استعارة رائعة في هذا الصدد، استقاها من تحليله لكتاب قدمه كلٌ من توني بيشر، وبول تراولر –الصادر في عام 2001م– موضحًا التحولات الجيومورفولوجية في ميدان التربية المقارنة.

وينقلنا الفصل الثالث من الكتاب إلى هدف آخر، صرنا نُوصي الباحثين في الآونة الأخيرة بتحقيقه، والممثَّل في تطبيق المقاربات النوعية والكمية في الدراسات التربوية المقارنة، ليوضح الفصل، في تناغم مثير للاهتمام، كيف دُرست قضية واحدة (محو الأمية)، من خلال المقاربات بشقيها: النوعي والكمي، وأثرها في تبيان الظاهرة المدروسة.

وينتقل الكتاب في قسمه الثاني –والذي يشكل الشطر الأكبر– إلى تناول عددٍ من وحدات التحليل التي يمكن أن تكون محورًا لبحوث التربية المقارنة، ويبدأ بالوحدة الأشهر والأكثر ذيوعًا (الأماكن)، ثم ينتقل منها إلى وحدة (مقارنة الأنظمة التعليمية)، واللتان يصعب الفصل بينهما في بحوثنا العربية. وينتقل بعدها إلى الفصول المتعلقة بالوحدات الأخرى: مثل الأزمنة والعرق والطبقة الاجتماعية والنوع الاجتماعي والقيم والسياسات والمناهج والإبداعات التربوية وطرائق التعلم والإنجازات التربوية، ليبين في كل منها كيف يمكن استخدام هذه الوحدات في الدراسات التربوية المقارنة. كما حوى هذا العرض في جنباته تبيانًا واضحًا لنمو ميدان التربية المقارنة وتطوره، وتجدد محتواه العلمي؛ مما يوجب ضرورته كأحد الميادين العلمية التربوية الرصينة.

ويقدم القسم الأخير فصلًا استنتاجيًا، عرض مؤلفوه بتدقيقٍ بالغٍ كيف رُتِّبت تلك الفصول معًا لتشكل فسيفساء فائقة التدقيق، تنقل لباحثي التربية المقارنة والمعنيين بها طبيعة واهتمامات بحوث ميداننا المعرفي.

ولا يمكن في هذا الصدد إخفاء حقيقة أنني حين شرعت في ترجمة هذا الكتاب، كنتُ مدفوعة بالرغبة في تقديم إجابات عن أسئلة كثيرة تثير انتباه المتخصصين في الميدان وباحثيه، بشأن تطوره وأهمية تحليل الدراسات التربوية المقارنة، وتبيان كيف يمكن إجراء بحوث تربوية مقارنة تحوي تحليلات متعددة المستويات لوحدات عديدة ثرية تنبئ عن ثراء ميداننا المعرفي.

غير أنه قد بزغت لديَّ العديدُ من التساؤلات بانتهاء ترجمتي لهذا الكتاب، والتي تحرك شغف الباحث وتفتح له آفاقًا واسعةً للبحث والتدقيق الدؤوبين لمواصلة العمل في هذا الميدان.

وأخيرًا، فالكمالُ للهِ وحدَه، إليهِ يرجعُ الأمرُ كلهُ، هو نِعْمَ المولى ونِعْمَ النصيرِ، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدَ للهِ ربِّ العالمينَ.

المترجمة

حنان محمود عبد الرحيم

إهداء

أُهدي هذا العمل

إلى أمي، وكفى بها نعمة منحني الله إياها؛ فاللهَ أسألُ أن يمتِّعَها اللهُ بموفورِ الصحةِ والعافيةِ، وجعلَ أنفاسِي –قبلَ أعمالِي– في ميزانِ حسناتِها.

كما أهديه لدكتور مارك براي، امتنانًا لدعمه السديد وعطائه الدائم.

وكذلك لأساتذتي الأجِلَّاء وأصحابِ الفضلِ عليَّ، البازغين في الصورة، والكامنين بقوةِ إخلاصِهِم خلفها.

خالصُ الشكرِ والتقديرِ لهم جميعًا

مقدمة

شكّلت النهج والطرائق المنهجية اهتمامًا رئيسًا في ميدان التربية المقارنة منذ نشأته بوصفه ميدانًا علميًا مستقلًا، إذ شهدت كل حقبة تركيزًا مختلفًا، بينما حمل القرن الحادي والعشرون رؤى جديدة، وأدوات متطوّرة، ومنصات موسّعة للتبادل العلمي، منها ما ارتبط بتأثيرات العولمة وتحوّلات دور الدولة، ومنها ما تمثّل في تطور تكنولوجيا المعلومات ووسائل النقل، فضلًا عن الوسائط الجديدة للنشر الأكاديمي مثل الإنترنت والمجلات الإلكترونية.

ترسم هذه المقدمة إطارًا تمهيديًا للكتاب، وتبدأ بمنظورات تاريخية تسلط الضوء على بعض الأعمال في الميدان، مع الإشارة إلى التحولات التي شهدها هذا الميدان عبر الزمن، وتركّز بشكل خاص على إسهامات الأكاديميين باعتبارها محور اهتمام هذا الكتاب، ثم تنتقل إلى ملامح القرن الحادي والعشرين وما يتصل به من ديناميات ناشئة وتحوّلات في محاور التركيز، وتختتم بعرض محتويات الكتاب واستجلاء أبرز سماته وإسهاماته.

بعض المنظورات التاريخية

أكّد (جورج بيرداي) في مستهلّ عمله الراسخ الطريقة المقارن في التعليم (1964، ص 7) أنّ التربية المقارنة انطلقت نحو المرحلة الثالثة من تطوّرها المنهجي، وبيّن أن المرحلة الأولى امتدت على مدار القرن التاسع عشر، وبدأت عام 1817 مع (مارك أنطوان جوليان دي باريس) الذي يُعدّ أول مُربٍّ مقارن فكر بطريقة علمية، واصفًا تلك المرحلة بمرحلة الاستعارة، إذ ركّزت على جمع بيانات وصفية منظّمة، أعقبها إجراء مقارنات بهدف إتاحة أفضل الممارسات المعتمدة في أحد البلدان لنقلها إلى بلدان أخرى.

وصف (بيرداي) المرحلة الثانية من تطوّر التربية المقارنة بأنها امتدت خلال النصف الأول من القرن العشرين، وفرضت إدراج مرحلة تحضيرية تسبق تبنّي أي نظام تعليمي خارجي، وقد أسّسها (السير مايكل سادلر) في المملكة المتحدة، مؤكدًا أن نظم التعليم تتشكّل ضمن سياقات اجتماعية معقّدة، كما يظهر في عمله الصادر عام 1900، ثم تبِعه علماء عديدون أوردهم (بيرداي)، منهم (فريدريش شنايدر) و(فرانز هيلكر) في ألمانيا، و(إسحق كاندل) و(روبرت أوليش) في الولايات المتحدة، و(نيكولاس هانز) و(جوزيف لاوريس) في المملكة المتحدة، و(بيدرو روسيّو) في سويسرا، وقد أولوا جميعًا مزيدًا من الاهتمام للقوى المجتمعية الكامنة خلف الظواهر التربوية. وأطلق (بيرداي) على هذه المرحلة اسم "مرحلة التنبؤ".

وصَف (بيرداي) المرحلة الثالثة بمرحلة التحليل، مبيّنًا أنها ترتكز على "تطوّر النظرية والطرائق، وصياغة واضحة لخطوات الإجراءات المقارنة والوسائل التي تساهم في توسيع الرؤية"، كما بيّن (بيرداي) لاحقًا في كتابه (1964، ص 9) أن هذه المرحلة التاريخية الجديدة تمثّل استمرارًا للخط الفكري لمرحلة التنبؤ، لكنها تفترض أنه "قبل الشروع في التنبؤ أو الاستعارة، لابد من تنظيم هذا الميدان تنظيمًا منهجيًا يُتيح الكشف عن المشهد الكامل للممارسات التعليمية الوطنية"، وقد أسهم كتاب (بيرداي) نفسه إسهامًا كبيرًا في ترسيخ هذا التوجّه التحليلي، ولا يزال يُعدّ من القراءات الأساسية في كثير من المقررات الدراسية المتخصصة في التربية المقارنة، ولا يزال يحمل في طيّاته الكثير ممّا يمكن الاستفادة منه، بل إن أحد المشاركين في هذا الكتاب (مانزون – الفصل الرابع) بدأت عملها بتحليل طريقة (بيرداي) ذات الخطوات الأربع للتحليل المقارن.

لم يحظَ التصنيف الزمني الذي طرحه (بيرداي) آنذاك بقبول مطلق في الأوساط الأكاديمية، فبينما قبله بعض الباحثين، شكّك آخرون في منطق الترتيب الزمني للمراحل، ولم يتفقوا على أن مرحلة التنبؤ أزاحت مرحلة الاستعارة، أو أن التحليل حلّ محل التنبؤ في تطوّر التربية المقارنة.

قُدمت ملاحظات مماثلة حول المراحل الخمس لتطوّر ميدان التربية المقارنة في عام 1969، في عمل راسخ في الأدبيات التربوية بعنوان نحو علم للتربية المقارنة لـ(نوا) و(إكشتاين) (1969، ص 3–7)، فقد مثّلت المرحلة الأولى ما عُرف بـ"حكايات الرحّالة"، وفيها قدّم هواةٌ معلومات عن طرائق تربية الأطفال في بلدان أجنبية ضمن أوصاف أوسع للمؤسسات والممارسات السائدة هناك، تلتها المرحلة الثانية التي برزت مع مطلع القرن التاسع عشر وتمثّلت في الاستعارة التربوية، ثم المرحلة الثالثة التي تمحورت حول تقديم أعمال موسوعية عن نظم التعليم في الدول الأجنبية بهدف تعزيز الفهم الدولي، وأشار (نوا) و(إكشتاين) (ص 4) إلى أن مطلع القرن العشرين شهد ظهور مرحلتين إضافيتين، انشغلت كلتاهما بمحاولة تفسير التنوّع الواسع في الظواهر التعليمية والاجتماعية حول العالم، حيث سعت المرحلة الأولى إلى تحديد القوى والعوامل التي تؤثر في تشكيل النظم التعليمية الوطنية، في حين أُطلق على الثانية اسم "مرحلة التفسير بالعلوم الاجتماعية"، وفيها تُستخدم الطرائق الكمية والتجريبية المستندة إلى الاقتصاد والعلوم السياسية وعلم الاجتماع لتوضيح العلاقات بين التعليم والمجتمع.

أجمع كثير من الباحثين على فائدة هذا التصنيف الزمني، لكن القبول بفكرة المراحل المتتابعة التي تحلّ كل واحدة منها محل التي سبقتها لم يكن بنفس القدر. أوضح (نوا) و(إكشتاين) (ص 4) أن هذا التصنيف لا يفترض وجود فواصل زمنية حادّة بين المراحل، وأن كل نمط من أنماط العمل في التربية المقارنة لا يزال قائمًا ويمكن رصده في الأدبيات المعاصرة. ومع ذلك، بدا واضحًا أن الطرح التاريخي للمراحل طغى على هذا التوضيح، إذ منحت طريقتهم في العرض وزنًا أكبر لتعاقب الفترات من التركيز على التداخل بينها. ومن منظور أكثر نضجًا بعد مرور عقود، يتّضح أن الفئات الخمس ما زالت حاضرة بقوة في الأدبيات، بل يرى بعض الباحثين أنها تشكّل مراحل متمايزة في تطوّرهم المهني، ينتقلون فيها من تصورات أولية إلى تحليلات أكثر عمقًا، بينما يظلّ هذا الميدان في مجمله انتقائيًا، ومتباينًا في النهج، ودرجة التعقيد.

شهد ميدان التربية المقارنة، مع صدور هذين الكتابين وما تبعهما من أعمال خلال ستينيات القرن العشرين (مثل: (كينغ) 1964، و(بريستو) و(هولمز) 1968)، انطلاقة مرحلة من الجدل المعمّق حول المنهجية، غير أن هذا الجدل لم يُخض بالوتيرة نفسها في مختلف أنحاء العالم، إذ اتّخذت النقاشات في الدول الناطقة بالإنجليزية مسارًا مغايرًا لما شهدته البيئات الناطقة بالعربية أو الروسية أو الصينية (بن حميدة 1990، جورينسكي 1998، وانغ 1998). وأسهم البحث التربوي في السياق الإنجليزي في توجيه هذا النقاش، ما يضعه في صلب التحوّلات التي شهدها هذا الميدان. وتحوّلت اللغة الإنجليزية منذ تلك المرحلة إلى وسيلة للتواصل الأكاديمي جمعت باحثين من خلفيات لغوية متعدّدة، وازداد حضورها بمرور الوقت حتى أصبحت من أبرز لغات الخطاب العلمي في هذا الميدان. وبرز في هذا السياق عمل مهم باللغة الإنجليزية نجم عن اجتماع نُظّم عام 1971 في معهد اليونسكو للتربية بمدينة (هامبورغ) في ألمانيا، أشرف عليه (تيتسويا كوبايشي)، وهو باحث ياباني مرموق في التربية المقارنة وكان يشغل آنذاك منصب مدير المعهد، وضمّ الاجتماع مشاركين من ألمانيا وفرنسا وإسرائيل وبولندا والسويد وسويسرا، إلى جانب مشاركين من دول ناطقة بالإنجليزية مثل كندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

أثمر ذلك اللقاء عن إصدار كتاب بعنوان الطرائق ذات الصلة في التربية المقارنة (إدواردز وآخرون 1973)، وهو عمل لا يكتفي بعرض الجدل المنهجي الذي شهده الميدان في تلك المرحلة، بل يُعد أيضًا من العلامات البارزة في مسار تطوّره. وقد تضمّن هذا الكتاب جملة من المواقف النقدية، من أبرزها ما عبّر عنه (باربر) (1973، ص 57) حين هاجم مفهوم "علم التربية المقارنة" كما قدّمه (نوا) و(إكشتاين)، واعتبره طرحًا مفرطًا في النزعة الوضعية ومقيّدًا بأساليب تحكّمية صارمة، في حين أشار (هولز) (1973، ص 119) إلى أن المتخصصين في هذا الميدان يواجهون ارتباكًا في تحديد هويتهم المعرفية بسبب تعدّد التصنيفات المرتبطة بهم، مثل: "الاستقرائي"، و"حل المشكلات"، و"الكمّي". أما (نونان) (1973، ص 199) فقد جادل لصالح النموذج الإرشادي البديل الذي تمثّله الأعمال الناشئة للرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA).

برز هذا التنوع أيضًا في العدد الخاص الذي أصدرته المجلة الأمريكية مراجعة التربية المقارنة (Comparative Education Review) عام 1977 بعنوان "حال الميدان" (المجلد 21، العددان 2 و3)، والعدد الخاص الموازي من المجلة البريطانية التربية المقارنة (Comparative Education) بعنوان "التربية المقارنة: حالتها الراهنة وآفاقها المستقبلية" (المجلد 13، العدد 2، 1977). ويُحتمل أن يكون محرّرو المجلة البريطانية قد وافقوا على ما ورد في مقدّمة محرري المجلة الأمريكية (كازاميس وشوارتز 1977، ص 151).

هناك شكوك حول طبيعة التربية المقارنة وحدودها وقيمتها العلمية، بدأت تُسمع في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي شهدت بدايات السعي لترسيخها باعتبارها ميدانًا دراسيًا يتمتع بمكانة أكاديمية. حتى ذلك الوقت كان من الممكن التعرف على شخصيات مرجعية يُنظر إليها بصفتها مصدرًا موثوقًا، إلى جانب أعمال مكتوبة عرّفت التربية المقارنة وحدّدت ملامحها ونسّقت موضوعاتها. من أبرز تلك الأسماء (آي. إل. كاندل) من خلال كتابيه التربية المقارنة (1933) والعصر الجديد في التربية (1955)، و(نيكولاس هانز) في كتابه التربية المقارنة: دراسة في العوامل والتقاليد التربوية (1949). أمّا اليوم، فلم يعد ممكنًا الحديث عن جسم داخلي متسق من المعرفة، أو مبادئ وقواعد بحثية متفق عليها بين المهتمين بهذا الميدان، بل نجد أطيافًا متعددة من الفِكَر والنظريات والاتجاهات، لا ترتبط بالضرورة ببعضها البعض.

وبعد عقد من إصدار ذلك العدد، صدرت مجموعة متابعة من المقالات التي نُشرت في المجلة الأمريكية مراجعة التربية المقارنة (Comparative Education Review) منذ عدد "حال الميدان" عام 1977، وأشارت تلك المجموعة إلى أنّ الميدان اتسع نطاقه أكثر فأكثر. وقد لاحظ المحرّران (ألتباخ وكَلي 1986، ص 1) ما يلي:

لا توجد منهجية واحدة للدراسة في هذا الميدان، بل باتت سِمته البارزة تنوّع التوجهات البحثية وتعدّدها. ولم تَعُد هناك محاولات لتحديد منهجية موحّدة للتربية المقارنة، كما لا يجادل أيًّا من العلماء المساهمين في الميدان في إمكان تطوير منهج واحد حتى يتحول إلى قانون معتمد.

طرحت (ماسمان 1986) في هذا الكتاب دفاعًا عن المنهج الإثنوغرافي النقدي، وركّز (ثايسن وآخرون 1986) على قصور الدراسات المقارنة في قياس التحصيل الدراسي عبر الدول، في حين ناقش (إبستين 1986) الأيديولوجيا في التربية المقارنة تحت عنوان: "تيارات من اليسار واليمين". أما الفصل الختامي الذي أعدّه المحرّران (كيلي وألتباخ 1986، ص 310) فقد أكّد أن ثمة أربعة أنماط من التحديات بدأت تبرز في وجه التقاليد البحثية الراسخة.

أورد المحرّران (ألْتبخ وكيلي 1986، ص 1) أن البحوث المقارنة بدأت تتناول الفروقات داخل البلد الواحد إلى جانب المقارنات العابرة للحدود، لكن الكتاب لم يقدّم ما يدعم هذا الطرح بأمثلة واضحة، فرغم أن هذا التوجّه اكتسب حضورًا أوسع في التسعينيات وما بعدها، وقد وردت بعض الإشارات إليه في هذا الكتاب، إلا أنه لم يكن من سمات مرحلة الثمانينيات أو الفترات التي سبقتها.

رؤى وتحوّلات في القرن الجديد

نشرت مجلة التربية المقارنة (Comparative Education) الصادرة في المملكة المتحدة عددًا خاصًا في عام 2000 بعنوان "التربية المقارنة في القرن الحادي والعشرين" (المجلد 36، العدد 3)، وتناول تطوّر هذا الميدان منذ عدد عام 1977 المُشار إليه، وافتُتِح ذلك العدد بمقالة كتبها (كروسلي) و(جارفيس) أشارا فيها إلى أن (2000، ص 261):

برزت أهمية الحفاظ على الاستمرارية مع الماضي بوصفها إحدى القضايا المحورية في مقالات ذلك العدد، وتردّدت في كثير من المساهمات قضايا أساسية طُرحت في عام 1977 ولا تزال تحافظ على راهنيتها، ومن أبرزها: الطابع المتعدد التخصصات للميدان وقابليته للتطبيق العملي، وتعقيدات هذا النوع من الدراسات، ومخاطر إساءة توظيف النتائج، وأهمية التحليل النظري والانضباط المنهجي، إضافةً إلى الإمكانات المرتبطة بصياغة السياسات – وهي إمكانات كثيرًا ما أُسيء فهمها أو لم تتحقق فعليًا – فضلًا عن استمرار مركزية مفهومي السياق الثقافي والنقل التربوي للميدان بأكمله.

أشار (كروسلي) و(جارفيس) في الوقت ذاته إلى أن العالم قد شهد تغيّرات جذرية، وبيّنا في الموضع نفسه (2000، ص 261) أن معظم المساهمين في العدد الخاص لعام 2000 نظروا إلى مستقبل التربية المقارنة بنظرة أكثر تفاؤلًا لكنها أكثر تعقيدًا أيضًا مقارنةً بما كان عليه الحال في عام 1977، وأرجعوا ذلك إلى تداخل مجموعة من العوامل، وبشكل خاص إلى:

النمو المتسارع في البحوث المقارنة الدولية وتوسّع نطاق الاهتمام بها، إلى جانب التطورات في تقنيات الاتصال والمعلومات، وتزايد الوعي بالبُعد الثقافي في التعليم، وما فرضته العولمة من تأثير متزايد على جميع أوجه المجتمع والسياسات الاجتماعية في مختلف أنحاء العالم.

وقد أصبحت هذه العوامل أكثر تأثيرًا، ولا يزال هذا المسار مستمرًا حتى العقد الحالي.

أدّى الانتشار المتسارع للتكنولوجيا إلى تحسين كبير في الوصول إلى المواد العلمية، ورغم استمرار المخاوف من "الفجوة الرقمية"، فقد خفّف ذلك من حدة التحديات التي يواجهها الباحثون في المناطق البعيدة عن المكتبات ومصادر البيانات. كما أشار (ويلسون) (2003، ص 30):

غيّرت مواقع الإنترنت التابعة للمنظمات الدولية والهيئات الإحصائية الوطنية طريقة إنجاز البحوث الأساسية في هذا الميدان تغييرًا جذريًا، وأسهم تطوّر محركات البحث على الشبكة في تعزيز قدراتنا البحثية.

وسّعت التكنولوجيا نطاق تأثير التربية المقارنة، وأتاحت نتائج الباحثين وتحليلاتهم لجمهور أوسع من أي وقت مضى عبر المجلات الإلكترونية والمواقع وسائر الوسائط الرقمية، غير أن الإنترنت فرض تحديات موازية، ومن أبرزها التركيز على اللغة الإنجليزية، مما أسهم في ترسيخ هيمنتها (موهوبي 2005؛ تيتزه وديك 2013).

شهدت مراكز الثقل المعرفي في العالم تحوّلات لافتة، ويُعتبر عادةً أن الجذور الرئيسة لهذا الميدان تكمن في غرب أوروبا، قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة، ثم إلى مناطق أخرى من العالم حيث غدت مجالًا بحثيًا معترفًا به (مانزون 2011). وقد اتّخذت الأنماط الآسيوية في العصر الراهن منحًى لافتًا، حيث تمتلك اليابان وكوريا جمعيتين وطنيتين للتربية المقارنة منذ ستينيات القرن العشرين، كما ظهرت في السنوات اللاحقة جمعيات ناشئة في الصين القارية، وهونغ كونغ، وتايوان، والفلبين. وبدأت القارة الآسيوية تحظى منذ عام 1995 بجمعية إقليمية تُعنى بالتربية المقارنة (موشيدا 2007)، واتّسم نموّ النشاط في الصين وهونغ كونغ بوضوح لافت (براي وجوي 2007؛ مانزون 2013)، ما أتاح بروز رؤى جديدة تعكس تعدّد التقاليد العلمية وتنوّع الأولويات الاجتماعية.

أشار (كروسلي) و(جارفيس) في العدد الخاص الذي صدر بمناسبة دخول الألفية الجديدة من مجلة التربية المقارنة (Comparative Education) (2000، ص 263) إلى أن الميدان بات يشهد توجهات جديدة تشمل قضايا معرفية حديثة، وإمكانيات أوسع للتحليل متعدد المستويات، بما في ذلك المقارنات العالمية، والدولية، وعلى المستوى المصغر. وقد توسّع (كروسلي) في تناول هذه الرؤية من خلال ورقته البحثية الفردية المنشورة ضمن العدد نفسه (2000، ص 328) حيث أوضح أن:

رغم تزايد الجهود الرامية إلى تعزيز البحوث الميدانية النوعية الدقيقة، والدراسات الإقليمية، ما تزال الدولة القومية الإطار المُهيمن في أغلب الأعمال المنشورة، ولا تزال المقارنات متعددة المستويات تحظى باهتمام محدود ولم تُطرح بصورة صريحة إلا نادرًا.

سلّط (كروسلي) الضوء على ورقة بحثية نشرها كل من (براي) و(توماس) عام 1995، شدّدت على قيمة التحليل متعدد المستويات، وأوصى بمنحها اهتمامًا أكبر. وقد ارتكزت الورقة البحثية على مجسّم مكعّب يوضّح أبعاد المقارنة ومستوياتها. وتشير عدّة فصول من هذا الكتاب صراحةً إلى هذه الورقة البحثية، بل تشكّل في كثير من المواضع محورًا رئيسًا في بنية الكتاب. أما الفصل الختامي، فيُعيد تناول المكعّب ويعيد تقييمه في ضوء إسهامات الكتّاب المشاركين في هذا العمل.

شكّل صدور الدليل الدولي في التربية المقارنة (كووين وكازامياس 2009أ) مَعلَمًا مُهمًا آخر في الأدبيات التربوية، وقد جاء هذا العمل في مجلدين ضخمين يضمان ثمانين فصلًا. خصّص المحرّرون الجزء الأول للمواد ذات الطابع التاريخي، وركّزوا في الجزء الثاني على القضايا المستجدة. وأكّدوا في المقدمة التحريرية للدليل (كووين وكازامياس 2009ب، ص 4) أن:

يُبيّن المجلدان أن مفهوم "التربية المقارنة الجيدة" قد تغيّر بمرور الزمن، ويُحلّلان تحوّلات الأجندات الأكاديمية، وتبدّل زوايا التركيز، وتنوّع اللغات المعرفية التي صيغ بها هذا الميدان. كما يطرحان تساؤلات جوهرية عن دوافع هذا التحوّل: لماذا تحدث تلك التحوّلات؟ ولماذا تغيّر التربية المقارنة اهتماماتها المعرفية، وصورتها عن العالم، وطموحاتها في التأثير فيه؟ ويُوضّحان كيف تستجيب التربية المقارنة للتقلّبات السياسية والاقتصادية في الواقع العالمي، فضلًا عن التيارات الفكرية التي تهيمن في أزمنة وأماكن معيّنة.

تضمّن الجزء الثاني من الكتاب قسمًا محوريًا خُصِّص لتحليل ما بعد الاستعمار، وقسمًا آخر تناول الثقافة والمعرفة وأساليب التعليم. اشتمل القسم الأول على فصول تناولت المناهج الدراسية، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، بينما تطرّق القسم الثاني إلى الأديان والقيم. أمّا الفصول اللاحقة، فقد تناولت موضوعات مثل رسم خرائط التربية المقارنة، والدراسات بين الثقافات، وأهمية السياق، ووحدة الأفكار في التربية المقارنة. لم تسعَ صفحات المجلّدين لاحتواء الميدان برمّته، وهو ما أشار إليه المحرّران بوضوح في خاتمة العمل (كوين وكازامياس 2009ج، ص 1295):

ليس الهدف من هذا الدليل تجميد ميدان التربية المقارنة أو فرض معايير ثابتة عليه، بل إعادة طرحه وتوسيع أفق التفكير فيه؛ فثمّة رؤى ومناهج جديدة لم يتطرق إليها هذا العمل، لكنها حتمًا ستتبلور لاحقًا.

من بين غايات هذا الكتاب أن يُقدّم للباحثين من الأجيال الجديدة ما يُمكّنهم من توسيع حدود المعرفة واستكشاف مسارات لم تكن مطروحة في السابق.

مكعّب التحليل المقارن (براي وتوماس)

يعرض الشكل 0.1 النموذج الذي قدّمه (براي) و(توماس) في ورقتهما البحثية المنشورة عام 1995 (ص 475)، بعنوان: "مستويات المقارنة في الدراسات التربوية: رؤى متعددة من أدبيات مختلفة وقيمة التحليل متعدد المستويات". بدأت الورقة بالإشارة إلى أنّ الميادين المختلفة التي تندرج تحت مظلّة الدراسات التربوية الكبرى تُولي اهتمامًا متفاوتًا بالجوانب المنهجية والمفاهيمية، وأنّ مستوى التفاعل والتبادل المعرفي بينها ظلّ محدودًا نسبيًا. فقد هيمنت المقارنات عبر الدول على ميدان التربية المقارنة، بينما لم تُستخدم المقارنات داخل الدولة إلا بدرجة محدودة. وقد ركّزت العديد من التخصّصات التربوية الأخرى على الأبعاد المحليّة، ولم تستفد من الرؤى التي يمكن أن تتيحها الدراسات الدولية المقارنة. وقد نبّهت الورقة البحثية إلى أنّ ميدان التربية المقارنة، رغم هيمنة الطابع العابر للحدود عليه، إلّا أنّ معظم التخصّصات الأخرى كانت تفتقر إلى مثل هذا المنظور. واقترح الكاتبان أن بناء علاقات معرفية أوثق بين هذه التخصّصات من شأنه أن يعود بالنفع على جميعها.

الشكل 0.1: إطار لتحليلات التربية المقارنة

image

المصدر: (براي وتوماس 1995، ص 475)

تتضمن الواجهة الأمامية للمكعب سبعة مستويات مكانية تُستخدم في المقارنة، تبدأ من النطاق العالمي (الأقاليم أو القارات)، ثم الدول، فالولايات / المقاطعات، فالأحياء أو المناطق، ثم المدارس، تليها الفصول الدراسية، وأخيرًا الأفراد. أما البُعد الثاني فيتعلق بالفئات السكانية غير المرتبطة بموقع جغرافي، مثل الانتماء العِرقي أو الفئة العمرية أو الدينية أو النوع الاجتماعي وغيرها، إضافة إلى عموم السكان. ويتناول البُعد الثالث جوانب التعليم والمجتمع مثل: المناهج الدراسية، وطرائق التدريس، والتمويل، والهياكل التنظيمية، والتغير السياسي، وسوق العمل. كثير من الدراسات المقارنة الصريحة تجمع بين هذه الأبعاد الثلاثة معًا، ويمكن تمثيلها داخل الخلايا المناظرة في الرسم التخطيطي. فعلى سبيل المثال، تشير الخلية المظللة في الشكل 0.1 إلى دراسة مقارنة للمناهج الدراسية التي تُطبَّق على مجموعات سكانية في مقاطعتين أو أكثر.

تشير مقالة براي وتوماس إلى نقطة محورية تتمثل في دعوتهما لاعتماد التحليلات متعددة المستويات في الدراسات المقارنة، بهدف الوصول إلى فهم أشمل وأعمق للظواهر التربوية. وقد أشار المؤلفان إلى أن كثيرًا من البحوث بقيت حبيسة مستوى واحد من التحليل، ممّا يحول دون إدراك كيفية تأثّر الأنماط السائدة في المستويات الدنيا من النظم التعليمية بما يجري على المستويات العليا، والعكس صحيح. ورغم أن الباحثين قد يُضطرون في أحيان كثيرة إلى الاقتصار على مستوى واحد من التحليل، نظرًا لقيود ترتبط بالأهداف أو الموارد المتاحة، فقد اقترح براي وتوماس ضرورة أن يكون الباحثون واعين بحدود تركيزهم، ومدركين لتأثير المستويات الأخرى في الظواهر التربوية قيد الدراسة.

لقد حظي الإطار التحليلي الذي قدّمه براي وتوماس باقتباسات واسعة، سواء في المؤلفات المرتبطة صراحة بميدان التربية المقارنة (مثل: أرنوف [2001، 2013]؛ فيليبس وشفايسفورث [2008]؛ واتسون [2012]؛ بروك وألكسيادو [2013]) أو في الأخرى الأوسع نطاقًا (مثل: بالانتين [2001]؛ وينزر ومازوريك [2012]). وقد اعتُبِر هذا الإطار عمومًا ذا فائدة كبيرة، وسعى بعض الباحثين إلى تطويره من خلال توضيح ما كان ضمنيًا فيه. فعلى سبيل المثال، أشار واتسون (1998، ص 23) إلى تصنيف بديل للدول والمجتمعات يعتمد على الدين والخلفية الاستعمارية. وتُجسّد مثل هذه التصنيفات البديلة ضمنيًا في بُعد "الفئات السكانية غير المرتبطة بالموقع الجغرافي" في الإطار، لكن بدلًا من وصفه بأنه "غير مكاني"، قد يكون أدق تسميته "متعدد المواقع" أو "متعدد الأقاليم". ويستند الفصل الختامي من هذا الكتاب إلى الفصول الأخرى في مناقشة السبل التي يمكن من خلالها تطوير هذا الإطار وتعزيزه، بهدف توسيع الفهم النظري في ميدان التربية المقارنة.

سمات الكتاب

رُغم الإشارة سابقًا إلى بعض الجوانب المميزة لهذا الكتاب، إلا أنها تستدعي مزيدًا من التوضيح، بما يُمكّن القارئ من فهم السياق الذي أُعدّ فيه، وتقدير الإسهامات التي يُقدّمها.

وبالعودة إلى النقطة المتعلقة بـتحوّل مراكز الثقل، يُمثّل هذا الكتاب أحد تجليات تصاعد دور الدراسات المقارنة في شرق آسيا؛ إذ إن جميع المشاركين في إعداد فصوله يرتبطون، بشكل أو بآخر، بـمركز أبحاث التربية المقارنة (CERC) التابع لجامعة هونغ كونغ.

تولّى المحررون الثلاثة إدارة المركز في فترات مختلفة، كما أن غالبية المساهمين كانوا من أعضاء الهيئة الأكاديمية في المركز أو من طلابه الباحثين، في حين أن البقية كانوا قد زاروا المركز لفترات متفاوتة. ولهذا، يميل الكتاب جزئيًا إلى المنظور الشرق آسيوي. غير أن جميع المؤلفين عمدوا أيضًا إلى استحضار أمثلة ومواد من مناطق متعددة حول العالم، ما يجعل الكتاب ذا بُعد عالمي في رسائله وارتباطه بالموضوع.

تكمن السمة الثانية في التنوع بين الفصول التحليلية المحايدة وتلك الشخصية. فقد سعى بعض المؤلفين إلى عرض وجهات نظرهم بطريقة موضوعية ومحايدة، في حين اختار آخرون الكتابة من منظور ذاتي، بل وسير ذاتية أحيانًا. ويمكن القول إن كلا الأسلوبين يُسهم بطريقة مثمرة، لا سيّما في ميدان مثل التربية المقارنة، حيث تكون تجارب المحللين ومنظوراتهم ذات دلالة كبيرة. ويأتي هذا النهج امتدادًا لتقليدٍ درج فيه الباحثون على سرد تجاربهم المهنية، وكيف أثّرت ظروفهم الشخصية في تشكيل تفكيرهم لاحقًا حول هذا الميدان (مثل بوستلثويت 1999؛ جونز 2002؛ هايهو 2004؛ كليس 2008؛ سلطانة 2009). ويوضح هذا الأسلوب كيف يمكن للبحث الأكاديمي أن يتطور داخل المسارات المهنية لأفراد بعينهم، ويُشير إلى أن الخيارات المنهجية التي يتبناها الباحثون تتأثر بظروفهم الشخصية إلى جانب المعايير الأكاديمية.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام رئيسة، يبدأ أولها بمجموعة من الفصول التي تتناول طبيعة الميدان وتناقش أبعاده المفاهيمية. يستعرض الفصل الأول الأغراض الرئيسة لإجراء البحوث في التربية المقارنة، مشيرًا إلى تنوّع الرؤى التي يتبناها المعنيون بهذا النوع من البحوث. أما الفصل الثاني، فيسلط الضوء على الصلات بين التربية المقارنة ومجالات بحثية أخرى، سواء في إطار الدراسات التربوية الواسعة أو في ميادين علمية متداخلة. ويقارن الفصل الثالث بين المقاربات الكمية والنوعية، مُبرزًا مزايا كلٍّ منهما وحدوده، من خلال التركيز على دراسات محو الأمية بوصفها نموذجًا تطبيقيًا.

يتناول القسم الثاني وحدات تحليلية بعينها، ويُعدّ الأطول في الكتاب، بل ويشكّل جوهره الأساسي. تتوفّر في هذا الميدان أمثلة وفيرة لدراسات مقارنة لكل واحدة من هذه الوحدات التحليلية، غير أنّه من النادر أن يعكف الأكاديميون بجدية على فحص مواطن القوة والقصور في مقارباتهم. تُبرز الفصول المختلفة جوانب متعددة لتناول موضوعاتها كلٌّ على حدة، فيما تتكامل هذه الفصول معًا لتُشكّل لوحة فسيفسائية تعبّر عن جزء كبير من الميدان بأسره. وقد تناول أحد عشر فصلًا طيفًا واسعًا من وحدات المقارنة، بدءًا بالمواقع الجغرافية وانتهاءً بالإنجازات التعليمية.

يعالج القسم الختامي الرؤية العامة للميدان، فيرصد جوانب من التنوع المستمر، إلى جانب الاتجاهات والقضايا التي أضحت أكثر وضوحًا. وتُناقش الفصول الختامية بعض الدروس المستفادة من مقارنة المقاربات والطرائق في بحوث التربية المقارنة.

شكّل إعداد الطبعة الأولى من هذا الكتاب جهدًا جماعيًا واسع النطاق تطلّب قدرًا كبيرًا من التنسيق، وهو ما تكرر في إعداد الطبعة الثانية. وقد استفادت التحديثات والتحسينات التحليلية من مساهمات الطلاب والباحثين من مختلف أنحاء العالم. قُدّمت معظم فصول الكتاب في مؤتمرات وندوات علمية نظمتها (CERC) في جامعة هونغ كونغ. ويأمل المحررون والمساهمون أن يجد القرّاء في هذا الكتاب ما يثير اهتمامهم ويحفّزهم، تمامًا كما كانت الحال أثناء إعداده. وفي الوقت نفسه، كما اعتُبرت الطبعة الأولى محطةً في المسار المتواصل لتطوّر هذا الميدان، ينظر المحررون إلى الطبعة الثانية على أنها امتداد طبيعي لهذا المسار. ولا شك أن الميدان لا يزال زاخرًا بأبعاد عديدة ينبغي استكشافها وتطويرها.

الفصل الأول

الجهات المؤثرة في التربية المقارنة وغاياتها

تعتمد طبيعة أي دراسة مقارنة في التربية على الأغراض التي أُجريت من أجلها، وهوية الأشخاص القائمين عليه. ويستهل هذا الفصل الأول بالإشارة إلى الفئات المختلفة من الأفراد الذين يباشرون دراسات التربية المقارنة، ثم يركّز على ثلاث مجموعات منهم: صانعي السياسات، والوكالات الدولية، والأكاديميين. ورغم أن هذا الكتاب يُعنى أساسًا بالمجموعة الأخيرة، فإن من المفيد التوقف عند أوجه التشابه والاختلاف بين مقاصد الأكاديميين ومناهجهم من جهة، وبين مقاصد المجموعات الأخرى ومناهجها من جهة أخرى.

فاعلون مختلفون، وأغراض مختلفة

تتوزّع الفئات التي تباشر بحوث التربية المقارنة على مجموعة من الأصناف، من أبرزها ما يلي:

عندما يعقد الآباء مقارنات بين الخيارات التعليمية، يكون دافعهم عمليًا بالأساس، ومتصلاً بحاجات أبنائهم المتطورة تبعًا لأعمارهم. فإذا اقترب الأطفال من سنّ الالتحاق برياض الأطفال أو بلغوه، انصرف اهتمام الوالدين إلى تلك المرحلة؛ وإذا حان وقت المدرسة الابتدائية أو التحقوا بها، انتقل تركيزهم إلى المدارس الابتدائية، وهكذا مع سائر المراحل التعليمية. وقد يُجري بعضهم مقارنات دقيقة وفق معايير منتقاة بعناية، إلا أنّ أهدافهم وطرائقهم تختلف في جوهرها عن أهداف غيرهم من الفاعلين، كما أنهم ليسوا محور الاهتمام الرئيس في هذا الكتاب.

يُماثل الممارسون، مثل مديري المدارس والمعلمين، الآباء في بعض الجوانب. فاهتماماتهم لا تتطور عادة بشكل خطي إلى مستويات أعلى من النظام التعليمي مع مرور السنوات، كالتدرّج من رياض الأطفال إلى المرحلة الابتدائية ثم إلى الثانوية الدنيا، بل تبقى مرتبطة في الغالب باعتبارات عملية. كما أنّ تركيزهم على مشكلات بعينها يتراجع بمجرد أن تُحلّ تلك المشكلات أو تزول أسبابها.

تنطبق ملاحظات مشابهة على صانعي السياسات. وقد أُولوا في هذا الكتاب قدرًا أوفر من الاهتمام، لأنهم أحرص من غيرهم على نشر نتائجهم في المجال العام لعرضها على التدقيق الخارجي، ولأنّ احتمالية هذا التدقيق تجعلهم أكثر عناية بالقضايا المنهجية. وتبرز فائدة خاصة عند تحليل أنماط المقارنات التي يباشرها صانعو السياسات عادة، إلى جانب طبيعة الاستنتاجات التي يصوغونها استنادًا إلى هذه المقارنات. وفي أحيان يكون الغرض من المقارنات دعم قرارات مستقبلية، غير أنها تُستعمل في كثير من الحالات لتسويغ قرارات متّخذة سلفًا. ويكشف النظر في هذه الممارسات، عبر العالم، عن أثر العوامل الثقافية والسياسية المتنوعة في صياغة مقاربات صانعي السياسات.

تتصدّر المقارنات التي تضطلع بها الوكالات الدولية دائرة الاهتمام في هذا الكتاب، إذ يشكّل القيام بها جزءًا أصيلًا من رسالتها وسببًا من أسباب وجودها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، التي أُنيط بها منذ تأسيسها دور مقارن لا ينفصل عن طبيعتها. ويجاورها في التأثير مؤسسات دولية كبرى مثل البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). ورغم أنّ لكلٍّ من هذه الهيئات محاورها الخاصة واهتماماتها المميزة، فإنّ ما يجمعها في طرائق المقارنة التي تنتهجها أوضح في الغالب مما يفرّق بينها. وكما هو شأن الممارسين وصانعي السياسات، تنطلق معظم مقارنات الوكالات الدولية من أهداف عملية مباشرة، غير أنّها كثيرًا ما تفتح آفاقًا أرحب لتأسيس تصورات نظرية وصياغة أطر مفاهيمية أوسع تمتدّ بتأثيرها إلى الحقول المعرفية المتصلة بالتعليم عالميًا.

قد ينصرف اهتمام الأكاديميين أحيانًا إلى أهداف عملية، ولا سيّما عندما يتولّون مهام استشارية أو يباشرون بحوثًا تطبيقية. غير أنّ الجزء الأهم من عملهم يظلّ مرتبطًا بالتنظير وصياغة الأطر المفاهيمية. ويزخر الميدان الأكاديمي بعدد كبير من النظريات التي تتبدّل بتبدّل الزمن، فتظهر اتجاهات جديدة وتتراجع أخرى، كما تختلف محاور التركيز من منطقة إلى أخرى عبر العالم. ويكفي أن نذكر أنّ ميدان التربية المقارنة نفسه يكتسب ملامح متباينة بين الصين، وبلغاريا على سبيل المثال. ومن ثمّ، فإن هذا الكتاب، على الرغم من تركيزه الرئيس على الدراسة الأكاديمية للتربية، يُقدَّم من خلال زوايا نظر متعددة ورؤى متنوّعة.

صانعو السياسات ودورهم في توجيه بحوث التربية المقارنة

انشغل جزء كبير من ميدان التربية المقارنة بالجانب العملي، حيث انصبّ الاهتمام على استنساخ النماذج التعليمية ونقلها. فكثيرًا ما يسعى صانعو السياسات في بلد ما إلى الاطّلاع على ما هو مطبَّق في بلدان أخرى، ثم يقدمون على تقليده، إمّا كما هو أو بعد تعديله بما يتناسب مع سياقاتهم. وقد شاع في بعض الأدبيات وصف هذه الممارسة بمصطلح استعارة السياسات التعليمية، كما ورد في أعمال (شتاينر–خامسي 2004)، و(فيليبس وأوكس 2007)، و(شتاينر–خامسي ووالدو 2012). غير أنّ هذا الوصف يحمل قدرًا من الإيهام، لأنه يوحي بأن النماذج ستُعاد إلى أصحابها بعد الاستخدام، وهو أمر نادر إن لم يكن معدومًا.

عندما يبحث صانعو السياسات عن أفكار يرونها جديرة بالاستعارة، فإن أول ما يواجههم هو تحديد الوجهة التي يتعيّن أن يتوجهوا إليها في بحثهم. ويكشف استعراض الاتجاهات العالمية عن وجود تحيّزات واضحة في نوعية الأماكن التي يعتبرونها صالحة للاستقصاء. ويظهر هذا التحيّز بداية في عامل اللغة، إذ إن صانعي السياسات الذين يجيدون التحدث بالإنجليزية والاطلاع على أدبياتها يميلون إلى البدء بالبلدان الناطقة بالإنجليزية، بينما يتوجّه الناطقون بالعربية إلى الدول الناطقة باللغة العربية، وينطبق الأمر ذاته على لغات أخرى. كما يظهر تأثير الروابط السياسية والكيانات الإقليمية، مثل الاتحاد الأوروبي أو رابطة أمم جنوب شرق آسيا أو جماعة الكاريبي، حيث تحدد هذه الروابط مسارات البحث والاختيار. وهناك أيضًا عامل يتصل بالتصورات الهرمية بين الدول، فالدول الأقل نموًا تسعى غالبًا إلى استلهام تجارب الدول الأكثر تطورًا، في حين تركز الدول المتقدمة على مثيلاتها في التقدم الاقتصادي. ومن المُلاحظ أن صانعي السياسات في الدول الصناعية نادرًا ما ينظرون في النماذج الآتية من الدول النامية، رغم أن بعض التحليلات ترى أن في ذلك فائدة كان يجدر الالتفات إليها.

وعند الانتقال إلى أمثلة محددة، يظهر دليل واضح على تبنّي النماذج التعليمية في المملكة المتحدة. ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي استندت بعض الإصلاحات البريطانية، ولو جزئيًا، إلى التجربة في الولايات المتحدة الأمريكية. وشملت هذه الإصلاحات: القروض الطلابية للتعليم العالي، والمدارس المغناطيسية، ومجالس التدريب وريادة الأعمال، واتفاقات التعاون بين التعليم وقطاع الأعمال، والكليات المجتمعية، ونظام الترخيص للمعلمين، وبرامج التدريب على العمل (فينغولد وآخرون 1992، ص 7).

لم يكن ممكنًا تناول كل الأمثلة بالتحليل التفصيلي، إلا أنّ التوقف عند المثال الأول، وهو القروض الطلابية، يكشف عن أبعاد مهمّة. فقد قام وزير التعليم في (المملكة المتحدة) بثلاث رحلات رسمية إلى (الولايات المتحدة الأمريكية) لمناقشة برامج دعم الطلاب، وأعاد في خطاباته وكتاباته التأكيد على ما اعتبره مزايا جوهرية للنماذج الأمريكية (ماكفارلاند 1993، ص 51). ثم جاءت برامج القروض التي أطلقت لاحقًا في (المملكة المتحدة) جزءًا من حزمة إصلاحية واسعة انبثقت عن رؤية حكومية للإصلاح الجذري في التعليم. غير أنّ اندفاع الدوافع السياسية منح صانعي السياسات مبرّرًا لتجاهل تفاصيل دقيقة: أولهـا الكيفية التي عملت بها القروض فعلًا في (الولايات المتحدة الأمريكية)، وثانيها مدى ملاءمتها للعمل في السياق البريطاني. ومع ذلك، اعتبر هؤلاء أن أدوات التربية المقارنة تقدّم عونًا مفيدًا، وأضفت على قراراتهم بعدًا من الشرعية. وقد عُدّت (الولايات المتحدة الأمريكية) مصدرًا مناسبًا للنماذج التعليمية، انطلاقًا من الروابط الشخصية بين أبرز السياسيين، وإيمانًا بقدرتها على تمثيل نجاح يُحتذى به في السوق العالمية (ويتي 2012).

كما نظرت عديد من البلدان الأخرى إلى الولايات المتحدة الأمريكية كمصدر للنماذج. من بينها سويسرا، حيث لم تقتصر السلطات على الإشارة صراحةً إلى النماذج في الولايات المتحدة فحسب، بل استعانت أيضًا بمستشارين أمريكيين لتطوير حزمة إصلاح للمدارس (شتاينر خامسي 2002، ص 76). وكما هو الحال في المملكة المتحدة، تم تشكيل التحركات بقوة من قبل القوى السياسية المحلية، ومع تغير المشهد السياسي المحلي، تغيرت كذلك استراتيجية استيراد النماذج. بعد فترة من النقاش المحتدم والاحتجاج من قبل نقابات المعلمين، نأت وزارة التعليم بنفسها علنًا عن النماذج الأمريكية. وبدلًا من ذلك، استخدمت السلطات إشارات إلى الإصلاحات الأوروبية، خاصة في هولندا، والدنمارك. وفقًا لشتاينر خمسي (2002، ص 79)، فإن هذا التوجه الجديد يناسب صانعي السياسات لأن النماذج الأوروبية كانت أقل شهرة في مجتمع التعليم السويسري، وبالتالي كانت أقل عرضة للنقد والجدل. في هذه الحالة، فإن التربية المقارنة استخدمت ليس فقط باعتبارها مصدر للأفكار، ولكن أيضًا لإضفاء الشرعية في الإجراءات التي ترغب الحكومة في القيام بها.

شهدت الحقبة الاستعمارية ممارسة شائعة تمثّلت في تبنّي نماذج التعليم من الدولة المستعمِرة ذاتها، أو من مستعمرات أخرى تابعة للقوة نفسها، وغالبًا ما كانت هذه النماذج تُنقل مع إدخال بعض التعديلات عليها (جيفورد ووايسكل 1971؛ ألتباخ وكِلي 1978؛ توماس وبوستلثويت 1984). وهكذا، فقد عكست النظم التعليمية في أرجاء الإمبراطورية البريطانية ملامح متقاربة تعكس الأطر السياسية التي كانت المستعمرات خاضعة لها، الأمر الذي أدّى في الوقت نفسه إلى تمايزها عن النظم المدرسية في الإمبراطوريات الفرنسية والبرتغالية والإسبانية وغيرها. فعلى سبيل المثال، بينما كانت المدارس الثانوية في المستعمرات البريطانية تقود عادةً إلى امتحانات الشهادة المدرسية، كانت المدارس في المستعمرات الفرنسية تؤهل إلى شهادة البكالوريا. وتنوّعت أوجه الاختلاف الأخرى ما بين السياسات المتعلقة بمكانة اللغات المحلية أو إقصائها عن دورها كوسائط للتدريس، والسياسات الخاصة بحجم الصفوف الدراسية وأجور المعلّمين.

أبانت المراحل التي أعقبت الاستعمار عن مزيج معقّد جمع بين روابط قديمة استمرّت بفعل الإرث التاريخي وروابط جديدة نشأت مع التحوّلات السياسية والاقتصادية. وتظهر هذه الصورة جلية في هونغ كونغ، التي كانت مستعمرة بريطانية حتى انتقالها إلى السيادة الصينية عام 1997، حيث وجد صانعو السياسات أنفسهم في حاجة إلى الاستعانة بمصادر خارجية يستلهمون منها التوجهات المستقبلية. ويمكن الوقوف على ذلك من خلال أربعة تقارير بارزة نُشرت مباشرة بعد هذا التحوّل السياسي لتكون شاهدة على نوعية المرجعيات التي اعتمدوا عليها.

أبرزت القوائم تنوعًا واسعًا في المواقع التي استُقيت منها البيانات، يجمع بين استمرار الإرث الاستعماري وبروز اختيارات جديدة. فقد ظهرت المملكة المتحدة في موقع بارز، وشملت اسكتلندا وإنجلترا ضمن مكوّناتها، بينما امتدت القوائم في الوقت نفسه لتضم مناطق أخرى من العالم. وانعكس هذا التوسّع في الطبيعة الثنائية للغات الرسمية في هونغ كونغ، حيث الإنجليزية والصينية، فجاء معظم المواقع المختارة من مجتمعات ناطقة بإحداهما. وأُضيفت إلى ذلك مجتمعات صناعية متقدمة في آسيا، مثل اليابان وجمهورية كوريا، التي ارتبطت بهونغ كونغ بروابط ثقافية ونالت احترامًا عالميًا بفضل نجاحاتها الاقتصادية. كما كشفت القوائم عن تنوع في وحدات المقارنة؛ ففي بعض المواضع جرت المقارنة مع دول مثل سنغافورة واليابان واسكتلندا والولايات المتحدة الأمريكية، وفي مواضع أخرى تمّت المقارنة مع مدن مثل شنغهاي وتايبيه وشيكاغو التي تعكس هوية حضرية مشابهة لهونغ كونغ. أما التقرير المتعلق بالتعليم العالي فقد وجّه المقارنة نحو المؤسسات الجامعية، وكلها تنتمي إلى دول ناطقة بالإنجليزية ذات اقتصادات متقدمة، وهي أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.

ومن اللافت أنّ هونغ كونغ والدول المجاورة لها في شرق آسيا كانت تستلهم نماذج من المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، غير أنّ هاتين الدولتين تطلعتا بدورهما أحيانًا إلى شرق آسيا للبحث عن نماذج. وفي إنجلترا برز مثال يتمثل في تقرير أعدّه مكتب الحكومة لمعايير التعليم OFSTED، قدّم حجّة قوية لصالح الدراسة المقارنة للتربية، وحظي باهتمام واسع وتقدير كبير (كروسلي وواتسون 2003، ص 2، 6؛ ألكسندر 2008، ص 9). وأولى التقرير اهتمامًا خاصًا بارتفاع معدلات التحصيل لدى التلاميذ في اليابان وهونغ كونغ وكوريا وسنغافورة. وأوضح في بعض أجزائه أنّ هذه النتائج تعكس عوامل ثقافية يصعب نقلها إلى المملكة المتحدة، لكنه أشار أيضًا إلى أبعاد تتعلق بالنظم والمدارس والفصول الدراسية يمكن تشكيلها وتوجيهها من خلال قرارات السياسات التعليمية.

سعى صانعو السياسات في الولايات المتحدة الأمريكية إلى استلهام الخبرة التربوية من شرق آسيا في مراحل مختلفة. ففي عام 2009 وجّه الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) خطابًا للتربويين أشاد فيه بالنظام التعليمي في كوريا الجنوبية، مبيّنًا أن "أطفالنا يقضون أكثر من شهر أقل في المدرسة كل عام مقارنة بأطفال كوريا الجنوبية" (كوريا تايمز 2009). وأضاف أنّ على الأمريكيين "ألا يكتفوا بتوسيع البرامج الفعّالة بعد الدوام الدراسي، بل أن يعيدوا النظر في اليوم المدرسي نفسه ليضم ساعات أطول". وقد أثارت هذه التصريحات دهشة الكوريين الذين رأوا أنّ نظامهم التعليمي بالغ الصرامة، وأعربوا عن رغبتهم في نظام أكثر مرونة على غرار النمط الأمريكي (بارك 2012). ومع ذلك، لم يتوقف المربون الأمريكيون عن متابعة الدراسات الدولية المتعلقة بالتحصيل الدراسي، وركزوا بوجه خاص على أسباب تفوق نتائج بعض الدول الآسيوية وما يمكن استخلاصه منها من دروس (OECD 2011؛ توكر 2011).

بينما شدّدت الفقرات السابقة على المقارنات بين الدول، فإن صانعي السياسات يجدون في المقارنات داخل الدولة الواحدة مصدرًا لا يقل أهمية للفهم وصياغة القرارات. وتبرز هذه الأهمية بوضوح في النظم الفدرالية التي تكشف عن اختلافات جوهرية بين الولايات أو المقاطعات في الهيكل التعليمي والمضامين الدراسية. ففي الهند مثلًا، قدّم تقرير الحالة السنوي للتعليم سلسلة من البيانات المنتظمة التي تناولت معدلات الالتحاق والتجهيزات المتاحة ومستويات تعلّم الأطفال في معظم الولايات والأقاليم الاتحادية البالغ عددها 35 (براثام 2013). وقد أبان التقرير عن تفاوت واسع في الموارد التعليمية، وأوصى بإجراءات تهدف إلى تعزيز الإنصاف وتحسين الجودة. وفي كندا، حيث يختلف السياق الاقتصادي والاجتماعي، أبرزت الإحصاءات الرسمية بيانات تتعلق بالالتحاق والإنفاق والفوارق في المناهج بين المقاطعات والأقاليم الثلاثة عشر (إحصاءات كندا 2013).

وتبرز في مقابل المقارنات المكانية مقارنات زمنية تُعنى بمتابعة التغيّر والاستمرارية عبر العصور. وقدّم التقرير الكندي (إحصاءات كندا 2013) مثالًا جليًا على هذا النوع من المقارنات، وله أمثلة موازية في سياقات دولية متعددة. ويُظهر صانعو السياسات ميلًا خاصًا إلى قياس إنجازاتهم بما حققه أسلافهم، وغالبًا ما يتخذون من ذلك وسيلة لإبراز مقدار ما جناه المجتمع أو ما يمكن أن يجنيه مستقبلًا من السياسات المعاصرة. ومع ذلك، فإن استحضار الماضي لا يقتصر على إبراز المكاسب، بل يكشف أيضًا عن العقبات التي تعترض طريق الإصلاح، وينبّه إلى المخاطر الكامنة في التوسع المفرط بالطموحات.

يبدي الأكاديميون أحيانًا موقفًا متحفّظًا أو حتى متشككًا إزاء الأعمال المقارنة التي يباشرها صانعو السياسات، إذ يرون أنّها مقيّدة بالأيديولوجيا إلى حد بعيد، وتفتقر في بعض الأحيان إلى المتانة في التصميم والدقة في التفسير. وعلى الجانب الآخر، قد لا يرضى صانعو السياسات عن إسهامات الأكاديميين، خصوصًا إذا افتقدت هذه الإسهامات إلى توصيات عملية واضحة أو لم تُقدَّم في التوقيت المطلوب. ومع ذلك، فإن التفاعل بين الجانبين يظل مصدرًا للتعلم المتبادل، فيما تضيف الوكالات الدولية بُعدًا ثالثًا يختلف في أساليبه ويقدّم دروسًا إضافية تستحق التأمل.

الوكالات الدولية والتربية المقارنة

يقتضي ضيق الحيّز المتاح الاقتصار على أمثلة محدودة، رغم ضخامة عدد الوكالات الدولية المنخرطة في قضايا التعليم. وقد وقع الاختيار هنا على ثلاث هيئات رئيسة تُعد الأكثر حضورًا وتأثيرًا، وهي: اليونسكو، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD. وتمثل كل هيئة من هذه الهيئات كيانًا متنوّع الأبعاد، تحكمه أنماط داخلية متباينة، وقد شهدت أدوارها وتوجهاتها تطورات ملحوظة عبر الزمن. ورغم أنّ المجال لا يسمح بالتفصيل في هذه التحولات، فإنها نوقشت بعمق في كتابات عدد من الباحثين، مثل (جونز 2006)، (رضوي ولينغارد 2009)، و(سينغ 2011).

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)

جاء تأسيس منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 1945 في خضم مرحلة إعادة الإعمار التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، باعتبارها استجابة دولية للحاجة إلى ترسيخ السلام عبر الثقافة والعلم والتعليم. وقد أدرج واضعو دستورها مبدأً محوريًا يقوم على تعزيز المعرفة المتبادلة وتوطيد الفهم بين الشعوب، وجعلوا مطلع الدستور إعلانًا شهيرًا يقول: "لأن الحروب تبدأ في عقول البشر، فمن عقول البشر يجب أن تُبنى دفاعات السلام" (اليونسكو 1945). ثم أضاف الدستور أنّ الغاية التي أُنشئت المنظمة من أجلها هي:

سعت المنظمة منذ نشأتها إلى الإسهام في بناء السلام وصيانة الأمن العالمي عبر توثيق أواصر التعاون بين الأمم في مجالات التربية والعلم والثقافة، وذلك من أجل تعزيز الاحترام الكوني لقيم العدالة ولسيادة القانون، وضمان صون حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي أكّدها ميثاق الأمم المتحدة لشعوب العالم كافة، دون أي تمييز قائم على العِرق أو الجنس أو اللغة أو الدين

لم تتوقف الصراعات في شتّى أنحاء العالم عن كونها معضلة أساسية تهدد السلم والتنمية، غير أنّ اليونسكو واصلت تمسّكها العميق بهدفها في ترسيخ السلام وتعزيز التعاون بين الأمم، مؤكدة التزامها الراسخ تجاه هذه الرسالة رغم ما يحيط بها من تحديات.

يقع المقر الرئيس لليونسكو في العاصمة الفرنسية باريس، غير أنّ نشاط المنظمة يمتد عبر شبكة دولية واسعة تضم مكاتب وطنية وعنقودية وإقليمية ومكاتب ارتباط تؤدي دورًا محوريًا في توطيد حضورها حول العالم. وإلى جانب ذلك، تمتلك اليونسكو عددًا من المعاهد المتخصصة التي تنصرف إلى مجالات متعددة، ويأتي في مقدمتها المعاهد المعنية بالتعليم وصياغة سياساته، وهي:

جاء تحديد الأهداف العامة لليونسكو وأولوياتها القطاعية في التعليم ضمن الاستراتيجية متوسطة الأجل للأعوام 2014–2021 (اليونسكو 2013). وقد ركّزت المنظمة على هدفين رئيسين: "الإسهام في بناء سلام دائم" و"الإسهام في تحقيق التنمية المستدامة والقضاء على الفقر". وصيغت هذه الأهداف مع وعي تام بحدة الفجوة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء، وبأهمية الإبقاء على تركيز دائم على العدالة والاندماج. وعلى هذا الأساس، رُسمت ثلاثة أهداف استراتيجية مخصصة لقطاع التعليم، هي:

** العمل على تطوير النظم التعليمية بما يضمن إتاحة فرص التعلّم مدى الحياة لجميع الأفراد بجودة عالية

** تعزيز قدرات المتعلمين ليصبحوا مواطنين مبدعين يتحلّون بالمسؤولية

** المساهمة في رسم ملامح الأجندة العالمية للتعليم في المستقبل

ذكرت الاستراتيجية متوسطة الأجل (اليونسكو 2013: 21) أنّ التعليم يقوم على الأساس التالي:

يُعد التعليم حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، كما يُعد في الوقت ذاته وسيلة رئيسة لضمان الحقوق الأخرى ولتحقيق الأهداف الدولية للتنمية. وله انعكاسات مباشرة على مكافحة الفقر، وتعزيز الصحة العامة، وترسيخ المساواة بين الجنسين، وصون الاستدامة البيئية. ويقع التعليم في مركز قضايا الإدماج الاجتماعي والتحوّل المجتمعي، وقد بات محلّ إجماع عالمي أنّه لا يمكن لأي بلد أن يرتقي بظروف عيش مواطنيه ما لم يوجّه استثمارات جادّة وكبيرة نحو التعليم.

تعمل اليونسكو، في إطار سعيها لتحقيق أهدافها الكبرى، على إنجاز دراسات مقارنة في ميدان التعليم بغية استكشاف سبل عملية لتوسيع نطاق التعليم، والارتقاء بجودته، وتحديد الاتجاهات الملائمة لمساره على الصعيد العالمي. ويماثل هذا العمل المقارن، إلى حد معتبر، ما يقوم به صانعو السياسات كما جرى توضيحه آنفًا، غير أنّ اليونسكو تميّزت باضطلاعها بدور استشاري راسخ في مجال السياسات، موجّه على نحو خاص إلى الحكومات الوطنية. وقد جاء تركيزها على المستوى الوطني انعكاسًا لطبيعتها كوكالة تابعة للأمم المتحدة، حيث تُعتبر الدولة القومية الوحدة الأساسية في بنيتها المؤسسية. وتضم عضويتها دولًا صناعية متقدمة وأخرى أقل نموًا، غير أنّ الجهد الأكبر للمنظمة ظلّ منصبًا على خدمة الفئة الأخيرة.

يتجلّى تركيز اليونسكو على الدول باعتبارها الوحدة الأساسية للتحليل في إصداراتها الإحصائية السنوية. ويُظهر الجدول 1.1 هذا التوجه من خلال بيانات التعليم الثانوي الأدنى، إذ خُصص لكل دولة سطر واحد، الأمر الذي منحها مظهرًا من المساواة الشكلية على الرغم من التباينات الهائلة في عدد السكان وسائر المؤشرات التنموية. فقد سُجلت الصين، التي بلغ عدد سكانها 1,300,000,000 وكان فيها 3,658,000 معلم للتعليم الثانوي الأدنى، في المساحة نفسها التي شغلتها جزر المالديف، ذات الـ 200,000 نسمة و3,000 معلم فقط. ويتكرّر هذا النهج في الاجتماعات الرسمية التي تدعو إليها اليونسكو، حيث تُعامل الدول على قدم المساواة، ويُعطى لكل دولة عضو صوت واحد دون اعتبار لاختلاف أحجامها أو مواردها.


الجدول 1.1: بيانات إحصائية حول التعليم الثانوي الأدنى في مجموعة من الدول الآسيوية المختارة

الدول

النسبة الإجمالية للتخرج

المعلمون

نسبة المعلم/الطالب

إجمالي

ذكور

إناث

العدد

النسبة المئوية للإناث

أذربيجان

93

95

91

بنغلادش

...

...

...

205

20

31

بوتان

67

67

67

2

41

22

كمبوديا

35

38

32

25

36

24

الصين

89

86

93

3,658

49

15

الهند

1,913

42

31

إندونيسيا

76

74

77

915

49

13

كازاخستان‬‬‬‬‬‬‬‬‬

112

113

112

جزر المالديف

3

41

8

منغوليا‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

103

100

105

ميانمار

47

45

48

60

86

36

باكستان

35

41

29

الفليبين

69

62

77

136

76

39

جمهورية كوريا

103

68

19

تايلاند

76

71

81

129

56

22

أوزباكستان

98

100

96

فيتنام

314

69

17

ملاحظات: (1) يُقصد بمعدل التخرج الإجمالي العدد الإجمالي للخريجين في مستوى تعليمي محدد (هنا: التعليم الثانوي الأدنى) بصرف النظر عن أعمارهم، ويُعبَّر عنه كنسبة مئوية من السكان في سن التخرج النظري لذلك المستوى. (2) معظم البيانات تعود إلى عام 2010، غير أنّ بعض البيانات تعود إلى سنوات أخرى. (3) الرمز (…) يشير إلى عدم توافر بيانات.

المصدر: معهد اليونسكو للإحصاء (2012)، الصفحات من 98 إلى 103 ومن 118 إلى 120.

ورغم أنّ الدولة تظل الوحدة الرئيسة التي تبني عليها اليونسكو تحليلاتها، فإن المنظمة تعي بوضوح وجود مستويات أخرى للتحليل. فالتقرير الذي استُخرج منه الجدول 1.1 لم يتناول المستوى دون الوطني، لكنه قدّم تحليلات على المستوى فوق الوطني. ويظهر ذلك في الشكل 1.1 الذي يعرض، بحسب الأقاليم العالمية، العدد التقديري للأطفال في سن المرحلة الابتدائية الذين هم خارج نطاق التعليم. وقد حدّد الشكل نسب الأطفال الذين غادروا المدرسة بالفعل، وأولئك الذين يُتوقع التحاقهم مستقبلًا، وأولئك الذين يُرجَّح أن يظلوا خارج التعليم نهائيًا. وقد جرى تحديد هذه الأقاليم من خلال معايير تجمع بين البعد الجغرافي والسياسي؛ إذ أُلحقت بلدان شمال أفريقيا بمجموعة الدول العربية لا بمجموعة أفريقيا جنوب الصحراء، وأُدرجت أوروبا الغربية مع أمريكا الشمالية بدلًا من أوروبا الوسطى والشرقية، كما أُدرجت المكسيك ضمن أمريكا اللاتينية بدلًا من أمريكا الشمالية.

الشكل 1.1: الأطفال في سن المدرسة الابتدائية الذين كانوا خارج المدرسة، حسب المنطقة العالمية

النسبة المئوية لتوزيع الأطفال في سن التعليم الابتدائي غير الملتحقين بالمدارس (%)

Shape1

ملاحظة: البيانات لعام 2010.

المصدر: معهد اليونسكو للإحصاء (2012)، ص 10.

فعلى الرغم من أنّ جانبًا كبيرًا من نشاط اليونسكو يتسم بالعملية، إذ يركّز على توسيع نطاق التعليم ورفع مستوياته في الدول الأعضاء، فإن المنظمة لا تقتصر على هذا الجانب وحده، بل تؤدي كذلك دورًا مفاهيميًا وفكريًا بارزًا. ويتجلى هذا الدور فيما تصدره من منشورات تحليلية، لا من خلال مقرها الرئيس والمكاتب الإقليمية فحسب (هو 2012؛ اليونسكو 2012)، بل أيضًا عبر معاهدها المتخصصة (شيفيلباين وماكجين 2009؛ براي وفارغيز 2011؛ نافوكو وآخرون 2011).

وتسهم اليونسكو كذلك في إثراء ميدان التربية المقارنة عبر إصدارها لمجلتين علميتين بارزتين. أولاها المراجعة الدولية للتربية (International Review of Education – IRE) التي يتولى تحريرها معهد اليونسكو للتعلّم مدى الحياة. وبرغم أنّ عنوانها يحمل صفة "الدولية" لا "المقارنة"، فإن المجلة تعرّف نفسها (IRE 2013) بأنّها "أطول دورية دولية مستمرة تُعنى بالنظرية والممارسة المقارنة للتعليم الرسمي وغير الرسمي". وقد أُنشئت المجلة عام 1931، لكنها عاشت فترات من الاضطراب قبل أن يُعاد إطلاقها عام 1955 تحت رعاية ما كان يُعرف آنذاك بـ "معهد اليونسكو للتربية" (روش 2013، ص 153). ويُكتب معظم محتواها بالإنجليزية، مع نشر بعض المقالات بالفرنسية، وكانت حتى عام 2013 (روش 2013، ص 154) تسمح بنشر مقالات باللغة الألمانية أيضًا قبل أن يتغير نهجها التحريري.

أما المجلة الثانية فهي آفاق: المراجعة الفصلية للتربية المقارنة (Prospects: Quarterly Review of Comparative Education)، التي يحررها المكتب الدولي للتربية التابع لليونسكو ومقره سويسرا. وقد بدأت المجلة مسيرتها عام 1969 من المقر الرئيس لليونسكو في فرنسا تحت اسم آفاق في التربية: نشرة فصلية. وفي عام 1972 تغير اسمها إلى آفاق: المراجعة الفصلية للتربية، قبل أن يُضاف إلى عنوانها مصطلح "المقارنة" سنة 1995. وتمتاز هذه المجلة عن المراجعة الدولية للتربية (International Review of Education) بكونها تُترجم بأكملها إلى عدة لغات، في حين يمكن للأخيرة أن تجمع مقالات بلغتين فقط في العدد الواحد. وعند انطلاقها صدرت بالإنجليزية والفرنسية، ثم أضيفت إليها لاحقًا لغات أخرى. ومع انتقال مكتب التحرير عام 1993 إلى المكتب الدولي للتربية، كانت المجلة تصدر بالفعل بست لغات: الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، العربية، الصينية، والروسية. غير أن ضغوط التمويل وصعوبات النشر حالت دون الاستمرار في إصدارها بجميع هذه اللغات، وإن حافظت دائمًا على صدورها بالإنجليزية، مع صدورها أحيانًا بلغات أخرى.

البنك الدولي

أدرك للخبراء الماليين خلال سنوات الحرب العالمية الثانية أنّ العالم في مرحلة ما بعد الحرب سيواجه تحديات نقدية ومالية جسيمة، وأن معالجتها تستلزم ترتيبات تعاون دولي مؤسسية. وبعد اجتماعات تحضيرية متعدّدة، التأم ممثلو 44 دولة حليفة في بريتون وودز بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1944، وأسفر الاجتماع عن إنشاء صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD). ويُعرف هذا الأخير اليوم باسم "البنك الدولي". وكان الاسم الطويل يعكس غايته الأصلية المتمثلة في إقراض الأموال لإعادة إعمار أوروبا الممزقة بالحرب. ومع إنجاز عملية الإعمار الأوروبية، أعاد البنك توجيه اهتمامه نحو دعم الدول الأقل نموًا في العالم، وهو ما يفسر تراجع استخدام اسمه الكامل في الخطاب المعاصر. وفي عام 1945، أي بعد مؤتمر بريتون وودز بعام واحد، تأسست منظمة الأمم المتحدة، ثم انضم البنك عام 1947 إلى منظومتها، ليصبح من الناحية الرسمية إحدى هيئاتها، وإن كان يتمتع ببنية حوكمية مختلفة عن تلك التي تخضع لها اليونسكو ومعظم الوكالات الأممية الأخرى.

يتسم البنك الدولي بطابع متعدد القطاعات، إذ تشمل أنشطته مشروعات تمتد من الزراعة إلى إمدادات المياه. ورغم أنّ العقود الأولى من عمله لم تتضمن التعليم ضمن مجالاته، فإن هذا القطاع أخذ يكتسب أهمية متزايدة منذ أوائل ستينيات القرن العشرين (جونز 2006، ص 101–131). وفي عام 2013، أعلن البنك الدولي أنّه يُعد من أكبر الممولين الخارجيين للتعليم في الدول النامية، مشيرًا إلى أنّه يدير محفظة استثمارية تصل قيمتها إلى 9 مليارات دولار أمريكي، تشمل عمليات في 71 دولة (البنك الدولي 2013). وخلال الفترة الممتدة حتى عام 2012، خُصصت النسبة الأكبر من المشروعات الجديدة للتعليم الأساسي (64%)، تلتها مشروعات التعليم الثانوي الأعلى أو المهني (17%)، ثم مشروعات التعليم العالي (19%) (البنك الدولي 2012، ص 3). وعلى غرار ما قامت به اليونسكو، ركّز البنك الدولي بشكل بارز على تحقيق أهداف الألفية الإنمائية (MDGs) وأهداف التعليم للجميع (EFA).

يتخذ البنك الدولي من واشنطن العاصمة في الولايات المتحدة الأمريكية مقرًا رئيسًا له، وتُعدّ اللغة الإنجليزية لغة العمل الغالبة داخله. ومع ذلك، يتعامل البنك بلغات متعددة بحسب مقتضيات المشروعات الميدانية، وقد أتاح موقعه الإلكتروني عام 2013 (www.worldbank.org) معلومات منشورة بسبع عشرة لغة، هي: العربية، والإندونيسية، والبلغارية، والصينية، والإنجليزية، والفرنسية، والخميرية، واليابانية، والمغولية، والبرتغالية، والرومانية، والروسية، والإسبانية، والتايلاندية، والتركية، والأوكرانية، والفيتنامية. ويترجم هذا التنوع اللغوي مدى الانتشار العالمي للبنك، إذ يملك شبكة واسعة من المكاتب في بلدان متعددة، ويعمل ضمن صفوفه ما يزيد على 10,000 موظف حول العالم.

ومثلما هو الحال في منظمة اليونسكو، ينشغل البنك الدولي بالدرجة الأولى بالتطبيق العملي للتربية المقارنة، إذ يركّز معظم أعماله التحليلية على مستوى الدول كوحدات أساسية للدراسة. غير أنّ البنك لم يقتصر على هذا الجانب، بل قدّم طيفًا واسعًا من الدراسات التحليلية في مجال التعليم، سواء في وثائق سياساته العامة (البنك الدولي 2011) أو في أبحاث تتناول قضايا محددة (باترينوس وآخرون 2009؛ مايجارد ومينغات 2012؛ سوندرغارد وآخرون 2012). ووفاءً بمهمته الأساسية، فقد خُصّص القسم الأكبر من هذه الدراسات للدول الأقل نموًا، غير أنّ أوروبا الشرقية والوسطى اكتسبت بدورها أهمية متزايدة منذ أن صارت في تسعينيات القرن العشرين من أبرز مجالات اهتمام البنك.

لا يصدر البنك الدولي مجلات متخصصة في مجال التعليم، إلا أنه يساهم في هذا الميدان من خلال نشر مقالات بحثية في مجلتين أكاديميتين رئيستين تابعتين له، هما: المراقب البحثي للبنك الدولي (The World Bank Research Observer) والمراجعة الاقتصادية للبنك الدولي (The World Bank Economic Review) (دانغ وروجرز 2008؛ تشينيو 2012؛ فان دي سيجيب 2013). وبالنظر إلى طبيعته كمؤسسة مالية، فإن أغلب بحوثه في التربية المقارنة تنصرف إلى قضايا الاقتصاد والتمويل، أكثر من تناولها لموضوعات البيداغوجيا والمناهج الدراسية (كولينز ووايزمان 2012؛ كليس وآخرون 2012). وكما هو الحال في مجمل أنشطته، تبقى الدولة الوحدة الأساس للتحليل.

أجرت جمعية التربية المقارنة والدولية CIES، وهي أكبر كيان علمي من نوعه عالميًا ويقع مقرها في الولايات المتحدة، مسحًا لعضويتها استهدفت من خلاله التعرف على أبرز المنظمات الحكومية وغير الحكومية التي يُنظر إليها بوصفها الأكثر تأثيرًا في ميدان التربية المقارنة (كوك وآخرون 2004، ص 140–141). وقد ورد في نتائج المسح ذكر 188 مؤسسة، غير أنّ البنك الدولي تبوّأ الصدارة بنسبة 19.7% من الردود، يليه اليونسكو بنسبة 15.8%، ثم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID بنسبة 7.8%، تلتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة UNICEF بنسبة 5%، ثم منظمة الأمم المتحدة بنسبة 3.7%، وأخيرًا منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD بنسبة 3.5%. ومن المهم الإشارة إلى أنّ 69.3% من مجموع 419 مشاركًا كانوا يقيمون في الولايات المتحدة، وهو ما يعكس نزعة تحيّز نحو المؤسسات ذات الحضور القوي في ذلك البلد والناشرة بالإنجليزية، ومع ذلك فإن ما يقارب ثلث العينة جاء من خارج الولايات المتحدة، وهو ما يمنح نتائج المسح طابعًا أكثر توازنًا وأبعد من الاقتصار على الرؤية الأمريكية وحدها.

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)

تُعد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أصغر من كل من اليونسكو والبنك الدولي من حيث التأسيس، إذ أُنشئت سنة 1961، غير أنّ نشأتها ارتبطت بالسياق التاريخي ذاته الذي أعقب الحرب العالمية الثانية. فقد جاءت امتدادًا لمنظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي (OEEC) التي أُسست عام 1947 بدعم من الولايات المتحدة وكندا لمساندة عملية إعادة بناء الاقتصادات الأوروبية. وقد شاع وصف الـ OECD بأنها "نادٍ للأغنياء" يضم الدول الصناعية الغنية (وودوارد 2009، ص 1). وتقر المنظمة بشيء من صحة هذا التوصيف، لكنها أوضحت في أحد منشوراتها الرسمية (OECD 2008، ص 8) ما يلي:

تُصنّف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بوصفها إطارًا يجمع دولًا تتشابه في التوجهات وتتبنّى رؤى متقاربة، حيث يقتصر الانضمام إليها عمليًا على الدول التي تلتزم باقتصاد السوق وتؤمن بالديمقراطية التعددية. وتُعد المنظمة من أبرز التكتلات الاقتصادية الثرية، إذ كان عدد أعضائها 30 دولة [ثم ارتفع إلى 34 في عام 2010] تنتج مجتمعةً ما يقارب 60% من إجمالي السلع والخدمات على مستوى العالم. ومع ذلك، فهي ليست حكرًا على أعضائها فقط، إذ تُتيح للدول غير الأعضاء الاشتراك في اتفاقياتها ومعاهداتها، كما تفتح المجال لتبادل الخبرات وتبادل الرؤى حول قضايا ذات اهتمام مشترك مع ما يزيد على 100 دولة واقتصاد آخر.

يقع المقر الرئيسي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في باريس، وتتمثل لغتا العمل الأساسيتان فيها بالإنجليزية والفرنسية.

وعلى غرار البنك الدولي، تتسم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بامتداد عملها إلى طيف واسع من القطاعات. فإدارتها الاقتصادية تضطلع بالمهام الجوهرية وتُعدّ أكبر أقسام المنظمة وأكثرها تأثيرًا، في حين تتوزع بقية الأقسام لتغطي مجالات البيئة والتكنولوجيا والغذاء والاتصالات وقضايا التوظيف. كما تمتلك المنظمة مجموعة من الهيئات شبه المستقلة التي تعمل ضمن نطاقها المؤسسي، وتشمل وكالة الطاقة النووية، ووكالة الطاقة الدولية، ومؤتمر وزراء النقل الأوروبي.

وقد أصبح التعليم أحد الميادين البارزة على أجندة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إذ ازدادت مكانته بوضوح خلال العقود الأخيرة. ففي عام 2002 أنشأت المنظمة مديرية التعليم، التي عُرفت لاحقًا باسم مديرية التعليم والمهارات، لتكون خلفًا لوحدة فرعية سابقة. ووفقًا لبيان رسمي صادر عن المنظمة (OECD 2008، ص 19–20)، فإن هذه المديرية "تسهم في مساعدة الدول الأعضاء على تحقيق تعلّم عالي الجودة للجميع، بما ينعكس إيجابًا على التنمية الشخصية، ويعزز النمو الاقتصادي المستدام، ويدعم التماسك الاجتماعي". وتركّز المديرية بشكل خاص على محاور رئيسة، من أبرزها: تطوير أساليب تقييم نتائج التعليم وتحسينها، والعمل على ترسيخ جودة التدريس، وبناء التماسك الاجتماعي من خلال النظام التعليمي.

ويحتل التقرير السنوي التعليم في لمحة (Education at a Glance) مكانة بارزة بين منشورات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في ميدان التعليم، إذ يُنظر إليه باعتباره المرجع الأكثر شهرة وشمولًا في هذا السياق. وقد صدر أول عدد من التقرير عام 1992، لتأتي الإصدارات اللاحقة أكثر اتساعًا في نطاقها وأكثر دقة وموثوقية في بياناتها، فضلًا عن تعزيز قدرتها على إتاحة المقارنات الدولية. غير أنّ تحقيق هذا الهدف لم يكن بالمهمة اليسيرة، كما أشار هنري وآخرون (2001، ص 94):

تُظهر التجارب أنّ البيانات الوطنية غالبًا ما تأتي ناقصة أو مشوبة بعدم الدقة، فضلًا عن افتقارها للتزامن من حيث التوقيت وأساليب الجمع. ففي الدول ذات النظام الاتحادي، مثل الولايات المتحدة وأستراليا وكندا وألمانيا، تُقدَّم البيانات عادة في شكل متوسطات مرجّحة، غير أنّ هذه العملية لا يمكن افتراض أنّها أُجريت وفق آلية موحّدة أو منسّقة. وحتى البيانات المجمّعة على المستوى الكلي قد لا تكون موثوقة بسبب تغيّر التعريفات أو تبدّل المناهج المستخدمة في القياس. ويتفاقم هذا التحدي على وجه الخصوص عند جمع بيانات تتعلق بالمشاركة في التعليم العالي، حيث تؤدي الإصلاحات التي تطال قطاع ما بعد الثانوي إلى تغييرات في أساليب تصنيف الطلاب لأغراض المنح والإعانات والمزايا المختلفة.

ومع ما يكتنف البيانات الدولية من صعوبات، فقد واصلت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) العمل على تحسين مناهجها وأساليبها الإحصائية. إذ طوّرت تقنيات متقدمة للتجميع والتقريب بغية تعديل البيانات المقدمة من الدول، كما سخّرت أدواتها الإقناعية لدفع الأعضاء إلى اعتماد صيغ مشتركة في جمع المعلومات وتنسيقها. وقد سجّل الدليل الإحصائي للتربية المقارنة دوليًا الصادر عن المنظمة (OECD 2004) أبرز هذه التحسينات، مبرزًا مسار التطوير المنهجي الذي سعت إليه المنظمة.

يُلاحظ أنّ تقرير "التعليم في لمحة (Education at a Glance)" يعتمد في معظم أقسامه على الدولة باعتبارها وحدة التحليل الرئيسة، غير أنّ بعض الجداول والرسوم البيانية تتجاوز هذا النمط فتُظهر تمايزات داخلية. ففي حالة بلجيكا، يُعرض النظام التعليمي الفلمنكي منفصلًا عن نظيره الناطق بالفرنسية، ويجسّد الشكل 1.2 مثالًا على هذا الفصل. كما يُفرد التقرير لإنجلترا عرضًا مستقلًا عن اسكتلندا، بينما تُقدَّم الولايات المتحدة باعتبارها وحدة واحدة على الرغم من التنوع الكبير بين ولاياتها الخمسين. وفي المقابل، تضمّن التقرير نفسه (OECD 2013a) جداول ورسومًا أخرى تعاملت مع كل من المملكة المتحدة وبلجيكا كوحدات موحّدة، متجاهلةً ما فيهما من اختلافات داخلية واضحة.

الشكل 1.2: رواتب المعلمين في مرحلة التعليم الثانوي الأدنى، محسوبة بما يعادلها بالدولار الأمريكي بعد تحويلها باستخدام معاملات تعادل القوة الشرائية

(1) الرواتب محسوبة بعد 11 سنة من الخبرة، (2) الرواتب الأساسية الفعلية هي المعتمدة، (3) الحساب جرى على أساس المؤهل المعتاد للمعلمين بدلًا من الحد الأدنى للمؤهل، و(4) السنة المرجعية للبيانات هي 2010.

يُظهر الرسم البياني الرواتب السنوية النظامية في عام 2011 للمعلمين في المؤسسات الحكومية ممن لديهم 15 سنة خبرة وأدنى مستوى من التدريب.

المصدر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2013 أ)، ص 378.

كشف الشكل 1.2 عن ضرورة توحيد العملة لأغراض المقارنة، فلجأت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى اعتماد الدولار الأمريكي، لكن لا استنادًا إلى أسعار الصرف الرسمية، بل إلى تعادل القوة الشرائية الذي يُبرز أنّ قيمة الدولار تختلف في قوتها الشرائية من بلد لآخر. ورغم أن هذا الأسلوب يقوم على دقة تقديرات القوة الشرائية، فإنه يتجاوز التباينات القائمة بين المدن والمناطق داخل الدولة الواحدة، ومع ذلك يظل أكثر موضوعية وملاءمة من الاقتصار على أسعار الصرف الرسمية غير المعدلة.

يُظهر الشكل 1.2 أهمية خاصة في الطريقة التي رُتبت بها الدول والأنظمة التعليمية، وهو ما تناول تفصيله (هنري وآخرون) (2001، ص 95–96) بالقول:

يفضي توحيد أرضية المقارنة بالضرورة إلى صياغة جداول تصنيفية، حتى مع الادعاءات التي تُقدَّم على سبيل النفي. فالجداول والرسوم البيانية التي تعرض الأداء مقارنة بمتوسط الـ OECD أو متوسط إحدى الدول تحمل في طياتها دلالات معيارية، إذ يكفي أن تظهر النتائج أعلى أو أدنى أو على قدم المساواة مع المتوسط لتستدعي تعليقات سطحية أو ذات دوافع سياسية. ويحدث ذلك على الرغم من كثرة الصفحات المخصصة في الملاحق للتحذيرات المنهجية والتفسيرية التي تؤكد حدود هذه المقارنات.

اتجهت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في بعض منشوراتها إلى توسيع نطاق عملها ليتجاوز حدود الدول الأعضاء، حيث أدرجت ضمن تغطيتها دولًا من خارج المنظمة. ففي تقرير التعليم في لمحة (Education at a Glance) الصادر سنة 2013 (ص 21)، أوضحت المنظمة أنّ التغطية شملت "دولتين غير عضوين لكنهما يشاركان في برنامج مؤشرات نظم التعليم (INES)، هما البرازيل وروسيا الاتحادية، إلى جانب بقية دول مجموعة العشرين التي لا تشارك في البرنامج، وهي الأرجنتين، والصين، والهند، وإندونيسيا، والمملكة العربية السعودية، وجنوب إفريقيا". ومع ذلك، فقد استمر عرض البيانات في معظم الحالات وفق منظور دولة بدولة، دون أن يأخذ بعين الاعتبار التنوع الداخلي الكبير، وهو ما يتجلّى بوضوح في دول مترامية مثل الصين وإندونيسيا وروسيا.

تتكرر الملاحظات نفسها في نشاط تعليمي آخر يتسم بأهمية خاصة، هو برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA)، الذي يُعنى بقياس مستوى إنجاز التلاميذ في سن الخامسة عشرة في ثلاث مجالات رئيسة هي الرياضيات والعلوم والقراءة. ويُنفَّذ هذا التقييم بانتظام كل ثلاث سنوات، بما يسمح برصد الاتجاهات الزمنية ومقارنة الأداء بين الدول. وعند انطلاق البرنامج، شمل المسح 43 دولة ونظامًا تعليميًا، ثم تراجع العدد إلى 41 في دورة عام 2003، لكنه سرعان ما شهد توسعًا ملحوظًا ليبلغ 58 دولة في 2006، و65 في 2009، و67 في 2012.

كما أوضحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) (2013b، ص 13):

يتبنى تقييم (PISA) مقاربة شمولية تسعى إلى قياس نطاق واسع من المعارف والمهارات والاتجاهات، تعكس بصورة مباشرة التحولات التي طرأت على أولويات المدارس في عالم متغير. ويضع البرنامج في صميم اهتمامه الكفاءات المستقبلية التي سيحتاجها التلاميذ في سن الخامسة عشرة، إذ لا يكتفي برصد ما تعلّموه، بل يركز على ما يستطيعون إنجازه بما اكتسبوه. ويُقاس ذلك من خلال قدرتهم على مواصلة التعلم مدى الحياة، عبر تطبيق معارفهم المدرسية في سياقات غير مدرسية، وتقييم البدائل المتاحة أمامهم، واتخاذ القرارات الملائمة.

أشار التقرير (OECD 2013b، ص 14) إلى أنّ نتائج برنامج (PISA) "تُتيح لصانعي السياسات الوطنية إجراء مقارنات بين أداء نظمهم التعليمية وأداء الدول الأخرى". وقد درج عرض هذه النتائج في كثير من الأحيان بصيغة جداول تصنيفية، لا سيما في الصحف ووسائل الإعلام الساعية إلى تبسيط الرسائل المعقدة وتحويلها إلى خلاصات يسهل تداولها. ورغم أنّ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أكدت مرارًا أنّ التعامل مع البيانات ينبغي أن يتجاوز هذه القراءة التبسيطية القائمة على ترتيب الدول، فإن بعض تقاريرها الرسمية لم تخلُ من إبراز هذا الجانب. ويُعد الجدول 1.2 مثالًا واضحًا، إذ أعاد نشر أول جدول ورد في الملخص التنفيذي لتقرير المنظمة حول PISA 2009، حيث صُنفت الدول، إلى جانب بعض الوحدات دون الوطنية مثل شنغهاي وهونغ كونغ، وفق مجموع درجاتها، وقورنت هذه الدرجات بعضها ببعض، كما قورنت بمتوسط الـ OECD.

الجدول 1.2: التصنيفات وفقا لنتائج PISA في القراءة والرياضيات والعلوم


القراءة

الرياضيات

العلوم


القراءة

الرياضيات

العلوم

شنغهاي، الصين

556

600

575

جمهورية التشيك

478

493

500

كوريا

539

546

538

جمهورية سلوفاكيا

477

497

490

فنلندا

536

541

554

كرواتيا

476

460

486

هونغ كونغ الصين

533

555

549

إسرائيل

474

447

455

سنغافورة

526

562

542

لوكسمبورغ

472

489

484

كندا

524

527

529

النمسا

470

.496

494

نيوزيلندا

521

519

532

ليتوانيا

468

477

491

اليابان

520

529

539

تركيا

464

445

454

أستراليا

515

514

527

دبي (الإمارات العربية المتحدة)

459

453

466

هولندا

508

526

522

روسيا

459

468

478

بلجيكا

506

515

507

تشيلي

449

421

447

النرويج

503

498

500

صربيا

442

442

443

إستونيا

501

512

528

بلغاريا

429

428

439

سويسرا

501

534

517

أوروغواي

426

427

427

بولندا

500

495

508

المكسيك

425

419

416

آيسلندا

500

507

496

رومانيا

424

427

428

الولايات المتحدة

500

487

502

تايلاند

421

419

425

ليختنشتاين

499

536

520

ترينيداد وتوباغو

416

414

410

السويد

497

494

495

كولومبيا

413

381

402

ألمانيا

497

513

520

البرازيل

412

386

405

جمهورية أيرلندا

496

487

508

مونتينيغرو

408

403

401

فرنسا

496

497

498

الأردن

405

387

415

تايبي الصينية

495

543

520

تونس

404

371

401

الدنمارك

495

503

499

إندونيسيا

402

371

383

المملكة المتحدة

494

492

514

الأرجنتين

398

388

401

المجر

494

490

503

كازاخستان‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

390

405

400

البرتغال

489

487

493

ألبانيا

385

377

391

مكـاو الصينية

487

525

511

قطر

372

368

379

إيطاليا

486

483

489

بنما

371

360

376

لاتفيا

484

482

494

البيرو

370

365

369

سلوفينيا

483

501

512

أذربيجان

362

431

373

اليونان

483

466

470

قيرغيزستان

314

331

330

أسبانيا

481

483

488







ذو دلالة إحصائية أعلى من متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية


لا يختلف إحصائيًا عن متوسط منظمة التعاون الاقتصادي


ذو دلالة إحصائية أعلى من متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية

ملاحظات: تشير البيانات إلى تقييم PISA لعام 2009. أما الدول المكتوبة بخط عريض فهي الدول الأعضاء في الـ OECD وقت نشر التقرير.

المصدر: منظمة التعاون والتنمية (٢٠١٠).

لا تقتصر دراسات (PISA) على التصنيفات القُطرية، بل تمتد لتشمل تحليل دافعية الطلاب نحو التعلم، وتصوراتهم الذاتية، واستراتيجياتهم التعليمية. كما تتيح مقارنات على أساس النوع الاجتماعي، أو الانتماء الاجتماعي–الاقتصادي، إلى جانب وحدات تحليل أخرى عديدة. وقد أصبح هذا البرنامج مرجعًا مهمًا لصانعي السياسات التعليمية في أنحاء العالم (أنديري 2008؛ بيرييرا وآخرون 2011؛ بريكسبير 2012؛ ماير وبيناڤوت 2013). ففي بعض الحالات أسفرت نتائجه عن صدمات وتغييرات جذرية، وفي أخرى عن شعور بالفخر والرضا. ففي ألمانيا مثلًا، ولّدت النتائج ما سُمّي بـ "صدمة PISA"، إذ كان صانعو السياسات مطمئنين إلى جودة أنظمتهم التعليمية قبل أن يصطدموا بترتيبات متدنية وغير متوقعة (فالدوف 2009). أما فنلندا فقد اجتذبت اهتمامًا عالميًا واسعًا، إذ تدفقت الوفود لفهم كيف ولماذا ظلت نتائجها دائمًا في القمة أو قريبة منها (سيمولا ورينه 2011؛ ڤاريو وآخرون 2013). ومنذ إعلان نتائج PISA لعام 2009، صارت شنغهاي بدورها محط أنظار مماثل (سيلار ولينغارد 2013).

تتجلّى لبرنامج (PISA) حدود واضحة رغم قوته، كما أوضح (ماير وبيناڤوت) (2013، ص 21):

لا يمكن القول إن اعتماد هذا الجهاز على الأرقام والإحصاءات يرسّخه في حقيقة موضوعية وشفافة لا تقبل الطعن؛ ففيض البيانات الذي ينتجه برنامج (PISA) يتيح بسهولة لكل من يبحث عن تبرير أن يجد فيه ما يدعم أفكاره المسبقة. وبدل أن يكون أداة للوضوح، يغدو وسيلة لإخفاء الأساسيات، إذ تُحجب الافتراضات الجوهرية والقرارات المصيرية الخاصة بالتصنيف وبناء المؤشرات داخل "صندوق أسود" تتحكم فيه شبكة معقدة من الأحكام والقرارات التي تُصاغ وراء الكواليس بعيدًا عن الأعين.

قد يجادل أنصار (PISA) عن حق بأنه يشكل خطوة متقدمة مقارنة بالأدوات السابقة، لكن المقارنات الواردة فيه لم تكن دائمًا على مستوى العمق المنهجي الذي كان يمكن أن توفره تقاليد التربية المقارنة. فهذه الأخيرة تُدخل في التحليل أحكامًا نوعية تُولي أهمية للسياق وللخلفيات التاريخية (بيرييرا وآخرون 2011).

الأكاديميون والتربية المقارنة

لا يخصّص هذا القسم مساحة كبيرة لعرض طبيعة عمل الأكاديميين في ميدان التربية المقارنة، إذ تناول الفصل الثاني هذا الموضوع بصورة وافية، كما أن الكتاب في مجمله موجَّه بالدرجة الأولى إلى المجال الأكاديمي. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الأكاديميين، وإن اضطلعوا في كثير من الأحيان بمهام استشارية أو أعمال تطبيقية تجعل مقاصدهم من الدراسات المقارنة شبيهة بمقاصد الممارسين وصانعي السياسات، فإن مجالهم الأصيل يظل مرتبطًا بالبناء المفاهيمي والتنظير العلمي. وقد يتعاون بعضهم مع صانعي السياسات والوكالات الدولية في تحليل المعطيات، لكن الدور الآخر الذي يضطلعون به — كما يتجلى في الانتقادات التي وُجِّهت إلى الوكالات الدولية (سينغ 2011؛ كولينز ووايزمان 2012؛ كليس وآخرون 2012؛ ماير وبيناڤوت 2013) — يتمثل في كشف مواطن الانحياز الأيديولوجي والمنهجي الكامنة وراء تلك المقاربات.

يُنظر في الغالب إلى التربية المقارنة باعتبارها ميدانًا ذا طابع متعدد التخصصات، يتيح الفرصة للباحثين الذين يملكون أدوات ومنظورات مأخوذة من ميادين معرفية أخرى لكنهم يوجّهون اهتمامهم نحو قضايا التعليم في إطار مقارن (مانزون 2011). ومن ثمّ تُطرح أسئلة جوهرية: كيف يمكن تحديد تعريف هذا الميدان؟ وأين تنتهي حدوده؟ وكيف تتبدل ملامحه بمرور الوقت؟

يمكن تعريف ميدان التربية المقارنة بطريقة مباشرة من خلال متابعة عضوية الجمعيات المهنية وأنشطتها. وقد سبقت الإشارة إلى جمعية التربية المقارنة والدولية (CIES) في الولايات المتحدة، التي تضم نحو 2300 عضو فردي ومؤسسي ويعود تاريخها إلى عام 1956، لتكون الأقدم والأكبر في الميدان. وعلى المنوال ذاته ظهرت جمعيات أخرى عبر أنحاء العالم، اتخذ بعضها طابعًا وطنيًا كما في الصين وجمهورية التشيك والهند، فيما اقتصر بعضها الآخر على نطاق دون وطني مثل هونغ كونغ، بينما اتسع بعضها ليكون ذا بعد إقليمي يغطي مناطق مثل أوروبا وآسيا، في حين تأسست جمعيتان على أساس لغوي يخدمان الناطقين بالفرنسية والهولندية. وغالبية هذه الجمعيات تندرج تحت مظلة المجلس العالمي لجمعيات التربية المقارنة (WCCES)، الذي تأسس عام 1970 ليكون هيئة جامعة، وقد بلغ عدد الجمعيات الأعضاء فيه سنة 2013 نحو 39 جمعية (ماسيمن وآخرون 2007؛ WCCES 2013).

لا يقتصر إنتاج المعرفة في التربية المقارنة على الجمعيات المهنية وحدها، بل يُنجز جزء وافر من العمل الأكاديمي في هذا الميدان على أيدي باحثين وأفراد وجماعات لا تجمعهم عضوية بهذه الجمعيات. وكثير من الأكاديميين يفضلون الارتباط بهوياتهم العلمية الأصلية في تخصصات مثل علم النفس أو الرياضيات أو علم الاجتماع، فينشرون أعمالهم ويعرضون نتائجهم في مؤتمرات ومجلات تلك التخصصات بدلًا من مؤتمرات ومجلات التربية المقارنة. ومن هنا يظهر أن نطاق الدراسات المقارنة في التعليم أوسع بكثير من الدائرة التي ترسمها الجمعيات المهنية التي تُعرّف نفسها صراحة بهذا الميدان.

تُبرز دراسة خصائص الأكاديميين الذين يعلنون انتماءهم إلى ميدان التربية المقارنة وتوجهاتهم البحثية إمكانات واسعة لاستخلاص الدروس وفهم طبيعة الميدان. فقد كشف المسح الذي أجراه كوك وآخرون (2004) بين أعضاء جمعية التربية المقارنة والدولية (CIES) عن مجال شديد التنوع والانتقائية، إلى درجة وُصف معها بأنه "بلا مركز واضح" (ص 136). ومع ذلك، رصد الباحثون وجود قاعدة فكرية جامعة تتمحور حول هدف مشترك، هو تحقيق فهم أعمق لتقاليد الأنظمة التعليمية الوطنية عبر دراستها في ضوء خبرات وتجارب الآخرين، وتقييم القضايا التربوية من منظور عالمي (ص 130). وقد أظهر المشاركون في المسح اهتمامًا بموضوعات عديدة، أكثرها شيوعًا: العولمة (7.9%)، النوع الاجتماعي في التعليم (7.6%)، التعليم والتنمية (4.6%)، المساواة في التعليم (4.0%)، والتعددية الثقافية والعرق والإثنية (3.7%)، إلى جانب قائمة طويلة من موضوعات إضافية. وكان التنوع ملموسًا كذلك في المناهج البحثية المستخدمة وفي المجالات الجغرافية التي اتخذها الباحثون موضوعًا لدراساتهم.

عند تجاوز أنماط جمعية التربية المقارنة والدولية (CIES) والنظر في أنماط الجمعيات الأخرى، يتضح أن المشهد يتسم بدرجة أكبر من التنوع، وهو ما يناقشه الفصل الثاني بتفصيل أوفى.

الاستنتاجات

قدّم هذا الفصل لمحة عامة عن تنوع الفاعلين ومقاصدهم داخل الدراسات المقارنة للتربية، حيث يتباين سعي الآباء في أغراضهم ومقارباتهم عن صانعي السياسات، كما تختلف غايات الوكالات الدولية وطرائق عملها عن الأكاديميين. ويُضاف إلى هذه الفوارق البينية أنّ الزمن يكشف عن تحولات متعاقبة تعيد صياغة مقاصد الدراسات المقارنة وأساليبها، بما يجعل المجال في حالة تطور دائم.

يركّز هذا الكتاب بالدرجة الأولى على عمل الأكاديميين، ومن ثم إلى قضايا المفاهيم وبناء الفهم. غير أنّ ثمة ملاحظة عامة تستحق التأكيد، وهي تنطبق على جميع الفاعلين، وتتصل بما ورد في الاقتباس عن (كوك وآخرون 2004، ص 13)، إذ غالبًا ما يكتشف من يخوض غمار الدراسات المقارنة في التربية أنه لا يكتسب معرفة أعمق بثقافات ومجتمعات أخرى وحسب، بل يكتسب أيضًا فهمًا أعمق لمجتمعه وثقافته الخاصة. وقد عبّر عن هذه الفكرة ببلاغة أحد الآباء المؤسسين للتربية المقارنة، (سير مايكل سادلر)، في نصه الصادر عام 1900 (المعاد نشره سنة 1964، ص 310)، إذ كتب يقول:

تتجلى القيمة العملية لدراسة النظم التعليمية الأجنبية حين تُنجَز بروح صادقة وبمنهجية علمية دقيقة، في أنها تُؤهلنا بشكل أفضل لفهم نظمنا التعليمية الخاصة ودراستها بعمق أكبر.

يركّز هذا الاقتباس على فعل النظر إلى الخارج، حيث يتجه الفرد إلى استكشاف مجتمع آخر، ثم يعقد مقارنة بين أنماطه التعليمية وتلك السائدة في مجتمعه الخاص. وقد بيّن (سادلر) (ص 312) أن هذا النوع من المقارنة قد يكون محفّزًا على تقدير أعمق للنظم التعليمية الوطنية، وفي الوقت ذاته كاشفًا لنواحي القصور التي تستدعي الانتباه والإصلاح.

إن دراسة النظم التعليمية الأجنبية بدقة متأنية وبروح متفهمة، وهما شرطان أساسيان لهذه المهمة، تفضي في النهاية إلى أثر مزدوج في وعينا؛ فهي من ناحية تعمّق إدراكنا لقيمة ما في تعليمنا الوطني من عناصر إيجابية إدراكًا لم نبلغه من قبل، ومن ناحية أخرى تكشف لنا بوضوح ما فيه من نواقص تستدعي إصلاحًا عاجلًا وفحصًا دقيقًا.

حالما ينجز المحلّل تحديد المشكلات، فإن الخطوة المنطقية التي تلي ذلك هي الانتقال إلى البحث عن حلول. وفي هذا السياق برز (إسحق كاندل) بوصفه شخصية أساسية في الجيل الذي أعقب (سير مايكل سادلر). ففي كتابه الصادر سنة 1933 (ص xix) عرض قائمة من المشكلات التي رأى أنها تثير أسئلة عامة تتجاوز السياقات المحلية، ثم أوضح أن:

تتمثل القيمة الجوهرية للمقاربة المقارنة لمثل هذه القضايا في السعي إلى تحليل العوامل التي أفضت إلى نشوئها، ثم في إجراء مقارنة تكشف عن الفوارق بين النظم التعليمية المختلفة وما تستند إليه من أسباب عميقة، وأخيرًا في فحص الحلول التي جرى تطبيقها.

يتّسم هذا القول بارتباط أوثق بالأهداف النظرية، وقد كان كتاب (كاندل) نقطة تأسيس لتقليد يندرج فيه هذا المؤلَّف. غير أنّ ميدان التربية المقارنة شهد منذ ذلك الحين تحولات بالغة الأهمية، تجاوزت ما طرحه (كاندل) في زمنه. وستبرز في الفصول التالية بعض أوجه هذا التطور، إضافة إلى وسائل مفيدة لتوسيع الفهم عبر اعتماد وحدات مختلفة للمقارنة.


الفصل الثاني

البحث العلمي في ميدان التربية المقارنة

أوضح الفصل السابق أنّ ميدان التربية المقارنة يتّسم بطبيعته بالتداخل بين التخصصات، ويأتي هذا الفصل ليتوسّع في مناقشة هذه السمة، مستعرضًا علاقاته بسائر الميادين الأكاديمية.

ينطلق هذا الفصل من كتاب ألّفه (توني بيشر) عام 1989، ثم صدرت له طبعة ثانية عام 2001 بمشاركة (بول تراولر)، بعنوان "القبائل والأقاليم الأكاديمية: الاستقصاء الفكري وثقافة التخصصات". وقد قدّم الإصداران تحليلًا واضحًا لأبعاد الميدان الأكاديمي، بينما توسّعت الطبعة الثانية في هذا التحليل وأضافت إليه تحديثات تأخذ بعين الاعتبار تأثيرات قوية طرأت على حجم التعليم العالي وبنيته. ركّز الكتابان على المملكة المتحدة والولايات المتحدة، غير أن مضامينهما تظل وثيقة الصلة بسياقات أكاديمية أخرى في بلدان متعددة. ورغم أن الدراسات التربوية لم تحظَ سوى بإشارات عابرة، فإن أنماطها واتجاهاتها يمكن مقارنتها بسهولة بما ورد في مجالات أكاديمية أخرى. ويعتمد هذا الفصل اعتمادًا رئيسًا على الطبعة الثانية من الكتاب، إلى جانب عمل لاحق حرّره (تراولر) وآخرون عام 2012، كما يستند كذلك إلى عدد من الأعمال الأكاديمية الأخرى، لا سيما الإطار المفاهيمي الذي طرحه (أوليفيرا) عام 1988.

تعريف القبائل واستكشاف الأقاليم الأكاديمية

تناول (بيشر) و(تراولر) مفهوم "القبائل" في إشارة إلى المجتمعات الأكاديمية التي يتحدّد كيانها من جهة بأعضائها أنفسهم، ومن جهة أخرى بالمؤسسات التي يعملون فيها، والتي تُوزّعهم ضمن أقسام أو مراكز أو وحدات أكاديمية. أما "الأقاليم"، فهي تمثّل المجالات المعرفية التي تتركّز حولها اهتمامات هذه الجماعات، بما في ذلك مناهج البحث، وموضوعات الدراسة، وأساليب التعبير الأكاديمي وفق التوجّه السائد في كل تخصّص.

أشار العنوان الفرعي للكتاب إلى "ثقافة الميادين المعرفية"، وقد عرّفها (بيشر) و(تراولر) في طبعة عام 2001 (ص 23) بوصفها: "منظومات من القيم والمواقف وأنماط السلوك التي تُعدّ مسلَّمات، ويُعاد إنتاجها وتعزيزها من خلال الممارسات المتكرّرة ضمن سياق اجتماعي محدد". وركّز الكتاب في جوهره على "ممارسين في اثني عشر تخصّصًا، يعتمد عملهم على الاشتغال بأفكار قابلة للاستكشاف المتواصل، وتشكّل مضمون التخصصات المعنية".

برز سؤال حول تعريف الميادين المعرفية في هذا السياق، وقد أكّد عدد من الباحثين مثل (فيرلونغ) و(لون) (2011)، و(مانزون) (2011)، و(بريدجز) (2014)، أن تحديد مفهوم الميدان المعرفي الأكاديمي يكتنفه كثير من الغموض والتأويل. كما أشار (بيشر) و(تراولر) إلى النقطة ذاتها في الطبعة الثانية من كتابهما (2001، ص 41)، وقالا:

تتردد تساؤلات في بعض السياقات حول ما إذا كانت الإحصاء قد انفصلت انفصالًا كافيًا عن الرياضيات لتُعدّ تخصصًا معرفيًا مستقلًا. ويتوقف الجواب على مدى اعتراف المؤسسات الأكاديمية الكبرى بهذا الانفصال من خلال هيكلها التنظيمي، من حيث إدراج الإحصاء ضمن أقسام مستقلة، إضافة إلى مدى بروز مجتمع علمي دولي مستقل يتمتع بجمعيات مهنية ومجلات متخصصة.

ذكر (بيشر) و(تراولر) في الصفحة 41 أن كل من له علاقة أو اهتمام بالشؤون الأكاديمية يتمكن بسهولة من إدراك مفهوم التخصص، والمشاركة بثقة في النقاشات التي تدور حول الحالات الملتبسة أو الواقعة على الحدود بين التخصصات.

ضمن هذه المعايير، تتمتع مجموعات الميادين المعرفية المختلفة بسمات مختلفة. يعرض الجدول 2.1 تصنيفًا رباعي الفئات، قائمًا على مصفوفة تجمع بين الثنائي: جامد/مرن، وبحت/تطبيقي. ورغم أن الحدود بين الفئات ليست صارمة، فإن التصنيف يبقى ذا فائدة. يدرج الجدول تخصص التعليم ضمن الفئة التطبيقية المرنة، ويصفه بأنه وظيفي، نفعي، و"يهتم بدعم ممارسة [شبه] مهنية". وهذا على النقيض من التخصصات البحتة الجامدة، مثل العلوم، التي توصف بأنها تراكمية، تحليلية، وتركّز على المبادئ العامة، والقياس، والتبسيط.

الجدول 2.1: مجموعات الميادين المعرفية وطبيعة المعرفة

مجموعات الميادين المعرفية

طبيعة المعرفة

العلوم البحتة (مثل الفيزياء): "جامدة بحتة"

تراكمية؛ جزئية (شبيهة بالبلّورات أو الأشجار)؛ تهتم بالعموميات، والقياس، والتبسيط؛ موضوعية، ومحايدة قيميًا؛ معايير واضحة للتحقق من المعرفة وتقادمها؛ معايير واضحة للتحقّق من المعرفة واستبعاد ما يُصبح متجاوزًا؛ إجماع حول الأسئلة الجوهرية المطروحة حاليًا ومستقبلًا؛ تؤدي إلى الاكتشاف أو التفسير.

العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية (مثل التاريخ والأنثروبولوجيا): "البحتة المرنة"

تكرارية؛ شمولية (عضوية أو متدفقة كالنهر)؛ تهتم بالجزئيات، والكيفيات، والتعقيد؛ ذات طابع شخصي ومحملة بالقيم؛ جدل حول ما يُعد متجاوزًا؛ غياب التوافق حول الأسئلة الجوهرية؛ تؤدي إلى الفهم والتقدير.

العلوم الدقيقة التطبيقية (مثل الهندسة الميكانيكية والطب السريري): "تطبيقية إلى درجة كبيرة"

غائية؛ عملية (اكتساب المعرفة التطبيقية من خلال المعرفة الدقيقة)؛ تركّز على السيطرة على البيئة المادية؛ تستخدم أساليب استكشافية؛ تجمع بين المعالجات الكمية والنوعية؛ معايير الحكم وظيفية وغائية؛ تؤدي إلى إنتاج أدوات أو تقنيات.

العلوم الاجتماعية التطبيقية (مثل التربية، القانون، الإدارة الاجتماعية): "تطبيقية مرنة"

وظيفية؛ نفعية (اكتساب المعرفة التطبيقية من خلال المعرفة المرنة)؛ تهدف إلى تحسين الممارسة المهنية أو شبه المهنية؛ تعتمد على دراسات الحالة والأحكام القانونية على نطاق واسع؛ تؤدي إلى بروتوكولات وإجراءات.

المصدر: (بيشر وتراولر، 2001، ص 36)

ميّز (بيشر وتراولر) أيضًا بين محاور التركيز في الميادين المعرفية من خلال تقديم تشبيه بين نمطي الحياة الحضرية والريفية (ص 106):

قد يُقارن الباحثون الميادين التي يتركّز فيها عدد كبير من الأكاديميين حول مشكلات محددة بالمجتمعات الحضرية، بينما تُشبه التخصصات التي يعمل فيها عدد أقل من الأكاديميين على قضايا متفرقة بالمناطق الريفية. ففي الحالة الأولى، تسود كثافة بشرية عالية، وحركة بحثية نشطة قد تبلغ حد الاندفاع أحيانًا، إلى جانب تفاعل جماعي مكثف، وتنافس حاد على الموارد والمساحات العلمية، وانتشار سريع للمعلومات عبر شبكات تبادل معرفية نشطة. أما الحالة الثانية، ورغم ما قد تتخللها من لحظات تنافس وتفاعلات جماعية وانتشار سريع للإشاعات، فإنها تتسم عمومًا بسمات معاكسة، مثل وتيرة أبطأ، وبيئة أقل ازدحامًا، ومساحة أكبر للخصوصية الأكاديمية.

تتباين الميادين الحضرية والريفية في هذا التصنيف ليس فقط من حيث أنماط التواصل، بل أيضًا في طبيعة المشكلات التي ينشغل بها الباحثون، وحجمها، ونوعية العلاقات التي تربطهم، والفرص المتاحة لهم للحصول على الموارد. يركّز الباحثون في الميادين الحضرية عادة على مجالات ضيقة تتضمن مشكلات محددة وواضحة المعالم، بينما يتناول نظراؤهم في الميادين الريفية مجالات معرفية أوسع نطاقًا، تتداخل فيها القضايا ولا تنفصل بوضوح. وقد يبلغ التنافس في السياق الحضري حد الشراسة، إذ يتحوّل إلى سباق محموم لحل مشكلة تُعدّ محورية. أما في السياق الريفي، فيبدو مبدأ تقسيم العمل أكثر منطقية نظرًا لتعدد الموضوعات وتنوّعها، مما يجعل الانخراط في قضية يعكف عليها باحث آخر أمرًا غير مجدٍ. وتُعدّ فرق العمل أكثر شيوعًا في الميادين الحضرية مقارنة بالريفية، كما تتسم المنشورات في التخصصات الحضرية بقصرها، وتعدد مؤلفيها، وسرعة صدورها، في حين ينتظر الباحثون في التخصصات الريفية أكثر من عام، وأحيانًا لفترات أطول بكثير، لنشر مقالاتهم. وتبقى الكتب أكثر أهمية في الميادين الريفية مقارنة بنظيرتها الحضرية.

شهدت العقود الماضية تحولات وصفها (بيشر وتراولر 2001، ص 13) بأنها "تغيّرات جيومورفولوجية كبرى"، رغم أن كثيرًا من السمات التي سبق ذكرها ما زالت قائمة. واستمر هذا التحوّل بوتيرة متسارعة في القرن الحالي، إلى درجة دفعت (تراولر وآخرون 2012ب، ص 257) إلى الاتفاق جزئيًا مع (ماناثونغا وبرو 2012) في أن استعارة "القبائل والأقاليم" قد لم تَعُد الأكثر ملاءمة، واقترحا استبدالها بتصوّر أقرب إلى المحيطات، بما تنطوي عليه من مد وجزر، حيث "تتدفّق المساحات في بعضها بعضًا وتندمج لتشكّل أنماطًا معرفية متغيّرة تظهر مع تغيّر المشكلات والحاجات" (ماناثونغا وبرو 2012، ص 51). ورغم تعدد الاستعارات، فإن أغلب التحليلات تتفق على أن أبرز ملامح التغيير تشمل تصاعد تدخل الدولة، وتزايد الضغوط المرتبطة بقياس الأداء، وازدياد حاجة الأكاديميين إلى "ملاحقة التمويل". وقد غيّرت مطالب الجهات المموِّلة طبيعة النتائج التي ينتجها الأكاديميون، وأسهمت أدوات مثل "تمارين تقويم البحوث" والمبادرات المشابهة في تعزيز آليات المساءلة، مما ضاعف من مشاعر القلق داخل الأوساط الأكاديمية. وشملت هذه التغيّرات ميدان التعليم، بما فيه بحوث التربية المقارنة، شأنه شأن سائر المجالات الأخرى.

موقع التربية والتربية المقارنة ضمن البنى المعرفية لمجالات البحث الأخرى

يشير الجدول 2.1 بوضوح إلى أن التربية تشكل ميدانًا معرفيًا معيّن، غير أن هذا الانتماء التخصصي لم يكن محل اتفاق دائم. يُنظَر إلى ميدان التربية على أنه يتضمّن أقسامًا أكاديمية، وبرامج دراسية، ومجلات متخصصة، غير أن مضمونه الفكري يستند في الغالب إلى معارف مستمدّة من تخصصات أخرى، ونادرًا ما يُظهِر خصائص فكرية مميّزة تقتصر على دراسة التربية (فرلونغ ولون 2011).

يصعب الجزم بأن ميدان التربية بأكمله يُعدّ ميدانًا معرفيًا مستقلًا، ويزداد هذا التحدّي حين يتعلّق الأمر بالتربية المقارنة. صحيح أن بعض الباحثين وصفوا التربية المقارنة بأنها ميدان معرفي مستقل (مثل يونغمان 1992؛ هيغينسون 2001؛ وولهاتر وبوبوف 2007)، غير أن الغالبية ترى فيها ميدانًا يستقطب باحثين مزوّدين بأدوات ومنظورات منهجية تنتمي إلى ميادين معرفية أخرى، ويختارون توظيفها في معالجة القضايا التربوية ضمن سياق مقارن (مانزون 2011). وقد عبّر (لي تان خوي 1986، ص 15) عن هذا التوجه حين وصف التربية المقارنة بأنها "ميدان دراسي يشمل جميع التخصصات التي تُسهم في فهم التربية وتفسيرها".

تناول (أوليفيرا) هذا الموضوع بمزيد من التفصيل في عملين متكاملين. ويستند العرض التالي أساسًا إلى دراسته التأسيسية الصادرة عام 1988، التي وسّع أفكارها لاحقًا بعد عقدين من الزمن في عمل علمي نُشر بالإسبانية (أوليفيرا 2009). وقد أشار أولًا (1988، ص 174) إلى أن معظم المعارف التي تنتمي إلى المستوى العلمي حول التربية تتكوّن من:

تتكوّن هذه المعارف من مجموعة غير متجانسة من المساهمات المستمدة من الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة المرتبطة بالتربية. ويأتي أغلب مؤلفي هذه الدراسات من خارج النظام التربوي، ما يجعلهم يُدخلون بطبيعة الحال تحيّزات تخصصاتهم في تحليلاتهم. يهتم الاقتصادي بمدى الكفاءات الفعلية التي تنتجها التربية، ويسعى إلى تقدير تكاليف اكتسابها؛ ويركّز عالم الاجتماع على ما إذا كانت التربية تُهيّئ الأفراد للتكيّف مع بيئتهم الاجتماعية أو لتحفيز التغيير والثورة؛ أما الفيلسوف، ومن منظور أشمل، فيتأمّل في المعنى العام للتربية وأهدافها، ويتساءل عمّا ينبغي أن تكون عليه هذه الأهداف في عالم اليوم.

يؤكّد (أوليفيرا) أن جميع هذه المساهمات المنبثقة من "علوم التربية" المتعدّدة تُعدّ قيّمة ولا غنى عنها، لكنه يرى أنها تبقى على هامش السمات المحدّدة لعمليات النمو والتطوّر اليومية، وللعلاقات التفاعلية بين المربّين والمتعلّمين، وللإطار المؤسسي الذي ينظّم هذه العلاقة. ويرى أن ميدان التربية يمتلك كيانًا معرفيًا فريدًا يستحقّ تسمية تُعبّر عنه بوضوح، حيث إن تلك التسميات الشائعة لا تلبّي هذا الغرض. فمصطلح "بيداغوجيا" مضلّل لأنه يشير إلى فعل لا إلى معرفة، ويتمثّل هذا الفعل في "قيادة" الأطفال أولًا نحو المعلم، ثم نحو التعلّم نفسه. كما يرفض (أوليفيرا) تسميات أخرى مثل "أُصول التعليم"، و"علوم التربية" بصيغة الجمع، و"علم التربية" بصيغة المفرد، ويصرّح في (ص 176) بأن الاكتفاء بلفظ "تربية" يُعدّ عبثًا دلاليًا، فالتربية نشاط لا معرفة، تمامًا كما أن المجتمع ليس هو علم الاجتماع، واللغة ليست هي علم اللسانيات، والحيوانات ليست هي علم الحيوان.

سعى (أوليفيرا) إلى تجاوز هذا الإشكال بالرجوع إلى ما طرحه كل من (كريستنسن) عام 1984 و(ستاينر ماتشيا) عام 1964، مؤكدًا أنه لا توجد تسمية أنسب من "علم التربية" (educology)، إذ يرى أن هذا المصطلح يعبّر بدقة عن كل ما يندرج ضمن المعرفة التربوية – دون سواها – سواء كانت علمية أو تطبيقية، ومهما اختلفت التخصّصات التي جاءت منها. وأشار إلى أن الكلمة قد تبدو في البداية غريبة أو متكلفة، تمامًا كما بدا مصطلح "علم الاجتماع" (sociology) عند ظهوره، وهو الآخر تركيب لغوي هجين من اليونانية واللاتينية، غير أنه يعتقد أن المصطلح الجديد يضفي من الوضوح والدقة على المعرفة التربوية ما يجعله جديرًا بالاعتماد والانتشار.

أقرّ (أوليفيرا) بأن جوهر القضية لا يكمن في التسمية بقدر ما يتمثل في البنية النظرية التي تنظّم محتوى علم التربية، أي المجال الكامل للمعرفة التربوية الذي يُفترض أن تحتل فيه كل دراسة جديدة موقعها، وأن تُفحَص فيه مدى مواءمتها مع ما سبقها من معارف. واقترح وضع هذا التصوّر بمساعدة رسم تخطيطي يُميّز بين "العلوم الإنسانية" من جهة و"علوم التربية" من جهة أخرى، واضعًا علم التربية في موقع وسيط بينهما، على أن ترتبط هذه المكونات الثلاثة بواقعها الموضوعي كما هو موضح في الشكل 2.1.

ينطلق هذا الفصل من التساؤل حول موقع التربية المقارنة داخل مخطط أوليفيرا، لا سيما وأنها غابت عنه بشكل لافت في الشكل 2.1. وللإجابة عن هذا التساؤل، أشار أوليفيرا (ص 179) إلى أن المقارنة بين الأشياء — بما تتطلبه من إقامة علاقات عقلية بينها — تُعد منطلقًا أساسيًا في تكوين المفاهيم والأفكار على مستوى المعرفة العامة أو ما قبل العلمية. أما في المستوى العلمي، فتعتمد العملية ذاتها لكن بصيغة منهجية منضبطة تُستخدم في بناء التعريفات، وقياس الظواهر، وصياغة النماذج. ومن هذا المنطلق، رأى أوليفيرا أن كل عنصر في الشكل 2.1 يستند في أساسه إلى المقارنة، بل إن الفوارق بين العلوم ذاتها تنشأ من عمليات مقارنة — سواء في موضوعاتها، أو زوايا النظر إليها، أو مناهج دراستها.

تابع (أوليفيرا) (ص 180) تأمله في المسألة مؤكدًا أن مجرّد استخدام المقارنة لا يبرّر وصف أي علم بأنه "مقارن"، ما لم ترتقِ هذه المقارنة إلى مستوى أرفع من التجريد، فتُمارس بوصفها مقارنة بين مقارنات. ولهذا لا يصح إطلاق هذه الصفة في العلوم الاجتماعية مثلًا، إلا عندما تُوجَّه المقارنة نحو منظومات من التصوّرات النظرية التي تتناول ظواهر متشابهة تنتمي إلى جماعات اجتماعية مستقلة. وفي العديد من ميادين المقارنة، ومن بينها التربية المقارنة، غالبًا ما تتخذ هذه الجماعة شكل دولة أو أمّة، وبحكم كونها وحدة منفصلة، يمكن التعامل معها بوصفها نظامًا مستقلًا. ونظرًا إلى أن كل واحدة من هذه المنظومات النظرية قد نتجت هي الأخرى جزئيًا من مقارنة سابقة، فإن البحث المقارن يُجسّد، في جوهره، استخدامًا مركّبًا للطريقة المقارنة، أو ما يمكن وصفه بالدرجة الثانية من المقارنة.

ويُفسّر هذا الأمر غياب التربية المقارنة عن الشكل 2.1، إذ إن إدراجها كان سيتطلب إضافة بُعد ثالث إلى الرسم التخطيطي، باعتبارها تمثّل مستوىً معرفيًا متقدّمًا من حيث البناء المعرفي. وقد عبّر (أوليفيرا) (ص 181) عن هذه النقطة على النحو التالي:

تعتمد التربية المقارنة في سعيها إلى إدراك الحقيقة على نطاق يشمل جميع الموضوعات الجزئية التي تعالجها التخصّصات الوسطى في الشكل، إلا أنها لا تتناول أياً منها مباشرة، لأنها لا تُعنى بدراسة حالة تعليمية منفردة، بل تركز على حالتين أو أكثر في آنٍ واحد. وحتى تتمكن من التعامل مع هذه الوقائع المتعددة، لا بد أن تكون كل حالة قد صيغت بصورة تجعلها قابلة للمقارنة عبر مستوى أولي من التجريد.

تنطلق التربية المقارنة من مجموعة من النماذج المجردة، وتستخدم أدواتها النظرية والمنهجية لتُنتج معارف تحليلية على مستوى أعلى، فتصل إلى استنتاجاتها الخاصة. وقد تتخذ هذه الاستنتاجات أشكالًا متعددة، مثل قوانين عامة، أو قواعد تفسيرية تقريبية، أو نظريات مؤقتة، أو تأكيدات أو نقوض لنظريات سابقة، أو فرضيات جديدة تمهّد لأبحاث لاحقة. وتتميّز هذه النتائج (ص 181) بكونها ذات طابع مقارن صرف، قابلة للتطبيق على النظم التعليمية المدروسة، فضلًا عن دورها في إعادة بناء المعرفة داخل الميادين المعرفية المرتبطة، عبر تزويدها بمعطيات أعمق وأكثر تركيبًا.

الشكل 2.1: تصنيف (أوليفيرا) المنهجي للميادين المعرفية المتعلقة بالتربية

Shape1

المصدر: (أوليفيرا، 1988)، ص 178

المنهجية والتركيز في التربية المقارنة

شهد ميدان التربية المقارنة تأثيرًا بالغًا من جانب العلوم الاجتماعية، إذ أدّت التحوّلات التي طرأت على الأنماط الفكرية السائدة فيها إلى تغيّرات ملموسة في مسار هذا الميدان. ومن أبرز تلك التحولات: صعود النزعة الوضعية خلال الستينيات والسبعينيات، لا سيما في أوروبا وأمريكا الشمالية، ثم انتشار ما بعد الحداثة في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، وصولًا إلى هيمنة العولمة بوصفها عدسة تحليلية منذ مطلع الألفية الجديدة (إبشتاين 1994؛ بولستون 2000؛ كوين وكازامياس 2009 أ؛ ديفيز 2009؛ لارسن 2010). ورغم هذا الارتباط، لم تتوسّع التربية المقارنة في توظيف أدوات العلوم الاجتماعية، واقتصر استخدامها غالبًا على مجموعة محدودة منها؛ ويعود ذلك جزئيًا إلى طبيعة هذا المجال ذاته، الذي يقوم في جوهره على مقارنة من الدرجة الثانية، إذ يعتمد على وحدات سبق تحليلها عبر مقارنات سابقة. ولهذا، تهيمن على الكتب والمقالات المنشورة في التربية المقارنة قراءات تحليلية للأدبيات، وتكاد تخلو من الدراسات الاستقصائية، وتكاد تغيب المقاربات التجريبية تمامًا.

سعى (فوسـتر) وزملاؤه (2012) إلى تحليل هذا النمط من خلال دراسة المقالات المنشورة بين عامي 2004 و2008 في أربع مجلات بارزة تصدر باللغة الإنجليزية؛ إحداها أمريكية، وهي مجلة مراجعات التربية المقارنة (Comparative Education Review)، والثلاث الأخرى بريطانية: مجلة التربية المقارنة (Comparative Education)، ومجلة المقارنة: دورية في التربية المقارنة (Compare: A Journal of Comparative Education)، والمجلة الدولية للتنمية التربوية (International Journal of Educational Development). وقد أظهر التحليل (ص 712) أن المقالات تناولت "التعليم في سياقه الاجتماعي بنسبة تفوق بنحو الثلث عدد المقالات التي تناولت الإدارة والحَوكمة التعليمية، وأكثر من ضعفي المقالات التي تناولت التدريس والتعلّم المباشر". وركّز 41% من المقالات على السياسات التعليمية وتخطيط التعليم، و24% على نظريات التعليم، و21% على القيم والاتجاهات، و20% على العولمة. أما موضوعات مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصال، والقيادة التعليمية، والامتحانات، والكتب الدراسية، فلم تتجاوز كلٌّ منها نسبة 2%. ومن الناحية الجغرافية، ركّزت 24% من المقالات على إفريقيا، و23% على آسيا، و17% على أوروبا، بينما تناولت 21% أكثر من منطقة واحدة.

أجرى (فوسـتر) وزملاؤه (2012، ص 728) تحليلًا لطرائق البحث المستخدمة، فوجدوا أن أكثر من نصف المقالات (53%) اعتمدت على مراجعة الوثائق والتحليل التاريخي، في حين استخدمت 35% منها الاستبيانات والتحليل الكمي، و27% المقابلات ومجموعات النقاش. أما الأساليب التجريبية أو شبه التجريبية فلم تُستخدم إلا في 1% فقط من المقالات، وهي النسبة ذاتها التي ظهرت بها دراسات التتبّع أو الدراسات الطولية.

اعتمدت هذه الدراسة المسحية على دراسة سابقة أعدّها (راست) وزملاؤه عام 1999، شملت فترة زمنية أطول من 1957 إلى 1995، وركّزت على ثلاث مجلات رائدة: مراجعة التربية المقارنة
(Comparative Education Review)
، والتربية المقارنة (Comparative Education)، والمجلة الدولية للتنمية التربوية (International Journal of Educational Development). وقد بيّنت نتائج الدراسة أنه في ستينيات القرن العشرين، استندت 48% من المقالات إلى مراجعة الأدبيات بصورة أساسية، وبلغت نسبة الدراسات التاريخية 15%. أما في ثمانينيات وتسعينيات القرن نفسه، فقد انخفضت النسبتان إلى 26% و5% على التوالي. في المقابل، ارتفعت معدلات مراجعة المشاريع، والملاحظة بالمشاركة، والبحوث المستندة إلى المقابلات والاستبيانات، مما يشير إلى توسّع استخدام أدوات البحث المعتمدة في العلوم الاجتماعية داخل هذا الميدان.

تباينت الموضوعات السائدة والمناهج المتبعة تباينًا كبيرًا بين مختلف أنحاء العالم وفي فترات زمنية متباينة. وأوضح (ماكغراث، 2012، ص 709) في افتتاحيته التي تناول فيها دراسة (فوستر وآخرون، 2012) أن التحليل اقتصر على مجلات ناطقة بالإنجليزية تصدر في بلدين يتمتعان بثقافتين بحثيتين متقاربتين، وهما ثقافتان لا يُشترط بالضرورة وجود نظير لهما في أماكن أخرى. ولفت (كاوين وكازامياس، 2009ب، ص 4) النظر إلى وجود أنماط متعددة من التربية المقارنة، مشيرين إلى أن هذا التعدد يظهر داخل الدولة الواحدة من خلال جماعات أكاديمية تختلف مناهجها ومجالات بحثها، وقد لا يكون بينها تواصل. وينطبق الأمر نفسه على جماعات تنتمي إلى دول مختلفة تستخدم لغات متباينة وتتبع تقاليد معرفية متميزة، وقد لا يجمعها تواصل مع نظيراتها من بلدان ومجتمعات لغوية أخرى.

يبدأ التحليل بالجماعة الأولى من هاتين الفئتين، ويجدر التوقّف عند الخرائط التي وضعها (بولستون، 1997؛ 2000) لمجال التربية المقارنة، إضافةً إلى ما قدّمه (ويدمان وجاكوب، 2011). ويُعيد الشكل 2.2 إنتاج إحدى تلك الخرائط، موضّحًا التيارات والنظريات في التربية الدولية والمقارنة. وتُظهر هذه الخريطة بعض التقاطعات بين توجهات الإنسانيين والوظيفيين، لكنها تبيّن في الوقت نفسه أن لكلٍّ منهم مجالات يتحرك فيها باستقلال تام. ويمكن قول الشيء ذاته عند مراجعة قوائم المراجع؛ إذ إن كثيرًا من الباحثين في هذا الميدان يتجاهلون زملاءهم ممّن ينطلقون من مناهج مختلفة، ويواصلون مع ذلك نشر أعمالهم، إما لأن المجلات التي ينشرون فيها تتّسم بالتنوع، أو لأنها موجّهة إلى جماهير مختلفة. وكان (إبستين، 1992، ص 23) من بين من أشاروا إلى أن بعض التوجّهات المعرفية المتعارضة في ميدان التربية المقارنة غير قابلة للانسجام من حيث المبدأ.

الشكل 2.2: خريطة شاملة للنماذج الإرشادية والنظريات في ميدان التربية المقارنة والدولية

Shape2

المصدر: بولستون (1997)، ص 142.

قد تظهر فروقات إضافية بين الباحثين المقيمين في بلدان مختلفة ويكتبون بلغات متباينة، إلى جانب الفروقات القائمة بين باحثين ينتمون إلى البلد نفسه ويكتبون باللغة ذاتها، ولكنهم يعملون ضمن مناهج متباينة ولا يتواصلون فيما بينهم. ويتسع هذا التباين ليشمل الباحثين المقيمين في دول مختلفة ويكتبون بلغات متعددة؛ فقد يعتمد بعضهم نماذج إرشادية متقاربة رغم اختلاف اللغة، غير أن احتمال التباعد المنهجي يرتفع كلما غابت اللغة المشتركة كوسيط معرفي. وفي هذا السياق، تتيح مقارنة أعمال كل من (هارولد نواه) و(ماكس إكشتاين) — منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي — بأعمال (قو مينغيوان) فهمًا أوضح لهذا التباين. وقد نشر مركز أبحاث التربية المقارنة في جامعة هونغ كونغ مختارات من مؤلفاتهم، ما أتاح إمكانية مقارنتها بشكل مباشر (نواه وإكشتاين 1998؛ قو 2001). ركّز (نواه) و(إكشتاين)، المقيمان في الولايات المتحدة وكتبا ضمن الفضاء الناطق بالإنجليزية، على القضايا المنهجية ضمن الإطار الوضعي، بما يتماشى مع اهتمامات العالم الأول. أما (قو)، فكان يعمل في بيئات علمية ناطقة بالروسية والصينية، وكتب في بداياته ضمن إطار ماركسي لينيني، واهتم خصوصًا باستخلاص الدروس التي يمكن أن تستفيد منها الصين من تجارب الدول الصناعية. وخلال السبعينيات والثمانينيات، اختلف السياق المعرفي الذي انطلق منه (قو) جذريًا عن البيئة البحثية التي كان يعمل فيها كلٌّ من (نواه) و(إكشتاين).

لطالما طُرح تساؤلٌ جوهريّ بشأن مدى انطباق صفة "المقارنة" على معظم ما يُكتب في ميدان التربية المقارنة، ما يجعل الأسس التي يقوم عليها هذا الميدان محلّ تشكيك. وقد أشار عدد من الباحثين، منهم (كامنغز 1999) و(ليتل 2000) و(وولهوتر 2008)، إلى أن كثيرًا من المقالات المنشورة في مجلات تحمل في عناوينها لفظ "مقارنة" تقتصر في الواقع على دراسة دولة واحدة ولا تتضمن مقارنة واضحة أو منهجية، مثل مجلة التربية المقارنة
(Comparative Education)
ومجلة مراجعات التربية المقارنة (Comparative Education Review). وتبدو مظاهر هذا التراخي المفاهيمي أكثر وضوحًا في المؤتمرات المتخصصة، حيث تقلّ فيها عادة معايير التدقيق الصارم المعتمدة في المجلات المحكمة. وقد أشار (أوليفيرا 1988، ص 166–167) إلى هذا الوضع تحديدًا:

قُدّمت أكثر من 350 ورقة بحثية في آخر مؤتمرين عالميين لجمعيات التربية المقارنة، الأول في باريس عام 1984 والثاني في ريو دي جانيرو عام 1987، وتكشف قائمة هذه الأوراق عن معطيات بالغة الدلالة؛ إذ لم تتجاوز الدراسات المقارنة الحقيقية نسبة 19% في باريس و26% في ريو، حيث تناولت هذه الدراسات إما مشكلات تربوية عالمية أو قضايا محددة تمت دراستها في بلدين أو أكثر. بينما ركّزت نسبة تتراوح بين 13 و17% من الأوراق على قضايا نظرية، أو على مسائل تتعلق بنظرية المعرفة أو المنهجية. وفي المقابل، شكّلت الدراسات التي اقتصرت على تحليل نظام تعليمي أو مسار تاريخي أو ابتكار أو حالة وطنية خاصة ما يقارب نصف الأوراق، إذ بلغت 45% في مؤتمر ريو، وقد اكتفت هذه الدراسات بوصف الواقع وتحليله دون محاولة المقارنة أو استنباط نتائج أو طرح فرضيات قابلة للاستخدام في سياقات أخرى. كما تناولت نسبة تُقدّر بـ7% من الأوراق قضايا تربوية أو قدمت عرضًا عامًا لابتكارات دون أن تستند إلى سياقات واقعية ملموسة.

يرجع جانب من هذا التراخي في المفاهيم إلى الارتباط القائم بين ميدان التربية المقارنة وميدان التربية الدولية، وهما المجالان اللذان وصفهما (ويلسون) في عام 1994 بأنهما توأمان ملتصقان. وتختلف دلالة مصطلح "التربية الدولية" باختلاف المستخدمين؛ إذ يرى بعضهم أنها عملية إعداد الأفراد ليكونوا ذوي توجه دولي، كما أوضح ذلك (جيلار) عام 2002، بينما استخدم آخرون المصطلح للإشارة إلى "أنواع العلاقات التعليمية والثقافية المختلفة بين الدول"، كما جاء في تعريف (سكانلون) و(شيلدز) سنة 1968، ص X. وقد ميّز (راست) عام 2002 بين الميدانين بقوله إن التربية المقارنة تغطي الجوانب الأكاديمية والتحليلية والعلمية، في حين ترتبط التربية الدولية بأبعاد التعاون والتفاهم والتبادل. وتجدر الإشارة إلى أن الجمعية الأمريكية للتربية المقارنة، التي أُنشئت سنة 1956، غيّرت اسمها في عام 1968 إلى جمعية التربية المقارنة والدولية، رغم احتفاظ مجلتها الرسمية بعنوانها الأصلي: مراجعات التربية المقارنة (Comparative Education Review). وتشمل الجمعيات المهنية الأخرى التي تجمع بين المجالين معًا: الجمعية الكندية للتربية المقارنة والدولية (CIESC)، والجمعية البريطانية للتربية الدولية والمقارنة (BAICE)، والجمعية الأسترالية والنيوزيلندية للتربية المقارنة والدولية (ANZCIES).

تعكس هذه التسميات المتداخلة طبيعة الغموض الذي يكتنف ميدان التربية المقارنة، إذ يواجه محررو مجلة مراجعة التربية المقارنة (Comparative Education Review) صعوبة في رفض المقالات التي تُصنَّف ضمن التربية الدولية دون المقارنة، ما دامت التربية الدولية جزءًا من اسم الجمعية، حتى وإن لم ينعكس هذا في عنوان المجلة. وقد كان الوضع مماثلًا لفترة طويلة في مجلة مجلة التربية المقارنة (Compare: A Journal of Comparative Education) التابعة للجمعية البريطانية، قبل أن يُعالج هذا الإشكال عام 2009 بإضافة العنوان الفرعي مجلة التربية المقارنة والدولية (A Journal of Comparative and International Education) (براي 2010). أما مجلة الجمعية الكندية، فتحمل عنوان مجلة التربية الكندية والدولية (Canadian and International Education) من دون أي إشارة للمقارنة. في حين تتبنّى المجلة الصادرة عن الجمعية الأسترالية والنيوزيلندية عنوانًا يجمع بين المفهومين: مجلة التربية الدولية: رؤى مقارنة (International Education Journal: Comparative Perspectives).

إن المجلس العالمي لجمعيات التربية المقارنة (WCCES) لا يتضمّن في تسميته صفة "الدولية"، ما يساعد في تجنّبه الالتباسات الدلالية التي تواجه الجمعيات الوطنية الأربع المذكورة آنفًا. ومع ذلك، فإن هذه الجمعيات الأربع تشكّل جزءًا من 39 جمعية عضوة في المجلس، ما يجعله عرضة بدوره لتأثير تلك الالتباسات، خاصة وأن الجمعية الأمريكية للتربية المقارنة والدولية (CIES) كانت دومًا الأكثر عددًا ونشاطًا بين جمعيات المجلس (ماسيمان وآخرون، 2007). ولهذا السبب، تُستخدم تعريفات عامة وغير محددة عند تنظيم المؤتمرات العالمية لجمعيات التربية المقارنة باسم المجلس. وفيما يتعلّق بمؤتمري باريس (1984) وريو دي جانيرو (1987) المذكورين سابقًا، فقد أشار (أوليفيرا، 1988، ص 168) إلى أن المنظّمين لم يعتبروا أنفسهم مخوّلين برفض أي ورقة من تلك المشار إليها، لعدم وجود معايير معتمدة تبيّن ما يُعدّ من التربية المقارنة وما لا يُعدّ. وقد تكررت هذه الإشكالية في كل مؤتمر لاحق.

التحولات الجذرية في البنية الأكاديمية

أشار (بيشر) و(تراولر) (2001) إلى تحولات عميقة شهدها التعليم العالي، لا سيما في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية. وقد وصفا هذه التغيرات بأنها "تحولات جذرية في البنية الأكاديمية" أعادت تشكيل المشهد الأكاديمي والمرجعيات التي تنهض عليها مجالات المعرفة. وأسهم في هذه التغيرات الدور المتعاظم للدولة، والضغوط المرتبطة بمؤشرات الأداء، والعبء المتزايد الواقع على الأكاديميين في السعي المستمر وراء التمويل. ولم تكن التربية المقارنة بمنأى عن آثار هذه التحولات، شأنها في ذلك شأن سائر الميادين. ومع أن طبيعة هذه التحولات الجيومورفية اختلفت من سياق جغرافي إلى آخر، فإن ملامح من الاستمرارية ظلت قائمة في معظم الحالات.

أثّرت السياسات المرتبطة بالمساعدات الدولية على ميدان التربية المقارنة في كلٍّ من المملكة المتحدة والولايات المتحدة. جاءت الورقة البحثية التي أعدها (فوستر) وآخرون (2012) استجابةً لتكليف من وزارة التنمية الدولية البريطانية (DFID)، التي سعت إلى توجيه تمويل البحوث في إطار مساعداتها الدولية. وبالطريقة نفسها، لاحظ (روست) وآخرون (1999) تزايدًا ملحوظًا في عدد مراجعات المشروعات خلال الثمانينيات والتسعينيات في المجلات الثلاث التي شملها تحليلهم، مقارنةً بالفترات السابقة. وقد نُفّذت عديد من تلك المشروعات برعاية وزارة التنمية الدولية البريطانية، أو الهيئات السابقة لها، أو وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية (USAID). استعانت هذه المشروعات غالبًا بأكاديميين كمستشارين، مما جعل توجهات الجهات المانحة تؤثر بشكل مباشر في خارطة البحوث التربوية المقارنة؛ إذ إن تركيزها مثلًا على التعليم الابتدائي دون الثانوي أو المهني انعكس على نوعية الدراسات المنشورة. وتطرّقت عديد من المقالات المنشورة في المجلات البريطانية والأمريكية إلى دور المساعدات الدولية نفسها، سواء من خلال تحليل سياسات الوكالات الثنائية، أو عبر دراسة دور الجهات المتعددة الأطراف مثل البنك الدولي واليونسكو.

أثرت السياسات التي انتهجتها الوكالات متعددة الأطراف وحكومات الدول الغنية والفقيرة في مدى حضور بعض البلدان في ميدان التربية المقارنة. ويتّضح ذلك من خلال تباين مستوى تمثيل بلدين مثل (نيجيريا) و(الصين) في المؤتمرات والأدبيات ذات الصلة. برزت (نيجيريا) خلال السبعينيات والثمانينيات نتيجة عوامل عدّة، من بينها تنفيذ مشروعات مساعدات خارجية داخل البلاد، وتوظيفها خبرات أجنبية بفضل العائدات النفطية، إلى جانب ابتعاث أعداد كبيرة من الطلاب النيجيريين إلى الخارج لاستكمال تعليمهم العالي. ومع حلول التسعينيات، تراجعت هذه المكانة تدريجيًا نتيجة تلاشي الطفرة النفطية وانخفاض اهتمام الجهات المانحة، فضلًا عن التحديات الاجتماعية التي جعلت البحث الميداني في نيجيريا أكثر صعوبة بالنسبة للباحثين الأجانب. في المقابل، لم تكن (الصين) حاضرة بوضوح في مؤتمرات وجمعيات التربية المقارنة في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة قبل التسعينيات، بسبب السياسات الانغلاقية التي تبنّتها الحكومة الصينية، إذ لم تكن تسمح بزيارة الباحثين الأجانب أو تشجّع مشاركة علمائها في الخارج، كما لم يكن هناك نشاط يُذكر لوكالات المساعدات الغربية في الداخل الصيني. لكن هذه الصورة تغيّرت جذريًا مع مطلع القرن الحادي والعشرين؛ إذ بدأ عدد كبير من الباحثين الصينيين بالدراسة في جامعات غربية، وجلبوا معهم تجاربهم وبياناتهم، كما أصبح بإمكان الأكاديميين الأجانب زيارة الصين ضمن برامج تمويلية مشتركة. وساهم أيضًا ارتفاع عدد المتحدثين باللغة الإنجليزية من الباحثين الصينيين في تمكينهم من الاطلاع على الأدبيات العالمية والتفاعل مع الأوساط الأكاديمية الدولية.

شهد ميدان التربية المقارنة تحولًا جذريًا آخر تمثل في تفكك الاتحاد السوفيتي، وقد أدى هذا التفكك، نظرًا لاعتماد البلدان كوحدات رئيسة في التحليل، إلى بروز الدول الخمس عشرة الجديدة ككيانات مستقلة في الأدبيات الأكاديمية. أسهم هذا التغيير في توسيع نطاق الاهتمام البحثي بهذه الدول، كما ساعد على تعزيز حضورها داخل هذا الميدان. وبالمثل، تزايد انتشار اللغة الإنجليزية في هذه الدول، على نحو يشبه ما حدث في (الصين)، مما سهّل تواصل الباحثين المحليين مع المجتمع الأكاديمي العالمي.

شكّل الأداء أحد العوامل المحورية التي تناولها (بيشر) و(تراولر) في قراءتهما للمشهد الأكاديمي. وقد اشتهرت المملكة المتحدة باعتماد نظم لتقييم الأداء البحثي، ظهرت لها نظائر في (هونغ كونغ) وبلدان أخرى. وقد أدّت هذه النظم إلى زيادة الضغط على الأكاديميين للنشر، وأسهمت، في ميدان التربية المقارنة، في توسعة المجلات العلمية القائمة وإطلاق مجلات جديدة. ويمكن توضيح هذا التوسع من خلال الحقائق التالية:

  • في عام 1992، زادت أعداد (المراجعة الدولية للتعليم) المنشورة في هولندا من أربعة إلى ستة أعداد في السنة.

  • في عام 1993، زادت مجلة المملكة المتحدة (قارن: مجلة التربية المقارنة) من عددين إلى ثلاثة أعداد في السنة، وفي عام 2003، توسعت إلى أربعة أعداد، وفي عام 2007 إلى خمسة أعداد، وفي عام 2009 إلى ستة أعداد.

  • في عام 1998، زادت أعداد (المجلة الدولية للتطوير التعليمي) في المملكة المتحدة من أربعة إلى ستة أعداد في السنة.

  • في عام 2002، نشرت المجلة الصينية (مراجعة التربية المقارنة) من ستة إلى 12 عددًا سنويًا.

وتشمل المجلات الجديدة التي ظهرت منذ مطلع القرن ما يلي:

  • مجلة (مراجعة التربية المقارنة والدولية)، والتي أطلقت في اليونان في عام 2003.

  • مجلة (البحث في التربية المقارنة والدولية)، التي تم إطلاقها في المملكة المتحدة في عام 2006.

  • مجلة (التربية المقارنة والدولية)، التي أطلقتها جامعة مالايا في عام 2012.

واصل عديد من باحثي التربية المقارنة نشر أعمالهم في مجلات عامة لا تقتصر على هذا التخصص، إلى جانب إصدارهم كتبًا ومساهماتهم في مؤلفات محررة. ويعكس هذا التوسع في قنوات النشر، من جهة، اتساع رقعة التعليم العالي وتزايد أعداد الأكاديميين، ومن جهة أخرى، تنامي الضغوط المؤسسية التي تحثّ الباحثين على إجراء الدراسات ونشر نتائجها.

شكّل الضغط المتزايد لتحقيق الإيرادات أحد المحاور الرئيسة في التحولات الجذرية التي أشار إليها (بيشر) و(تراولر) (2001). وقد نشأ هذا الضغط أساسًا عن توجّه حكومي عام نحو تقليص التمويل المخصص لمؤسسات التعليم العالي، بالتزامن مع التوسع المتسارع في هذا القطاع، ما ضاعف حدّة التنافس بين الجامعات. وسعيًا لتعويض النقص، لجأت عديد من المؤسسات إلى استقطاب الطلاب الأجانب الذين يدفعون الرسوم، وهو اتجاه برز بوضوح في أستراليا، حيث بات التعليم الجامعي للأجانب قطاعًا اقتصاديًا بالغ الأهمية (زيبن & برينان 2012؛ نيس & هيلستين 2005). وأسهم هذا الانفتاح الدولي في تعزيز الإنتاج العلمي المتعلق بالتربية المقارنة وتوسيع آفاقه.

شكّلت العولمة بما أحدثته من تحولات كبرى أحد أبرز العوامل المرتبطة بهذه الظاهرة. أشار (إيستون) (2007، ص 7–8) إلى أن العولمة ليست مفهومًا مستجدًا، بل لها جذور ضاربة في التاريخ؛ غير أن حجمها وطبيعتها وأثرها في تسعينيات القرن الماضي والعقود الأولى من القرن الحالي حملت سمات غير مسبوقة. أسهمت العولمة من جانب في إحياء ميدان التربية المقارنة من خلال إبراز الحاجة إلى رؤى تتجاوز الحدود القُطرية وتقديم موضوعات جديدة قابلة للتحليل، لكنها من جانب آخر أضعفت هذا الميدان، إذ بات عدد كبير من الأكاديميين يعدّون أنفسهم من أصحاب الرؤى الدولية أو المقارنة دون امتلاك الأسس المنهجية والركائز الفكرية الراسخة التي تميّزه (ميتر 2009، ص 98؛ كروسلي وواتسون 2003، ص 1–11).

أخيرًا، كان للتكنولوجيا دور محوري في إعادة تشكيل معالم التربية المقارنة. ومن أبرز مظاهر هذا التحول زيادة سهولة السفر الجوي وانخفاض تكلفته، ما أتاح للباحثين تنفيذ دراساتهم خارج أوطانهم بيسر أكبر. لكن الأثر الأعمق تمثّل في ظهور الإنترنت، الذي وسّع نطاق الوصول إلى المعلومات بصورة غير مسبوقة. كما أتاح البريد الإلكتروني للأكاديميين حول العالم فرصة التواصل الفوري تقريبًا وبتكلفة محدودة. وأسهمت هذه التطورات كذلك في تغيير مشهد النشر العلمي، إذ ظهرت مجلات إلكترونية خالصة، بينما باتت المجلات التقليدية تصدر بنسخ إلكترونية إلى جانب نسخها المطبوعة.

نظرًا إلى أن كثيرًا من هذه التحوّلات العميقة اتخذت طابعًا عالميًا، بدأت الفوارق الجغرافية في ميدان التربية المقارنة، التي تَجلّت في المقارنة بين كتابَي (نواه) و(إكستاين) و(قو)، بالتراجع. ومع انفتاح الصين وتوسّع استخدام اللغة الإنجليزية، زاد اهتمام الباحثين الصينيين بالأدبيات والمقاربات المنهجية الغربية، وتعزّز التبادل الأكاديمي بين الجانبين من خلال الترجمات المتبادلة وتنقّل الباحثين.

ومع ذلك، وبرغم هذه التحولات العميقة في المشهد الأكاديمي، حافظ ميدان التربية المقارنة على بعض خصائصه الأساسية التي ظلت بارزة حتى القرن الحادي والعشرين، كما كانت في العقود السابقة. فعلى سبيل المثال، وكما أشار (أوليفيرا) إلى غياب التماسك المعرفي في أوراق مؤتمري باريس (1984) وريو دي جانيرو (1987)، فمن غير المرجّح أن تكون المؤتمرات اللاحقة قد قدّمت تغيرًا جوهريًا في هذا السياق1. وعلى الرغم من بعض المحاولات في أوساط أكاديمية لتحديد ميدان التربية المقارنة بحدود أكثر وضوحًا، فإنه لا يزال مفتوحًا وواسع الأفق في جميع أنحاء العالم. صحيح أن المجلات التي تُنشر باللغات الصينية، والألمانية، والفرنسية، واليابانية، والكورية، والإسبانية، والإنجليزية، تختلف في تركيزاتها المنهجية والموضوعات التي تتناولها، إلا أنها تشترك إلى حد كبير في انتقائيتها وفي درجة التراخي المنهجي، التي غالبًا ما تكون دون المستوى الذي يطمح إليه المتخصصون في هذا الميدان.

الاستنتاجات

لطالما أُثير الجدل حول ما إذا كانت التربية تُعد ميدانًا معرفيًا قائمًا بذاته. وقد صنّفها (بيشر) و(تراولر) (2001) ضمن الميادين المعرفية، رغم إدراجهما لها ضمن الفئتين المرنة والتطبيقية. بينما يرى آخرون أنها حقل دراسي مفتوح أمام الباحثين القادمين من تخصصات أخرى. وعلى الرغم من تطورها الملحوظ عبر العقود والقرون، فقد أشار (أوليفيرا) (1988، ص 174) إلى أن المعلم لا يُقبل بسهولة في المجتمع العلمي ما لم يكن قد تلقّى تدريبًا رسميًا في أحد فروع العلوم الاجتماعية. غير أن (أوليفيرا) دافع بقوة عن أهمية الاعتراف بالتربية كمعرفة مستقلة، واقترح أن يُستخدم مصطلح "علم التعليم educology" على نطاق أوسع ليعكس هذه الهوية بوضوح.

إذا كان من الصعب اعتبار التربية ميدانًا معرفيًا قائمًا بذاته، فإن التربية المقارنة أبعد ما تكون عن ذلك. فالجماعة الأكاديمية التي تعمل تحت مسمى "التربية المقارنة" تتكوّن من أفراد ينتمون إلى توجهات معرفية متباينة، وهم على ارتباط وثيق بجماعة أخرى تُعرف بـ"التربية الدولية"، التي تنشط بدورها ضمن نطاق مشابه. وقد أدّى التداخل بين أفراد هاتين الجماعتين إلى تمازج في الاتجاهات والأساليب، وهو ما انعكس على طبيعة الإنتاج المعرفي في هذا الميدان (ويلسون 1994، ص 450؛ تيرنر 2010، ص 268–270).

من مزايا البيئة الأكاديمية التي تتيح تقارب الباحثين من ميادين معرفية متعددة أنها تهيّئ الميدان لتبادل فكري يُثري الميادين المتجاورة. ويحدث هذا إلى حدّ ما في ميدان التربية المقارنة، حيث يلتقي الاقتصاديون وعلماء الاجتماع والديموغرافيا والعلوم السياسية، ويُسهم كلٌّ منهم في تقديم رؤى متباينة حول أنظمة التعليم وعملياته في سياقات ثقافية متعددة. ومع ذلك، فإن حجم هذا التفاعل يظل محدودًا. وكما أن الجامعات متعدّدة التخصصات كثيرًا ما تضم كليات تعمل بشكل منفصل كأنها جزر معرفية مستقلة، فإن ميدان التربية المقارنة يعاني من تفتّت مماثل؛ فالوضعيون والماركسيون الجدد يتصادمون أحيانًا، وقد يتبادلون التأثير، لكنهم في الغالب لا يتفاعلون. ويمكن قول الشيء نفسه عن علماء النفس والأنثروبولوجيا، وكذلك المتخصصين في الدراسات الإقليمية الإفريقية أو الصينية، الذين قلّما يتواصلون أو يشاركون أفكارهم مع زملائهم من التخصّصات الأخرى.

بالنظر إلى تصنيف (بيشر) و(تراولر) للحقول المعرفية إلى "حضرية" و"ريفية"، تُعد التربية المقارنة من الميادين التي تميل في طبيعتها إلى الطابع "الريفي"، بمعنى أنها تغطي مساحات معرفية واسعة لا تُرسم فيها حدود دقيقة للمشكلات أو مسارات البحث. وهي لا تشهد عادةً تنافسًا شديدًا كما هو الحال في مجالات مثل أبحاث الرقائق الإلكترونية أو فيروس نقص المناعة البشرية. وعلى الرغم من أن العمل الجماعي في هذا الميدان قد يكون ذا قيمة، فإن الفرق البحثية غالبًا ما تتّسم ببنية مرنة وغير مركزية. ولهذا، يُفضَّل في كثير من الأحيان توزيع الجهود بين الباحثين، نظرًا لاتساع نطاق القضايا غير المطروقة، وقلة الجدوى من تركيز الجهود على موضوعات مشبعة بالدراسات. وكما في الميادين المعرفية المفتوحة الأخرى، غالبًا ما تتأخر عملية النشر في التربية المقارنة، وتُعد المؤلفات المطوّلة، إلى جانب المقالات العلمية، من الأشكال الرئيسة للإنتاج الأكاديمي.

ومع ذلك، وكما هو الحال في مجالات البحث الأخرى، شهد ميدان التربية المقارنة تحولات بنيوية عميقة خلال السنوات الأخيرة. وقد نتجت هذه التحولات جزئيًا عن التدخل المتزايد للدولة في مؤسسات التعليم العالي، والضغوط المرتبطة بالأداء الأكاديمي، والأعباء المالية المتزايدة. وشملت أيضًا تطورات تكنولوجية وتغيرات في الخارطة الجيوسياسية. وقد أثرت هذه التحولات في الطريقة التي تُعرّف بها المجموعات العاملة في ميدان التربية المقارنة نفسها، وفي علاقاتها المتبادلة، وفي ارتباطها بالأكاديميين في ميادين معرفية أخرى. ومع مرور الزمن، تراجعت بعض أنماط التفكير، مثل تلك التي نشأت في سياق الحرب الباردة، بينما اكتسبت مقاربات جديدة — خاصة المرتبطة بتحليل ظاهرة العولمة — حضورًا متزايدًا في الأدبيات.

لا يزال ميدان التربية المقارنة يشهد حجمًا ملحوظًا من الأعمال الوصفية ذات القيمة الفكرية المحدودة، ويتجلى هذا بوضوح في المؤتمرات المتخصصة، حيث تكون معايير الانتقاء غالبًا أقل صرامة من تلك المعتمدة في النشر الأكاديمي. ورغم ما يتّسم به هذا الميدان من تعددية معرفية وغِنى في الخلفيات التخصصية، إلا أنه يحتوي أيضًا على قدر كبير من الطروحات غير المنضبطة؛ حيث تُطرَح أفكار غامضة وأساليب تحليلية مرتجلة إلى جانب دراسات رصينة أكثر دقة. يرى بعض منظّمي المؤتمرات والناشرين أن إفساح المجال أمام الباحثين من خارج التخصص، خصوصًا أولئك الذين ما زالوا في بداياتهم، قد يتيح لهم فرصة تطوير أفكارهم والارتقاء بجودة أعمالهم مستقبلًا. في المقابل، يذهب مشاركون ومراقبون آخرون إلى أن هذه الانتقائية، وما يصاحبها من غياب الصرامة المعرفية، تُلحق ضررًا بالمسار الأكاديمي للميدان وتعيق تقدّم البحث العلمي فيه (وايزمان وأندرسون، 2013).

من بين أبرز الملاحظات التي قدّمها (أوليفيرا، 1988، ص 175) قوله ما يلي:

المعلم دون غيره هو الأقدر على تطوير المعرفة التربوية، تمامًا كما يطوّر علماء الاجتماع علم الاجتماع ويطوّر الاقتصاديون علم الاقتصاد والديموغرافيون علم السكان. ويمكن للمعلم أن يستفيد من علماء الاجتماع وغيرهم لكن دون أن يكون خاضعًا لهم أو تابعًا لمنهجياتهم. ومع ذلك فإن معظم المعلمين لا يملكون تدريبًا علميًا متخصصًا كما أن متطلبات المهنة اليومية لا تتيح لهم غالبًا وقتًا كافيًا للتعمق في دراسة البيانات التي يواجهونها خلال عملهم.

تُشكّل هذه الملاحظة مدخلًا منطقيًا متينًا للتفكير داخل الميادين المعرفية، وعبرها أيضًا. وهي دعوة صريحة لتحليل طبيعة الميادين المعرفية والعوامل التي تؤثر في تكوينها وتطورها.

1 عُقدت المؤتمرات العالمية اللاحقة في مونتريال (1989)، براغ (1992)، سيدني (1996)، كيب تاون (1998)، تشونغبوك، كوريا الجنوبية (2001)، هافانا (2004) وسراييفو (2007)، وإسطنبول (2010) وبوينس آيرس (2013).



الفصل الثالث

النهج الكمية والنوعية في التربية المقارنة

تندرج مناهج البحث ضمن نهج متعددة ومتنوعة، ويُعد التمييز بين النهج؛ الكمي، والنوعي من أكثر التصنيفات شيوعًا في هذا السياق، ورغم أن الحدود الفاصلة بينهما قد تتداخل إلى حدٍّ يصعب فيه رسم خط واضح، وأن العلاقة بينهما لا تقوم على التنافي أو الإقصاء، فإن التركيز على هذين النهجين يكتسب أهمية خاصة لما ينطوي عليه كل منهما من قدرة على كشف أبعاد معرفية مختلفة، وتقديم رؤى تحليلية لا تتشابه في منظورها ولا تتطابق في نواتجها.

يفتتح الفصل بعرض تحليلي للخصائص المميزة للنهج البحثية التي تشكّل محور النقاش، مبيّنًا أوجه التمايز فيما بينها على صعيد الغايات، والبُنى المعرفية، والأسس النظرية التي تنبثق منها، ويتناول تباعًا أسئلة إشكالية تتصل بحدود الموضوعية، ودور القيم، وطبيعة العلاقة المنهجية بين الباحث وموضوع بحثه والمجموعة التي تُجرى عليها الدراسة، ثم ينتقل إلى معاينة كيفية توظيف النهج الكمية والنوعية في أحد أبرز موضوعات بحوث التربية المقارنة، وهو الإلمام بالقراءة والكتابة، حيث يعرض أولًا كيف يروّج باحثو كل من المنهجين لمزايا نهجهم، قبل أن يناقش كيف أن كليهما، على اختلاف أساليبهما، يسعيان للإجابة عن أربعة أسئلة جوهرية تتمحور حول: تعريف الإلمام بالقراءة والكتابة وتصويره بدقة، وتحديد مواقع التفاوت فيه، ورصد العوامل المؤدية إليه، وتحليل تبعاته، وتُعرض في نهاية الفصل مقارنة تفصيلية بين النهجين استنادًا إلى نماذج من بحوث منشورة توضّح أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما.

الطرائق الكمية والنوعية في البحث التربوي

قدّم (بيشيانو، 2004) في كتابه التمهيدي عن البحث التربوي مقارنة مبسطة تُبرز الفروق الجوهرية بين الطرائق الكمية والنوعية في مجال التربية، وعرّف البحث الكمي بأنه يقوم على "جمع بيانات رقمية تُحلَّل لاحقًا باستخدام إجراءات إحصائية" (ص 51)، مشيرًا إلى أن هذا النوع من البحث يسعى إلى استخلاص نتائج قابلة للقياس عبر أدوات تحليل رقمية دقيقة، بينما رأى في المقابل أن البحث النوعي يستند إلى "المعاني والمفاهيم والسياقات والوصف والبيئات المحيطة" (ص 32)، مؤكدًا أن هذا المنهج ينطلق من فهم السياق وتأويل المعاني ضمن بيئتها الطبيعية، موضحًا أن الكمية تعبّر عن المقادير والقيم العددية، في حين تتعلق النوعية بجوهر الظواهر ومضامينها العميقة.

يشير (بيشيانو) إلى أن البحوث الكمية تشمل أنواعًا متعددة، من بينها الدراسات الوصفية، والبحوث الارتباطية، والبحوث السببية المقارنة، والدراسات التجريبية، في مقابل طرائق البحث النوعي التي تتضمّن الإثنوغرافيا، والبحث التاريخي، ودراسات الحالة، وقد عقد (بيشيانو) مقارنة بين هذين الاتجاهين من حيث الغايات، ومصادر البيانات، وطرق جمعها، وأساليب تحليلها، وآليات عرض نتائجها، فعلى سبيل المثال، يهدف البحث الارتباطي الكمي إلى توظيف البيانات الرقمية في وصف العلاقات بين المتغيّرات والتنبؤ بالنتائج المترتبة عليها، في حين يتمحور هدف البحث الإثنوغرافي النوعي حول وصف ظاهرة معينة وفهمها ضمن بيئتها الطبيعية، وتبعًا لاختلاف الأهداف تتباين كذلك مصادر البيانات، إذ يعتمد البحث الارتباطي على بيانات رقمية مستمدة من قواعد بيانات المدارس ونتائج الاختبارات والاستبانات، بينما يستند البحث الإثنوغرافي إلى الملاحظة المباشرة، والمذكرات الميدانية، وقد يشمل أيضًا الصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو.

أوضح (بيشيانو) في مقدمة عرضه للطرائق الكمية والنوعية أن الجدل حول أي النهجين أكثر قيمة ظل قائمًا لعقود، لكنه فضّل عدم الخوض فيه، مؤكّدًا أن كليهما يحظى بمكانة راسخة في المجتمع الأكاديمي، وأن استخدام أي منهما على نحو متقن يسهم بقدر متساوٍ في تطوير المعرفة. ويتبنّى هذا الفصل التوجّه نفسه، إذ لا يعيد الانخراط في الجدل القائم بين النهجين، بل يستلهم أعمال عدد من الباحثين الذين سعوا إلى تجاوز هذا الانقسام، ومن بينهم (برانن 2005)، و(أونويغبوزي 2005)، و(ليتش 2005)، و(غوراد 2004)، و(تايلور 2004)، و(غرين 2007)، و(هاو 2003)، ويركز على تحليل الكيفية التي يعالج بها كل من النهجين مجموعة من الأسئلة الجوهرية المرتبطة بقضايا اجتماعية وتربوية، مع اعتماد اختيارات منهجية دقيقة تُصاغ وفقًا لطبيعة الأسئلة البحثية وتفاصيلها الدقيقة.

النهج الكمية

يتمثّل الهدف الأوسع للطرائق الكمية في البحث التربوي في السعي نحو تحديد قوانين تسهم في تفسير الظواهر التربوية والتنبؤ بمساراتها، وهي غاية محورية تناولتها أعمال عدد من الباحثين، من بينهم (آري 2010)، و(برايمن 1988)، و(هارتاس 2010)، وتُعنى قوانين الارتباط بإبراز العلاقة الوظيفية بين الأشياء أو المتغيرات، في حين تشير قوانين السببية إلى تتابع زمني محدد وثابت للأحداث، مما يُفضي إلى فهم منظم للعلاقات السببية، ويكشف التزام المناهج الكمية بنمط تفكير يستند إلى المبادئ الكلية أن الباحثين ينظرون إلى هذه القوانين على أنها شاملة لا تتأثر باختلاف الأزمنة أو البيئات، بل تُعد صالحة للتطبيق في أي سياق، وبناءً على ذلك، فإن هذه القوانين تُستخدم لتفسير العلاقات بين الظواهر والتنبؤ بنتائجها المحتملة في سياقات متنوعة ومتعددة الأبعاد.

أشار (برايمن 1988) إلى أن إثبات العلاقة السببية يُعد من أبرز الانشغالات الرئيسية في البحوث الكمية، إذ إن الأسئلة التفسيرية أو التساؤلات من نوع "لماذا؟" تفترض السعي وراء الأسباب، من خلال تحديد عوامل سببية معيّنة واستبعاد التفسيرات البديلة، وتُعد التجربة من أكثر الطرائق فاعلية في إثبات السببية، غير أن العديد من الباحثين يعتمدون على الدراسات الارتباطية التي تُجمع بياناتها من خلال الاستبانات من أجل بناء حجج سببية، وقد أوضح (برايمن) أن هذا النوع من الحُجج يتطلّب من الباحث إثبات وجود علاقة بين المتغيرات، والتأكّد من أن هذه العلاقة لا تنشأ بفعل متغيّر ثالث خفي، وأن ترتيب المتغيرات يخضع لتسلسل زمني منطقي يسمح بالاستدلال على السببية.

يسعى الباحثون الكميّون، في ضوء التزامهم بالتفكير القائم على المبادئ الكلية، إلى تعميم نتائج بحوثهم لتشمل فئات سكانية أوسع ومواقع بحثية متعددة، ويتجاوز هذا الهدف مجرد نقل النتائج إلى سياقات أخرى، إذ يُعد من الركائز الأساسية في بناء المعرفة العلمية، ويُقال إن هذا التعميم يتحقق من خلال اعتماد عينات عشوائية تمثّل المجتمع الأصلي تمثيلًا دقيقًا، ولا سيما في البحوث التجريبية والدراسات الاستقصائية، ويُعد تكرار النتائج البحثية في دراسات لاحقة خطوة منهجية ضرورية يلجأ إليها الباحث الكمي لتعزيز صدقية نتائجه وتوسيع نطاق تعميمها، ويرى بعض المهتمين بالطرائق المقارنة أن هدفي التفسير والتعميم متلازمان، ويؤكّدون أن القدرة على التعميم تزداد كلّما اتسع نطاق التباين في المتغيرات التفسيرية موضع الاهتمام، كما أشار إلى ذلك (ماي 2011)، ويُقال إن تحقيق أقصى درجات التباين يصبح ممكنًا عند مستوى المجتمع، الأمر الذي يُبرر استخدام البحوث المقارنة العابرة للثقافات والحدود الوطنية، كما بيّن كل من (فان دي فيفر 1997) و(ليُونغ 1997).

تسعى الدراسات الكمية إلى غاية إضافية تتمثّل في الاستنتاج واختبار النظريات أو الفرضيات والتحقق من صحتها، وهو ما يجعل هذا النوع من البحوث يُوصَف بأنه تأكيدي الطابع، ويعكس هذا التوجّه البنية النمطية المتّبعة في مسار البحث الكمي، إذ يُقال إن هذا المسار يبدأ بنظرية عامة ثم ينتقل إلى صياغة فرضيات أكثر تحديدًا، لتُجرى بعد ذلك عملية تحويل للمفاهيم إلى متغيرات قابلة للقياس بهدف جمع البيانات، ثم تُحلّل تلك البيانات باستخدام أدوات التحليل الإحصائي من أجل اختبار مدى تطابق النتائج مع ما تنبّأت به الفرضيات الأصلية.

يمثّل هذا النهج المنظّم في البحث سمةً مركزية تميز التقاليد الكمية، إذ يلتزم الباحثون الذين يستخدمون الأساليب التجريبية أو الاستقصائية بتحديد القضايا التي ستكون موضع التركيز في المراحل الأولى من البحث، وذلك قبل تصميم أدوات جمع البيانات مثل الاستبانات وقبل الشروع في جمع البيانات ذاتها، وبسبب هذا الترتيب المسبق، يمكن غالبًا توقّع الإطار العام للنتائج منذ البداية، ويعني ذلك أن البحث يركّز على نطاق مفاهيمي ضيّق نسبيًا ويظل محصورًا فيه، ولأجل دراسة هذه المفاهيم، لا بد من تحويلها إلى متغيرات قابلة للرصد والقياس والترابط فيما بينها، كما أشار (برايمن 1988، ص 22) إلى أن العالم الاجتماعي في هذا السياق "يميل إلى أن يُجزّأ إلى حزم قابلة للإدارة: الطبقة الاجتماعية، التحيّز العرقي، التدين، نمط القيادة، العدوانية، وما إلى ذلك"، وتُفضي هذه السمات المميزة للمنهج الكمي إلى ربطه بالدقة والانضباط والموثوقية وقوة الإقناع، إذ تُجمع البيانات "الدقيقة" من خلال إجراءات منتظمة ومضبوطة، وتكون قابلة للتحقق وإعادة الفحص من قِبل باحثين آخرين.

تستمد البحوث الكمية قوتها من افتراض منهجي محوري مفاده أن الإجراءات المتّبعة والبيانات المُجمعة لم تتأثر بتدخل الباحث أو بميوله الشخصية، ويُنظر إلى هذا الافتراض باعتباره ضمانة للحياد المعرفي وشرطًا أساسًا للثقة في النتائج، ويعزز من ذلك محدودية التفاعل المباشر، بل وفي أحيان كثيرة غيابه التام، بين الباحث والأشخاص الذين تُجرى عليهم الدراسة، مما يُسهم في ترسيخ صورة الباحث كطرف خارجي يراقب الظاهرة دون أن يتورط فيها، ويتبنّى الباحث في هذا السياق منظورًا خارجيًا يُعرف بمنظور "الإتيك"، يهدف من خلاله إلى تقليص تدخله إلى الحد الأدنى الممكن، بما يسمح بتوصيف الظواهر وتحليلها دون التأثير في مسارها، ويستند الادعاء بأن البحث الكمي يتميز بالموضوعية وخلوه من التحيّز القيمي إلى هذا الابتعاد المقصود عن التفاعل، وتُوظّف الاستبيانات المعيارية، إلى جانب جهود ممنهجة في اختيار العينات العشوائية، لضمان الحد من التحيّز البشري وتقليل أثره إلى أدنى درجة، بل والعمل على استبعاده من مجمل العملية البحثية ما أمكن.

النهج النوعية

يعكس المنظور النوعي في تناوله لمسألة الموضوعية والقيم، كما توضحه أعمال (غرين 2007) و(هارتاس 2010)، تباينًا جوهريًا مع النهج الكمي من حيث الغاية التي يسعى إليها البحث، والبنية المفهومية التي يستند إليها، إذ لا تُعتبر الموضوعية في هذا السياق مبدأً راسخًا أو هدفًا مطلقًا، بل تُطرح بوصفها تصورًا إشكاليًا قابلًا للنقد والمساءلة، ويُنظر إلى عملية البحث وما تفضي إليه من نتائج على أنها بنية معرفية تتقاطع فيها القيم والخبرات الشخصية والتأويلات الفردية، ولا يُفصل فيها بين الباحث والمشاركين، بل يتقدّم النهج النوعي بفكرة أن الباحث نفسه يؤدي دور أداة البحث، وأن العلاقة التي تربطه بالمشاركين تتسم بالتفاعل المباشر والمستمر، وقد تتطور إلى علاقة إنسانية متبادلة تتجاوز الحياد المفترض، وهو ما يتعارض بوضوح مع الصورة التقليدية للباحث المنفصل، وقد عبّر (غوبا) و(لينكولن 1994، ص 107) عن هذا التصوّر بقولهم إن النتائج لا تُكتشف من خلال الملاحظة الموضوعية، بل تُبنى من خلال التفاعل الحيّ بين الباحث والظاهرة المدروسة، وهي في العلوم الاجتماعية غالبًا ما تتمثل في أفراد ومجموعات بشرية.

يتّصل بهذه الرؤية مبدأ أساسي في البحث النوعي يتمثل في السعي إلى التقاط منظور المشاركين أنفسهم، وما يعكسونه من تصورات حول القيم والسلوكيات والعمليات والأحداث، ويسعى النهج النوعي إلى تقديم منظور داخلي يُعبّر عن تجربة الأفراد من داخلها، ويُحاكي الطريقة التي يرون بها العالم ويتفاعلون معه، فيما يُعرف بمنظور "الإيميك"، وتُستخدم لتحقيق ذلك أساليب مثل الملاحظة بالمشاركة على نحو تفصيلي والمقابلات المعمقة غير المهيكلة، حيث تُمنح للمشاركين مساحة أوسع للتعبير عن رؤاهم ومواقفهم، ويتجه الباحث ضمن هذا السياق إلى تقليص تدخله، بل والتنازل الطوعي عن السيطرة خلال عملية البحث، بما يسمح للآخرين بتوجيه مسار الحوار وبناء المعنى من موقعهم الذاتي.

ينطلق النهج النوعي من رؤية تختلف جوهريًا عن تلك التي يتبنّاها النهج الكمي، إذ لا يسعى إلى الكشف عن قوانين تفسيرية عامة تحكم الظواهر، بل يُنكر في كثير من الأحيان إمكانية الوصول إلى مثل هذه القوانين من الأساس، ويعتمد هذا النهج على التركيز على الخصوصية والتفرد، حيث تُربط النتائج بسياقات زمنية ومكانية محددة، كما توضحه كتابات (برايمن 1988) و(غرين 2007)، ولا يكون التعميم إلى بيئات أخرى ضمن أهدافه الأساسية، إذ ينصبّ التركيز على الأحداث والعمليات والسلوكيات كما تجري داخل السياق القريب الذي تنتمي إليه، ويتميّز هذا التوجّه بأنه شامل وطبيعي، لا يُقيّد نفسه بمتغيرات محددة، بل يتناول الكيانات الاجتماعية بوصفها وحدات متكاملة متعددة المستويات والأبعاد، كالمدارس والمجتمعات المحلية، ويستهدف الوصول إلى فهم تفسيري ينبع من التفاعل والتعاطف مع المشاركين، مع السعي إلى الكشف عن المعاني التي ينسبونها لتجاربهم الخاصة بوصفها حالات كلية ترتبط فيها العناصر والسياقات بصورة لا تقبل التجزئة.

أشار (برايمن 1988) إلى أن تركيز الباحثين النوعيين على وجهات نظر المشاركين يدفعهم إلى الابتعاد عن الهياكل المسبقة والتصورات المحدّدة سلفًا، مما يضفي على دراساتهم طابعًا من الانفتاح والمرونة، سواء في بناء التصميم البحثي أو في التعامل مع مسار الدراسة، ويختلف هذا التوجّه عن ما يعتمده الباحثون الكميّون الذين يحددون في بداية البحث مفاهيم بعينها قابلة للتحويل إلى متغيرات قابلة للقياس والمعالجة، ولا يشترط في البحث النوعي أن ينطلق من مشكلة محددة مسبقًا، فقد لا يتّضح مجال التركيز إلا بعد الدخول في الميدان والتفاعل مع السياق، مما يفتح المجال أمام الباحث لتتبّع قضايا لم تكن متوقعة في البداية، ويتّسم هذا النمط البحثي بكونه استقرائيًا واستكشافيًا، لا يُبنى على فرضيات جاهزة، بل ينشأ من التفاعل الحيّ مع الواقع، على عكس النهج الكمي الذي يعتمد على الاستنتاج واختبار ما تم تحديده مسبقًا من فروض وأدوات.

تنطبق الاعتبارات نفسها على النقطة التي تنطلق منها النظرية في البحث النوعي، إذ إن التزام الباحثين النوعيين بالمنظور الداخلي للمشاركين، واعتمادهم منهجًا استقرائيًا يتسم بالمرونة والابتعاد عن البنية الصارمة، يجعلهم لا يبدؤون في العادة من نظرية جاهزة مُعدّة مسبقًا بهدف اختبارها أو التحقق من مدى صلاحيتها في تفسير البيانات، لأن وجود مثل هذه النظرية قد يُشكّل قيدًا يقيّد انفتاح الباحث على التجربة الميدانية ويحدّ من قدرته على الإنصات لما قد يكشفه السياق من معانٍ غير متوقعة، بل وقد تتعارض النظرية المفترضة مع الرؤى التي يعبر عنها المشاركون في سياقهم الطبيعي، ولهذا السبب تتكوّن التفسيرات النظرية وتُبنى مفاهيمها وتُختبر صلاحيتها بالتوازي مع عملية جمع البيانات وتحليلها، في سياق يتيح نشوء إطار نظري متجذر في الواقع ومعبر عن تعقيداته.

يعرض الباحثون النوعيون نتائج دراساتهم من خلال أوصاف تفصيلية تتّسم بالدقة والعمق والثراء الدلالي، تُسهم في توضيح رؤى المشاركين وتسليط الضوء على المعاني التي يضفونها على الظواهر التي يتم تناولها بالبحث. وتُعد هذه الأوصاف أداة مركزية في البحث النوعي، إذ تتيح مستوى عاليًا من الفهم القريب للواقع الاجتماعي، فهمًا ينبثق من السياق ذاته لا من خارجه، ويعتمد على تفكيك التجربة من منظور من يعيشها ويعبّر عنها. ولا يكتفي الباحث النوعي بتوثيق هذه الأوصاف، بل يُعمل أدوات التحليل والتفسير لبناء فهم أعمق، فيقدّم قراءات تتجاوز السطح لتكشف عن التفاعلات الدقيقة، والعلاقات المعقدة، والدلالات المتشابكة التي تشكّل البنية الكاملة للظاهرة المدروسة.

مبادئ واعتبارات في بحوث التربية المقارنة

تُثير بحوث التربية المقارنة عددًا من القضايا المنهجية المهمة، خاصة في ما يتعلّق بالمفاضلة بين استخدام الطرائق الكمية والنوعية، إذ يشهد هذا الميدان في السنوات الأخيرة اتجاهًا متزايدًا نحو تفضيل النهج الكمية، نتيجة تحوّل ملحوظ من الدراسات التفسيرية ذات الطابع التاريخي إلى بحوث قائمة على المعالجة الإحصائية للبيانات وتحليلها الكمي. ويجد بعض الباحثين في هذا التحوّل مدخلًا نحو بناء تفسيرات عامة وصياغة مبادئ يُمكن تطبيقها على الظواهر التعليمية في سياقات ثقافية ومجتمعية متباينة، بل ويُنظر إلى هذه التفسيرات أحيانًا باعتبارها خطوة نحو تأسيس فهم عالمي مشترك للتعليم. كما ينجذب عدد من الأكاديميين وواضعي السياسات إلى فكرة نقل النظريات والممارسات التعليمية عبر الحدود الدولية، مدفوعين بأمل التوصل إلى حلول شاملة لمشكلات تُعد مشتركة بين المجتمعات. وفي هذا السياق، تُوفّر قواعد البيانات الضخمة الناتجة عن الدراسات الدولية في التحصيل الدراسي، إلى جانب الإحصاءات التي تجمعها منظمات التعليم العالمية، مصادر مغرية للباحثين، سواء من ذوي الخبرة أو من المبتدئين، لما تتسم به من وفرة وسهولة في الوصول، بالإضافة إلى قدرتها على تعزيز التأثير البحثي. ومن جهة أخرى، تميل بعض الجهات المموِّلة، سواء كانت حكومية أو دولية، إلى تفضيل مناهج ونظريات محددة عند تكليف الباحثين بإجراء الدراسات، ما يعكس في الغالب توجهاتها المؤسسية وأولوياتها البحثية.

يشهد البحث النوعي في التربية المقارنة إقبالًا متزايدًا، لا سيّما في المقابل لما يُلمَس من قصور في الطرائق الكمية وعجزها عن الإحاطة بالسياقات التربوية المركّبة. ويؤمن الباحثون النوعيون بأن فهم التربية لا يتحقق إلا من خلال ربطها بالبُعد الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي تنشأ فيه، إذ يستحيل عزل الظواهر التربوية عن البيئة التي تُمارَس ضمنها. ويستند هذا التوجّه أيضًا إلى إدراك متنامٍ لمحدودية قواعد البيانات الإحصائية المستخلصة من دراسات دولية واسعة النطاق، والتي تُستخدَم في كثير من الأحيان دون تمحيص نقدي، فتُقارَن الدول بصفتها وحدات تحليل رئيسية دون النظر إلى الفروقات المحلية والتباينات الداخلية. ومع ازدياد النقاش حول موضوعية الباحث في البحوث المقارنة، يشدد الباحثون النوعيون على أهمية اليقظة تجاه التحيّزات الكامنة، خاصة عند التعامل مع ثقافات مغايرة. ويرون أن الانخراط في هذه البحوث يتطلّب وعيًا بالافتراضات التي يحملها الباحث عن المجتمعات التي يدرسها، وسعيًا جادًا لفهم السياقات من منظور أهلها، وليس من خلال إسقاطات خارجية مسبقة.

البحوث الكمية والنوعية حول محو الأمية

يُوسّع هذا الفصل نطاق النقاش حول الطرائق الكمية والنوعية في التربية المقارنة من خلال التركيز على مجموعة من الدراسات التي تناولت موضوعًا بعينه، وهو محو الأمية. ويُبيّن أن كلا النهجين يسعيان للإجابة عن أسئلة جوهرية متقاربة في مضمونها، رغم تباين الأساليب والإجراءات. وقد احتلّ موضوع محو الأمية مكانة بارزة في اهتمامات باحثي التربية المقارنة، لا سيّما في ظل التأثير الكبير الذي تمارسه جهات دولية نافذة على جداول البحث، مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) والبنك الدولي. وتزخر المجلات الأكاديمية مثل مراجعة التربية المقارنة (Comparative Education Review) والمراجعة الدولية للتربية (International Review of Education) والمجلة الدولية لتطوير التعليم (International Journal of Educational Development) بعدد كبير من الدراسات التي تتناول هذا الموضوع، وتتراوح بين بحوث كمية واسعة النطاق عبر بلدان مختلفة لقياس التحصيل في مجال محو الأمية، ودراسات إثنوغرافية نوعية متعمقة ومحدودة النطاق.

تتباين الدراسات التي تناولت محو الأمية من حيث المناهج المستخدمة والسياقات التي أُجريت فيها والأسئلة التي تسعى لمعالجتها، غير أنها تلتقي عند هدف مشترك يتمثّل في محاولة الوصول إلى إجابات لأربعة أسئلة رئيسة تُعدّ أساسية لفهم هذه الظاهرة التربوية:

  1. كيف يمكن تحديد مفهوم محو الأمية بدقة، ورسم صورة واضحة له تعكس أبعاده المختلفة؟

  2. أين تكمن أوجه التفاوت في مستويات محو الأمية بين الأفراد والمجتمعات؟

  3. ما العوامل التي تسهم في تحقيق محو الأمية؟

  4. ما النتائج المترتبة على محو الأمية، وما الآثار التي يخلّفها على الفرد والمجتمع؟

تتباين الدراسات المطروحة هنا في هويتها المنهجية، فبعضها يُقدَّم بصفته دراسة إثنوغرافية تندرج في الإطار النوعي، وبعضها الآخر يتّخذ طابعًا كميًا موسّعًا يعتمد على الإحصاءات، بينما تختار دراسات أخرى المزج بين الطريقتين. ومن أجل توضيح الفروق بين المنهجين الكمي والنوعي، استُخدمت معايير مبسّطة تعتمد على طبيعة البيانات المعروضة. فكل دراسة تُبنى نتائجها على معطيات رقمية وتحليل إحصائي تُعدّ ضمن الاتجاه الكمي، أما الدراسات ذات المنحى التاريخي أو تلك التي تبحث في السياسات التعليمية فتقع ضمن التوجه النوعي الأوسع.

كيف يمكن تحديد مفهوم محو الأمية بدقة، ورسم صورة واضحة له تعكس أبعاده المختلفة؟

يسعى كل من الباحثين الكميين والنوعيين للإجابة عن السؤال الجوهري المتعلق بكيفية تعريف محو الأمية وتصويرها بدقة، غير أن منهجيتهم في التعامل مع هذا السؤال وتفسيرهم له تختلف اختلافًا واضحًا. ففي البحوث الكمية، يُتناول هذا السؤال من خلال محاولة وضع أدوات دقيقة وموضوعية لقياس محو الأمية، وعادةً ما تُعرّف محو الأمية منذ البداية بصورة محددة. فعلى سبيل المثال، انطلقت دراسة التقدم في القراءة العالمية لعام 2011، المعروفة اختصارًا بـ PIRLS، من تعريف واضح ومستند إلى دراسات سابقة للرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي، حيث صاغ الباحثون فيها تعريفًا لمحو الأمية القرائية باعتباره "القدرة على فهم واستخدام أشكال اللغة المكتوبة التي يتطلبها المجتمع أو يقدّرها الفرد"، وذلك بحسب ما ورد في أعمال (موليس وآخرين، 2009، ص 11).

أجريَت دراسة مقارنة أخرى واسعة النطاق عُرفت باسم "المسح الدولي لمحو أمية الكبار" (IALS)، وبدأت بتعريف محدد لمفهوم محو الأمية الوظيفي بوصفه "القدرة على فهم المعلومات المطبوعة واستخدامها في الأنشطة اليومية في المنزل والعمل والمجتمع" (داركوفيتش 2000، ص 369). وقد قام هذا المسح بقياس مباشر لثلاثة مجالات مرتبطة بهذا المفهوم، وهي: محو الأمية النصية، ومحو الأمية الوثائقية، ومحو الأمية الكمية. ورأى الباحثون في هذا المسح خطوة مبتكرة، كونه لم يقتصر على التصنيف الثنائي التقليدي بين "أمي" و"متعلم"، بل سعى إلى قياس درجات متفاوتة من محو الأمية داخل كل مجال، وهو ما اعتبروه أكثر دقة وواقعية.

أوضح (جينينغز) في عام 2000 أن النسبة الرسمية التي أعلنتها حكومة غيانا بشأن محو أمية الكبار، والتي بلغت 97.5% وقدّمتها إلى وكالات المعونة الدولية، لا تعبّر بدقة عن الواقع، إذ استندت إلى معدلات الالتحاق بالمدارس الابتدائية، لا إلى تقييم مباشر لمهارات القراءة والكتابة والحساب لدى السكان. وقد استند (جينينغز) في نقده لهذه النسبة إلى نتائج "مسح محو الأمية الوظيفي للشباب غير الملتحقين بالمدارس"، وهو المسح الذي عرّف محو الأمية الوظيفي بأنه "قدرة الفرد على توظيف مهارات القراءة والكتابة والحساب وحل المشكلات الأساسية في مختلف الأنشطة التي تتطلب هذه المهارات ضمن إطار حياته اليومية في مجتمعه ومحيطه الاجتماعي". وانطلاقًا من هذه النتائج، قدّر (جينينغز) أن معدل محو الأمية الفعلي في غيانا يقل بما يزيد عن 20 نقطة مئوية عن الرقم المُعلن رسميًا، مما يسلّط الضوء على الفجوة بين البيانات الإدارية والمعطيات الميدانية الدقيقة.

تناول (لافي) و(سبـرات) في عام 1997 مشكلة مماثلة، حيث أشارا إلى أن الإحصاءات المستمدة من التعدادات السكانية على المستوى الوطني تعاني من عدم الدقة، وصعوبة المقارنة، والاعتماد على افتراضات غير مبرّرة، وغموض في التعاريف، وسوء في التفسير. وقد رأى الباحثان أن معالجة هذه المشكلات ضرورية للانتقال نحو تحسين السياسات والبرامج الهادفة إلى مكافحة الأمية. وشملت دراستهما في المغرب تقييمًا مباشرًا لقدرات الأفراد في مهارات القراءة والكتابة، وطُلب منهم أيضًا إجراء تقييم ذاتي لقدراتهم في القراءة والكتابة والرياضيات. وكشفت المقارنة بين النتائج أن التقييمات الذاتية كانت تميل إلى المبالغة، بينما نادرًا ما قللت من مستوى الكفاءة الفعلية، ما دفعهما إلى الاستنتاج بأن "نسب محو الأمية التي تبدو صحيحة من حيث الشكل، قد تتضمّن في الواقع نسبة مرتفعة من الأفراد الذين لا يمتلكون سوى مستويات دنيا من المهارات القرائية والكتابية" (ص 128). وفي دراسة لاحقة أجراها (شافنر) في عام 2005 على عينات من إثيوبيا ونيكاراغوا، تبين أن مقاييس محو الأمية المُستخدمة في المسوح المنزلية تميل إلى تضخيم الواقع، خاصة في البلدان التي تعاني من ضعف في عدد سنوات التمدرس، وهو ما يطرح تساؤلات حول الحد الأدنى من التعليم المطلوب لبلوغ مستويات مقبولة من محو الأمية لدى الطلاب.

استهلّ (مادوكس) دراسته النوعية المنشورة في عام 2005 (ص 123) بالعبارة التالية: «تركّزت عمليات التقييم عمومًا على اختبارات ضيّقة النطاق تقيس القدرات، بدلًا من التعمّق في كيفية توظيف الأفراد لما اكتسبوه من معارف في حياتهم اليومية». تعبّر هذه العبارة بوضوح عن الفرق الجوهري بين النهجين الكمي والنوعي في تناول مسألة تحديد محو الأمية وتصويرها بدقة. ففي الوقت الذي يسعى فيه الباحثون الكميون إلى تطوير أدوات تقييم تقيس المهارات المرتبطة بمحو الأمية بشكل أدق وأكثر موضوعية، يتوجّه الباحثون النوعيون إلى المشاركين في الدراسة أنفسهم لفهم ما تعنيه الأمية بالنسبة لمن يعيشونها، معتبرين أن هذا الفهم الذاتي يمثّل الصورة الأكثر واقعية. ومثال على ذلك، في مقابل الفكرة التي ترى أن محو الأمية ممارسة عامة مرتبطة بالتنمية الوطنية، توصّل (مادوكس) في دراسته الإثنوغرافية عن نساء من بنغلاديش إلى أن الأنشطة المرتبطة بمحو الأمية كانت تُمارَس غالبًا في الخفاء، نظرًا لما كانت تلك النساء يشعرن به من أخطار وهشاشة اجتماعية ناتجة عن تلك الممارسات. كما اكتشف أن بعض النساء اللواتي كنّ يقرأن العربية بطلاقة لم يَعتبرن قراءة القرآن الكريم شكلًا من أشكال محو الأمية، على الرغم من أن هذه المهارة كانت ترفع من مكانتهن داخل المجتمع. وقد فسّر (مادوكس) نتائجه اعتمادًا على دراسات حالة وصفية لسلوكيات النساء وممارساتهن المرتبطة بمحو الأمية، دون أي اعتماد على البيانات الإحصائية.

أجرت (إيكمان) دراسةً إثنوغرافية في عام 2001 (ص 106–107) على شعب (الهاراكامبوت) من السكان الأصليين في بيرو، وطرحت فيها سؤالين جوهريين تمحورا حول نظرتهم إلى الإلمام بالقراءة والكتابة: "ما الذي يُعدّ شكلًا من أشكال الإلمام بالقراءة والكتابة لدى هذا الشعب؟"، و"كيف تُستخدم تلك المهارات في ممارسات التنمية التي يخوضونها؟". وقد صيغت هذه الأسئلة ضمن سياق الخطابات التنموية القادمة من خارج المجتمع، لا بوصفها مسلّمات، بل بغرض استكشاف الكيفية التي يتفاعل بها أفراد هذا الشعب مع هذه التصوّرات الخارجية، ومساءلة ما إذا كانت تنسجم مع رؤيتهم الذاتية لمفهومي محو الأمية والتنمية. وكشفت نتائج الدراسة أن الإلمام باللغة الإسبانية كان يُعدّ، لدى المشاركين، وسيلة محورية لتحقيق التنمية الذاتية، ونافذة للوصول إلى الموارد التي تُمكّنهم من الدفاع عن حقوقهم الأصلية وتعزيز مكانتهم. في المقابل، أظهرت الدراسة أن ممارسة القراءة والكتابة بلغة (الهاراكامبوت) داخل مجتمعهم تعكس اعتزازًا بهويتهم الثقافية وانتمائهم الجماعي، غير أن هذه الممارسة قد تُفهم في السياق البيروفي العام بوصفها دلالةً على العزلة أو التمايز، مما يُفضي في بعض الحالات إلى تراجع المكانة الاجتماعية أو محدودية التقدير من المجتمع الأوسع.

وأجرت (روكهيل) في عام 1993 مقابلات سردية ضمن دراسة نوعية اعتمدت فيها على روايات الحياة لعدد من النساء المهاجرات الناطقات بالإسبانية في ولاية كاليفورنيا، محاولةً الوقوف على ما تنطوي عليه الأمية من معانٍ في حياتهن اليومية، وعلى ارتباطها بتفاوت مراكز النفوذ في المجالين العام والخاص. وعندما أفصحت المشاركات عن رغبتهن في تعلّم القراءة والكتابة، طرحت الباحثة أسئلة متعمقة: "هل يطمحن إلى التمكين؟ هل يسعين إلى ممارسة حقوقهن؟ هل في الأمر مقاومة؟ وإن كانت، فماذا يقاومن؟ ومن؟ وبأي وسائل؟" (ص 163). وفي تعليقها على التصورات السائدة في الخطابات الأكاديمية والسياسات العامة التي تربط بين محو الأمية والتمكين الاقتصادي والسياسي والثقافي، قالت: "إن مفاهيم التمكين والمقاومة والحقوق لا تعكس الصورة الحقيقية لما تعبر عنه النساء اللواتي تحدّثنا إليهن، ولا تعبّر عن فهمهن لمعنى الأمية، أو ظروف المعيشة اليومية التي تخضنها، أو ما يعتبرنه مهمًا في حياتهن، أو ما يعشنه من صراعات داخلية" (ص 164–165).

تُظهر هذه الأمثلة التباين الواضح بين الخطابات الأكاديمية والسياسية والاقتصادية من جهة، وبين الواقع الذي تعيشه الفئات المعنية بمحو الأمية من جهة أخرى. وقد سعى باحثون نوعيون آخرون إلى إبراز هذا التناقض بشكل أكثر وضوحًا، لا سيّما حين قارنوا بين نوايا القائمين على تعليم القراءة والكتابة والعاملين في التنمية من جانب، وبين تطلعات الأفراد الذين اكتسبوا مهارات القراءة والكتابة حديثًا من جانب آخر. ومن أبرز تلك الدراسات ما قدّمه (كوليك) و(سترود) في عام 1993 حول سكان قرية (غابون) في بابوا غينيا الجديدة، حيث أظهرا كيف أن هؤلاء المتعلمين الجدد يستثمرون في الجوانب التي تخدم حاجاتهم المباشرة من مهارات القراءة والكتابة، دون كثير اعتبار للغايات التي كانت تسعى إليها الكنيسة أو المؤسسات التعليمية. وقد أكّد الباحثان (ص 55) أن هذه الجهات الداعية إلى محو الأمية لم تكن تحتل موقعًا مركزيًا في وعي القرويين، بل ظلّت عند أطراف اهتماماتهم.

يفهم سكان قرية (غابون) القراءة والكتابة من منظور ثقافي ينبع من واقعهم المعيش عبر تجاربهم اليومية وتقاليدهم الاجتماعية واهتماماتهم، وقد ظلّت هذه التصوّرات المتجذّرة في بيئتهم المحلية هي المرجع الأساسي الذي يوجّه تعاملهم مع الكلمة المكتوبة داخل مجتمعهم، لا المفاهيم المفروضة من الخارج والمغتربة عن ثقافتهم.

أوضح (داير) و(تشوكسي) في دراستهما عام 2001 أن تصوّراتهما المسبقة حول احتياجات جماعة (الرباري) من الرحّل في الهند إلى مهارات القراءة والكتابة، قد تهاوت أمام ما كشفه المشاركون أنفسهم من معانٍ أصيلة ترتبط بالأمية في حياتهم اليومية وتنعكس في فهمهم الواقعي لأولوياتهم واحتياجاتهم الفعلية. فقد افترض الباحثان، استنادًا إلى منظور تنموي خارجي، أن اكتساب مهارات القراءة والكتابة سيُسهم في تحسين أساليب تربية الماشية، وأنّ أفراد جماعة (الرباري) سيرحبون ببرنامج تعليمي يدمج تلك المهارات مع معارفهم الرعوية المتوارثة. غير أن نتائج العمل الإثنوغرافي كشفت عن تصوّر مختلف تمامًا: إذ لم تُرتبط محو الأمية لديهم بتحسين المهارات الرعوية، بل اعتبروها وسيلة للتحرر من التبعية للآخرين في حياتهم اليومية، وطريقًا نحو الاستقرار المكاني، والانخراط في نمط اقتصادي جديد يتيح لأبنائهم فرصًا أوسع في مجتمع غير رعوي. لقد عكست إجاباتهم طموحًا للانتقال من واقع متنقّل محفوف بالقيود، إلى مستقبل أكثر ثباتًا يَعِد بالأمان الاجتماعي والتمكين الذاتي.

يتّضح مما سبق أن الباحثين الكميين والنوعيين على حدٍّ سواء تناولوا سؤالًا جوهريًا تمثّل في كيفية تعريف الأمية وتصويرها بدقة وموضوعية. ففي الدراسات الكمية التي استعرضناها، كانت الغاية الأساسية تتمثل في التوصل إلى آلية أكثر موثوقية لقياس المهارات المرتبطة بالقراءة والكتابة، وذلك في مواجهة البدائل التقليدية المعتمدة على الإحصاءات الوطنية أو على تقديرات ذاتية قد تفتقر إلى الدقة، وغالبًا ما يُفترض مفهوم الأمية فيها مسبقًا أو يُصاغ من البداية بالاستناد إلى الأدبيات النظرية. أما الدراسات النوعية، فقد سعت إلى إعادة الاعتبار لتجارب الأفراد أنفسهم، مركّزةً على المعاني التي يمنحها المشاركون في البحث لمفهوم الأمية، وعلى الأدوار التي تؤديها هذه المهارات في حياتهم اليومية، دون الانسياق خلف الفهم المؤسسي السائد الذي تروّجه السياسات والبرامج التنموية الخارجية. ومن هذا المنطلق، لم تكتفِ هذه الدراسات بمساءلة التصوّرات الشائعة، بل كشفت عن أشكال متباينة من الممارسة والفهم ترتبط بالسياقات الثقافية والاجتماعية الخاصة. وحاولت بعض الدراسات السياساتية في الوقت نفسه تسليط الضوء على الكيفية التي يُوظَّف بها مفهوم الأمية من قِبل الجهات الوطنية والدولية التي تملك سلطة التأثير في صياغة برامج التعليم، سواءٌ انسجم هذا التوظيف مع تصوّرات المجتمعات المستهدفة أم لم ينسجم. وهكذا يتبيّن وجود فجوة واضحة في فهم الأمية وطرق قياسها، سواء بين صُنّاع السياسات والأفراد الذين تُوجَّه إليهم تلك السياسات، أو بين الأفراد أنفسهم داخل المجتمع الواحد، ما يعكس تعددية الدلالات وتباين التجارب، ويفضي إلى إثارة سؤال آخر لا يقل أهمية حول مواضع التفاوت في معدلات الأمية، وهو ما يحاول كل من المنهجين الكمي والنوعي معالجته بطريقته الخاصة، ووفقًا لمنظورتهما النظرية وأدواتهما التحليلية.

أين تكمن أوجه التفاوت في مستويات محو الأمية بين الأفراد والمجتمعات؟

ركّزت دراسة (بابن) الإثنوغرافية عام 2001 على البرنامج الوطني لمحو الأمية في ناميبيا، وسعت من خلالها إلى مقارنة دلالات محو الأمية وممارساتها في السياقات المؤسسية والاجتماعية المختلفة، مثل دورات تدريب المعلمين والفعاليات المرتبطة بيوم محو الأمية الوطني. وانطلاقًا من تحليلها للوثائق السياساتية والتقارير التقييمية والخطابات السياسية وملاحظاتها الميدانية، خلصت إلى أن البرنامج منح أفضلية لفهم معيّن لمحو الأمية على حساب غيره، مما انعكس بوضوح في اختيار الممارسات المتّبعة. ورغم اقتصار نطاق الدراسة جغرافيًا على ناميبيا، فإنها اشتملت على مقارنات بين سياقات متعددة، أبرزت تباينات تدخل في صلب ما يُعدّ منطلقًا منهجيًا للتربية المقارنة بحسب تصور (براي) و(توماس) عام 1995.

تناولت دراسات نوعية أخرى مسألة الاختلاف في دلالات محو الأمية باختلاف اللغة والسياقات المؤسسية والجهات المعنية. ففي دراسة إثنوغرافية أجراها كل من (ريدر) و(ويكلوند) عام 1993 على مجتمع صيّادين في إحدى القرى الساحلية بألاسكا في الولايات المتحدة، كشفت النتائج عن صراع خفي بين نوعين من مظاهر الإلمام بالقراءة والكتابة: ممارسات محلية تنبع من المجتمع نفسه وترتبط بالكنيسة الأرثوذكسية وبصناعة الصيد، وأخرى وافدة تمثّلها المدرسة والهيئات الحكومية، ولكلٍّ من هذين النوعين معانٍ اجتماعية متمايزة ومؤسسات راعية مختلفة. وفي دراسة مشابهة أجراها كل من (بلِدسو) و(روبي) عام 1993 تناولت جماعة (المندي) في سيراليون، أشارا إلى أن القراءة والكتابة بالعربية ترتبط بالشؤون الدينية والطقوس والسرّية والقوة الروحية، بينما ترتبط الإنجليزية بهياكل الدولة والإدارة والتقنية الحديثة والثروة المادية، وقد أبرزا كذلك ما تمنحه كلٌّ من اللغتين من فرص متفاوتة لتحقيق أهداف اجتماعية مختلفة. أما (روبنسون–بنت)، فقد عاينت في دراستها عام 2000 تصوّرات الرجال والنساء لمحو الأمية في منطقة نائية تُدعى (أروتار) في نيبال، وبيّنت أن نظرة الرجال المتعلّمين انسجمت مع منظور وكالات الدعم التي تدير برامج محو الأمية، في حين تبنّت النساء المتعلّمات فهمًا مغايرًا لتلك البرامج، بل ناقدًا ومتناقضًا مع النظرة الذكورية المهيمنة في أوساط الوكالات نفسها.

سعى الباحثون الكميون إلى تحليل التفاوت بين الذكور والإناث في نتائج محو الأمية من خلال التركيز على الأداء الفعلي في القراءة والكتابة كما يُقاس عبر التقييمات المباشرة والتقارير الذاتية التي يُقدّمها الأفراد المشاركون، واستند هذا التوجه إلى افتراض رئيسي مفاده أن المهارات القرائية والكتابية قابلة للقياس الكمي ضمن معايير معيارية يُمكن تعميمها، وقد أظهرت دراسات متعددة مثل (فولر وآخرون 1994؛ جينينغز 2000) كيف أن استخدام أدوات القياس المباشر يُتيح رصد أنماط التفاوت بدقة ووضوح، واتّجهت بحوث أخرى إلى دراسة الفروقات المرتبطة باللغة الأم التي تُشكّل عاملًا ثقافيًا وتربويًا محوريًا (إيزاكي وآخرون 1999؛ غوناواردينا 1997)، ونوع المجتمع الذي ينشأ فيه الأفراد سواء كان حضريًا أو ريفيًا (فولر وآخرون 1999؛ لافي وسبـرات 1997)، إلى جانب المستويات التعليمية التي أتمّها المشاركون، والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تحيط بهم، وقد غطّت دراسة فولر وزملائه (1999) مستويات محو الأمية في ولايات مكسيكية مختلفة عبر أزمنة متعددة بهدف تتبّع أنماط التحسن أو التراجع، بينما ركّزت دراسات الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA) على تحليل نتائج القراءة لدى الأطفال ضمن مقارنات دولية شاملة، استندت إلى تقييمات معيارية دقيقة، وشملت متغيرات متعددة، من بينها النوع الاجتماعي، ومكان ولادة الوالدين، وطبيعة المهن التي يشغلونها، وجنس المعلمين، إلى جانب طيف واسع من العوامل التربوية والاجتماعية والديموغرافية الأخرى التي تؤثّر في تشكيل الفروق القرائية وتُوظَّف في تفسير أنماط الأداء ضمن السياقات الوطنية المختلفة، كما ورد في دراسات (إيلي 1994؛ موليس وآخرون 2003؛ موليس وآخرون 2009).

تناولت الدراسات النوعية المشار إليها آنفًا مسألة التفاوت في محو الأمية من خلال التركيز على اختلاف المعاني التي تنسبها الجماعات والأفراد والمؤسسات لهذه الظاهرة، وعلى الارتباطات المتعددة التي تجمع بين محو الأمية واللغات والممارسات والسياقات الثقافية التي تنشأ فيها، وقد جاءت نتائج هذه الدراسات في شكل أوصاف تحليلية واقتباسات مباشرة تعكس وجهات نظر المشاركين وتُبرز طرائقهم في فهم محو الأمية وتفسيره انطلاقًا من تجاربهم الحياتية، وأشارت بعض هذه الدراسات إلى أن تباين دلالات محو الأمية كما يفهمها المعلّمون والمتعلّمون قد ينعكس بشكل مباشر على فاعلية البرامج التعليمية ومردودها الفعلي، في حين عبّرت الدراسات الكمية من جانبها عن اهتمام مماثل من خلال مقارنة نتائج محو الأمية بين فئات سكانية متعددة تختلف في خصائصها وخلفياتها، وقد أشارت الفروقات الملحوظة في هذه النتائج إلى وجود حاجة لتطوير سبل واستراتيجيات ترفع من أداء الفئات التي تُظهر مستويات أدنى، وتجسّد هذا التوجه بوضوح في دراسة كمية تجريبية هدفت إلى مقارنة نتائج البالغين المشاركين في برنامج محو أمية وظيفي بنتائج المشاركين في برنامج محو أمية تقليدي، إضافة إلى تحليل الفروق في نتائج اختبارات القراءة التي أُجريت قبل المشاركة في البرنامج وبعدها (دورغونوغلو وآخرون 2003)، وقد جاءت هذه المقارنة في سياق تقييم الأثر العملي للصفوف التعليمية على مستوى الإتقان القرائي، وعبّر عدد كبير من الدراسات الكمية والنوعية الأخرى عن اهتمام مماثل في تحليل أثر عوامل متعددة على محو الأمية، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، ما يدفع إلى طرح سؤال جوهري ثالث تسعى كل من النهجيين إلى الإجابة عنه، وهو: ما العوامل التي تُسهم في تحقيق محو الأمية؟ وسيُبيّن الجزء اللاحق من هذا الفصل كيف تختلف نهج الباحثين لهذا السؤال باختلاف التوجه المنهجي الذي ينطلقون منه والمنظور التحليلي الذي يتبنّونه.

ما العوامل التي تسهم في تحقيق محو الأمية؟

أجرى (مانغوبهاي 1999) دراسة تجريبية بهدف التحقق من فاعلية تدخّل تربوي محدد يُعرف باسم "مشروع تدفّق الكتب"، وذلك من خلال اختبار ما إذا كان هذا التدخّل يؤدي إلى تحسين مهارات الطلاب المشاركين من مدارس فيجي في القراءة وكفاءتهم، واعتمد باحثون كمّيون آخرون على أدوات التحليل الإحصائي لدراسة أثر التعليم النظامي على نتائج محو الأمية، ومن بين تلك الدراسات، قدّم (ديكستر وآخرون 1998) تحليلًا للعلاقة المحتملة بين عدد سنوات التمدرس التي تقضيها النساء في طفولتهن، وبين أدائهن في المهام اللغوية المرتبطة بالمجال الصحي، وذلك ضمن دراسة أُجريت في مناطق ريفية من المكسيك، وقد جمعت البيانات عبر التقييمات المباشرة والمقابلات الشخصية، وخضعت لاحقًا لتحليل انحداري إحصائي لاستكشاف طبيعة العلاقة بين هذين المتغيّرين، وفي دراسة أخرى اعتمدت على منهجية إحصائية مختلفة، سعى (إيزاكي وآخرون 1999، ص 184) للإجابة عن سؤالين أساسيين: "هل تُسهم تجربة التعليم الأولي في الكتاتيب القرآنية في تسهيل اكتساب القراءة لدى الأطفال في المناطق الريفية من المغرب؟ وهل تستمر هذه الأفضلية الأولية لتنعكس في المراحل اللاحقة من التعليم النظامي؟"، وقد استندت الدراسة إلى بيانات مستخلصة من تقييم مباشر للقراءة، ومعلومات أخرى جُمعت من الطلاب وأولياء أمورهم والمعلمين والسجلات المدرسية، واستخدم الباحثون تحليل التباين (ANOVA) لمقارنة مستويات القراءة بين الأطفال الناطقين بالعربية وأقرانهم الناطقين بالأمازيغية، من الذين التحقوا بالكتاتيب القرآنية ومن لم يلتحقوا بها، وذلك بهدف قياس الأثر المحتمل لهذه التجربة المبكرة على نتائج القراءة في مراحل التعليم اللاحقة.

ركّزت بعض الدراسات على خصائص التعليم وممارساته داخل المدارس، ومن أبرزها ما أجراه (فولر وزملاؤه) من تحليلات انحدارية سعيًا إلى تحديد مدى التأثير النسبي لمجموعة من العوامل المدرسية في مستويات محو الأمية باللغة الإنجليزية لدى الأطفال في بوتسوانا (فولر وآخرون 1994)، ومهارات القراءة المبكرة لدى الأطفال في البرازيل (فولر وآخرون 1999). وقد اعتمدت هذه الدراسات على بيانات جُمعت من تقييمات مباشرة، ومشاهدات صفية، ومقابلات مع المعلمين والمديرين، فضلًا عن استبانات كمية، وذلك بهدف استكشاف أثر عوامل متعددة تشمل: حجم المدرسة، وعدد الطلاب في الصف، وتوافر الكتب الدراسية، ومؤهلات المعلمين ومدى رضاهم الوظيفي، وتكرار تمارين القراءة والكتابة النشطة داخل الصفوف، والمدة الزمنية التي يقضيها الطلاب في أداء المهام التعليمية أو في الانشغال عنها.

تناولت هذه الدراسات الكمية مسألة العوامل المؤدية إلى اكتساب مهارات القراءة والكتابة من خلال بحث أكثر تحديدًا حول المدخلات أو التدخلات التي تسهم بدرجة أكبر في تحقيق هذا الاكتساب. وفي دراسة تقييمية طُبقت على برنامج تركي لمحو أمية الكبار يعتمد على منهج وظيفي، ركّز الباحثون على أثر الدورة التعليمية المقدّمة ضمن البرنامج (دورغونوغلو وآخرون 2003). ولقياس فعالية هذا التدخل وتقدير نجاحه، قارنوا نتائج التقييم السابقة واللاحقة للمشاركين، كما أجروا مقارنة بين نتائج من التحقوا بالبرنامج ومن لم يشاركوا فيه. وعندما لم تظهر فروق دالة إحصائيًا بين التقييمين السابق واللاحق، أرجع الباحثون ذلك إلى قصر مدة البرنامج وعدم كفايتها لإحداث تأثير ملموس.

أجرت (بوتشنر، 2003) دراسة نوعية لتقييم أربعة برامج لمحو الأمية في المناطق الريفية من مالي، فاستُند فيها إلى مقابلات مكثّفة وملاحظات ميدانية مع أفراد شاركوا في هذه البرامج وأصبح بعضهم قادرًا على القراءة والكتابة في حين لم يحقق ذلك آخرون، وجرى تركيز المنهج على الجودة النوعية للمدخلات داخل الصفوف وطرق تقديم المحتوى التعليمي. ولتفسير معدلات النجاح المحدودة لتلك البرامج، حدّدت الباحثة ثلاثة عوامل متداخلة: ضيق أفق مطوّري البرامج، وتجاهل احتياجات النساء، وسوء الظروف الصفية بما يشمل نقص المواد التعليمية واقتراب جدران الصفوف والتباعد الزمني بين الجلسات. ورغم ذلك، لم تقف التحليلات عند المدخلات التقنية بل امتدت لتشمل عوامل اجتماعية مؤثرة، بما في ذلك طبيعة علاقات الرجال بالنساء داخل المجتمع، والأدوار الاجتماعية المفروضة على النساء التي تحدّ من فرصهن، والعقبات المجتمعية التي تواجه النساء في الوصول إلى الصفوف، إلى جانب وجود تصورات محلية تُقلّل من القيمة العملية لتعلّم محو الأمية بلغة لا تستخدم في الحياة اليومية. وقد فُسرت هذه المعطيات بوصفها مفتاحًا لفهم مواقف المشاركين من البرامج وتوقعاتهم من نتائجها. وفي نهاية تحليلها، صاغت الباحثة سؤالاً منهجيًا يمثّل جوهر النهج النوعية: كيف تؤثر مواقف الأفراد من محو الأمية وتعليمها في فرصهم الحقيقية لاكتساب مهارات القراءة والكتابة؟

انطلق باحثون في دراسات نوعية أخرى من النهج ذاته لفهم العوامل التي تعيق أو تدفع نحو اكتساب مهارات محو الأمية. فقد قدّمت (بيتس، 2003) تحليلًا مفصّلًا لوجهات نظر السكان في الأرياف السلفادورية، حيث استعرضت تصوّراتهم حول برامج محو الأمية التي طُرحت في مجتمعاتهم، وبيّنت أن ضعف المشاركة لا يمكن تفسيره فقط بغياب الإمكانات أو ضعف الحافز، بل ينبغي فهمه ضمن ما وصفته بـ"سياسات الغياب"، أي تلك المواقف التي تتجلى في مقاومة ضمنية أو علنية للخطابات السلطوية التي تصوّر محو الأمية بوصفه أداة للهيمنة وإعادة إنتاج علاقات القوة. وفي اتجاهٍ مماثل، أعطت دراسات أخرى الأولوية لأصوات المشاركات أنفسهن بوصفها مرجعًا لفهم دوافع المشاركة أو العزوف عنها، ومن ذلك ما رصدته (روكهيل، 1993) في مقابلاتها مع مهاجرات مكسيكيات في مدينة لوس أنجلوس، حيث تبيّن أن رغبة النساء في التعلّم كانت تصطدم بسلطة أزواجهن الذين يتحكمون في قرار السماح أو المنع من ارتياد المدرسة، وهو ما جعل من محو الأمية أداةً ضمنيةً لمقاومة هذه السلطة الذكورية.

خلصت مجموعة من الدراسات النوعية التي تناولت السياسات التعليمية إلى ضرورة النظر في التأثيرات الدولية لفهم نجاح السياسات الوطنية في مجال محو الأمية. فقد أكّد (مبوفو ويونغمان، 2001) أن السياسات المتّبعة في بوتسوانا وزيمبابوي تأثّرت تأثّرًا بالغًا بالنهج التقليدي لمحو الأمية السائد في الخطابات الدولية، وهو ما أفضى إلى برامج غير فعّالة نسبيًا. أما (موندي، 1993)، فقد بيّنت في تحليلها لسياسات محو الأمية في جنوب القارة الإفريقية، أن هذه الجهود لا يمكن فصلها عن السياقات العالمية التي تتشكّل ضمنها، وفي مقدّمتها التحوّلات البنيوية في الاقتصاد العالمي، وتراجع مكانة إفريقيا ضمن هذا النظام، فضلًا عن تأثير المساعدات الأجنبية والمعرفة التقنية التي قدّمتها الوكالات الدولية، والتي أسهمت في توجيه السياسات الوطنية وتحديد مساراتها.

ما النتائج المترتبة على محو الأمية؟

تناولت دراسات نوعية متعددة سؤال النتائج المترتبة على محو الأمية، فكشفت عن الأوجه المختلفة لاستخدام مهارات القراءة والكتابة، وعرضت تصورات الأفراد الذين اكتسبوا هذه المهارات حديثًا، وقدّمت تفسيرًا معمّقًا لتلك النتائج انطلاقًا من رؤية شاملة ومتأنية للسياقات الاجتماعية والثقافية المحيطة باستخدامها، سواء في الحياة العامة أو الخاصة. فقد رأت (أيكمان، 2001) أن المشاركين من جماعة هاراكامبوت في بيرو اعتبروا أن أحد أهم آثار تعلم القراءة والكتابة بالإسبانية تمثّل في تعزيز قدرتهم على الدفع ببرامجهم الذاتية للتنمية، والوصول إلى موارد تمكّنهم من الدفاع عن حقوقهم الأصلية وممارسة أدوارهم المجتمعية بوعي واستقلالية. وفي دراسة (روبنسون–بانت، 2000) عبّرت النساء النيباليات عن شعورهن بالحصول على هوية جديدة في المجال العام بوصفهن "متعلمات"، كما اكتسبن مساحة اجتماعية جديدة تمثّلت في الفصل الدراسي، ومساحة خاصة للتعبير الفردي، تجسّدت في كتاباتهن الموجّهة لأغراض شخصية وعامة، الأمر الذي أتاح لهن الفرصة لإعادة تشكيل علاقاتهن بالمجتمع والأسرة. وفي الولايات المتحدة، وجد (واينستين–شير، 1993) أن الرجال المهاجرين من الهونغ قد استخدموا مهارات القراءة والكتابة كوسيلة للتفاوض مع مؤسسات عامة جديدة، وكأداة فعّالة للتواصل بين الثقافة الهونغية والثقافة الأمريكية، وكرافعة للحصول على مكانة اجتماعية جديدة، وكذلك كوسيلة منهجية لدراسة التراث الشفهي لجماعتهم وحفظه للأجيال اللاحقة. وبطريقة مماثلة، فسّر (مادوكس، 2005) تعلم النساء البنغاليات للقراءة والكتابة بوصفه تحديًا للبُنى الأبوية السائدة، إذ أسهم في تقوية موقع المرأة مقارنة بالرجل، وأتاح لهن فرصة المطالبة بحقوقهن وإعادة صياغة حضورهن الاجتماعي. غير أن هذا الاكتساب الجديد لم يكن خاليًا من التبعات، إذ حمل معه أشكالًا من المخاطر والهشاشة، تمثّلت في التوترات الناتجة عن تفاعل النساء مع مؤسسات عامة، وظهور أنماط جديدة من التعرض للرقابة والنبذ الاجتماعي نتيجة مراسلاتهن الخاصة واستخدامهن المستقل للكتابة.

سعت (روبنسون–بانت، 2001) إلى استكشاف الصلة بين محو أمية النساء والنتائج الصحية لهنّ من خلال اتباع منهج إثنوغرافي في دراسة أُجريت ضمن برنامج لمحو الأمية في نيبال. وقد توصّلت إلى نتائج مشابهة لما رصدته (بوتشنر)، إذ لاحظت أن الفروق الظاهرة في نتائج اختبار المعرفة الصحية لم تنعكس على السلوك العملي للمشاركات، حيث لم تكن هناك فوارق تُذكر بين سلوكيات الباحثات عن الرعاية الصحية لدى المشاركات وغير المشاركات في البرنامج. وقد فسّرت هذه المفارقة في الصفحات (161–192) موضّحة أن:

كشفت المقابلات التفصيلية التي اعتمدت على رسم خط الحياة عن صورة شديدة التعقيد بشأن كيفية اتخاذ النساء للقرارات الصحية. فبدلًا من أن تُظهر هذه المقابلات جهل النساء أو غياب وعيهن الصحي، كشفت عن واقع شائك، يتجلى في تردّي الخدمات الصحية، وقصور المشورة المقدّمة في مجال تنظيم الأسرة، ورفض الأزواج أو أفراد من عائلة الزوج لفكرة تنظيم النسل، فضلًا عن تدنّي المكانة التي يُنظر بها إلى ولادة الأنثى، مما يدفع النساء إلى مواصلة الإنجاب سعيًا وراء مولود ذكر يُرضي التوقعات الاجتماعية المحيطة بهن.

في الوقت الذي قدّمت فيه مقابلات (روبنسون–بانت) صورة شاملة تُبرز الأبعاد المتعددة للعلاقة بين محو الأمية والسلوكيات الصحية، جاءت بعض الدراسات الكمية لتتناول هذه العلاقة من زاوية أكثر اختزالًا، مركّزة على مجموعة محددة من العوامل القابلة للقياس الكمي والتحديد الإجرائي. اعتمد (ديكستر) وآخرون (1998) في دراستهم على عدد سنوات التعليم النظامي الذي تلقته النساء الريفيات في المكسيك باعتباره مؤشرًا يُستخدم لاستنتاج مدى الإلمام بالقراءة والكتابة، وذلك بهدف تحليل العلاقة بين هذا المؤشر ونتائج التقييم المباشر لأنشطة لغوية مرتبطة بالسياق الصحي، تتضمّن الفهم القرائي للمعلومات الطبية والاستيعاب السمعي للتعليمات الشفوية. أما (شنل–أنزولا) وآخرون (2005)، فقد انصبّ اهتمامهم على التحقق مما إذا كانت مهارات محو الأمية تُعدّ آلية وسيطة تربط بين تعليم الأمهات والسلوكيات الصحية لهن ولأطفالهن. وقد استعانوا في ذلك بمقابلات أُجريت مع 161 أمًّا فنزويلية، إضافة إلى تقييم مباشر لقدراتهن على القراءة والتواصل في الموضوعات الصحية. واقترح الباحثون نموذجًا يتكون من أربع مراحل متسلسلة: تبدأ بتأثير سنوات تعليم الأم على مهاراتها اللغوية والقرائية، وتنتقل إلى أثر تلك المهارات على قدرتها على فهم الرسائل الصحية، ثم تنعكس هذه القدرة على مدى لجوئها إلى الخدمات الصحية، لتنتهي آثار هذه السلسلة في التحسن أو التدهور الذي يطرأ على الحالة الصحية لأطفالها.

تابعت دراسات كمية أخرى تحليل الآثار الاقتصادية المرتبطة بمحو الأمية، مركّزة على العلاقة بين المهارات القرائية والنجاح الاقتصادي على المستوى الفردي. وقد أظهرت بيانات المسح الدولي لمحو الأمية لدى البالغين وجود ارتباط ملموس بين نتائج التقييم المباشر لمهارات محو الأمية الوظيفية وبين دخل الأفراد بوصفه مؤشرًا على النجاح الاقتصادي. وكما كتب (داركوفيتش) (2000، ص 375):

يميل العاملون من يتقنون مهارات القراءة والكتابة بدرجة أعلى إلى تحقيق دخولٍ أعلى مقارنة بمن تنخفض لديهم هذه المهارات، رغم أن هذا التأثير لا يظهر بشكل ثابت في جميع المستويات أو البلدان. وعندما يظهر أثر محو الأمية على الدخل، فإنه يظل واضحًا حتى بعد أخذ عوامل مثل الجنس، وتعليم الوالدين، والمستوى التعليمي للمُجيب في الحسبان.

استخدم الباحثون أدوات التحكّم الإحصائي لتبسيط نوع الموقف المعقّد الذي رصدته (روبنسون–بانت) في دراستها النوعية الصغيرة النطاق والشاملة في منظورها.

الاستنتاجات

تقدّم الدراسات التي تناولت مظاهر الإلمام بالقراءة والكتابة في الفقرات السابقة تمثيلًا واضحًا ومتكاملًا للخصائص المنهجية التي تنتمي إليها. وتتميّز الدراسات الكمية، ولا سيما الدراسات المقارنة بين الدول، بسعيها إلى بناء تفسيرات عامة يمكن تعميمها عبر سياقات جغرافية وثقافية وتعليمية متعددة. ويهدف عدد من هذه الدراسات إلى تحليل علاقات الارتباط والسببية، اعتمادًا على نماذج إحصائية وتجريبية متقدّمة تُعنى برصد العوامل المؤثرة وتحديدها بدقة. وتُطرح الأسئلة البحثية والفرضيات في مستهل الدراسة بشكل واضح ومباشر، يليها عرض تفصيلي للمنهجية يتضمن معلومات دقيقة حول كيفية اختيار العينة، ومصادر جمع البيانات، وطرائق قياس المتغيرات، فضلًا عن الإجراءات المتبعة في تحليل النتائج. أما المفاهيم النظرية، مثل مظاهر الإلمام بالقراءة والكتابة، فعادةً ما تُعرّف في هذه البحوث بوصفها متغيرات كمية قابلة للقياس الدقيق والمقارنة الإحصائية. وتستند هذه البحوث إلى أدوات بحثية تتنوّع بين التقييمات المباشرة، واختبارات القراءة المنظمة، والأسئلة المغلقة، والملاحظات التي لا تتضمّن تفاعلًا مباشرًا بين الباحث والمبحوث. ومن اللافت أن هذا النوع من الدراسات غالبًا ما يُغفل إشراك أصوات المشاركين أو التعبير عن وجهات نظرهم الذاتية، مما يضفي طابعًا موضوعيًا ومجرّدًا على النتائج التي يتم التوصل إليها.

تعتمد الدراسات النوعية اعتمادًا متكاملًا على ما يطرحه المشاركون في البحث من رؤى وتفسيرات ذاتية تعبّر عن تجاربهم ومعانيهم المرتبطة بمظاهر الإلمام بالقراءة والكتابة. وتتمحور هذه الدراسات حول سياقات محدودة النطاق تسعى من خلالها إلى تقديم تصور شامل ومعمّق لما تعنيه القراءة والكتابة في حياة الأفراد، وكيف تُمارس وتُوظّف في واقعهم اليومي. وبدلًا من الاقتصار على متغيرات قياسية ثابتة، تتوسّع هذه الدراسات في تحليل الاستخدامات والمعاني والطرائق التي تتجلى بها مظاهر الإلمام بالقراءة والكتابة في بيئات متعددة. وتميل منهجيًا إلى الطابع الاستكشافي التفسيري، فلا تنطلق من فرضيات أو أسئلة محددة سلفًا، ولا تلتزم بهياكل تقريرية موحدة. كما تتسم نواتجها البحثية بوفرة الوصف ودقته، مع حضور واضح للتحليل النظري الذي يمنح التفسير عمقًا ومعنى.

بالنظر إلى اختلاف نهج البحث الكمي والنوعي، إلا أن كليهما ينطلق من الاهتمام المشترك بالإجابة عن أربعة أسئلة أساسية على الأقل تتعلّق بمظاهر الإلمام بالقراءة والكتابة. ويسهم هذا التباين في النهج في الوصول إلى إجابات أكثر اكتمالًا وشمولًا. ومن بين هذه الأسئلة: كيف يمكن تعريف الإلمام بالقراءة والكتابة وتوصيفه بدقة؟ يرى الباحث الكمي أن الإجابة تكمن في تطوير وسائل دقيقة لقياس المهارات المرتبطة بالقراءة والكتابة وتحليلها كمّيًا. أما الباحث النوعي، فيركّز على تتبّع الطريقة التي يُمارَس بها الإلمام بالقراءة والكتابة فعليًا في الحياة اليومية، معتبرًا أن الاقتصار على ما تفرضه الجهات الخارجية حول الكيفية المثلى لاستخدام تلك المهارات لا يُسهم في بناء فهم حقيقي لها.

يتمثّل السؤال الثاني في البحث حول مواطن التفاوت في الإلمام بالقراءة والكتابة. ويجيب الباحث الكمي بأن السبيل إلى ذلك يكون من خلال قياس الفروقات في درجات إتقان القراءة والكتابة بين المجموعات المختلفة، وتحليل ما إذا كانت تلك الفروقات مجرّد تباينات عشوائية أم تحمل دلالة إحصائية تشير إلى وجود نمط مستقرّ أو علاقة سببية محتملة. ويقدّم الباحث النوعي منظورًا مغايرًا، إذ يركّز على تحليل المعاني والاستخدامات التي تُسندها الأفراد أو الجماعات إلى الإلمام بالقراءة والكتابة، منطلقًا من أن هذا الإلمام ليس مفهومًا واحدًا أو موحّدًا، بل يتشكّل تبعًا لاختلاف السياقات الاجتماعية والثقافية التي يُمارَس فيها.

يرى الباحثون الكميّون أن الإجابة عن سؤال "ما العوامل التي تسهم في تحقيق محو الأمية، وما الذي يؤدي إلى اكتسابها؟" تبدأ بتحليل المدخلات القابلة للقياس، سواء كانت قابلة للتغيير أو لا، من أجل تحديد ما يسهم منها في رفع مستويات المهارات القرائية والكتابية أو تحسين معدلات محو الأمية في المجتمع. أما الباحثون النوعيون، فانطلاقًا من التسليم بوجود برامج تعليمية تُعنى بمحو الأمية، فإنهم يركّزون على دراسة مواقف المشاركين تجاه القراءة والكتابة وتجاه تلك البرامج نفسها، بوصفها مواقف قد تُسهّل عملية الاكتساب أو تعيقها. بينما يركّز باحثو السياسات النوعية على تحليل مدخلات السياسات التعليمية، فيسعون إلى فهم ما إذا كانت هذه السياسات تعزّز جهود التمكين القرائي أو تُسهم في عرقلتها.

ما النتائج المترتبة على محو الأمية، وما الآثار التي يخلّفها على الفرد والمجتمع؟ يرى الباحثون الكميون أنّ الإجابة تقتضي دراسة ما إذا كانت هذه المهارات تُسهم فعلًا في تحسين مجالات أخرى من حياة الأفراد والمجتمع، وفهم طبيعة هذا الإسهام ومجالاته. يرى الباحثون النوعيون أنّه لا ينبغي إغفال التساؤل عمّا إذا كان المتعلّمون الجدد يواجهون آثارًا سلبية إلى جانب الفوائد التي يجنونها من اكتسابهم لمهارات محو الأمية.

بعد أن ركّز هذا الفصل على قضية واحدة محورية، وقارن بين أسلوبين بحثيين مختلفين في تناولها وتحليل أبعادها، تتهيأ لنا فرصة حقيقية للتعمّق في النقاش المنهجي حول الفروق الجوهرية بين النهجين الكمي والنوعي، وفي مدى إمكانية التوفيق بينهما لتحقيق فهم أكثر شمولًا وتعقيدًا للظواهر التربوية. ولمساءلة هذا الطرح، يمكننا أن نضع تصورًا افتراضيًا على النحو الآتي: ماذا لو اعتمدنا في فهمنا لمحو الأمية على أحد المنهجين دون الآخر؟ ماذا لو كان كل ما نعرفه عن محو الأمية يقتصر على تصوّرات الأفراد الذين خاضوا تجربة التعلّم، وكيفية توظيفهم لمهاراتهم كما يفهمونها ويعيشونها في حياتهم اليومية، دون أن نعرف ما إذا كانت تلك المهارات كافية أو مناسبة لأداء المهام التي يتوقعها المجتمع من الشخص المتعلم؟ وماذا لو انحصر فهمنا في العوامل التعليمية التي ترفع معدلات محو الأمية، مثل طبيعة البرامج أو مدّتها أو محتواها، دون أن نعي الدوافع الشخصية والاجتماعية العميقة التي تؤثر في قرار الأفراد بشأن التعلّم، أو في مدى قبولهم بمحتوى البرامج التعليمية واستعدادهم لاعتباره ملائمًا ومرتبطًا باحتياجاتهم الفعلية وسياقهم الحياتي؟ إن التفكير بهذه الطريقة يُظهر بوضوح أن كلا المنهجين، رغم ما بينهما من تباين في المنطلقات والإجراءات، يقدّمان رؤى متكاملة لا غنى عنها، ولا يمكن الوصول إلى فهم شامل ومتوازن للقضايا التعليمية الجوهرية دون الجمع بينهما والاستفادة من مكامن القوة في كل منهما.

السؤال الأخير الذي يعالجه هذا الفصل يتعلّق بكيفية توظيف كل من النهجين الكمي والنوعي في البحوث التربوية المقارنة توظيفًا مباشرًا وواضحًا. ومن بين الدراسات التي تناولها هذا الفصل في مجال محو الأمية، تبرز الدراسات الكمية المقارنة بين الدول على وجه الخصوص، والتي اهتمت بتحليل نتائج التحصيل في محو الأمية عبر بلدان متعددة، بوصفها أوضح الأمثلة على التوظيف الصريح للنهج الكمي في بحوث التربية المقارنة. وقد استخدمت الدراسات الكمية كذلك لمقارنة معدلات محو الأمية، ومستويات المهارات القرائية والكتابية، ونتائج التحصيل، ليس فقط على مستوى الدول، بل على مستويات دون ذلك، مثل الأقاليم والمناطق التعليمية. بل إن بعض هذه الدراسات، حتى وإن اقتصر نطاقها الجغرافي على مكان واحد، فإنها انخرطت في مقارنات صريحة ضمن أبعاد متعددة، شملت أساليب قياس المهارات القرائية، والمفاضلة بين الطرائق التدريسية الحديثة والتقليدية، وتجارب التمدرس، والمناهج الدراسية، والانتماءات اللغوية، والعوامل المدخلة في العملية التعليمية ونتائجها. أما الدراسات النوعية التي ورد وصفها في هذا الفصل، فقد اتّسمت باهتمامها العميق بالسياقات الميدانية، وركّزت غالبًا على منطقة واحدة، في كثير من الأحيان بمستوى التفصيل الذي يصل إلى المقاطعة أو القرية. ومع ذلك، وعلى غرار الدراسات الكمية، انطوت الدراسات النوعية هي الأخرى على مقارنات ملموسة على مستويات متعددة، مثل السياسات التعليمية، والأنماط الثقافية، والسلوكيات الفردية. وقد شملت هذه المقارنات مختلف أبعاد محو الأمية، من حيث المعاني المنسوبة إليها، وأساليب استخدامها، والقيم المرتبطة بها، والعوامل المؤثرة في تعلمها، والنتائج المترتبة عليها.


الفصل الرابع

مقارنة الأماكن

ركّزت بحوث التربية المقارنة عبر تاريخها على تحليل الكيانات الجغرافية باعتبارها وحدات أساسية للمقارنة، إذ شكّلت هذه الكيانات إطارًا واضحًا لرصد التباينات والتماثلات بين النظم التعليمية في سياقات متعددة، ويكشف هذا الكتاب أن إمكانات التحليل المقارن لا تقتصر على البعد الجغرافي، بل تشمل وحدات تحليل أخرى ترتبط بالسياسات والمناهج والثقافات والأنظمة، ومع ذلك فإن هذه الوحدات لا تُفهم بمعزل عن مواقعها، إذ تظل الجغرافيا حاضرة في بنيتها ومؤثرة في دلالاتها، مما يجعل تحليل الكيانات الجغرافية خطوة تأسيسية لا غنى عنها في فهم التعليم من منظور مقارن.

صمّم براي وتوماس عام 1995 مكعّبًا يهدف إلى تصنيف الدراسات المقارنة في التربية استنادًا إلى مستويين من التحليل: مستوى طبيعة الوحدة المقارنة، ونوع التحليل المستخدم في الدراسة، وقد شدّدا على أن هذا التصنيف لا يمكن اعتباره شاملًا أو نهائيًا، بل أقرّا بإمكانية اكتشاف وحدات تحليل إضافية لم يشملها النموذج الأصلي. ويتناول هذا الفصل بالدراسة والتحليل البُعد الجغرافي ضمن مكعّب التحليل المقارن، مع التوسّع في استكشاف وحدات أخرى لم تُذكر صراحة في ذلك النموذج، لكنها كانت حاضرة ضمنًا في بعض تطبيقاته. وتستخدم الكاتبة مقال براي وتوماس باعتباره نقطة مرجعية تستند إليها في مراجعة الأدبيات التي نُشرت بعد صدور المقال، وتُجري من خلال هذا الاستناد مراجعة تحليلية تستهدف ثلاثة محاور رئيسة: أوّلها تتبّع تطوّر الخطاب المرتبط بوحدات التحليل في الأدبيات اللاحقة، وثانيها الكشف عن بعض الوحدات التي لم تُذكر بوضوح في نموذج براي وتوماس لكنها تشكّل امتدادًا ضمنيًا له، وثالثها عرض أمثلة توضّح كيف استُخدمت الأماكن كوحدات للمقارنة، سواء كانت المقارنة تتم على مستوى واحد أو على مستويات متعددة، بهدف إلقاء الضوء على الإشكالات المنهجية التي تُثيرها هذه الاستخدامات المتنوعة.

يتكوّن هذا الفصل من أربعة أقسام رئيسة، يفتتح أولها بعرض مجموعة من المداخل العامة التي يعتمد عليها الباحثون عند تناول الدراسات المقارنة في ميدان التربية، ويليه قسم ثانٍ يُخصّص لاستعراض ملاحظات إضافية تتعلّق بنموذج براي وتوماس وتسهم في توسيع فهم القارئ لهذا النموذج وأبعاده، ثم يأتي القسم الثالث، وهو الأوسع من حيث الحجم والأغنى من حيث الطرح، ليُركّز على تحليل البُعد الجغرافي، مُقدّمًا طيفًا متنوعًا من الأمثلة التي تُبيّن كيف يمكن اعتماد الكيانات الجغرافية نقاطًا مرجعية في تحليل الظواهر التربوية، ويُختتم الفصل بقسم رابع يُقدّم خلاصة منهجية تضمّ مجموعة من القضايا والأسئلة التي يتعيّن على الباحثين أخذها في الحسبان عند إجراء تحليل المقارنات بين الأماكن.

النهج والآليات البحثية المُستخدَمة في تحليلات التربية المقارنة

ينبغي أولًا توضيح مفهوم "وحدة التحليل"، لما له من أهمية بالغة في البحوث الاجتماعية، إذ يُقصد بها الكيان الأساسي الذي تُجرى عليه الدراسة ويتركّز عليه مجمل النشاط البحثي، فهي ما تجيب عن السؤال المحوري: "من هو محل التحليل؟" أو "ما الذي يُخضعه الباحث للتحليل؟" وتتمثّل وحدات التحليل الأكثر شيوعًا في الأفراد بوصفهم عناصر أولية، أو الجماعات الاجتماعية التي تُدرَس بوصفها كيانات مترابطة، أو المؤسسات التي تمثل بُنى تنظيمية ذات أدوار محددة، أو النتاجات الاجتماعية والثقافية، أو حتى التفاعلات والعلاقات بين الفاعلين في سياقاتهم اليومية. وقد ميّزت أدبيات علم الاجتماع المقارن، كما في أعمال (راغين، 2006)، بين معنيين أساسيين لهذا المفهوم: وحدة الملاحظة ووحدة التفسير. فالأولى تُشير إلى المستوى الذي تُجمَع عنده البيانات وتُحلّل وفقًا له، ويُقصد بها الإطار الذي تُرصَد فيه الوقائع وتُسجَّل المؤشرات، أما الثانية فهي المستوى الذي تُبنى عنده التفسيرات وتُعزى إليه الاتجاهات والنتائج، وقد يكون مختلفًا عن مستوى جمع البيانات، إذ يتطلّب تفسيرها الرجوع إلى أنساق أوسع أو مستويات أعلى. وفي هذا الفصل، تُستخدم الوحدات الجغرافية في كلا المعنيين؛ فهي من جهة تُعبّر عن المستوى الذي تُستقى فيه البيانات وتُعالَج تحليلًا، ومن جهة أخرى تُشير إلى المستويات التي تُبنى عندها التفسيرات النظرية، سواء أكانت فردية تُركّز على سلوك الأفراد وتوجّهاتهم، أم مؤسسية تُحلّل الهياكل التنظيمية، أم وطنية تُعالج السياسات العامة، أم إقليمية تنظر في التكتلات الجغرافية، أو متعددة المستويات تأخذ في الاعتبار تشابك العوامل وامتدادها بين مستويات مختلفة.

تميّزت الدراسات المقارنة في التربية بتركيزها الجغرافي الواضح، إذ انصرفت في معظمها إلى تحليل الظواهر التربوية كما تتجلّى في أماكن متعدّدة ومتنوعة، وقد اختارت هذه الدراسات في غالب الأحيان وحدات تحليل تنتمي إلى مستويات اجتماعية كبرى، كان أبرزها الدولة القومية، بوصفها الكيان الأشمل الذي يمكن رصد السياسات والممارسات التعليمية ضمنه. ويمكن ملاحظة هذا الاتجاه بوضوح في الأعمال التأسيسية لعدد من الباحثين البارزين، مثل (سادلر 1900) و(كاندل 1933) و(بيرداي 1964) و(فافونوا وآيسيكو 1982) و(غو 1986)، حيث اعتمدت جميعها على الدولة كوحدة مركزية لتحليل النظم التربوية ومقارنتها.

الجدول 4.1: تحليلات دراسة الحالة المقارنة

النُظم الأكثر اختلافًا (mdS)

النُظم الأكثر تشابهًا (msS)


الأنظمة الأكثر اختلافًا – النتائج الأكثر تشابهًا

(mdS) (msO)

الأنظمة الأكثر تشابهًا – النتائج الأكثر تشابهًا

(msS) (msO)

النتائج الأكثر تشابهًا (msO)

الأنظمة الأكثر اختلافًا – النتائج الأكثر اختلافًا

(mdS) (mdO)

الأنظمة الأكثر تشابهًا – النتائج الأكثر اختلافًا

(msS) (mdO)

النتائج الأكثر اختلافًا (mdO)

المصدر: بيرغ شلوسر (2001)، ص 2430.

تُستَخدم المقارنة في البحث التربوي لتحقيق أهداف متعددة ودوافع متنوعة، كما توضّح ذلك بعض الدراسات المرجعية من بينها ما أورده (فيليبس وشفايسفورث، 2007، ص 7–25). ومن بين هذه الدوافع، يبرز نوعان رئيسان يحددان مسار الدراسة ومنهجها بصورة مباشرة. الأول هو الدافع التفسيري، حيث يركّز الباحث على استجلاء المعنى الكامن وراء الظواهر التربوية، وفهم طبيعتها في سياقاتها المكانية والثقافية والاجتماعية. أما الثاني، فهو الدافع التحليلي السببي، الذي يستهدف الكشف عن الأسباب المعقدة خلف الظواهر، وتحليل مدى تعقيد الشبكة السببية المؤدية إلى نتائج معينة، سواء كانت هذه النتائج متشابهة أو متباينة. وقد أشار (راغين وأموروزو، 2011) إلى أن الطرائق المقارنة يمكن أن تُوظَّف لتفسير عناصر التشابه في النتائج أو تفسير أوجه الاختلاف بينها. وفي هذا السياق، يقدّم الجدول 4.1 تصنيفًا لأربعة أنماط من دراسات الحالة المقارنة، موضحًا الفرق بين المقارنة التي تركز على النُظم أو الحالات، وتلك التي تركز على النتائج المحققة.

قدّم (بيرداي) في كتابه الراسخ "الطريقة المقارنة في التربية" (1964) معالجة منهجية تُعد من أبرز الإسهامات في مسار الدراسات التفسيرية، إذ ميّز بين نوعين من الدراسات التحليلية: دراسات تُركّز على منطقة جغرافية واحدة داخل بلد أو إقليم معيّن، ودراسات تتناول المقارنة المتزامنة بين بلدان أو أقاليم متعددة بهدف تحليل أوجه الشبه والاختلاف في الظواهر التربوية. ومن أبرز ما ورد في هذا العمل، منهجه الرباعي في التحليل المقارن، والمبيّن في الشكل 4.1، والذي يقوم على أربع مراحل مترابطة: الوصف، ثم التفسير، فالمقابلة، وأخيرًا المقارنة المتزامنة. وقد أوضح (بيرداي) أن وظيفة مرحلة المقابلة هي تحديد الأساس الذي تُبنى عليه المقارنة الصائبة، وصياغة الفرضية التي يتم في ضوئها تفسير أوجه الشبه أو التباين (ص 9–10).

الشكل 4.1: نموذج بيرداي لإجراء الدراسات المقارنة

Shape1

المصدر: بيرداي (1964)، ص 28.

تُعدّ خطوة تحديد المعايير الأولية التي تتيح إجراء مقارنة عادلة بين وحدات التحليل ضرورة لا يمكن تجاوزها في أي بحث مقارن، إذ لا تكتسب المقارنة معناها وجدواها ما لم تنطلق من أساس مشترك قابل للقياس. وقد أشار (براي) عام 2004 (ص 248) إلى أن التحليل الإرشادي يصبح ممكنًا فقط حين تمتلك وحدات المقارنة قدرًا كافيًا من القواسم المشتركة يسمح بفهم الفروقات بينها وتحليلها بعمق. ومن هنا، فإن استكشاف بُعد محدد من أبعاد التشابه بين حالتين أو أكثر يشكّل أساسًا منهجيًا لا غنى عنه لإجراء مقارنة سليمة ومُبرّرة علميًا، كما بيّنت (شتاينر–خامسي) عام 2009. ولا ينبغي التعامل مع هذه المقارنات بطريقة آلية تقتصر على تسجيل أوجه التشابه والاختلاف بين الأماكن، بل يجب التعمّق في السياق الذي تتشكّل فيه هذه الأوجه، وتحليل مدى علاقتها السببية بالظاهرة التربوية موضع الدراسة. فالدراسة المقارنة ذات القيمة العلمية هي التي تنجح في الكشف عن مدى التشابه والاختلاف بين وحدات التحليل، وتفسير أسبابهما، والوقوف على العوامل المؤثرة فيهما، والعلاقات المتبادلة بين هذه العوامل. وقد قدّم كل من (كوبو) و(فوسوم) عام 2007 أداة مفيدة في هذا السياق، تمثّلت في جداول مقارنة توضّح الفروقات بين الدول التي دُرست، بناءً على عوامل ديموغرافية وجغرافية طبيعية وسياسية–اجتماعية تُسهم في تشكيل واقع التعليم في تلك السياقات، كما هو مبيّن في الشكل 4.2.

حين تهدف المقارنات إلى فهم العلاقة السببية بين حالتين أو أكثر، تكتسب معايير المقارنة أهميتها من مدى ارتباطها بأسباب المعضلة التربوية التي يسعى البحث إلى فهمها وتحليل أبعادها، وليس لمجرد تحقيق التماثل الشكلي بين الحالات المدروسة. وقد حدّد (راجن) سنة 1987، في الصفحات 45 و47 و48، ثلاث خطوات رئيسية يعتمد عليها الباحثون في البحوث المعتمِدة على دراسة الحالة، لتكوين فهم معمّق للعلاقات السببية في الظواهر التعليمية من خلال التحليل المقارن.

  • يبدأ الباحث بالبحث عن أوجه التشابه العميقة الكامنة بين وحدات المقارنة التي أفضت إلى نتيجة مشتركة، وهي سمات لا تُستشفّ بالضرورة من النظرة الأولى، بل تتطلب تحليلًا منهجيًا يكشف عن القواسم المؤثرة الكامنة خلف الظاهرة.

  • يُبيَّن بعد ذلك مدى الارتباط السببي بين أوجه التشابه المحددة والظاهرة التربوية محل الدراسة، من خلال توضيح الكيفية التي تسهم بها تلك العوامل في إنتاج النتيجة المشتركة، بوصفها عناصر فاعلة تؤثر في بنية الظاهرة وسياقها التحليلي.

  • تُبنى في ضوء هذه التحليلات رؤية تفسيرية شاملة.

تختلف وحدات المقارنة في بعض الحالات من حيث الظاهر، غير أن الظواهر التربوية في كلٍّ منها تُفضي إلى نتيجة مشتركة (انظر النموذج "نُظم شديدة الاختلاف msO)) – نتائج شديدة التشابه mdS))" في الجدول 4.1). وقد أوضح (راجن) (1987، ص 47) ما يلي:

يتعين على الباحثين أن يضعوا في حسبانهم احتمال أن تكون السمات التي تبدو مختلفة في ظاهرها — مثل اختلاف نظم الحوافز من حيث النوعية أو طبيعة التطبيق — ذات نتائج متطابقة في الجوهر، إذ تنطوي هذه السمات على تكافؤ سببي عند تحليلها على مستوى تجريدي أعلى، حتى وإن لم يظهر هذا التكافؤ على المستوى القابل للرصد المباشر. وهذا يعني أن بعض أوجه التباين الظاهري بين عنصرين قد تُخفي وراءها سببًا مشتركًا غير مرئي على السطح، لكنه يتجلّى عند النظر في السياقات النظرية العميقة.

الشكل 4.2: نقاط التقارب في بيئات مختلفة

البرازيل

العوامل السكانية ودورها في تشكيل السياسات والممارسات التربوية




ما أثر السمات السكانية على المنظومة التعليمية؟

جنوب أفريقيا

السِمة: ارتكزت البنية الثقافية في البرازيل على مساهمات ثلاث جماعات إثنية رئيسة: السكان الأصليون أو ما يُعرف بالهنود، والبرتغاليون الأوروبيون، والأفارقة الذين جُلبوا للعمل قسرًا في مزارع المناطق الساحلية خلال فترة اتسمت بالاعتماد الكبير على العبيد.

السِمة: يُشكّل السكان من أصل أفريقي نحو ثلاثة أرباع إجمالي سكان جنوب أفريقيا، في حين يُشكّل المنحدرون من أصل أوروبي (وأغلبهم من أصول بريطانية أو هولندية) نسبة 10.9%، وتبلغ نسبة السكان ذوي الأصول المختلطة 8.9%، بينما تبلغ نسبة السكان من أصل آسيوي، ومعظمهم من أصول هندية، حوالي 2.6%.

الاستجابة: أدّت قرون من التزاوج بين الجماعات المختلفة وما رافقها من تمازج عرقي وثقافي إلى تكوين تركيبة سكانية فريدة في البرازيل، حيث تبلورت عبر هذه العملية هوية مجتمعية جديدة تُعبّر عن "عرق برازيلي" يحمل طابعًا موحّدًا لكنه في جوهره نتاج لتنوّع معقّد. ورغم أن معظم البرازيليين لا ينحدرون من سلالة تنتمي حصريًا إلى مجموعة واحدة، فإن الإحصاءات تشير إلى أن أكثر من نصف السكان يَعتبرون أنفسهم من ذوي البشرة البيضاء.

الاستجابة: بدأت عقيدة الفصل العنصري تترسخ بوضوح في جنوب أفريقيا مع صعود حزب الوطنيين المعروف بتوجهاته المؤيدة للفصل العنصري إلى السلطة عام 1948، حيث شرع في تطبيق سياسات تعليمية ممنهجة تهدف إلى تكريس التمييز العرقي، وكان أبرزها تأسيس نظام "تعليم البانتو" عام 1953 لتقييد تعليم السكان السود ضمن أطر ضيقة، تلاه في عام 1963 إنشاء منظومة تعليمية منفصلة لأبناء العرق المختلط الذين يُطلق عليهم "الملوّنون"، وكذلك للسكان من أصول هندية.

الأثر التعليمي: برغم ما تشير إليه المؤشرات من أن الجماعات العرقية المهمّشة في البرازيل تواجه تحديات في الحصول على فرص تعليمية عادلة، فإن النزوع الجماعي نحو الانتماء إلى العرق السائد ذي الهيبة الاجتماعية جعل من الصعب الاعتراف العلني بأن التمييز العنصري يشكّل عائقًا فعليًا في المجال التعليمي. وقد ترتّب على هذا الوضع غياب الاعتراف الرسمي أو الشعبي بتأثيرات التمييز العرقي في حرمان بعض الفئات من فرص تعليمية متساوية مع غيرها.

الأثر التعليمي: أرسى نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا بُنى تعليمية تفريقية تنطوي على أربعة نظم مدرسية متمايزة، إذ رسّخ هذا النظام في جوهره مبدأ التفاوت في فرص التعليم والوصول إليه بحسب الانتماء العرقي، وظل سائدًا حتى تصاعدت حركات المعارضة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، مما مهّد الطريق لانهياره وانتخاب (نيلسون مانديلا) عام 1994 كأول رئيس للبلاد من الأغلبية السكانية ذات الأصل الإفريقي.

المصدر: (كوبو) و(فوسوم)، 2007، ص 129.

تشير دراسات (راجن) إلى حالات تتشابه في ظاهرها، بما يُعرف بـ"تماثل سطحي ينطوي على أصل مشترك"، ولكنها تؤدي إلى نتائج متباينة، كما هو الحال في النمط msS–mdO في الجدول 4.1. في مثل هذه الحالات، ينبغي للباحث المقارن أن يتقصّى بعناية الفارق السببي الجوهري الذي يفسّر التباين في النتائج بين وحدات تبدو متشابهة نسبيًا. ويؤكد (راجن) في موضع آخر أن تحليل أوجه التشابه والاختلاف ضمن السياقات المختلفة يُتيح إمكانية الكشف عن كيفية امتلاك تراكيب شرطية متنوعة لقيمة سببية واحدة، أو كيف أن عوامل سببية متشابهة قد تُفضي إلى نتائج متضادة حين تعمل في سياقات متباينة. وفي هذا السياق، يُشيد (كروسلي) (2009)، الذي عُرف بمناصرته لأهمية السياق في البحوث التربوية، بإطار (براي) و(توماس) (1995) بوصفه نموذجًا فاعلًا يُمكّن من تحليل السياقات على مستوياتها المختلفة ومقارنتها ضمن منظور تربوي شامل.

تُعدّ النقاط المنهجية التي طُرحت في هذا الفصل أساسًا يمكن البناء عليه في الدراسات المقارنة التي لا تقتصر على الأماكن، بل تشمل وحدات تحليل أخرى ورد تناولها في فصول هذا الكتاب. وتُستخدم هذه النهج المنهجية هنا كعدسة تحليلية نُمعن من خلالها النظر في النماذج التوضيحية التي قورِنت فيها أماكن مختلفة، بغرض تحليلها وتقييمها وفق منظور نقدي منهجي. وتُتيح الكيانات الجغرافية تنوعًا واسعًا في وحدات التحليل المعتمدة في البحث التربوي المقارن، إذ تمتد هذه الوحدات من المستوى الكلي الذي يشمل الأقاليم الكبرى حول العالم، وصولًا إلى المستوى الجزئي الذي يتناول الفصول الدراسية، بل حتى الأفراد أنفسهم، وهو ما يجعل من تحليل الأماكن مدخلًا ثريًا لفهم الظواهر التربوية عبر مستويات متباينة وسياقات متعددة.

نموذج (براي) و(توماس) التحليلي في بحوث التربية المقارنة

يعرض مكعب براي وتوماس الوارد في مقدمة هذا الكتاب في الشكل 0.1 تصورًا تحليليًا ثلاثي الأبعاد يُستخدم لتصنيف محاور الدراسات المقارنة في التربية. يتضمن البُعد الأول الجانب الجغرافي أو المكاني ويشتمل على سبعة مستويات تبدأ من الأفراد وتنتهي بالمناطق العالمية. ويغطي البُعد الثاني المجموعات السكانية التي لا ترتبط بمكان جغرافي معين مثل الفئات العمرية أو العرقية أو الدينية. أما البُعد الثالث فيركّز على العناصر المرتبطة بالتعليم والمجتمع ويشمل المكونات التي تشكل البيئة التعليمية والسياق المجتمعي المحيط بها. وتستهدف هذه الأبعاد الثلاثة الإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسة في التحليل المقارن هي: أين تقع الظاهرة؟ من المعني بها؟ وما الذي يتم تحليله في محتواها؟

تناول عدد متزايد من الباحثين مفهوم "الحيز" منذ سبعينيات القرن الماضي، وهو ما أشار إليه كل من (سوبي) و(فيشر) (2009)، و(سيماكو) و(بروك) (2013)، باعتباره تحوّلًا مفاهيميًا نحو البُعد المكاني في الدراسات المعرفية خارج نطاق التربية المقارنة. وقد قدّم (ليفيبر) (1991) تصورًا للحيز بوصفه نتاجًا اجتماعيًا متجذرًا في منظومة من القيم التي تُوجّه الممارسات والتصورات الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، تبنّى هؤلاء الباحثون منظورًا ثقافيًا اجتماعيًا لفهم الحيز، متجاوزين بذلك النظرة الطبيعية أو المكانية المحضة. وقد انسجم هذا التوجه مع طروحات عدد من منظّري التربية المقارنة الذين تنبّهوا إلى أثر التحولات الجيوسياسية في هذا المجال، ودعوا إلى توسيع وحدات التحليل وإعادة النظر في فضاءات المقارنة، كما يظهر في أعمال (كووين) (2009أ)، و(كروسلي) و(واتسون) (2003)، و(ويلش) (2008). وبعيدًا عن البعد الثقافي، اقترح هؤلاء الباحثون توسيع نطاق التحليل ليشمل أبعادًا سياسية واقتصادية ذات صلة بالسياقات التربوية عند تصنيف الأماكن بهدف المقارنة. وقد ذهب (رابلي) (2010: 74) إلى أن الحيز لا بد من فهمه في علاقته المتبادلة مع الحيز الدولي الجمعي، ومع الحيز الاجتماعي النوعي الذي تنتظم فيه العلاقات بين الدول. وتتعدّد أشكال الحيز التي يمكن إدراجها ضمن البعد المكاني في نموذج (براي) و(توماس)، لتشمل التصنيفات الجغرافية المستندة إلى الخلفيات الاستعمارية، أو الانتماءات الدينية، أو التحالفات الاقتصادية، أو السمات الثقافية المعرفية. فعلى سبيل المثال، تُصنّف مناطق أفريقيا جنوب الصحراء بحسب القوى الاستعمارية السابقة، كالاستعمار البريطاني أو الفرنسي أو البرتغالي، وهو ما يوفّر أرضية ثرية لإجراء المقارنات. أما من زاوية الانتماء الديني والتاريخ السياسي المشترك، فتُقدّم دراسة (سيلوفا) وآخرين (2007) حول ست دول مستقلة حديثًا في آسيا الوسطى وأذربيجان مثالًا بارزًا على هذا النمط من المقارنة. ومن جهة أخرى، تتيح التكتلات الاقتصادية الإقليمية وحدات تحليلية ذات طابع إرشادي، وهو ما أكّده (كووين) (2002: 275) عند حديثه عن هذه الوحدات بوصفها مجالًا واعدًا للمقارنة التربوية:

شهدت أوروبا الغربية والوسطى، وأمريكا الشمالية، وشرق آسيا وجنوبها، وأمريكا الجنوبية نشوء تكتلات إقليمية ذات أثر متزايد على البنية التعليمية، إذ مهّدت هذه التكتلات لظهور أشكال من التكافؤ بين الأنظمة التعليمية، وساهمت في تنقّل الكفاءات المهنية عبر الحدود، وربطت بين الجامعات وقطاعات البحث والتطوير، إلى جانب نشوء هويات فردية مركبة تحمل سمات ثقافية متعددة. ومن المحتمل أن تؤدي هذه التغيرات إلى تقارُب ملحوظ في بعض عناصر التعليم، مثل المناهج والتقويم، بين نظم تعليمية كانت سابقًا وطنية ومنفصلة.

يمكن إدراج التكتلات الإقليمية بسهولة نسبية ضمن مكعب براي وتوماس، وتحديدًا في مستوى المناطق العالمية. وعلى الرغم من بروز هذه الوحدات الاجتماعية الجديدة التي تشهد نوعًا من التقارب، فإن هناك اتجاهًا معاكسًا يتجلى في تزايد النزعات الانفصالية داخل بعض المجموعات الاجتماعية التي تُعبّر عن هويّات دون وطنية قوية، كما هو الحال لدى البريتون والكتالونيين والأسكتلنديين، ممّا يفتح المجال أمام بؤر جديدة للمقارنة. ولذلك أشار (كوين 2000أ، ص 5) إلى أنّ الباحثين في التربية المقارنة يواجهون اليوم تحديًا يتمثّل في ممارسة تفكير متعدد الأبعاد، بما يشبه خوض مباراة شطرنج على ثمانية أو تسعة مستويات مختلفة من التحليل.

ارتبطت آثار العولمة الاقتصادية بظاهرة حديثة تُعرف باسم "شتات المعرفة"، وهو ما أشار إليه (ويلش 2008)، وأسفر عن نشوء مجتمعات معرفية جديدة تتجاوز الحدود الوطنية والإقليمية. وبرز تطور آخر يعيد تشكيل مشهد التربية المقارنة، ويتمثل في التوسّع الملحوظ في الجامعات "الافتراضية" والفصول الدراسية عبر الإنترنت، نتيجةً للتقدّم في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كما أوضح (غوري–روزنبلِت 2001). ولا تنتمي هذه الكيانات إلى موقع جغرافي معيّن، بل تنشط في "الفضاء الإلكتروني". وعلى الرغم من بقاء المدرسة أو الفصل الدراسي وحدةً أساسية للتحليل (في المستويين 5 و6 من مكعب براي وتوماس)، فإن الطابع الافتراضي لعمليتي التعليم والتعلّم يُدخل عناصر وقوى جديدة إلى ساحة المقارنة التربوية.

تبرز في سياق آثار العولمة الاقتصادية ظاهرة حديثة تُعرف بـ "شتات المعرفة" كما وصفها (ويلش 2008)، وهي ظاهرة ساهمت في نشوء مجتمعات معرفية جديدة تتخطى الحدود الوطنية والإقليمية، وتقوم على روابط فكرية ومهنية عابرة للجغرافيا التقليدية. كما برز تطوّر آخر غيّر من خرائط المقارنة التربوية وأعاد تشكيلها، ويتمثّل في ازدياد الجامعات والفصول الدراسية "الافتراضية"، التي ظهرت نتيجة التقدم المتسارع في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وما صاحبها من تحوّلات في أنماط التعلّم والتدريس. وهذه الكيانات التعليمية الجديدة لا تنتمي إلى مكان جغرافي فعلي، بل توجد وتعمل في فضاء رقمي افتراضي يُعرف بـ "الفضاء السيبراني". وعلى الرغم من أن المدرسة والفصل الدراسي لا يزالان يُعدّان وحدتين معتمدتين في التحليل (المستويين 5 و6 من المكعب)، فإن نمط التعليم الرقمي يُدخل عناصر وقوى جديدة وغير تقليدية على التجربة المقارنة، بما يتطلب إعادة التفكير في أدوات التحليل ومجالات المقارنة.

الكيانات الجغرافية بوصفها وحدات للتحليل

ينطلق هذا القسم من تحليل البعد المكاني في نموذج مكعب براي وتوماس، مُسلّطًا الضوء على المستويات الجغرافية السبعة التي تشكّل قاعدة للمقارنة، ابتداءً من النطاق الأوسع الذي يشمل الأقاليم العالمية والقارات، وانتهاءً بالمستوى الفردي الذي يعكس التجربة التعليمية على صعيد الشخص الواحد. وتُستعرض في هذا السياق دراسات مقارنة مختارة، لا بهدف التمثيل فقط، بل للكشف عما تحمله من دلالات منهجية، واستجلاء مدى قدرتها على توضيح الظواهر التربوية التي تتناولها وتحليلها بعمق ووعي نقدي.

المستوى الأول: الأقاليم العالمية والقارات

أوضح (براي) و(توماس) (1995، ص 474) طبيعة المقارنات التي تُجرى على مستوى المناطق العالمية والقارات، وكشفا عن الفرضيات التي تقوم عليها هذه المقارنات، والتحديات المنهجية التي يواجها الباحثون في التربية المقارنة عند الخوض فيها.

تناولت مؤلفات عديدة طبيعة الأنماط التعليمية السائدة في مناطق مختلفة من العالم، وغالبًا ما تُستخدَم تسميات شائعة للدلالة على هذه المناطق، مثل دول البلقان، والمجموعة الأوروبية، ومنطقة الكاريبي، وجنوب المحيط الهادئ للدلالة على هذه المناطق. وتشمل أعمال موازية على المستوى الكلي تحليلات تتّخذ القارة وحدة رئيسية، وتركّز على مواقع مثل أفريقيا، أو أمريكا الجنوبية، أو آسيا.

تفترض غالبية المقارنات الإقليمية وجود سمات مشتركة تُميّز كل منطقة عن الأخرى بطرق ذات دلالة تربوية. وقد تشمل هذه السمات الموحِّدة عناصر مثل اللغة، ونمط التنظيم السياسي، والتاريخ الاستعماري، والنظام الاقتصادي، والتطلعات الوطنية، والأصول الثقافية. وتواجه المقارنات العابرة للمناطق ثلاث تحديات رئيسة، أولها إقناع القارئ بأن السمات المطروحة على أنها موحِّدة للمنطقة هي في الواقع مشتركة بين أعضائها، ثم إثبات أن منطقتين أو أكثر تتشابهان أو تختلفان بشكل جوهري في هذه السمات، وأخيرًا، البرهنة على أن تلك التشابهات والاختلافات تحمل دلالات مؤثرة في الشأن التربوي.

تُشكّل هذه الملاحظات إطارًا استرشاديًا للنقاش التالي، الذي يتناول أمثلة توضح تنوع السبل التي يمكن من خلالها اعتماد المناطق بوصفها وحدات مقارنة في الدراسات التربوية. ويتناول المثال الأول مقارنة نوعية تستعرض الفروقات بين كتل اقتصادية إقليمية، أما المثال الثاني فيتناول دراسة كمية استندت إلى تقسيمات إقليمية عالمية مصطنعة صُمّمت خصيصًا لأغراض البحث المقارن.

ركّزت الدراسة الأولى على تحليل ثلاث تكتلات اقتصادية إقليمية بارزة، وهي: الاتحاد الأوروبي (EU)، واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA)، ومنظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (APEC). وقد عالجها (ديل) و(روبرتسون) (2002) بوصفها نماذج دالّة على العولمة وتأثيراتها المتنامية، وسعيا إلى كشف انعكاساتها على سياسات التعليم في الدول الأعضاء. وامتد نطاق الدراسة ليشمل ثلاث قارات، واستند إلى منهج نوعي تحليلي.

نتجت الهياكل التي تتجاوز حدود الولاية الوطنية مثل الاتحاد الأوروبي و(NAFTA) و(APEC) عن قرارات واعية اتخذتها الحكومات الوطنية، تهدف إلى منح هذه الكيانات مساحة من الاستقلالية من أجل تحقيق أهداف جماعية محددة. ومع أن هذه التكتلات تستند إلى تقسيمات جغرافية مشتركة، حتى وإن كانت مُصطنعة لغرض التحليل، فإن عنصر التماسك فيها ينبع من الإرادة السياسية لأعضائها، وهي إرادة قد تُخفف من وقع التفاوتات داخل الإقليم الواحد. ومن هذا المنطلق، تُوفّر المنظمات الإقليمية إطارًا تحليليًا عمليًا ونافعًا لفهم الإقليم بوصفه وحدة قابلة للدراسة.

أكّد (ديل) و(روبرتسون) (2002، ص 18) رغم ما سبق أن المنظمات الإقليمية تتداخل ضمن منظومة مؤسسية مركّبة، ترتبط فيها بممارسات ثقافية وسياسية متنوعة، وتتشابك مع تحوّلات عالمية أوسع نطاقًا. ومن أبرز ما يُميّز هذه المنظمات عن بعضها البعض اختلاف عدد أعضائها وتنوع خلفياتهم. ففي عام 2013، اقتصرت (NAFTA) على ثلاث دول، بينما بلغ عدد أعضاء الاتحاد الأوروبي 28 دولة، أما منظمة (APEC) فقد جمعت 21 دولة، من بينها دول لا تنتمي جغرافيًا إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وأكمل الباحثان (2002، ص 29) توضيح هذا الأمر قائلين إن:

ما يمنح منظمة (APEC) طابعًا فريدًا عن كلٍّ من الاتحاد الأوروبي و(NAFTA) هو تنوّع الدول المنضوية تحت مظلتها، إذ تشمل في عضويتها بلدانًا تتفاوت تفاوتًا شديدًا في مستويات الدخل، بدءًا من الولايات المتحدة وانتهاءً ببابوا غينيا الجديدة. كما تتباين هذه الدول في خلفياتها الثقافية والديانات السائدة فيها، فضلًا عن أن نظمها التعليمية لا تزال تحمل آثارًا موروثة من عصور استعمارية مختلفة، مما يجعل مشهد التعليم فيها بالغ التنوّع من حيث البنية والمضامين والغايات.

الشكل 4.3: رسم خرائط ديناميكيات العولمة من خلال المنظمات الإقليمية

متغيّرات لتحديد التأثيرات الخارجية في سياسات التعليم وممارساته

البنية التنظيمية للاتحاد الأوروبي وأهدافه

البنية التنظيمية لـ (NAFTA) وأهدافها

البنية التنظيمية لـ (APEC) وأهدافها

أنماط النفوذ التنظيمي، بما يشمل التأثيرات العلنية والخفية في اتخاذ القرار:

  • اتخاذ القرارات الحاسمة

  • صياغة جدول الأعمال

  • الأطر والقواعد التي تنظّم التفاعل بين الأطراف




طبيعة التأثير (سواء أكان مباشرًا أم غير مباشر) في:

  • العلاقات السياسية التي تُوجّه السياسات التعليمية

  • الديناميات السياسية داخل المنظومة التعليمية نفسها




آليات التأثير ووسائله:

  • الاستراتيجيات

  • الخطوات التنفيذية

  • الأدوات المُستخدمة




نطاق التأثير: مدى النفوذ المُمارس على المستويات المختلفة للنظام التعليمي، ويُقاس من خلال:

  • السيادة

  • الاستقلال الذاتي




المصدر: ديل وروبرتسون (2002)، ص 19.

يمثّل هذا المثال نموذجًا إرشاديًا من حيث منهجه المقارِن، إذ يعبّر في أحد أوجهه عن تأثّر بأسلوب بيرداي القائم على المقابلة والتحليل المتدرج لبناء المقارنة. وقد عمد الباحثان إلى توصيف وتحليل كل من شكل المنظمات الإقليمية الثلاث وغرضها، ثم ربط ذلك بأثرها في السياسات التعليمية، مستندَين إلى متغيّرات محورية مثل مدى النفوذ، ونطاقه، ووسائل التأثير (وفق الشكل 4.3). وقد نُفذت المقارنة تدريجيًا عبر تحليل حالة NAFTA أولًا، ثم جاءت مقارنة الاتحاد الأوروبي بها، وأُضيفت APEC في مرحلة ثالثة للمقارنة مع الكيانين السابقين. وتتميّز هذه الدراسة بما تتّسم به من تنظيم منهجي وتحليل متماسك للقضايا، يجعلها مثالًا يُحتذى في مجال الدراسات المقارنة.

تبرز في المقارنة بين الكيانات الإقليمية الثلاث فكرة محورية مفادها أن ازدياد التنوع بين الأعضاء في مجالات مثل الثروة الاقتصادية، والانتماء الديني، والخلفيات الثقافية، وطبيعة النظم التعليمية، مما يؤدي إلى ضعف مستوى الترابط والتكامل بينها. ويتجلّى ذلك بوضوح في تباين سياسات التعليم لدى الدول الأعضاء في APEC، مقارنةً بنهج التوحيد المعتمد في الاتحاد الأوروبي، والنظام القائم على القواعد في NAFTA. وتُعد الدراسة الإقليمية بهذا النطاق والعمق مدخلًا واعدًا لأبحاث مستقبلية تتتبّع الظروف المؤسسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشكّل موقع كل عضو في التجمّع، سعيًا إلى فهم العوامل التي تفسّر أسباب التقارب أو التباين في استراتيجياتها التعليمية.

ويعرض المثال الثاني شكلًا من أشكال التجمّع الإقليمي القائم على التقارب الجغرافي، وهو معيار تقليدي لطالما استُخدم في تصنيف الأقاليم. ويُظهر الجدول 4.2 بعضًا من معدّلات محو الأمية بين فئة الشباب في أقاليم رئيسة من العالم، إلى جانب تصنيفات أخرى وردت ضمن بيانات البنك الدولي (2013أ). ويلاحظ أن الجدول الكامل كما نشره البنك الدولي يتضمّن أيضًا تكتّلات مبنية على اعتبارات أخرى، مثل "الدول الصغيرة" و"الدول الأقل نموًا".

الجدول 4.2: معدلات إلمام الشباب بالقراءة والكتابة بحسب أقاليم العالم


النسبة المئوية من مجموع السكان

الوطن العربي

88%

شرق آسيا والمحيط الهادئ

%99

أوروبا ووسط آسيا

%99

أمريكا اللاتينية والكاريبي

97%

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

92%

جنوب آسيا

80%

الصحراء الكبرى في أفريقيا

70%

المصدر: مقتطفات من البنك الدولي (2013 أ).

تقتضي دراسة التجمّعات الإقليمية تحليلًا معمّقًا يتجاوز التصنيفات العامة، سواء استندت هذه التجمّعات إلى التقارب الجغرافي أو إلى عوامل أخرى. وتُعدّ منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نموذجًا على ذلك، إذ تشمل 21 دولة تتباين تباينًا واسعًا في المساحة، وعدد السكان، ومستوى الازدهار الاقتصادي، رغم ما يبدو من بعض عناصر الوحدة الدينية المتمثّلة في الإسلام. فالجزائر مثلًا تمتد على مساحة تبلغ نحو 1,479,941 كيلومترًا مربعًا، ويقطنها ما يزيد على 38.5 مليون نسمة، بينما لا تتجاوز مساحة البحرين 430 كيلومترًا مربعًا ويُقدّر عدد سكانها بنحو 1.3 مليون نسمة. وعلى مستوى الدخل الفردي، سجّلت الإمارات العربية المتحدة في عام 2011 ناتجًا محليًا إجماليًا للفرد بلغ 42,384 دولارًا أمريكيًا، في حين لم يتجاوز ذلك في اليمن 2,485 دولارًا فقط (البنك الدولي، 2013ب). ومن ثم، يُبرز هذا المثال نقطة منهجية مهمّة: فالتحليلات الإقليمية المجملة قد تُوحي بتجانس لا يعكس الواقع، إذ تخفي وراءها فروقات ديموغرافية واقتصادية حقيقية، وكلما ازدادت تلك الفروقات وضوحًا، وازدادت علاقتها بالظاهرة المدروسة رسوخًا، وجب توخّي الحذر في تفسير النتائج والاعتماد عليها.

تبرز هذه المناقشة أهمية المقارنات بين أقاليم العالم، إذ يُسهم تحليل البيانات المجمّعة ضمن الهياكل التي تتجاوز حدود الولاية الوطنية في الكشف عن أنماط وتوجّهات عامة، تعزّز الفهم النظري وتسهم في تحسين السياسات التربوية. غير أن هذه التجمّعات ليست كيانات طبيعية أو متجانسة بالضرورة؛ بل إنها كثيرًا ما تضم تباينات داخلية عميقة قد تُخفيها المظاهر الشكلية للوحدة الإقليمية.

تُعد التصنيفات المعتمدة على تقسيم العالم إلى أقاليم واسعة النطاق محلًّا للنقد أحيانًا، نظرًا لما تنطوي عليه من تعميمات قد تكون غير دقيقة. وقد يكون استخدام مصطلح "الإقليم" ذاته غير دقيق أو بعيدًا عن الانضباط المنهجي، كما هو الحال مع وصف "الأوروبي" (فوكس وآخرون، 2011؛ نوفوا، 2002)، و"الكاريبي" (لويسي، 2004)، و"المتوسطي" (براي وآخرون، 2013)، و"أمريكا اللاتينية" (بيتش، 2002). وقد شدّد هؤلاء الباحثون على أن التجمّعات الإقليمية ضمن الهياكل التي تتجاوز حدود الولاية الوطنية ليست كيانات طبيعية ناتجة فقط عن القرب الجغرافي، بل هي أيضًا تراكيب مصطنعة ومشحونة بالمعاني، تشكّلت بفعل قوى جيوسياسية. وينبغي على الباحثين، في هذا السياق، أن يدركوا تعدّد الهويات داخل كل إقليم، وأن يتعاملوا مع هذه التعدّدية بحسّ نقدي كي تأتي تحليلاتهم متوازنة ومعبّرة عن الواقع. ومع أن التصنيفات الإقليمية العالمية قد تُفيد في بعض المقارنات، فإنها غالبًا ما تُخفي تباينات جوهرية على المستويات الأدنى. لذا، فإن مستخدمي الدراسات المقارنة ذات المنظور النّظامي العالمي مدعوّون إلى التروّي عند تفسير البيانات واستنتاج التوصيات المستمدّة منها.

المستوى الثاني: الدول

تُعدّ الدولة وحدة التحليل الأبرز في الدراسات المقارنة منذ بدايات هذا الميدان، كما يظهر في أعمال (كاندل 1933؛ هانز 1949؛ بيرداي 1964)، ولا تزال تحتل موقعًا مركزيًا في الأدبيات التربوية المقارنة حتى يومنا هذا.

تتطلّب مناقشة القضايا النظرية والمنهجية المتعلقة بالتحليل على مستوى الدول توضيحًا لبعض المفاهيم الأساسية في مستهل العرض. فالدراسات المقارنة التي تتناول الدول كثيرًا ما تُظهر تداخلًا في استخدام مصطلحي "الدولة" و"الأمة" على نحو غير دقيق. لهذا كان لا بد من التوقّف عند دلالة هذه المصطلحات وتحديد الفروق فيما بينها بدقّة. وقد قدّم (غيتس وآخرون، 2011، ص 275–276) تمييزًا واضحًا بين مفاهيم الدولة، والبلد، والأمة، والدولة–الأمة:

تُعرَّف الدولة بأنها وحدة سياسية مستقلة، تشغل إقليمًا محددًا، مأهولًا بالسكان على نحو دائم، وتمتلك السيادة الكاملة على شؤونها الداخلية والخارجية. ويُستخدم مصطلح "البلد" باعتباره مرادفًا للمفهوم الإقليمي والسياسي للدولة. أما "الأمة"، فهي جماعة من الناس يجمعهم إقليم مشترك وثقافة موحّدة، وتربطهم مشاعر قوية من الانتماء والتماهي قائمة على معتقدات وعادات مشتركة. ويُطلق مصطلح "الدولة–الأمة" على الدولة التي يتطابق نطاقها الجغرافي مع الحيّز الذي تقطنه أمة متميزة، أو التي يتشارك سكّانها شعورًا عامًا بالتماسك والانتماء إلى منظومة قيم موحّدة.

تنطلق هذه المناقشة من التزام باستخدام دقيق للمصطلحات المطروحة.

يعرض هذا المثال الأول مفهوم "التشابه الوهمي" الذي طرحه (راجين)، وهو المفهوم الذي سبق تناوله في جزء سابق من هذا الفصل. ويُقصد به الحالات التي تبدو، من ظاهرها، شديدة التشابه، غير أنها تُفضي إلى نتائج مختلفة تُعزى في جوهرها إلى تباينات سببية خفيّة تختبئ خلف هذا التشابه الظاهري. وقد قامت (سيلوفا وآخرون، 2007) بدراسة مقارنة بين ست دول مستقلة حديثًا في منطقة أوراسيا، وهي: أذربيجان، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، وأوزبكستان، مركّزين على دور التربية في الحفاظ على التماسك الاجتماعي داخل هذه الدول. وقد استعرضت المقالة الموروثات التعليمية التي تعود إلى ما قبل الحقبة السوفييتية، وخلالها، حتى عام الاستقلال 1991، مستكشفةً التشابكات المعقّدة بين الهوية والدين والتعليم. ثم انتقلت لتحليل الأزمات المنهجية التي ألمّت بأنظمة التعليم العلماني المدعوم من الدولة في أعقاب الاستقلال. وقد رصدت الدراسة اختلافًا ملحوظًا في مستوى التدهور التعليمي بين هذه الدول، نتيجةً لما تعانيه كل منها من اختلالات سياسية واقتصادية داخلية. ففي أوزبكستان وتركمانستان، بلغت أزمة التعليم حدًّا سياسيًا حرجًا؛ أي بلغت النقطة التي انهارت فيها القدرات المؤسسية والمهنية إلى درجة تعذّر معها تجدد النظام التعليمي ذاتيًا. أما في قيرغيزستان وطاجيكستان، فكانت أنظمة التعليم أقرب إلى شريحة وسطى، لكنها باتت تقترب تدريجيًا من نقطة انهيار اقتصادي. في حين شهدت أذربيجان وكازاخستان أنظمة تعليم علماني متدهورة، لكنها لم تصل بعد إلى حدّ الأزمة الكاملة.

سلّطت هذه الدراسة الضوء على نقطة منهجية محورية تتعلّق بأهمية انتقاء وحدات مقارنة تبدو متشابهة ظاهريًا، لكنها تُخفي فروقًا سببية مؤثرة فيما بينها، وهو ما يُعرف بـ "التشابه الوهمي". فوجود أساس مشترك بين هذه الوحدات يُتيح فهمًا أعمق للاختلافات الناتجة في الظواهر التعليمية قيد الدراسة. وينتقل المثال التالي لتسليط الضوء على نمط آخر من المقارنة، وهو ما يُسمّى بـ "الاختلاف الوهمي"، ويشير إلى الحالات التي تبدو متباينة من حيث الشكل، لكنها تصل إلى نتائج متقاربة. ومن أبرز النماذج على ذلك دراسة (كانن، 1995).

حلّلت (كانن) في دراستها حالتي البرازيل والمملكة المتحدة، مبيّنة أوجه التشابه في أثر تصوّرات المعلّمين على الطابع الانتقائي للأنظمة التعليمية في كلٍّ منهما. وعلى الرغم من الفروق السياقية الواسعة بين البلدين، فقد أشارت إلى أنّ كليهما واجه تحديات متقاربة ترتبط بالتنوّع الثقافي الواسع في مجتمعه. وقد اعتبرت هذا التنوّع سمة سياقية مشتركة ذات أثر ملموس، أدّت إلى نتيجة متقاربة في النظامين التعليميين، على الرغم من التباينات الأخرى القائمة بين السياقين. وخلصت إلى ما يلي (ص 235):

رغم اختلاف التركيبة السكانية في كلّ من البرازيل والمملكة المتحدة، فإنّ المجتمعين يواجهان مظاهر انتقائية في أنظمتهما التعليمية، تستهدف فئات معيّنة من السكان، حيث تؤدي تصوّرات المعلّمين وتوقعاتهم دورًا محوريًا في هذه الانتقائية. وقد شهدت البرازيل معدلات رسوب مرتفعة بين الأطفال المنتمين إلى الطبقات الاجتماعية والاقتصادية الأقل حظًا، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى تمييز ثقافتين على الأقل داخل البيئة المدرسية: ثقافة شعبية وأخرى مهيمنة. وقد شدّد هؤلاء على ضرورة إعداد المعلّمين بما يتيح لهم البناء على ثقافة التلاميذ وتوظيفها لتحقيق تعليم فعّال. أما في المملكة المتحدة، فقد أثيرت الحاجة إلى تربية متعددة الثقافات تشمل كلًا من الأطفال البيض والأقليات العرقية، بهدف الحد من التحيّز والعنصرية، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص في النظام التعليمي.

رغم ما تنطوي عليه مقالة (كانين) من قيمة تحليلية، فإنها لم تُبرز بما يكفي حجم التباينات العميقة بين البرازيل والمملكة المتحدة، لا سيّما أنّ كِلا البلدين يضمّان تفاوتات داخلية كبيرة على مستوى المناطق دون الوطنية، وتظهر بوضوح في الإحصاءات المرتبطة بالسكان والتنوّع العِرقي والواقع التعليمي. وكان من الأجدر أن تُوجَّه المقارنة نحو تحليل انتقائية الأنظمة التعليمية على المستوى الإقليمي، بالنظر إلى الفوارق الملحوظة داخل كلّ بلد. فالبرازيل تنقسم تقليديًا إلى خمس مناطق رئيسية: الشمال الشرقي، والشمال، والجنوب الشرقي، والجنوب، والوسط الغربي، بينما تختلف الممارسات التعليمية في المملكة المتحدة بين إنجلترا، وويلز، واسكتلندا، وأيرلندا الشمالية. ومع ذلك، تظل دراسة (كانين) مثالًا جديرًا بالاهتمام لما تقدّمه من تحليل يُبرز أهمية المقارنة التربوية بين سياقات تتباين في ملامحها السطحية لكنها تقود إلى نتائج متقاربة في جوهرها.

تُعَدّ الدراسة الثالثة مثالًا على المقارنات الدولية الواسعة النطاق، حيث يُقارن عدد كبير من الدول في مجالات تربوية متعددة. وقد دأب الباحثون على توظيف هذا النوع من الدراسات لتحليل مؤشرات التحصيل الدراسي، ومستويات الإنفاق التعليمي، وغيرها من الجوانب التربوية ذات الصلة. وتُستخدم في مثل هذه الدراسات أدوات كمية ونوعية بحسب السياق والمنهجية. ومن الأمثلة على ذلك، دراسة (فيرير وآخرون، 2004) التي تناولت أنماط التقارب في التعليم الثانوي الأدنى ضمن خمس عشرة دولة أوروبية منضوية تحت مظلة الاتحاد الأوروبي. وقد عمدت الدراسة إلى إجراء مقارنة صريحة بين أبعاد متعددة من التعليم الثانوي في هذه الدول، شملت إدارة النظام التعليمي، والمحتوى الدراسي، وبرامج تأهيل المعلمين.

أقرّ الباحثون بالتعقيدات المنهجية التي تعترض سبيل الحصول على بيانات قابلة للمقارنة الدقيقة، نتيجةً للتنوّع القائم بين دول الاتحاد الأوروبي من جهة، والتباينات الإضافية على المستويين دون الوطني والمدرسي من جهة أخرى، وذلك رغم ما تقدّمه المقارنات الدولية من قيمة في رصد أنماط التقارب بين الأنظمة التعليمية. ويُشار هنا إلى أنّ هيكل التعليم الثانوي الأدنى يختلف اختلافًا ملحوظًا بين الدول الخمس عشرة، حيث تتراوح مدته بين ثلاث وست سنوات، وتتباين أعمار الالتحاق به بين سن العاشرة والثالثة عشرة. وتُظهر بعض الدول، وخصوصًا دول الشمال الأوروبي والبرتغال، تمييزًا مؤسسيًا واضحًا بين التعليم الابتدائي والثانوي، في حين تعتمد دول أخرى مثل النمسا وألمانيا وإيرلندا والمملكة المتحدة نظامًا متصلًا يربط بين المرحلتين الدنيا والعليا من التعليم الثانوي. أما بقية الدول، فتفصل بوضوح بين التعليم الابتدائي والثانوي الأدنى والثانوي الأعلى، كما ورد في (نايا 2004، ص 45–46).

يمكن أيضًا إضافة نقطة منهجية أخرى تتّصل بطريقة تصنيف ما يُسمّى "دول الاتحاد الأوروبي" كما وردت في تصنيفات شبكة (يوريـدايس 2013)، حيث أُدرجت على سبيل المثال "الجماعة الفرنسية في بلجيكا" و"إنجلترا ضمن المملكة المتحدة" كيانين مستقلين. غير أنّ الجماعة الفرنسية في بلجيكا ليست دولةً ولا كيانًا وطنيًا ذا سيادة1، كما أنّ إنجلترا، من ناحية مماثلة، لا تُعدّ دولة قائمة بذاتها، بل هي إقليم دون وطني ضمن المملكة المتحدة. وتُخفي الجداول التلخيصية التي تُدرج هذه الكيانات جنبًا إلى جنب، مع تخصيص حيز متساوٍ لكلٍّ منها، مثل هذه الفروقات البنيوية، الأمر الذي يُنتج انطباعًا مضلّلًا بأنّ جميع "الدول" المذكورة متكافئة أو متماثلة من حيث الكيان والسياق.

تُظهر هذه الدراسة جانبًا من التعقيد الملازم للمقارنات الدولية واسعة النطاق، مؤكّدة في الوقت ذاته على وجود اختلافات جوهرية وعميقة بين الدول الأوروبية نفسها، على الرغم من انتمائها إلى الإقليم الجغرافي ذاته. ومن الطبيعي أن تتفاقم التحديات وتزداد تعقيدًا عند توسيع نطاق المقارنة ليشمل دولًا تنتمي إلى أقاليم مختلفة تتباين في ظروفها التاريخية والسياسية والثقافية. وقد سبق أن أشار (براي وتوماس 1995، ص 478) إلى أن المقارنات الدولية الموسعة "تُهمل حقيقة كون الحدود الوطنية مصطنعة بالكامل، وأن عوامل الجغرافيا والتاريخ والسياسة قد أفرزت وحدات متفاوتة كليًا في الحجم والمضمون". تُستدعى من هذه الملاحظات ضرورة توخّي أقصى درجات الحذر عند عرض نتائج هذه الدراسات وتحليلها وتفسيرها، سواء من جانب القائمين عليها أو من جانب المتلقّين لها، بالرغم من إسهامها الملحوظ في تشكيل فهم مفاهيمي أعمق لطبيعة النظم التربوية في مختلف الدول والسياقات.

إن أخذ الدولة كوحدة تحليل هو ممارسة مشروعة بالنظر إلى أن كل بلد لديه تُعدّ الدولة وحدة تحليل مشروعة في الدراسات المقارنة، نظرًا إلى أنّ لكل دولة حكومة تُعدّ الكيان السياسي الأعلى، وتمارس سيادتها الكاملة على شؤونها الداخلية والخارجية، كما تُعترف بها تقليديًا بوصفها الوحدة الأساسية في منظومة الحوكمة الدولية. ويُضاف إلى ذلك أنّ العديد من الدول تنتهج نماذج مركزية في إدارة قطاعاتها التعليمية، حيث تتولّى السلطات الوطنية تنظيم السياسات التعليمية وتوجيه مسارها بما ينعكس على تشكيل نظام تعليمي موحّد على المستوى الوطني. وبناءً على هذا الطابع المركزي، غالبًا ما تكون البيانات التعليمية متاحة بمستوى تجميعي على الصعيد الوطني، مما يجعل من المقارنات بين الدول أداة فعّالة لفهم العلاقات بين التعليم والمجتمع، على غرار المقارنات التي تُجرى على مستوى النظم العالمية.

تعرّض اعتماد الدولة أو الدولة–القومية بوصفها إطارًا بحثيًا مهيمنًا في الدراسات المقارنة لانتقادات مستمرة في الأدبيات الحديثة، كما ورد في أعمال (كووين 2009ب؛ كارني 2010؛ أليكسيادو وفان دي بونت–كوخويس 2013). ويُشير عدد من الباحثين إلى أنّ تحليل النُظُم العالمية، فضلًا عن التباينات الإقليمية القائمة داخل حدود الدولة الواحدة، يُعدّان من أبرز العوامل التي تُبرز قصور الدولة–القومية عن أن تكون وحدة تحليل كافية أو ملائمة. وتتمثّل الحجج الأساسية في أنّ الأنظمة المدرسية الوطنية لا تعمل في فراغ، بل تنشأ وتؤدّي وظائفها ضمن سياقات دولية تتّسم بعلاقات قوى غير متكافئة بين الأمم، كما أوضح ذلك (كيلي وألباخ 1988، ص 14)، وأنّ التباينات في التعليم داخل الدولة–القومية الواحدة قد تُضاهي، بل وقد تفوق في بعض الأحيان، تلك التباينات القائمة بين الدول المختلفة، وهو ما يُضفي على المقارنات داخل الدولة الواحدة أهمية مماثلة – إن لم تكن أحيانًا أعمق – من المقارنات بين الدول. كما سلّط (غيتيس وآخرون 2011) الضوء على عناصر أخرى تُقوّض المنظور القائم على مركزية الدولة في التحليل الاجتماعي، من بينها تدفّقات الهجرة عبر الحدود، ونشوء الحركات القومية والانفصالية، والانتشار المتزايد للمنظمات غير الحكومية، وهي جميعها عوامل تُعيد رسم حدود التأثير بعيدًا عن الإطار القومي التقليدي

المستوى الثالث: الولايات/المقاطعات

يُشير المستوى الثالث من المقارنات الجغرافية إلى داخل الدولة، وتحديدًا إلى مستوى الولايات أو المقاطعات، وهو مستوى يُعدّ ملائمًا لتحليلات التربية المقارنة في سياقات تتّسم بدرجات عالية من اللامركزية. وتُظهر تجارب دول كبرى مثل أستراليا، وكندا، والهند، والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك دول أصغر مثل سويسرا، أن اللامركزية الواسعة تتيح تنوّعًا ملحوظًا في السياسات والممارسات التربوية (براي 2013). كما تُعدّ المملكة المتحدة مثالًا مهمًا لإجراء أبحاث تُعرف باسم "الأبحاث الدولية الداخلية" (رّاف وآخرون 1999؛ تايلور وآخرون 2013). وتشمل الوحدات البديلة على هذا المستوى الإداري أيضًا المناطق الإدارية الخاصة، مثل هونغ كونغ وماكاو، اللتين تتمتّعان بدرجة عالية من الحكم الذاتي داخل جمهورية الصين الشعبية (براي وكو 2004).

تُوصى النهج التربوية باعتماد مستوى الولاية أو المقاطعة وحدةً للتحليل حينما تظهر تفاوتات إقليمية ملحوظة داخل الدولة الواحدة، إذ إنّ المقارنات الداخلية على هذا المستوى تُفضي إلى تفسيرات أكثر دقة وعمقًا مقارنةً بالمقارنات الدولية الإجمالية. ويمكن في هذا السياق مقارنة وحدات دون وطنية داخل الدولة الواحدة، أو مقارنتها بنظيراتها في دول أخرى، أو حتى في مناطق مختلفة من العالم. وتُقدّم الأمثلة التالية نماذج توضيحية لمثل هذه المقارنات، كاشفةً عن أبرز ما تتيحه من فرص لفهم أفضل للظواهر التربوية، وفي الوقت ذاته مُنبهة إلى بعض القيود المنهجية مقارنة بالدراسات التي تتناول مستويات تحليل أكثر تفصيلًا.

استعرض (غولدشميدت وآيرمان 1999) دراسة كمية ذات طابع داخلي ركّزت على تحليل أداء الولايات المتحدة في اختبارات التحصيل الدولية في مجالي القراءة والرياضيات، من خلال دراسة العلاقات بين مستويات الإنفاق التعليمي ونتائج التحصيل في الولايات المختلفة. استخدم الباحثان مؤشّرات مفصّلة، حيث اعتمدا نسبة الإنفاق العام الجاري لكل تلميذ إلى الناتج المحلي الإجمالي على مستوى الدولة، أو إلى الناتج الإجمالي المحلي على مستوى الولاية (GSP). أما على صعيد نتائج التلاميذ، فقد تمثّلت في درجات التقييم الوطني للتقدّم التعليمي (NAEP) للصف الثامن في مادة الرياضيات، وذلك في 41 ولاية أمريكية. ثم قارن الباحثان البيانات الخاصة بالولايات المتحدة كدولة واحدة مع بيانات 11 دولة أخرى، باستخدام نتائج التقييم الدولي للتقدّم التعليمي (IAEP) لعام 1991 للصف الثامن في الرياضيات. وإزاء غياب نتائج دالة في هذا التحليل، قام الباحثان بمحاولة أكثر تفصيلًا، إذ قاما بمقارنة كل ولاية على حدة بالدول الإحدى عشرة، كما هو مبيّن في الجدول 4.3.

أثمر هذا التوجّه البحثي المبتكر عن نتائج لافتة، وقد علّق عليها الباحثان (ص 37–38):

تُظهر نتائج المقارنة الدولية أن بعض الولايات الأمريكية تؤدي أداءً جيدًا نسبيًا، بينما تتدنّى نتائج ولايات أخرى. إذ تُظهر ولايات مثل داكوتا الشمالية وآيوا ومين ونبراسكا وويسكونسن نتائج مماثلة لتلك التي تحققها المجر وسويسرا وإيطاليا، ما يدل على أن تلك الولايات والدول تستفيد فعليًا من حجم الاستثمار التعليمي الذي تنفّذه. أما ولايات مثل ألاباما ولويزيانا وميسيسيبي، فتقع ضمن المستوى نفسه الذي تسجّله الأردن، ما يشير إلى أن هذه الولايات لا تخصص استثمارات كافية للنهوض بالتحصيل الأكاديمي.

تُثير نتائج بعض الولايات قلقًا بالغًا، إذ تُظهر ولايات مثل فلوريدا، ووست فرجينيا، وأركنساس معدلات إنفاق مرتفعة على التعليم مقارنةً بدخل الفرد، غير أنّ هذه الاستثمارات لا تُترجم إلى تحسّن ملموس في نتائج اختبارات التقييم الوطنية، ما يطرح تساؤلات حول كفاءة توظيف الموارد التعليمية وفعالية السياسات المعتمدة. وفي المقابل، تنجح ولايات مثل مينيسوتا، ونيوهامبشير، وأيداهو، ويوتاه في تشغيل أنظمة تعليمية عالية الكفاءة تقترب في فعاليتها من النماذج المتقدمة عالميًا، وعلى رأسها كوريا الجنوبية، التي تُعد مرجعًا في جودة التعليم وأثره على الأداء الأكاديمي.

رأى الباحثان أن هذا النمط من التحليل أتاح للولايات المتحدة فرصة استنباط نماذج تعليمية داخلية تتميّز بالكفاءة والجدوى الاقتصادية، بما يجعلها أقرب إلى التطبيق العملي من النماذج الأجنبية التي يصعب محاكاتها كمثال سويسرا أو كوريا الجنوبية. غير أنّ هذا لا يُلغي الحاجة إلى التوسّع في النظرة المقارنة، إذ يبقى من المهم النظر إلى ما هو خارج الحدود الوطنية، واستكشاف التجارب التربوية في بلدان أخرى بوصفها مرآة لفهم الذات ومجالًا لاحتمالات التطوير البنّاء.

الجدول 4.3: مقارنة بين عدد من الدول والولايات الأمريكية من حيث نسبة الانحراف عن النتائج المتوقعة لاختبار الرياضيات للصف الثامن (1990)، ومستوى الإنفاق على التعليم للفرد

النسبة المئوية للانحراف في:

النسبة المئوية للانحراف في:


NAEP*

النفقات


NAEP*

النفقات

كوريا الجنوبية

6.7

-25.4

شمال داكوتا

5.8

17.7

مينيسوتا

5.0

1.8-

أيوا

5.7

10.8

نيو هامبشاير

3.5

-13.8

المجر

5.1

21.5

آيداهو

2.8

6.8-

سويسرا

4.1

32.1

يوتا

2.7

20.9-

مين

3.8

12.7

إسرائيل

2.5

-13.4

نبراسكا

3.5

2.5

النسبة المئوية للانحراف في:

النسبة المئوية للانحراف في:


NAEP*

النفقات


NAEP*

النفقات

فرنسا

2.4

-14.1

ويسكونسن

3.5

8.7

كونيتيكت

1.2

-6.1

إيطاليا

2.2

8.1

ماساشوسيتس

1.1

10.2-

وايومنغ

1.9

3.2

ميسوري

1.0

-11.7

جمهورية أيرلندا

1.7

3.2




كولورادو

1.6

2.6




بنسلفانيا

1.4

14.5




كندا

1.1

6.1




إنديانا

0.7

2.8




نيوجيرسي

0.6

0.9




أوكلاهوما

0.2

4.0

أوهايو

0.2-

-2.2

ميشيغان

0.2-

11.5

فرجينيا

0.5-

-10.5

رود أيلاند

0.9-

23.5

إسبانيا

0.7-

-27.6

نيويورك

1.1-

7.3

أريزونا

0.9-

0.5-

تيكساس

1.2-

3.2

كنتاكي

2.3-

-17.9

جسر ماريلاند

1.5-

5.8

ديلاوير

-2.4

-12.9

كارولينا الجنوبية

2.5-

8.0

جورجيا

3.3-

-15.1

نيومكسيكو

3.0-

4.5

كاليفورنيا

3.3-

26.1-

فلوريدا

3.1-

11.8

تينيسي

3.6-

-15.3

ويست فرجينيا

3.2-

23.1

شمال كارولينا

3.7-

-7.7

البرتغال

3.4-

19.8

هاواي

4.4-

-40.9

أركنسو

-4.4

6.1

ألاباما

6.2-

6.8-




الأردن

6.6-

-99.5




لويزيانا

7.3-

-31.3




ميسيسيبي

8.2-

4.5-




ملاحظة: * تم ربط نتائج اختبار التقدّم الدولي في التحصيل التعليمي (IAEP) لعام 1991 للدول الأجنبية بنتائج التقييم الوطني للتقدّم التعليمي (NAEP) لعام 1990.

المصدر: مقتبس من (غولدشميدت وآيرمان 1999، ص 40).

رغم ما تنطوي عليه هذه الدراسة من ابتكار وعمق تحليلي، فإنها تستدعي بعض الملاحظات من زاوية منهجية، نظرًا لما قد يطرأ من تحديات ناجمة عن التفاوتات بين الوحدات المدروسة سواء على المستوى الدولي أو داخل الدولة الواحدة. وقد أقرّ الباحثون أنفسهم (ص 40) بوجود فوارق جهوية واضحة، سواء بين المناطق داخل الولايات المتحدة أو عند المقارنة مع الدول الأخرى، وهي فوارق تؤثر في تفسير نتائج التحصيل والإنفاق التعليمي.

قد تختلف درجة الثراء الاقتصادي بدرجة كبيرة من منطقة إلى أخرى داخل الدولة الواحدة، كما قد تتفاوت مستويات التحصيل التعليمي داخل الأقاليم التي تنتمي إلى خلفيات اجتماعية وثقافية متباينة، وذلك تبعًا لاختلافات محلية تؤثّر في فرص التعليم ونوعيته.

تُثير هذه الفقرة ثلاث نقاط منهجية مهمّة، أولها يتعلّق بمسألة تكافؤ القدرة الشرائية عند احتساب معدلات الإنفاق على التعليم للفرد الواحد؛ إذ تختلف أسعار السلع والخدمات بين الدول والمناطق، ما يؤثر في دقة المقارنة. أما النقطة الثانية فترتبط بإشكالية موازنة نتائج الاختبارات بين أنظمة تعليمية تُدرّج التلاميذ ضمن فئات عمرية مختلفة، مما قد يُضعف من صلاحية المقارنة بين النتائج. وبما أن هاتين المسألتين تُناقَشان في فصول أخرى من هذا الكتاب، فإن التركيز هنا ينصبّ على بُعد منهجي ثالث لا يقل أهمية. فقد أوضح المثال قيد التحليل القيمة المنهجية التي تُضفيها المقارنات داخل الدولة الواحدة، خصوصًا في سياق النظم التعليمية اللامركزية كما هو الحال في الولايات المتحدة. غير أنه أغفل في المقابل الطبيعة اللامركزية المشابهة في بعض الدول الأخرى التي استُخدمت كوحدات مقارنة شاملة، مثل كندا وسويسرا. إذ أدى تقديم هاتين الدولتين باعتبارهما كيانين موحّدين إلى طمس الفروق الجوهرية داخل مناطقهما الفرعية، على الرغم من أن أنظمتهما التعليمية تنطوي على مستوى عالٍ من الاستقلالية المحلية، كما هو الحال في النموذج الأمريكي. ومن هذا المنطلق، فإنّ مقارنة ولايات أمريكية مثل داكوتا الشمالية وآيوا مع دول بأكملها، تغفل البعد الجهوي اللافت داخل تلك الدول. لذا، كان من الأجدر – من منظور منهجي أكثر دقة – إجراء المقارنة مع وحدات دون وطنية، مثل مقاطعتي أونتاريو وكولومبيا البريطانية في كندا، أو كانتونات بعينها في سويسرا، بما يوفّر إطارًا أكثر اتساقًا وإنصافًا للتحليل المقارن.

تُقدّم سويسرا نموذجًا فريدًا لإجراء مقارنات داخلية دقيقة في المجال التربوي، إذ تتمتع حكومات الكانتونات فيها بصلاحيات واسعة تتيح لها اتخاذ قرارات مستقلة تتعلق ببنية المناهج ومضامينها، وعدد أيام الدراسة في العام، ولغة التدريس المعتمدة، التي قد تكون الألمانية أو الفرنسية أو الإيطالية أو الرومانشية. ويجعل هذا النظام اللامركزي، الذي يتّسم بتعدديته الثقافية واللغوية (انظر الجدول 4.4)، من الحالة السويسرية مثالًا كلاسيكيًا يصلح لتحليل الفروقات التربوية داخل الدولة الواحدة. وقد أجرى (فيلوزيس وشارميلو 2013) تحليلًا متعدد المستويات شمل 12 كانتونًا سويسريًا، بهدف استقصاء العلاقة بين نظام الفرز المدرسي وأوجه التفاوت في فرص التعليم. وقد أظهرت نتائج دراستهما أن الكانتونات السويسرية تشكّل ما يشبه المختبر المدرسي، إذ تتماثل أنظمتها التربوية في البنية العامة بدرجة تسمح بإجراء المقارنات، مع إمكانية التلاعب ببعض المكوّنات جزئيًا في كل كانتون، بما يتيح قياس تأثير هذه الاختلافات في النتائج التعليمية.

سلّطت (هيغا 2001) الضوء في دراستها التحليلية على ديناميات صنع السياسات التعليمية ضمن الكانتونات السويسرية الستة والعشرين، مع تركيز خاص على السياسات المتعلقة بتعليم اللغة الثانية. وقد أبرزت الدراسة كيف تسهم الخلفيات الثقافية واللغوية والدينية المتمايزة لكل كانتون في تشكيل ثقافات تعليمية محلية فريدة، تتجلى في تفاصيل دقيقة تشمل اختيار المواد الدراسية، وطرائق التدريس، وأنماط تنظيم المؤسسات التعليمية وإدارتها، إلى جانب أساليب إعداد المعلمين الذين يتلقّون تدريبهم على نحو يعكس هذه الخصوصيات ويؤدي إلى تبنّي مواقف ومهارات تعليمية متمايزة. ووفقًا لما أشارت إليه الباحثة (ص 223)، فإنّ هذه الثقافة التربوية المتجذّرة محليًا أو إقليميًا ليست مجرد انعكاس للعادات، بل تشكّل الإطار المرجعي الذي يُبنى عليه النظام التعليمي من حيث فلسفته وممارساته اليومية.

الجدول 4.4: الخصائص السكانية والثقافية والاجتماعية للكانتونات في سويسرا

كانتون

فئات السكان الأولى بالرعاية

الناطقون بالألمانية

الناطقون بالفرنسية

الناطقون بالإيطالية

الناطقون بالرومانشية

%


بالآلاف

%

%

%


زيورخ

1,392

85

3.5

5.8

0.3

بيرن

985

85.7

11.0

3.2

*

لوزيرن

382

90.7

1.9

3.1

*

يوري

35

94.1

*

*

*

شويز

148

90.3

*

3.5

*

أوبفالدن

36

94

*

*

*

نيدوالدن

41

95.5

*

*

*

قلاؤوس

39

90.2

*

*

*

زوغ

115

86.1

3.1

3.6

*

فريبورغ

285

29.4

68.1

2.0

*

سولوتورن

257

89.5

2.6

4.8

*

مدينة بازل

186

80.8

6.1

6.8

*

بازل

275

89.3

4.0

5.6

*

شافهاوزن

77

89

*

*

*

أبنزل أوسرهودن

53

92.7

*

*

*

أبنزل إنرهودن

16

93.8

*

*

*

سانت غالن

483

90.0

1.2

3.5

*

غراوبوندن

193

76.3

*

12.3

15.6

أرجاو

618

89.4

2.3

5.1

*

ثاكرقون

252

91

1.3

4.1

*

كانتون

فئات السكان الأولى بالرعاية

الناطقون بالألمانية

الناطقون بالفرنسية

الناطقون بالإيطالية

الناطقون بالرومانشية

%


بالآلاف

%

%

%


تيشينو

337

11.1

5.3

87.7

*

فود

726

7.1

85

5.2

*

فاليز

317

28.0

66.5

3.7

*

نويشاتل

173

5.9

88.8

6.1

*

جينيف

460

5.8

80.8

7.3

*

جورا

70

6.7

92.2

3.7

*

سويسرا

7,956

65.6

22.8

8.4

0.6

المصدر: المكتب السويسري للإحصاءات الفدرالية (SFSO)، لعام 2013.

* إذا تجاوز معامل التباين نسبة 10%، فإن المكتب السويسري للإحصاءات لا يعرض القيمة.

يُبيّن هذا المثال من منظور منهجي التعقيدات الداخلية والتفاعلات المتشابكة التي تنشأ داخل الأنظمة التي تتسم بقدر عالٍ من اللامركزية والتنوّع الثقافي، وتُبرز المقارنات داخل الدولة أبعادًا دقيقة لكنها ذات دلالة عميقة في فهم الظواهر التربوية، وهي أبعاد لا تظهر عادة في الدراسات القطرية العامة التي تكتفي برصد الظواهر على مستوى الدولة، الأمر الذي قد يُفضي إلى تأويلات تبسيطية تختزل الواقع وتعجز عن الإحاطة بتعقيداته.

كما هي الحال في المقارنات التي تُجرى على المستويات العليا، تؤدي المقارنات على المستوى الكلي إلى حجب التفاوتات الدقيقة والجوهرية القائمة في المستويات الجزئية، والتي كثيرًا ما تكون حاسمة في فهم السياقات التعليمية والاجتماعية. ويُقدَّم في هذا السياق مثال أخير لمقارنة دولية استندت إلى تحليل مزدوج لمنطقتين دون وطنيتين، حيث ركّز (فراي) و(كيمبنر، 1996) على شمال شرق البرازيل وشمال شرق تايلاند، وهما منطقتان تنتميان إلى إقليمين جغرافيين مختلفين ويشتركان في خصائص إنمائية متشابهة. بدأ الباحثان بتحليل المناطق دون الوطنية في البرازيل، وسلّطا الضوء على التفاوتات الإقليمية اللافتة، مع التأكيد على أن شمال شرق البلاد يُعدّ أفقر الأقاليم البرازيلية وأكثرها تهميشًا. أعقب ذلك تحليل متعدد التخصصات تناول شمال شرق البرازيل من حيث ظروفه الجغرافية القاسية، ووضعه الاقتصادي الهش، وبُناه الثقافية، وأنماط الهجرة الداخلية، والديانات السائدة، فضلًا عن الفلسفات التعليمية التي تشكّل رؤى السكان حول التعليم. وأُجري تحليل مماثل لتايلاند، كُشف فيه عن أنماط متقاربة من الإهمال البنيوي والتهميش التنموي في إقليمها الشمالي الشرقي. وأُجريت في المرحلة الأخيرة مقارنة متزامنة بين المنطقتين، انطلاقًا من التشابه في وضعهما الاقتصادي المتدنّي مقارنة ببقية المناطق داخل كل من البرازيل وتايلاند، وقد خلُص التحليل (ص 357) إلى ما يلي:

قد يكون الإهمال الذي تتعرض له منطقة ما وسكّانها متجذّرًا في بنية الإمبريالية داخل الدولة أو ما يُعرف بالاستعمار الداخلي، إذ كثيرًا ما تستغل المنطقة الأكثر تصنيعًا داخل البلد نفسه الموارد والثروة البشرية للمناطق الأقل نموًا. وتُعد البرازيل مثالًا حاسمًا على ذلك؛ حيث أدّت ديونها الخارجية الضخمة إلى ترسيخ هذا الخلل، إذ إن الأموال المُقترَضة من صندوق النقد الدولي تخدم بدرجة أساسية مصالح الجنوب الصناعي، في حين تتضرر منها مناطق الشمال الشرقي والمناطق الريفية التي تعاني أصلًا من التهميش وغياب التنمية.

أشار الكاتبان إلى أن أي دراسة اقتصادية وتعليمية شاملة للبرازيل وتايلاند، تكتفي بتقييم المؤشرات الوطنية الإجمالية، قد تُفضي إلى مبالغة في تقدير الأداء الكلي لكلٍّ من البلدين، وتُسهم في الوقت ذاته في التعتيم على ما سمَّياه 'البرازيل الأخرى' و'تايلاند الأخرى' (ص 335). ويُعدّ هذا المثال لمقارنة بين الثقافات، استندت إلى تحليل منطقتين دون وطنيتين تتشابهان فيما تواجهانه من أزمات تنموية، نموذجًا دالًّا على ما يمكن أن تكشفه الدراسات المقارنة من دروس لم يكن لها أن تُرصد في المقارنات الكلية بين الدول، أو في المقارنات بين الأقاليم داخل الدولة الواحدة. وتتجلّى هذه الفكرة بدقة في ملاحظة براي (2004، ص 250) بأن الدراسات المقارنة "تجعل الأنماط المألوفة غريبة، والأنماط الغريبة مألوفة".

أظهرت الأمثلة الثلاثة التي تناولها هذا القسم ما تنطوي عليه المقارنات داخل الدولة من آفاق تحليلية غنيّة وعميقة لفهم الظواهر التربوية، وهي آفاق كثيرًا ما تُهمَل أو تُحجَب حين تُعتمد المستويات المكانية العليا أُسسًا للتحليل. ففي المثال الأول، سعى الباحث إلى إجراء مقارنة ذات مغزى بين 41 ولاية ضمن دولة كبرى ومجموعة من الدول الأجنبية، بينما تناول المثال الثاني سويسرا بوصفها اتحادًا فيدراليًا يتكوّن من 26 كانتونًا، كاشفًا عن التنوّع الإقليمي الكامن في بنيتها الداخلية. أما المثال الثالث، فقد قدّم نهج بديلة تمثّلت في اختيار منطقتين دون وطنيتين متشابهتين من بلدين مختلفين يقعان في نصفين مختلفين من الكرة الأرضية، واعتمادهما نقطة انطلاق للمقارنة بهدف رصد أوجه الشبه والاختلاف في ظروفهما التنموية والتربوية.

المستوى الرابع: المناطق

قبل الانتقال إلى عرض بعض الأمثلة على تحليلات تُجرى على مستوى المناطق، من المفيد أولًا توضيح المقصود بمصطلح "المنطقة" في هذا السياق. تُعرَّف المنطقة باعتبارها وحدة جغرافية داخل مدينة أو دولة، تُحدَّد حدودها رسميًا لأغراض إدارية. وتمثّل هذه الوحدة مستوىً وسيطًا أدنى من مستوى الولاية أو الإقليم، وأعلى من مستوى المدرسة أو المؤسسة التعليمية. وتشمل المناطق وحدات حضرية مثل المدن والبلدات، إلى جانب وحدات ريفية كالقُرى وغيرها من التجمّعات السكانية الصغيرة.

تكتسب المقارنات التي تُجرى على مستوى المناطق قيمة تحليلية خاصة في السياقات التي تظهر فيها تباينات كبيرة داخل الإقليم الواحد، أو حين تكون الإحصاءات المجمّعة على المستوى الوطني أو مستوى الإقليم غير موثوقة أو مضلّلة نتيجة التفاوتات الكبيرة بين المناطق المختلفة، أو بسبب صعوبات تقنية تتعلّق بجمع البيانات على المستويات الإدارية العليا (براي وتوماس، 1995، ص 480–481)، وستُعرض هذه النقاط بوضوح من خلال الأمثلة التالية التي تعتمد المدينة والقرية والوحدات دون الإقليمية وحداتٍ للتحليل.

تناول (لو، 2004) مناهج التاريخ في المرحلة الثانوية الدنيا في كلّ من هونغ كونغ وشنغهاي، مركّزًا على أوجه التشابه والاختلاف في السياقين السياسي والاقتصادي والتعليمي. فقد شكّلت المدينتان مركزين ماليين نشطين يتنافسان على حصص أوسع من الاقتصاد الصيني، في حين تميّزت شنغهاي عن باقي المدن الصينية بكونها مدينة عالمية تتسارع فيها وتيرة التحديث والانفتاح، ما جعلها أكثر شبهًا بهونغ كونغ من حيث البنية الاقتصادية وجاذبية الاستثمار. لكنّ النظامين السياسيين في المدينتين بقيا مختلفين: رأسمالي في هونغ كونغ واشتراكي في شنغهاي، غير أن التحوّلات السياسية في السنوات الأخيرة قلّصت هذا التباين. فبعد إنهاء الاستعمار البريطاني وعودة هونغ كونغ إلى السيادة الصينية عام 1997، اتجه منهج التاريخ فيها إلى تعزيز الهوية الوطنية الصينية، في حين انعكست سياسات التحديث والانفتاح في الصين على إصلاح المناهج في شنغهاي، بما يعزّز الوعي العالمي. وتُعدّ مقارنة هاتين المدينتين فرصة تحليلية ثرية لتتبّع المسار الذي سلكته مناهج التاريخ في ظل ديناميات سياسية وثقافية متغيرة.

يُتيح المنظور المنهجي إبراز تمايز دقيق بين الحالتين: فبينما تُصنّف شنغهاي ضمن المدن الصينية التابعة إداريًا للدولة المركزية، تتميّز هونغ كونغ بوضع سياسي خاص، إذ تُعدّ منطقة إدارية تعمل ضمن منظومة قانونية وتنظيمية تختلف عن تلك التي تُطبَّق في سائر المدن الصينية، بما في ذلك شنغهاي، رغم ما يجمع الطرفين من توجهات ليبرالية اقتصادية. وتُعدّ هذه الخصوصية عاملًا جوهريًا لا بد من استحضاره عند تحليل مسارات التقارب أو التباين في السياسات المنهجية.

ركّز المثال الثاني على القرية بوصفها وحدةً للمقارنة، إذ درست (بوتشنر، 2003) أربع قرى تقع ضمن منطقة في جنوب مالي، وركّزت على تحليل الأدوار التي تؤدّيها علاقات النفوذ في تشكيل محو الأمية لدى النساء. وانطلقت هذه الدراسة الإثنوغرافية، كما ورد في الصفحتين 440–441، من منظور يربط بوضوح بين السلطة وممارسات التعلم لدى النساء في السياق المحلّي.

تَبرز ضرورة ملحّة لفهم أنّ السياسات المتّبعة وهياكل السلطة السائدة داخل المجتمع لا تقتصر على التأثير غير المباشر في دور محو الأمية، بل تُشكّل عاملًا حاسمًا يُحدّد فعليًا مستوى تأثير محو الأمية على المجتمع بوجه عام، وعلى النساء بوجه خاص، بما يعكس العلاقة البنيوية بين المعرفة والسّلطة في هذا السياق المحلي.

كشفت هذه الدراسة، من خلال مقارنة معمّقة للممارسات في المجتمعات الأربعِ، عن العلاقات الدقيقة للنفوذ التي تتوزع بين القرى، وقدّمت حجة تدعو صنّاع السياسات المركزيين إلى ضرورة أخذ العوامل الحاسمة التي تحدّد موقع النساء ومكانتهن في المجتمع بعين الاعتبار، قبل تنفيذ أي تعديلات بنيوية تهدف إلى تحسين محو الأمية (ص 457). ومن منظور منهجي، تُظهر الدراسات الإثنوغرافية المقارنة على هذا المستوى الدقيق سُبلًا لتحليل العناصر المؤثرة في تشكيل الظواهر التربوية. غير أنّه كان من الأنسب أن تتضمّن هذه الدراسة إحالة إلى السياق الاجتماعي والسياسي الأوسع من نطاق القرية، كالإقليم والدولة، وإلى دور الثقافة والدين كذلك.

من الأمثلة المرتبطة بهذه الفئة البحث الذي أجرته (داير، 1996) بأسلوب إثنوغرافي حول الابتكار في السياسات التعليمية في مرحلة التعليم الابتدائي في الهند، حيث اختارت ثلاث مناطق ضمن منطقة بارودا، في ولاية غوجارات، لتكون مواقع لدراسة الحالة. وقد جرى اختيار ثلاث مجموعات من المدارس الابتدائية لتمثيل تنوّع السياقات الاجتماعية والاقتصادية في تلك المنطقة، بما يعكس الصورة الأوسع للهند، وهي: منطقة قبلية تُعرف بـ "تشوتا أوديبور"، ومنطقة ريفية تُدعى "كارجان"، وسياق حضري في مدينة بارودا. وقد كشفت الدراسة عن وجود تنوّع داخلي ملحوظ على مستوى المناطق ضمن الولاية نفسها، وما يترتّب على ذلك من آثار (ص 38).

تُظهر نتائج الدراسة أهمية أن يُولي صنّاع السياسات في المستويات العليا اهتمامًا فعليًا بالتنوّع الكبير الذي يطبع السياقات التعليمية، إذ إنّ التنوّع الداخلي القائم داخل منطقة واحدة من ولاية واحدة كفيل بإبطال أي افتراض عن تجانس تلك الوحدات، الأمر الذي يقتضي التعامل مع هذا التفاوت بوصفه مكوّنًا جوهريًا لا يمكن إغفاله عند صياغة السياسات التعليمية في بلد متنوّع مثل الهند.

أوضحت الأمثلة التي سبق عرضها مدى فاعلية التحليل على مستوى المناطق في تسليط الضوء على جوانب سببية مؤثرة في تَشكّل العلاقة بين التعليم والمجتمع، وهي الجوانب التي كثيرًا ما تغفل عنها الدراسات التي تعتمد مؤشرات كليّة ومُجمّعة. ويمكن في هذا المستوى الاعتماد على وحدات تحليل متفاوتة، تتراوح بين المدن والبلدات في أحد أطراف الطيف، والقرى والمناطق دون الإقليمية في الطرف الآخر، ما يُفضي إلى استخلاص نتائج تحليلية تكمّل ما يُرصَد عند المستويات الأعلى وتُغني الصورة النهائية للفهم المقارن.

المستوى الخامس: المدارس

عندما تُعتمَد المدرسة نقطة انطلاق للتحليل، تتغيّر طبيعة الجوانب التي يُسلَّط عليها الضوء. وقد أشار (براي وتوماس، 1995، ص 481) إلى أن الدراسات التي تتناول مناطق عالمية أو دولًا أو ولايات أو مناطق محلية، غالبًا ما تشمل فئات غير ملتحقة بالمدارس إلى جانب التلاميذ الملتحقين، في حين ينصبّ تركيز الأبحاث التي تتناول المدارس على المجتمعات المصغّرة التي تنتمي إليها كلّ مدرسة بعينها. ويستلزم هذا النوع من التحليل النظر في الثقافة المؤسسية الداخلية، وهي ثقافة تختلف بطبيعتها عن تلك التي تسود في السياقات الأكبر. وقد أضاف المؤلفان في الصفحة 482 ما يلي:

يُتيح هذا النوع من الدراسات تقديم ملامح ميدانية شديدة التخصيص، تُبرِز تأثير الاختلافات الفردية لدى الفاعلين التربويين في السياق اليومي. وتُعد وفرة المدارس عاملًا مساعدًا على إجراء عينات عشوائية ذات مغزى، وهو أمر نادر الإمكان عند تحليل الأقاليم الكبرى أو الدول أو الأقاليم، وإنْ كان ممكنًا في بعض الحالات على مستوى المناطق.

تركّز غالبية الدراسات المقارنة التي تتناول المدارس باعتبارها وحدة تحليل على مؤسسات تعليمية تنتمي إلى السياق المحلي نفسه، سواء على مستوى الدولة أو الإقليم أو المنطقة، كما في دراسة (هانسن وورونوف، 2013)، مع وجود بعض الدراسات التي تجاوزت الحدود الوطنية، مثل دراسة (فيدوفيتش، 2004). وتجدر الإشارة إلى أنّ المقارنة الدولية بين المدارس يمكن أن تتم أحيانًا ضمن الولاية ذاتها. فقد بيّن (براي وياماموتو، 2003) أن المدارس الدولية في هونغ كونغ، رغم صغر نطاقها الجغرافي، تنتمي إلى نظم تعليمية أجنبية متنوّعة. ويُعرض أدناه مثالان توضيحيان.

انطلق (بيناڤوت) و(ريش، 2001) في دراسة مقارنة للمنهج الدراسي المطبّق داخل المدارس الإعدادية اليهودية–العلمانية في إسرائيل، معتمدَين على عينة طبقية تمثّل التوزيع الوطني، وضمت 104 مدرسة. وقد كشفت النتائج عن تفاوت واضح في تطبيق السياسات المنهجية، رغم مركزية النظام التعليمي. وتُقدّم هذه الدراسة النوعية مثالًا على القيمة المنهجية التي تمنحها التحليلات الميدانية، في زعزعة الفرضيات الشائعة حول العلاقة بين مركزية القرار وتجانس المخرجات.

درست (ڤيدوڤيتش، 2004) حالتين لمدرستين في سنغافورة وأستراليا شرعتا في تدويل مناهجهما التعليمية. كانت المدرسة في سنغافورة علمانية وتُصنّف ضمن المدارس "المستقلة"، مما منحها استقلالًا إداريًا أكبر من المدارس الحكومية، وإن ظلّت تحت إشراف وزارة التعليم. أما المدرسة الأسترالية، فكانت تابعة لطائفة بروتستانتية تقليدية، وقد حافظت على استقلالها عن القطاع الحكومي طوال تاريخها الممتد.

أظهرت الدراسة المقارنة بين المدرستين نقاط التقاء واختلاف في ما يتعلّق بالعوامل الخارجية المؤثرة على سياسات تطوير المناهج. فبينما لعبت القوى العالمية دورًا في تدويل مناهج كلتا المدرستين، كانت استجابة سنغافورة للعولمة الاقتصادية أوضح من استجابة أستراليا. وعلى مستوى التأثيرات الوطنية، ورغم تصنيف المدرستين على أنهما "مستقلتان"، فقد اعتبرت المدرسة السنغافورية أن وزارة التعليم هي الجهة الأشد تأثيرًا في توجهاتها، في حين رأت المدرسة الأسترالية نفسها مؤسسة تعليمية رفيعة الشأن داخل الولاية، تتميّز عن سائر المؤسسات الأخرى (ص 449).

تشير هذه النتائج المتباينة إلى اختلافات عميقة في السياقات الوطنية الكبرى التي تُؤثّر بشكل مباشر في السياسات التعليمية على مستوى المدرسة. وعلى الرغم من القيمة الإجرائية لمقارنة مدرستين في بيئتين متباعدتين، فإن التعامل الجاد مع تأثير العوامل السياقية الكبرى يظل ضرورة لفهم آليات صنع السياسات التربوية في كل بلد. فحجم الدولة، وتركيبتها السياسية، وتاريخها الثقافي، جميعها عناصر تؤطر العلاقة بين الأجهزة المركزية والمؤسسات التعليمية، وتمنح مفهوم "الاستقلالية" دلالات متباينة. ففي سنغافورة، الدولة محدودة المساحة، ذات التجربة الوطنية القائمة على تكثيف الجهود لتحقيق التنافسية الاقتصادية وتعزيز التماسك الاجتماعي، ظلّت السياسات التعليمية خاضعة لإشراف صارم من وزارة التعليم، على الرغم من الخطابات التي تُروّج للامركزية. أما في أستراليا، فإن الامتداد الجغرافي الواسع، وتاريخ الحُكم اللامركزي، أتاحا مجالًا أوسع لتجسيد استقلالية المدارس عن الإدارة الحكومية بصورة تختلف جوهريًا عن النموذج السنغافوري.

تُظهر الأمثلة المطروحة أهمية التوجّه نحو وحدات تحليل أصغر مثل المدرسة، لما تتيحه من فهم أكثر عمقًا ودقة للواقع التربوي من منظور مقارن. فقد أوضح المثال الأول، من خلال مقارنة وطنية شملت مدارس عديدة في ظل نظام مركزي، أن وجود سلطة مركزية لا يعني بالضرورة فرض نمط واحد، بل يمكن أن يتيح مجالًا للتنوّع والتكيّف المحلي. في المقابل، سلّط المثال الثاني الضوء على مدى تأثّر نتائج السياسات التربوية بسياقاتها المحلية، مبرزًا أهمية الوعي بالاختلافات السياقية العميقة بين المدرستين المقارنتين وتحليل آثار هذه الفروقات على المخرجات التربوية داخل كل منهما.

المستوى السادس: الفصول الدراسية

انصرف معظم الباحثين في ميدان التربية المقارنة التقليدية إلى تحليل السياسات التعليمية العليا وهياكل النظم، دون أن يولوا الصفوف الدراسية اهتمامًا يُذكر بوصفها وحدة تحليل قائمة بذاتها. غير أن (ألكساندر، 1999، ص 109) أشار إلى بروز هذا المستوى مؤخرًا ضمن أولويات البحث المقارن، موضحًا أن تزايد التركيز على الصفوف الدراسية يعود إلى ما يلي:

شهدت البحوث التربوية تحوّلًا لافتًا نحو الاهتمام بالعوامل المرتبطة بسير العمليات التعليمية داخل الفصول، كما يتضح في دراسات المدخلات والمخرجات التي تُجريها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). هذا التوجّه أفسح المجال أمام تصاعد بحوث فعالية المدارس، التي لم تَعُد تقتصر على تحليل أداء النظام التعليمي أو المدرسة، بل امتدت لتتناول ما يدور داخل الصفوف الدراسية. كما أقبل الإحصائيون التربويون على تطوير نماذج تحليلية تراعي بنية التعليم ككل، متضمّنة ممارسات التدريس وآلياتها. وجاء هذا الاهتمام المتأخر نتيجة وعي متنامٍ لدى صنّاع السياسات، بأن ما يجري في الفصل الدراسي يشكّل بُعدًا حاسمًا في جودة التعليم، خاصة في ظلّ السباق المحموم نحو المراتب المتقدّمة في التصنيفات الدولية. ولم يكن أقلّ تأخرًا من ذلك، إدراك الباحثين أن علم التدريس يجب أن يكون في قلب جداول الأعمال البحثية في التربية.

تُعَدّ الفصول الدراسية ميدانًا خصبًا للتحليل المقارن، إذ تفتح آفاقًا جديدة لاستكشاف مساحات ناشئة، من أبرزها الفصل الدراسي عبر الإنترنت. ويركّز المثال الآتي على الحصص الدراسية بوصفها وحدة فرعية متفرعة عن الفصول، وموقعًا مكانيًا يكتسب أهمية متزايدة في البحث المقارن.

في دراسة تحليلية مقارنة، تناولت (أندرسون–ليفيت، 2004) دروس القراءة في الصفين الأول والثاني في كل من فرنسا، وغينيا، والولايات المتحدة الأمريكية (انظر الشكل 4.4). وقد وقع الاختيار على فرنسا وغينيا نظرًا لعلاقتهما الاستعمارية السابقة التي انعكست على المنظومة التعليمية في غينيا، في حين أُدرجت الولايات المتحدة بوصفها حالة ثالثة تتيح المقارنة من منظور مختلف، لا سيّما في ظل التنافس القائم بينها وبين فرنسا على التأثير في طرائق تعليم القراءة داخل النظام التعليمي الغيني.

الشكل 4.4: مقارنة بين أنماط تنظيم الحصص الدراسية

الولايات المتحدة: المنهج التكاملي

الولايات المتحدة: النموذج التقليدي

غينيا

فرنسا: التيار السائد

فرنسا: المنهج التحليلي الكلّي

قراءة ضمن مجموعات صغيرة

إعداد المفردات (فهم المقروء)

اقتراح نص (فهم المقروء)

إنتاج جماعي للنص (فهم المقروء)

استكشاف أو إنتاج جماعي للنص (فهم المقروء)

قراءة فردية

قراءة ضمن مجموعات صغيرة

قراءة جماعية

قراءة جماعية

قراءة جماعية

إنتاج فردي للنصوص (فهم المقروء)

أسئلة لفحص الفهم القرائي

إعداد المفردات

إعداد المفردات

إعداد المفردات

قراءة المعلم للنص مع التلاميذ أو لهم (فهم المقروء)

تعليم الصوتيات (رمز: تحليل)

عزل الصوت (رمز: تحليل)

عزل الصوت (الرمز: التحليل)

عزل الصوت (الرمز: التحليل)

تعليم الصوتيات (رمز: تحليل)

استمارات تدريبية تعليمية

تدريبات

تدريبات

تدريبات

أنشطة مكتبية، مراكز تعلم



إملاء (رمز: تركيب)


المصدر: مقتبس من أندرسون–ليفيت (2004)، ص 246.

أشارت (أندرسون–ليفيت) إلى نقطة منهجية تتعلق باعتبار الحصة الدراسية وحدةً للتحليل (ص 233–234):

اعتمدتُ في تحليلي على "الحصة الدراسية" باعتبارها الوحدة التي تُبنى عليها المقارنة، غير أن هذا المصطلح لا يخلو من إشكالات دلالية. ففي البحوث المنشورة باللغة الإنجليزية، تُفهم "الحصة" على أنها جلسة تعليمية واحدة ومتواصلة. غير أنّ الأمر يختلف في كل من فرنسا وغينيا، إذ يُعرّف التربويون الحصة على أنها مجموعة من الجلسات المتتابعة التي تُقدَّم خلال يومين أو أكثر، تدور حول نفس المحتوى وتخدم أهدافًا تعليمية واحدة. أما في الصفوف الأمريكية، فإن تعدد الأنشطة الناجمة عن استخدام المجموعات الصغيرة والمشروعات الفردية يجعل مفهوم الحصة أكثر تعقيدًا، إذ قد تتضمّن جلسة اللغة أنشطة متزامنة ومتنوعة.

بدأت الدراسة من تركيز دقيق على الحصة الدراسية، غير أنّها جسّدت منهجًا مقارَنًا متعدد المستويات، إذ تجاوزت نتائجها حدود الصف، وكشفت أوجه التشابه والاختلاف بين دروس القراءة في كلّ من غينيا وفرنسا والولايات المتحدة.

المستوى السابع: الأفراد

يتحدّد المستوى الأخير من مستويات إطار بري وتوماس عند الفرد، إذ يُنظر إليه بوصفه وحدة تحليل مستقلة، وفقًا لما شرحه المؤلفان في الصفحة 483:

تُوجّه بعض الدراسات اهتمامها إلى الأفراد مثل المديرين والمعلمين وأولياء الأمور والتلاميذ، وتتنوع مناهجها بين تخصصات علمية شتى، غير أنّها غالبًا ما تمنح الأولوية للمنظور النفسي مقارنةً بالدراسات التي تركز على مستويات تحليل أوسع.

أشار المؤلفون إلى مجموعة من الحالات، من بينها تقارير شخصية تركّز على أساليب التعلّم لدى الطلاب أو على تنظيم المعلمين للدروس، بالإضافة إلى دراسات استقصائية واسعة النطاق وغير موجهة لأشخاص بعينهم، تستهدف المعلمين أو التلاميذ أو غيرهم من الأفراد، وتُجريها الحكومات أو جهات أخرى. ومن بين هذه الدراسات، تناول (أندروز 2013) أربع حالات لمعلمين في مادة الرياضيات يعملون في مدارس فنلندية شاملة، فيما أجرى (بانتيتش وآخرون 2011) استطلاعًا شمل معلمين في خمس دول من دول البلقان الغربية.

تُعد دراسة "الجودة في الأنظمة التعليمية عبر الدول" (QUEST) مثالًا على محاولة تجاوز مستوى الفرد، والاعتراف بتأثير العوامل الأوسع، حيث سعت إلى تحليل أثر الثقافة الوطنية في مواقف التلاميذ، والممارسات الصفية، ونتائج التعلم في كل من إنجلترا وفرنسا (برودفوت 1999، ص 241). وقد أُجريت الدراسة على عينة من 800 طفل تراوحت أعمارهم بين 9 و11 سنة (400 من كل دولة)، اختيروا من أربع مدارس ضمن منطقتين متباينتين في كل دولة، ليبلغ المجموع 16 مدرسة (8 في كل بلد). وقد لاحظ فريق الدراسة ما يلي (ص 251):

تُبرز هذه الدراسة بوضوح كيف يمكن لاختلافات الثقافة الوطنية أن تؤثر بشكل مباشر في نتائج التعلّم، وهو ما يتجلّى في ضيق نطاق درجات التلاميذ في فرنسا مقارنة بالتفاوت الواسع في درجات نظرائهم في إنجلترا. ويبدو أن التقاليد التعليمية الفرنسية، التي تقوم على تقديم محتوى موحّد لجميع التلاميذ مع توقّع النجاح من الجميع، تؤدّي إلى تمكّن الغالبية من إتقان الدرس. أما النموذج الإنجليزي، الذي يُقسّم الدرس تبعًا لمستويات التلاميذ، فمع أنه يتيح للبعض بلوغ مستويات رفيعة من التعلّم، إلا أنه يخلّف وراءه عددًا غير قليل من المتعثرين.

ولم يقف المؤلفون عند حدود الملاحظة الكمية، بل دعّموا دراستهم بتقارير إثنوغرافية شخصية من الطلاب أنفسهم، فتبيّن لهم أن الطلاب في إنجلترا يميلون إلى الفردانية ويتمتعون بقدر كبير من الحرية في التعبير عن ذواتهم، بينما اتّسم الطلاب الفرنسيون بنزعة أكثر تحفظًا، حيث اقتصر تفاعلهم على تنفيذ المطلوب دون إبداء تعبيرات شخصية واضحة. وفي ختام الدراسة، سجّل المؤلفون الاستنتاج التالي (ص 254):

إن التباين في قدرات التلاميذ من المجموعتين يعكس اختلافًا في تصوّرات المعلمين المستندة إلى خلفيات ثقافية حول ما يُنتظر من الأطفال تحقيقه، إلى جانب تباين في فهمهم لأهداف العملية التعليمية. كما تتعزّز هذه الفروقات نتيجة لاختلافات ثقافية مماثلة في طرق التفكير التي تؤثّر في صنع السياسات التعليمية.

يعكس هذا البحث نموذجًا لتحليل متعدد المستويات، حيث يربط بين ما يُرصَد على مستوى التلميذ والفصل الدراسي، وبين ما يتعلّق بالسياقات الثقافية الأوسع وتقاليد التعليم في المجتمعات المختلفة. ويتناغم هذا النهج مع أحد المفاهيم الأساسية في علم النفس، الذي يرى أن الفرد في طور التشكّل يوجد ضمن منظومة بيئية متراكبة، "تحيط ببعضها بعضًا كدمى ماتريوشكا الروسية" (برونفنبرنر 1979، ص 3)، وهي منظومة لا يمكن فهمها إلا بتحليل تفاعلاتها المتبادلة. كما يمثّل هذا البحث مثالًا على الاستخدام المتكامل للمنهجَين الكمي والنوعي، وهو ما يتطلب موارد كبيرة من حيث الوقت والكوادر والتمويل، إلا أنّه يقدم إسهامًا عميقًا في فهم العمليات التعليمية وتعقيداتها.

المقارنة عبر المستويات

عرضت المناقشة السابقة المستويات السبعة للوحدات الجغرافية للمقارنة في مكعّب (براي وتوماس)، ويُعقّب هذا القسم بالإشارة إلى الفوائد التي يقدّمها التحليل المقارن متعدد المستويات.

أشار براي وتوماس (1995، ص 484) إلى ما يلي:

اعتمدت دراسات عديدة تصميمًا متعدد المستويات في محاولة للوصول إلى فهم لا يقتصر على جانب واحد بل يتسم بالشمول والتوازن، وبرغم ما يعتري كثيرًا من هذه الدراسات من أوجه قصور أو هنات منهجية أو تطبيقية، فإن تنوّع الزوايا التي تتناول من خلالها موضوعاتها، وما يترتب على ذلك من تعدد في المنظورات، قد أتاح بناء معالجة أكثر شمولًا وغنى وربما أكثر دقة للظواهر التي سعت إلى تفسيرها والكشف عن أبعادها.

انحصر الشكل الغالب للبحوث التي جرى تصنيفها تحت مسمّى التحليل متعدد المستويات في التركيز أساسًا على مستويات الفرد والفصل الدراسي والمدرسة، في حين أهملت هذه الدراسات غالبًا التعمق في دراسة مستويات الولاية أو الإقليم والدولة والمنطقة العالمية، الأمر الذي جعل تفسيراتها تبقى غير متوازنة وغير مكتملة رغم ما تحمله من قدر أوفر من المعلومات والمعطيات مقارنة بما سبق.

رحّب باحثو التربية المقارنة بالدعوة إلى اعتماد التحليلات المقارنة متعددة المستويات، وتزايد عدد الدراسات التي تبنّت هذا التوجّه وأصبحت حاضرة بوضوح في الأدبيات (مثل: هيكلنغ–هدسون 2004؛ شابايا وكونادو–أجييمانغ 2004؛ ألكسيا دو وفان دي بونت–كوخيوس 2013). وكما أوضح ألكسندر (2001، ص 511)، فإن المقارنات المتعددة المستويات تُعدّ شرطًا أساسيًا لتحقيق فهم متوازن ورؤية شمولية للظواهر التربوية، إذ يتيح هذا النهج الجمع بين مستويات مختلفة من التحليل بما يمنع الاختزال ويكشف عن أبعاد أعمق للظاهرة.

لا تبدأ البيداغوجيا ولا تنتهي داخل جدران الفصل الدراسي، وإنما يُدرك جوهرها الحقيقي حين تُوضَع الممارسة في سياق دوائر متداخلة تشمل المحلي والوطني، والفصل والمدرسة والنظام والدولة، وحين يجري التنقّل باستمرار بين هذه المستويات لاستكشاف الكيفية التي يُجسّد فيها ما يقوم به المعلّمون والتلاميذ في الصفوف القيمَ السائدة في المجتمع الأوسع، ويعكسها في آن واحد.

يُتيح هذا التنقّل المستمر بين مستويات متعددة تشمل الوطني والإقليمي والمحلي والمدرسة والفصل والفرد، فضلًا عن تجاوزه للحدود الوطنية والإقليمية، للباحث أن يستخلص مسارات الامتداد المكاني، مميزًا بين ما هو كوني في البيداغوجيا وما يرتبط بخصوصيات ثقافية محددة، على نحو ما أوضحه (ألكسندر) (2001، ص 519).

يُستقى المثال الأخير على عملية التحليل متعدد المستويات من دراسة (مكناس 2004)، حيث بحثت في عمل المعلّمين في إنجلترا والدنمارك من خلال اعتماد نهج موسَّع لدراسة الحالة ربطت بين سياقات السياسات الدولية والوطنية على المستوى الكلّي (Macro) وبين دراسات الحالة على مستوى المدرسة والفرد (Meso). وقد استخدمت مفهوم "المرشح التكراري" (2004، ص 318) لتوصيف آلية التحليل متعدد المستويات باعتبارها عملية متتابعة من الانتقال بين المستويات وربطها ببعضها للكشف عن أبعاد الظاهرة بشكل أوفى:

تمثّل ذلك في عملية تركيز متدرّجة ومتواصلة جرى خلالها ترشيح المعلومات عبر سياقاتها العالمية والوطنية من أجل توضيح الأولويات المحلية وممارسات التعليم داخل الصفوف. ويعكس هذا التصوّر مفهوم (برونفنبرنر 1979، ص 3) حول "البيئة الإيكولوجية"، بما تتضمنه من علاقات تستوجب التحليل لاستيعاب الكل بصورة متكاملة. ومن هنا انتقل التحليل من مستوى السياسات الكلّي (Macro) إلى المستوى الجزئي (Micro) المرتبط بالمعاني الفردية، مرورًا بالمستوى الوسيط (Meso) الذي يتجسّد في بنى المدرسة والفصل، مع الأخذ بالاعتبار النظام البيئي للمدرسة في إطار مجتمعها المحلي والإقليمي. ولم يكن هذا الانتقال أحادي الاتجاه، بل جاء ضمن حلقة متكرّرة يتداخل فيها كل مستوى مع الآخر، بحيث أسهمت البيانات المجمّعة في كل مستوى في تشكيل أسئلة البحث وصياغة نتائجه من جديد. وقد استُخدم هذا التبادل بين الجزئي والكلّي لبناء المعنى وصقله، وللتحقق في الوقت نفسه من مصداقية البيانات أثناء جمعها.

أبرزت العملية التكرارية الممتدة عبر المستويات الكلّي والوسيط والجزئي لوحدات المجتمع وأنشطتها، في هذه الحالة تحديدًا، المعنى المتموضع لمفهوم "جودة التعليم". وأظهرت الدراسة أنّ الجودة ليست كونية ولا ثابتة، بل تتسم بالطابع الفردي والظرفي، وتتحدد بدرجة كبيرة وفق العادات والممارسات الراسخة، والسياسات السائدة، وتجارب المعلّمين الشخصية (ص 326). وقد قدّمت دراسة الحالة الموسَّعة هذه مسارًا منهجيًا يُمكّن من بلوغ تفسيرات واقعية ذات مغزى ومتوازنة، من دون الحاجة إلى استثمارات كبيرة في الموارد البشرية أو المالية، وهو ما يفتح المجال أمام نهج بحثية أكثر فاعلية وأقل تكلفة.

الاستنتاجات الختامية: قضايا وإشكالات منهجية في تحليل المقارنات بين الأماكن

ناقش هذا الفصل اعتماد المكان باعتباره وحدة للتحليل المقارن، مستندًا إلى البُعد الجغرافي/المكاني في إطار (براي وتوماس 1995) للتحليلات المقارنة ومتعددة المستويات باعتباره نموذجًا ومعيارًا مرجعيًا. وقد استكشف مختلف المستويات التي يمكن إجراء المقارنات بينها من منظور المكان، كما عرّف وحدات مكانية بديلة ورد ذكرها في الأدبيات ذات الصلة. وهذه الوحدات المكانية المشتقة، التي نشأت جزئيًا بفعل تحولات جيوسياسية واقتصادية وتكنولوجية واجتماعية وثقافية، يمكن القول إنها متضمَّنة في الإطار الأصلي وقابلة للتمثيل على المكعّب. واستندت المناقشة إلى مجموعة من الأمثلة المستخلصة من الأدبيات المتخصصة في التربية المقارنة لتوضيح آلياتها وتقويم جدواها، وشملت هذه الأمثلة التحليلات أحادية المستوى وتلك متعددة المستويات على السواء. وفي سياق ذلك، طُرحت بعض الملاحظات المتعلقة بالإشكالات المنهجية.

استهلّ الفصل بمقدمة تناولت المناهج العامة للبحث المقارن في التربية، ممهّدًا بذلك لتقديم إطار (براي وتوماس) في القسم الثاني. وقد بيّن أنّ الدراسات المقارنة، سواء كانت تفسيرية أو تحليلية سببية، ينبغي أن تولي اهتمامًا بالغًا لتحديد الأسس التي تُقيم عليها المقارنة، بما يوفّر قاعدة صلبة لتفسير النتائج تفسيرًا ذي معنى. ويُستفاد من ذلك أنّ الباحثين، عند اختيارهم وحدات المقارنة، مطالبون بتحديد معايير أولية للمقارنة بدقة، إلى جانب إبراز علاقتها السببية بالظواهر التربوية قيد الدراسة. ولتحقيق هذا الغرض، يلزم فحص أوجه التشابه والاختلاف بين الوحدات المدروسة ضمن سياقها، من أجل تقويم ما إذا كانت ذات أهمية حقيقية تربويًا. كما يتعيّن على الباحثين الانتباه لمحور التباين، أي المحور الذي يمكن ترتيب الاختلافات على أساسه وفق درجة أهميتها السببية في تفسير الظاهرة التربوية موضوع البحث.

كما أُشير في المناقشات السابقة، فإن جعل المقارنة ذات معنى يستلزم أن تُظهر وحدات التحليل قدرًا كافيًا من أوجه التشابه يجعل اختلافاتها ذات دلالة. غير أنّ هذا المبدأ لم يُراعَ في بعض الحالات؛ إذ بدت (كانن 1995) وكأنها أغفلت التنوع البارز داخل الدولة الواحدة في كلٍّ من البرازيل والمملكة المتحدة، بينما أولت (فيدوفيتش 2004) اهتمامًا غير كافٍ للاختلافات الواضحة بين أستراليا وسنغافورة على المستوى الدولي. وقد تعامل المثالان مع الدولتين موضوع البحث بوصفهما وحدات متجانسة ومتكافئة للمقارنة، وهو ما قد يؤدي إلى تفسيرات غير متوازنة ومضلِّلة للبيانات. وفوق ذلك، فإن مقارنة المناهج في أستراليا وسنغافورة لدى (فيدوفيتش 2004) أغفلت الفارق الكبير في الحجم بين البلدين، وهو عامل جوهري يغيّر المشهد التربوي والسياسي برمّته.

تستدعي هذه الأمثلة التذكير بالتحذيرات التي أطلقها باحثو التربية المقارنة، الذين شدّدوا على ضرورة تحديد شروط المقارنة، أي إيجاد قاعدة دنيا من أوجه التشابه المشتركة، على أن تكون لهذه التشابهات دلالة سببية مرتبطة بالظواهر التربوية موضوع البحث. ومن هذا المنظور، تبدو الدراسات المقارنة إلى حد ما شبيهة بالتجربة المخبرية، إذ لا تكون التجربة صحيحة وذات معنى إلا إذا حُفظت بعض المتغيرات ثابتة. وتتحقق هذه الغاية من خلال اختيار وحدات للتحليل تتوافر بينها تشابهات كافية وذات صلة تربوية مباشرة. غير أنّ التباينات في الحجم والسياق، كما اتضح في مثال أستراليا وسنغافورة، وما ينجم عنها من تعقيدات في إدارة التعليم واستقلاليته، تُعدّ عوامل مؤثرة على مستوى النظام تترك بصماتها على المستويات الأدنى كالمدارس والمناهج. ولهذا، فإن مقارنة بلد واسع المساحة شديد التنوع واللامركزية مثل أستراليا بدولة صغيرة، لكنها متنوّعة ومركزية مثل سنغافورة، تستحق إعادة نظر جادّة. ومع ذلك، قد تتمكن مثل هذه الدراسات من الوصول إلى نتائج ذات مغزى، شريطة أن تُزيل ما أسماه (راجين 1987) "الاختلافات الظاهرية الخادعة"، وأن تُثبت أن هذه الفروق، على المستوى التجريدي أو السببي، ليست ذات أهمية. وفي الحد الأدنى، يمكن لهذه الدراسات أن تعترف بدور العوامل الخارجية وبالقيود التي تفرضها على نتائجها.

عرض القسم الرئيس من هذا الفصل الإمكانات التي يتيحها البُعد المكاني في مكعّب (براي وتوماس)، والذي يتكوّن من سبعة مستويات: الأقاليم العالمية، والدول، والولايات/المقاطعات، والمناطق، والمدارس، والفصول الدراسية، والأفراد. كما نوقشت وحدات مكانية بديلة مثل التكتلات الاقتصادية الإقليمية، والمدن، والفصول الدراسية عبر الإنترنت (غير المادية). ويكشف كل مستوى مكاني زاوية مختلفة من الواقع التربوي المدروس، وله مزاياه وحدوده. وتُسهم التحليلات في المستويات العليا من المكعّب (الأقاليم العالمية، الدولة، الولاية/المقاطعة، المنطقة) في بناء إطار واسع وعام للأنماط التعليمية والديموغرافية. غير أنّ الدراسات التي تقتصر على المستويات الكلّية، على الرغم من فائدتها، تميل إلى إغفال أنماط مهمة وسمات مميزة في المستويات الوسيطة والجزئية، وما تتركه من أثر على الأحداث التربوية. وقد أظهر مثال (ديل وروبرتسون 2002)، الذي حلّل الاستراتيجيات والأجندات التعليمية لثلاثة تكتلات اقتصادية إقليمية، أنّ ثمة تنوعًا داخليًا ملحوظًا بين مكوّنات الإقليم الواحد. ومن ثَمّ، فإن استكمال الصورة يتطلب التعمق في دراسة المستويات الجزئية (المدرسة، الفصل، الأفراد)، وفي حالة الدول شديدة اللامركزية والمتنوعة أيضًا دراسة المستويات الوسيطة (المقاطعة، المنطقة)، للوصول إلى رؤية متكاملة وواقعية لمحددات الظواهر التربوية في هذه الكيانات. وفي هذا السياق، دعا (كروسلي وفوليامي 2011) إلى إنجاز دراسات سياقية تراعي الظواهر الديناميكية والوجودية على مستوى المدرسة والفرد، وخاصة في الدول الكبيرة التي تشهد فروقًا واسعة داخل الدولة الواحدة.

يقترن الانتقال من المستويات العليا في مكعّب (براي وتوماس) إلى المستويات المكانية الدنيا بحركة عكسية صاعدة من هذه المستويات الدنيا إلى العليا. غير أنّ الدراسات التي تُجرى عند المستويات الأدنى من المكعّب قد تميل أحيانًا إلى الانفصال عن السياق الكلّي الذي تندرج فيه، فتُعاني من ضعف في إمكانية تعميم نتائجها على سياقات أخرى، ومن قصور في تقدير العوامل المحدِّدة للظواهر التربوية عند تلك المستويات. وقد حذّر (سادلر 1900، ص 310) من ذلك بقوله: "إن ما يحدث خارج المدارس أهم بكثير مما يحدث داخلها، وهو الذي يوجّه ما بداخلها ويفسّره". ويشير هذا بوضوح إلى ضرورة فهم الدراسات التي تتناول المستويات الدنيا (الفرد، الصف، المدرسة) في إطار أوسع يشمل المستويات العليا للنظام والدولة، إذ لا يمكن للدراسات أن تقدّم صورة ذات مغزى وشاملة عن العلاقات بين المستويات الكلّية والجزئية إلا من خلال هذا التكامل.

تكشف المزايا والقيود النسبية للتحليلات المقارنة التي تقتصر على مستوى واحد من الهرم الجغرافي عن أهمية البحث متعدد المستويات من أجل بلوغ فهم متوازن وشامل للتعقيد الذي تتسم به الظواهر التربوية. فكل مستوى يشكّل نافذة تطل على الثقافة الأشمل (ألكسندر 2000، ص 531). وعلى الرغم من تمايز المستويات الجغرافية، فإنها ليست كيانات منفصلة أو مغلقة بإحكام، بل تُشبه البيئات الإيكولوجية التي تُتصوَّر كبنى متداخلة، يحيط كل منها بالآخر (برونفنبرنر 1979، ص 3). وتؤثر المستويات الجغرافية العليا والدنيا بعضها في بعض، وتشكل ملامحها المتبادلة في إطار ما وصفه (أرنوفي 2013، ص 1) بـ "الجدلية بين العولمي والمحلي". ومن ثم فإن إدراك هذه العلاقات المتبادلة عبر مختلف المستويات المكانية وفهمها يُعد شرطًا لا غنى عنه لفهم شمولي لجوهر الظواهر التربوية (انظر أيضًا شريور 2006). ويكتسب هذا التحليل الدقيق للعلل البنيوية في التربية أهميته لا على المستوى المفاهيمي فحسب، بل كذلك – وربما بصورة أشد – في توجيه سياسات التعليم نحو الإصلاح والتحسين.

يُستحسن في بحوث التربية المقارنة أن يتجاوز التحليل متعدد المستويات حدود الأدوات التقليدية للبحث التربوي، ليتحول إلى ممارسة بحثية متعددة التخصصات. وقد أشار (براي وتوماس 1995، ص 488) إلى أهمية "التخصيب المتبادل بين الحقول"، حيث تستفيد الدراسات الكمية في المستويات الصغرى من الإسهامات النوعية القادمة من الدراسات المقارنة عبر الدول. وعلى نحو موازٍ، تكتسب البحوث الكلية قيمة أوضح حين تنفتح على ميادين أخرى تكشف التنوع القائم في المستويات الأدنى، بدءًا من الدولة والمناطق وصولًا إلى المدارس والفصول والأفراد، وهو ما يمنح نتائجها توازنًا وعمقًا وشمولًا.

يمثل التحليل المقارن متعدد المستويات هدفًا مرغوبًا وقابلًا للتطبيق. صحيح أنّ مثل هذه الدراسات تتطلب غالبًا حشدًا كبيرًا للموارد سواء داخل الدولة أو عبر عدة دول، غير أن هذا الفصل قدّم نماذج توضّح إمكانية إجراء مقارنات متعددة المستويات بوسائل متاحة أمام معظم الباحثين في التربية المقارنة الذين يركّزون عادة على المستويات الصغرى مثل الصفوف الدراسية والأفراد (أندرسون–ليفيت 2004؛ مكنس 2004). ويمكن للباحثين الذين يكتفون بمستوى واحد من التحليل أن يوضحوا نطاق نتائجهم وحدودها عبر تحديد موقعهم بجلاء على خريطة المعرفة، وذلك بالاستعانة بالإطار المخصَّص للتحليلات المقارنة الوارد في هذا الفصل.

تُسهم البحوث المقارنة في توفير أدوات لفهم الواقع التعليمي المعقّد والكشف عن العلاقات ذات الدلالة، وذلك من خلال السعي لتحقيق التكافؤ المفاهيمي واللغوي معًا، والتأكيد على الارتباط الزمني والمكاني للظواهر الاجتماعية المحددة (مكْنِس 2004، ص 326). وقد بيّن هذا الفصل أنّ تحليل المقارنات بين الأماكن يشكّل مجالًا مثيرًا لدراسة ظواهر تربوية متنوّعة عبر مستويات مختلفة من الطيف، كما يفتح الباب أمام بحث وحدات تحليل أخرى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمكان.

1 شهدت بلجيكا في عام 1993 إنشاء بنية دولة تتألف من ثلاثة مستويات متوازية، شملت: الدولة الفيدرالية، والمجتمعات اللغوية، والمناطق الإقليمية، وقد نُظر إلى هذه المكونات الثلاثة على أنها متساوية من الناحية القانونية. وتضمّنت هذه البنية ثلاث مجتمعات لغوية، هي: المجتمع الناطق بالفرنسية، والمجتمع الفلمنكي، والمجتمع الناطق بالألمانية؛ إلى جانب ثلاث مناطق إدارية هي: المنطقة الفلمنكية، ومنطقة بروكسل العاصمة، والمنطقة الوالونية، وكل منها يتمتع بسلطات تنفيذية وتشريعية ضمن اختصاصاته المحددة.


الفصل الخامس

مقارنة النظم التعليمية

ركزت بحوث واسعة في التربية المقارنة على دراسة النظم التعليمية، غير أنّ هذا التركيز كان في أحيان كثيرة ضمنيًا لا صريحًا، ولم تُوضَّح وحدات التحليل توضيحًا دقيقًا. ويبدأ هذا الفصل بذكر نماذج بارزة ركّز فيها الباحثون على النظم التعليمية أو أعلنوا انشغالهم بها، ثم يعرض الإشكالات المنهجية المتعلقة بتوظيف النظم التعليمية وحدةً للتحليل في بحوث التربية المقارنة، مبيّنًا أنّ وجود أكثر من نظام تعليمي داخل بعض البلدان يجعل البحث في النظم بحثًا داخل الدولة الواحدة أو ممتدًا ليشمل مقارنات بين الدول.

نهج شائعة يقابلها استعمال غير منضبط

حاز التركيز على النظم التعليمية تاريخًا طويلًا في ميدان التربية المقارنة، فعلى سبيل المثال جاء عنوان الخطاب الشهير لـ(سادلر) عام 1900: «إلى أي مدى يمكن أن نتعلم شيئًا ذي قيمة عملية من دراسة النظم التعليمية الأجنبية؟». كما تناول (كاندل) عام 1933 تنظيم النظم التعليمية الوطنية في ست دول، وجاء كتاب (كرامر) و(براون) عام 1956 بعنوان «التربية المعاصرة: دراسة مقارنة للنظم الوطنية»، ثم أعقب ذلك في العقد التالي كتاب (مولمان) الصادر عام 1963 بعنوان «النظم التعليمية المقارنة».

ظلّ التركيز على النظم التعليمية قائمًا في العقود اللاحقة، فقد ظهرت في ثمانينيات القرن العشرين كتب من أبرزها كتاب (إغناس) و(كورزيني) عام 1981 بعنوان «النظم التعليمية المقارنة»، والسلسلة المكوّنة من ثلاثة مجلدات التي حرّرها (كاميرون) وزملاؤه عام 1983 تحت عنوان «الدليل الدولي للنظم التعليمية». وتلا ذلك «الموسوعة في التربية المقارنة والنظم التعليمية الوطنية» التي حرّرها (بوستلثويت) وصدرَت طبعتها الأولى سنة 1988 والثانية سنة 1995. أما في السنوات الأحدث، فقد شملت الإصدارات كتاب (مارلو–فيرغوسون) عام 2002 «مسح عالمي للنظم التعليمية»، وكذلك المجلد الذي أصدره (غريغر) و(فالتروفا) عام 2012 بعنوان «تحوّلات النظم التعليمية في البلدان ما بعد الشيوعية».

على أنّ عددًا من هذه المؤلفات لم يوفّق في صياغة تعريفات واضحة، إذ بيّن الفصل السابق من هذا الكتاب أنّ المقارنات المكانية سيطرت على ميدان التربية المقارنة وأبرزت الدولة القومية في المقام الأول. وقد اتخذت كثير من الأعمال المشار إليها البلدان وحدةً رئيسة للتحليل، ورأى أصحابها أنّ استخدام مصطلح «النظام» مبرّر ما دام الحديث عن النظم التعليمية الوطنية، غير أنّ قليلًا منهم تطرّق إلى حدود هذه النظم من الناحية المفاهيمية أو بحث في مدى وجود نظم أخرى متداخلة ضمن الحدود الوطنية أو متجاوزة لها، حتى إنّ معظمهم عرض النظم التعليمية الوطنية وكأنّ الدولة لا تحتوي إلا على نظام واحد.

يمكن توضيح هذه الفكرة بجلاء من خلال مثالين يفصل بينهما ما يقارب أربعة عقود من الزمن. فقد افترض (مولمان) في كتابه الصادر سنة 1963، مسلِّمًا منذ البداية بأنّ القارئ يعرف مدلول النظم التعليمية، ثم مضى إلى عرض أحد عشر فصلًا خصّص كلًّا منها لدولة بعينها، وهو ما أوحى بأنّ الحدود السياسية للدولة تتطابق مع الحدود المفاهيمية للنظام التعليمي. وقد بدا الإيحاء بأنّ الولايات المتحدة تمتلك نظامًا تعليميًا موحدًا أمرًا مجانبًا للواقع، إذ أشار القسم المخصص لها (ص 79) إلى أنّ «كل ولاية من الولايات الخمسين تدير نظامها التعليمي الخاص»، غير أنّ هذه الملاحظة لم تُستثمر كما ينبغي للكشف عن التمايزات الجوهرية بين تلك النظم، بل اكتفى المؤلف بتقديم صورة عامة عن البلاد في مجملها (ص 75–81). وفي مطلع الألفية، صدرت موسوعة (مارلو–فيرغوسون) عام 2002، منظَّمة وفق تقسيم قطري يبدأ بأفغانستان وينتهي بزيمبابوي، مقدِّمةً التعليم في كل بلد وكأنه كيان موحَّد يخلو من التعدد أو التنوع. بل حتى الدول التي تحتوي داخليًا على نظم متمايزة بلغات مختلفة وبنى مؤسسية متفرّدة، مثل بلجيكا وكندا وفانواتو، عُرضت في صورة عامة توحي بوجود نظام وطني واحد. ولم يكن هذا التصوير مضلِّلًا فحسب، بل فوّت أيضًا فرصة ثمينة لتعميق الفهم المفاهيمي، إذ إنّ المقارنة بين النظم داخل الدولة الواحدة كانت ستسمح بتحديد أوجه تشابه واختلاف ذات دلالة، وتكشف في الوقت نفسه عن القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية التي أسهمت في تشكيل تلك الأنماط التعليمية.

يتبيّن كذلك أنّ التركيز على النظم التعليمية بحسب الدولة يحجب حقيقة أنّ بعض هذه النظم تتجاوز الحدود الوطنية وتعمل عبر أكثر من بلد. فالمدارس التي تديرها هيئات دينية مثل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، تُظهر في كثير من الحالات أوجه تشابه تمتد عبر الدول المختلفة (داون وآرجماند 2005؛ غريفين 2006؛ بروك 2010). واتجه النظر منذ عام 1999 إلى الجامعات في تسعٍ وعشرين دولة أوروبية، حيث بدأت تتقارب تدريجيًا وتتناغم تحت مظلة ما عُرف بـ«عملية بولونيا»، وهي التسمية التي ارتبطت بالمدينة الإيطالية التي اجتمع فيها ممثلو هذه الدول واتفقوا على خطوط توجيهية تهدف إلى تعزيز النظام الأوروبي للتعليم العالي (بولونيا 2013). وإذا انتقلنا إلى مثال آخر، نجد أنّ مدنًا كثيرة تضم جاليات دولية كبيرة تستضيف مدارس تتبع النظم التعليمية لبلدان أخرى، وتخضع في إشرافها أو اعتمادها لسلطات تربوية في تلك البلدان (هايدن وتومسون 2008؛ بيتس 2011).

تعريف النظم التعليمية وتحديدها:

يتعيّن الإقرار بأنّ الباحثين الذين يلزمون الدقة والحرص في توظيف المصطلحات يلقَون عسرًا بيّنًا حين يعرّفون النظم التعليمية، ويعرض (كاندل) سنة 1933 (ص 83) أمرَ النظم الوطنية ويقول: «تعريف النظام التعليمي الوطني ليس أمرًا بسيطًا، على الرغم من كثرة استخدام المصطلح»، ثم يضيف:

لا يرجع التعقيد أساسًا إلى تعدد المؤثرات، سواء كانت رسمية أو غير رسمية، التي تدخل في بناء مواقف أفراد الأمة وتصوراتهم، بل إلى غياب معيار جامع يُمكّن من اختبار وجود نظام وطني للتعليم.

لا يزال هذا الإشكال قائمًا بلا حلّ، ويزداد تعقيدًا بالنسبة لدارسي التربية المقارنة، إذ إنّ بعض اللغات تستعمل أكثر من مصطلح يمكن ترجمته إلى «نظام»، غير أنّ لكل مصطلح منها فروقه الدقيقة ودلالاته الخاصة. ففي اللغة الصينية على سبيل المثال نجد:

  • يشمل مصطلح الجياويو تشيده [教育制度] جميع المؤسسات التعليمية بما فيها المدارس والهيئات الحكومية، مع تركيز على البُعد المؤسسي.

  • ويقصد بمصطلح الجياويو تيجري [教育体制] النظام الذي تُنظم وتُدار من خلاله المؤسسات التعليمية.

  • أما الجياويو شيتونغ [教育系] فيعني ترتيبًا تُربط فيه المكوّنات المختلفة في منظومة واحدة.

  • بينما يشير مصطلح الجياويو تيشي [教育体系] إلى معنى قريب من الجياويو شيتونغ [教育系统]، غير أنّه يُبرز البُعد البنيوي أكثر من المؤسسي.

عند اعتماد هذا الفصل إطارًا مرجعيًا، يمكن النظر إلى النظام باعتباره مجموعة من الوحدات المتفاعلة والمتشابكة والمتعتمدة بعضها على بعض، لتكوّن معًا كيانًا معقدًا. وقد صاغ (أولبورت) سنة 1955 (ص 469) تعريفًا عامًا لهذا المفهوم جاء فيه:

إنّ النظام هو أي تجمّع محدّد المعالم من عناصر متحركة ترتبط فيما بينها بصلات متبادلة وتعتمد بعضها على بعض، وتستمر في أدائها بما يُنتج أثرًا كليًا ذا سمات خاصة. وبعبارة أخرى، فالنظام يتعلّق بنشاط معيّن، ويصون شكلًا من أشكال الوحدة والتكامل، ويُعرَف في استقلاله عن غيره من النظم التي قد يرتبط بها ارتباطًا ديناميًا.

يرتبط هذا التعريف ارتباطًا وثيقًا بما يُعرف في اللغة الصينية باسم الجياويو شيتونغ [教育系]، كما ينسجم مع التصوّرات التي يعتمدها مخطّطو التربية في المستويات الدولية (انظر مثلًا: غوتلمان وباهر 2012). ويمكن للتعريف أن ينطبق، بالإضافة إلى النظم الوطنية، على النظم التعليمية التي تعمل في نطاق دون وطني. وتُعدّ المؤسسات التعليمية المكوّن الأوضح لهذه النظم، إذ تعمل في إطار قانوني وإداري موحّد، وغالبًا ما تتأثر باتجاهات نحو امتحانات معيّنة، وبشروط خدمة المعلّمين، وأنظمة قبول الطلاب، وغيرها من العوامل.

يُستحسن هنا التذكير بكتاب (آرشر) سنة 1979 الأصول الاجتماعية للنظم التعليمية، الذي حظى باعتراف واسع بوصفه إسهامًا مرجعيًا بارزًا. ومثلها مثل كثير ممن سبقها، أولت (آرشر) اهتمامًا خاصًا بالنظم التعليمية الوطنية الخاضعة لإشراف الحكومات. وقد عرّفت النظام التعليمي للدولة (ص 54) على النحو الآتي:

منظومة شاملة على مستوى الدولة، تتكوّن من مؤسسات تعليمية متمايزة مكرَّسة للتعليم النظامي، ويخضع إشرافها العام ورقابتها بدرجة ما للسلطة الحكومية، على أن ترتبط أجزاؤها وعملياتها بروابط تجعلها وحدة مترابطة.

كما أوضحت (آرشر) أنّ النظم التعليمية تُبنى حين تتجاوز مكوّناتها حالة التشتت وعدم الترابط بين مؤسسات متفرّقة أو شبكات قائمة بذاتها، لتنتظم في علاقات تجعل منها كيانًا موحّدًا. ومن حيث النطاق الجغرافي، ركّزت في تحليلها على الدنمارك وإنجلترا وفرنسا واليابان وروسيا، ملاحِظةً أنّ الدولة في هذه البلدان كانت تتحمّل المسؤولية التكوينية والتنظيمية والرقابية في ما يخص النظم التعليمية.

قد لا تقتصر إدارة النظم التعليمية على الدولة وحدها، إذ قد تنهض بها جهات أخرى مثل المؤسسات الدينية أو بعض الهيئات الأهلية، وسيعرض هذا الفصل نماذج توضّح ذلك. وتستطيع الدولة نفسها أن تدير أكثر من نظام تعليمي واحد، إلى جانب نظم فرعية تتداخل معه. وهنا يطرح سؤال منهجي يتعلّق بالتصنيف: هل تُعدّ هذه الترتيبات نظمًا مستقلة قائمة بذاتها أم نُظمًا فرعية تابعة لبناء أشمل؟ وغالبًا ما يكون الجواب محكومًا بقدر من الذاتية، وهو ما يكشف عن مزيد من التحديات المنهجية التي تجعل هذا الميدان خصبًا وشيّقًا للبحث.

ما الدافع إلى مقارنة النظم التعليمية؟

في كثير من الحالات، تتشابه المبررات الدافعة لمقارنة النظم مع تلك التي تحكم المقارنات بين وحدات أخرى، ولا سيما الوحدات المكانية. وحين تتعلّق المقارنات بالنظم التعليمية الوطنية تحديدًا، فإنّ الحجج المسوِّغة لها قد تبدو قريبة مما عرضته (مانزون) في الفصل السابق. فقد أشارت (مانزون) إلى دوافع تفسيرية وأخرى تحليلية سببية وراء إجراء المقارنات، ولفتت الانتباه إلى أعمال بعض العلماء الراسخين. وكان (بيرداي) أحد هؤلاء، واتسم نهجه بتركيزه الظاهري على النظم، بينما كان في الممارسة يقدّم رؤًى أشمل. فعندما كتب عام 1964 (ص 5) أنّ «الناس يدرسون النظم التعليمية الأجنبية لمجرد رغبتهم في المعرفة، لأنّ الإنسان سيظل دائمًا يتململ بحثًا عن التنوير»، كان في الواقع يقدّم تبريرًا للميدان بأسره، أي للتربية المقارنة، لا لمجرد دراسة النظم بحد ذاتها.

يظل التساؤل قائمًا: ما السبب وراء هذا التركيز الكبير على النظم التعليمية، وبالأخص النظم الوطنية؟ يمكن تفسير ذلك بأنّ الدولة القومية، منذ القرن التاسع عشر، أضحت الوحدة المركزية لتنظيم شؤون المجتمع والسياسة والاقتصاد. وتولّت الحكومات الوطنية أدوارًا متعاظمة في ميدان التعليم، الأمر الذي ساعد في إظهار الاختلافات بين نظم التعليم الوطنية. ومنذ بدايات القرن التاسع عشر ترسّخ النظر إلى التعليم باعتباره وسيلة لتقوية الدولة القومية، وقد بلغ هذا التقليد أوجَه في النصف الثاني من القرن العشرين. أمّا في الحقبة المعاصرة، فقد أدت قوى العولمة إلى تآكل هذه الرؤية (انظر مثلًا: ميتر 2004؛ سبرنغ 2009؛ مارينغ وآخرون 2013). ومع ذلك، لا تزال مؤسسات دولية عديدة تبني برامجها على أساس مفهوم الدولة القومية، وتُبقي على فكرة النظم التعليمية الوطنية وتعمل على تعزيزها (انظر مثلًا: مكتب اليونسكو الدولي للتربية 2000؛ البنك الآسيوي للتنمية 2001؛ اليونسكو 2011؛ أمانة الكومنولث 2012). كما أنّ إنتاجًا علميًا غزيرًا ما زال، بشكل مباشر أو غير مباشر، يدعم هذا التصوّر (مثلًا: آدامز 2004؛ فولهوتر وآخرون 2007؛ تيمه وآخرون 2012).

من أبرز الأسباب التي تدفع إلى دراسة النظم التعليمية تجنّب الوقوع في التصوّر المبسّط الذي يفترض أن الدولة الواحدة تعني نظامًا واحدًا. ويتحقق هذا الهدف حين يُنظر مثلًا إلى بلجيكا الناطقة بالفرنسية باعتبارها متميزة عن بلجيكا الناطقة بالفلمنكية، أو تُدرَس زنجبار منفصلة عن تنزانيا البرية، أو يُفصل إقليم كيبك في كندا عن مقاطعة أونتاريو. ويتجلى الغرض نفسه أيضًا في المقارنات بين المدارس الخاصة والعامة، أو بين المدارس الكاثوليكية والبروتستانتية، أو بين المدارس التقنية والمهنية والمدارس الأكاديمية التقليدية. بيد أن مساواة الدولة بالنظام التعليمي تعرض الباحث إلى خطر اعتماد منظور جامد، لأن الحدود الوطنية نادرًا ما تتغير. أما التحليلات التي تعنى بالنظم غير المحددة جغرافيًا، فهي أكثر قدرة على إظهار مرونة الحدود وقابليتها للتحول. ومن ثم فإن التركيز على النظم التعليمية قد يسهم، في سياقات معينة، في تقليص مخاطر التعميم المفرط والتبسيط الشديد، وفي الوقت نفسه يكشف عن أنماط دينامية للتغير.

نماذج توضيحية من الصين

يمكن توضيح بعض النقاط السابقة من خلال أمثلة عملية، إذ يركّز هذا الجزء على ثلاثة مكوّنات رئيسة من جمهورية الصين الشعبية هي البرّ الرئيسي للصين وهونغ كونغ وماكاو1. وتتميّز النظم التعليمية في كل من هذه المناطق بخصائص متباينة بوضوح، غير أنّ الفوارق لا تظهر فقط فيما بينها، بل كذلك داخل كل منطقة على حدة. ومن ثم فإنّ دراسة حالة الصين الشعبية تكشف عن إمكانات واسعة لإجراء مقارنات إرشادية متعدّدة داخل حدود دولة واحدة.

أنظمة التعليم في البر الرئيسي الصيني

يبلغ عدد سكان البرّ الرئيسي للصين نحو 1.3 مليار نسمة، منهم أكثر من 220 مليونًا يدرسون في المدارس والجامعات. وتضم البلاد 289 مدينة، من بينها 48 مدينة يتجاوز عدد سكان كل منها نصف مليون نسمة، فيما تبلغ المساحة الإجمالية 9.6 مليون كيلومتر مربع. ومنذ انطلاق الإصلاح التعليمي في منتصف ثمانينيات القرن العشرين عام 1985 شهدت الصين الرئيسية تحولات كبرى في مجال التعليم. وقد أشار تشينغ عام 1991 إلى أن النظام التعليمي في الصين يتسم بدرجة مدهشة من التجانس إذا ما قورن باتساع مساحتها الجغرافية وضخامة عدد سكانها، وكان هذا الطابع في الأساس ثمرة لأسلوب إداري شديد المركزية. غير أن الإصلاحات اللاحقة أدت إلى بروز تنوع متزايد، لا بين الأقاليم المختلفة فحسب، بل كذلك داخل كل إقليم على حدة، وهو ما أبرزته دراسات لاحقة لعدد من الباحثين مثل موك وغونغ وتسانغ وتشيي.

اتبعت الصين في كثير من أقاليمها، وعلى امتداد عقود طويلة، نظامًا تعليميًا متدرجًا يبدأ بست سنوات في المرحلة الابتدائية، تليها ثلاث سنوات للمرحلة الثانوية الدنيا، ثم ثلاث سنوات أخرى للثانوية العليا، وأربع سنوات للتعليم العالي، ليشكّل بذلك مسارًا تعليميًا واضح المعالم. ولم تسر جميع الأقاليم على النهج نفسه؛ فقد ظلّت بعض المناطق، حتى مطلع تسعينيات القرن العشرين، متمسكة بصيغ أخرى، مثل خمس سنوات للابتدائية وأربع للثانوية الدنيا، أو خمس سنوات للابتدائية وثلاث للثانوية، أو خمس سنوات للابتدائية وسنة انتقالية تعقبها ثلاث للثانوية، فضلًا عن نظام مدمج يمتد لتسع سنوات متصلة، وأنماط أخرى متعددة. وحين حلّ عام 2010 كان معظم أطفال المقاطعات قد التحقوا بمدارس ابتدائية مدتها ست سنوات، غير أن بعض الفوارق ظل قائمًا كما يوضحه الجدول 5.1. وقد أفرزت هذه البنى المتنوعة مناهج مختلفة وأدت إلى نتائج متباينة بين إقليم وآخر، مما أظهر أثر التعددية في صياغة المسار التعليمي. ورغم أن السياسات المركزية دفعت بوضوح في اتجاه توحيد الهياكل، فإن مظاهر التنوع لم تندثر، لأن الدولة حرصت في توجهها العام على ترك مساحة للامركزية، بما تحمله من مرونة وقدرة على مراعاة اختلاف الأقاليم وظروفها.

الجدول 5.1: توزيع التلاميذ على نظام المدارس الابتدائية ذي السنوات الست في عدد من المقاطعات والبلديات بالصين الرئيسية لعام 2010

محافظة/ بلدية

العدد الإجمالي من تلاميذ المرحلة الابتدائية

نسبة الطلاب في نظام تعليمي مدته 6 سنوات

محافظة/ بلدية

العدد الإجمالي من تلاميذ المرحلة الابتدائية

نسبة الطلاب في نظام تعليمي مدته 6 سنوات

بكين

653.225

99.99

تشينغهاي

518.992

98.06

فوجيان

2,388,917

100.00

شاندونغ

6,292,476

86.77

قويتشو

4,334,971

100.00

شنغهاي

701.578

12.25

هيلونغجيانغ

1,879,609

69.69

تيانجين

505.895

88.63

خنان

10,705,303

99.99

يونان

4,352,084

99.99

هوبى

3,655,512

99.99

شينجيانغ

1,935,789

99.99

هونان

4,791,601

100.00

بر الصين الرئيسي

99,407,043

99.78

المصدر: الصين (2011)، الصفحات 526 و534.

لم تقتصر الاختلافات على النظم التعليمية الكبرى، بل ظهرت أيضًا داخل النظم الفرعية. ففي مراحل سابقة عمدت السلطات إلى تصنيف بعض المؤسسات باعتبارها مدارس نموذجية، تمركز أغلبها في المدن وعواصم المقاطعات. وحظيت هذه المدارس بامتيازات واضحة، وضُم إليها أفضل التلاميذ والمعلمين والموارد المتاحة في نطاقها الجغرافي، انطلاقًا من منطق يرى أن تركيز الموارد في المتفوقين يتيح إعدادهم للالتحاق بالتعليم العالي. ولم يقتصر دور هذه المدارس على التدريس، بل غدت أيضًا مراكز لتدريب المعلمين أثناء الخدمة، ومنصات لتجريب المناهج الجديدة واستحداث الأساليب التعليمية. وبرغم أنّ نسبتها لم تتجاوز خمسة في المئة من مجموع المدارس، فإنها كانت المصدر الأكبر لمرشحي الجامعات في امتحان القبول الوطني المعروف بشدة تنافسيته. وفي مقابل ذلك، وضعت الحكومة المركزية نصب عينيها هدف تحقيق العدالة في التعليم الإلزامي، فجاء المخطط الوطني لإصلاح التعليم وتنميته للمدى المتوسط والطويل (2010–2020) ليؤكد على تقليص التمايز. غير أنّ وزارة التربية نفسها أقرت بأن إنهاء نظام المدارس المفتاحية في التعليم الابتدائي والثانوي سيستلزم وقتًا طويلًا وإجراءات متدرجة.

تجلّى التنوع كذلك في أسلوب التعامل مع التعليم الموجّه للقوميات الأقلية. فقد بلغت أعداد هذه القوميات الخمس والخمسين، وفق تقديرات عام 2010، نحو 105 ملايين نسمة، أي ما يعادل 8.6 في المئة من مجموع سكان البلاد. وأقرت السياسة الوطنية مبدأ التعليم الثنائي اللغة، داعية إلى الجمع بين لغات الأقليات المحلية واللغة الصينية المعيارية داخل النظام التعليمي. بيد أنّ تطبيق هذا المبدأ لم يكن متساويًا في جميع الأقاليم؛ إذ تفاوتت درجات الالتزام به من منطقة إلى أخرى. ومع ذلك، فإن لغات معظم الأقليات وجدت طريقها إلى المدارس الابتدائية على الأقل، بما يضمن لها حدًّا أدنى من الاستمرار في الحياة اليومية والتعليمية.

أدخلت المدارس الخاصة مظهرًا جديدًا من مظاهر التنوع في التعليم الصيني. فمع مطلع عام 2010 وصل عدد التلاميذ الملتحقين بالمدارس الابتدائية الخاصة إلى أكثر من خمسة ملايين وثلاثمئة ألف، أي ما يعادل قرابة 5.4 في المئة من مجموع تلاميذ الابتدائي في البلاد. وفي المرحلة الثانوية ارتفع العدد إلى نحو عشرة ملايين تلميذ يشكلون ما يقارب 9.8 في المئة من الإجمالي. ولعل هذه النسب لا تبدو مرتفعة إذا قورنت بحجم السكان الهائل، غير أنّ قيمتها الحقيقية تبرز عند التذكير بأن الصين لم تعرف وجود المدارس الخاصة أصلًا قبل ثلاثة عقود فقط. أما في التعليم الثانوي المهني فقد تجاوزت نسبة الملتحقين بالمدارس الخاصة تسعة في المئة، وهو ما يعكس حضورًا متزايدًا لهذا النمط من التعليم. وغالبًا ما أنشئت هذه المؤسسات في المدن الكبرى لتلبية طموحات أبناء الفئات الجديدة التي حققت ثراء سريعًا، في حين ظهرت أخرى في المناطق الريفية حيث فضّلت بعض الأسر البحث عن مناهج تختلف في توجهاتها ومضامينها عمّا هو متاح في التعليم الحكومي.

برزت سمات جديدة متنوعة في التعليم الصيني مع انتشار المدارس الدولية، ولا سيما في المدن الكبرى مثل بكين وشنغهاي، حيث ارتبط عدد منها بأنظمة تعليمية أجنبية. وبرغم أن حجم هذه المؤسسات لم يكن كبيرًا، فإن أهميتها كانت واضحة من حيث الاتجاهات التي مثّلتها. ففي عام 2012 مثلًا، ضمّت العاصمة بكين تسع عشرة شعبة دولية في ست عشرة مدرسة ثانوية عامة، إلى جانب خمس مدارس ثانوية دولية أُنشئت بالتعاون بين الصين ومؤسسات أجنبية، فضلًا عن عدد من الشعب الدولية التابعة لمدارس خاصة. ولم يقتصر هذا النمو على بكين، بل شهدت شنغهاي وأقاليم أخرى تطورات مماثلة. وتنوّعت مناهج هذه المدارس بين تلك التي تعتمد اللغة الإنجليزية، وتلك التي تركّز على لغات قومية لدول مثل اليابان وكوريا. وكل المؤشرات تدل على أن هذا التنويع مرشّح للتوسع الكبير في الأعوام القادمة.

النظم التعليمية في هونغ كونغ

تبدو هونغ كونغ ضئيلة الحجم إذا قيست بالبرّ الرئيسي الصيني؛ فعدد سكانها لا يتجاوز سبعة ملايين نسمة، ومساحتها لا تزيد على 1,071 كيلومترًا مربعًا. وقد خضعت جزيرة هونغ كونغ للسيطرة البريطانية عام 1842 حين أُعلنت مستعمرة، ثم جرى توسيع الإقليم بإضافة أجزاء من البرّ الرئيسي والجزر القريبة. وفي عام 1997 استعادتها الصين، غير أنّ هونغ كونغ احتفظت بقدر واسع من الحكم الذاتي باعتبارها منطقة إدارية خاصة، لها عملتها الخاصة ونظامها القانوني المستقل، وتشرف محليًا على قطاع التعليم. وبرغم وجود أطراف ريفية، فإن ملامحها العامة تبقى ملامح مجتمع حضري. ومن هذا المنطلق يصبح الأنسب في دراسات التربية المقارنة الداخلية أن يُوجَّه الاهتمام إلى اختلاف أنماط النظم المدرسية داخل هذا المجتمع الحضري، لا إلى نظم تخدم مناطق جغرافية بعينها.

شابهت هونغ كونغ البرّ الرئيسي للصين في كون غالبية مدارسها جزءًا من نظام تعليمي واحد يمتد على كامل الإقليم. غير أن بعض المدارس ظل خارج هذا الإطار، وحتى داخله ظهرت نظم فرعية متمايزة. ويبيّن الجدول 5.2 أنه في عام 2012/2013 لم تتجاوز المدارس الخاضعة للإدارة المباشرة من الحكومة 6.1 في المئة، بينما استحوذ القطاع المُعان على 72.2 في المئة من المدارس، وهو قطاع يخضع لرقابة واسعة ويُعد جزءًا من التعليم العام. ومع ذلك، فقد تبلورت داخل هذا القطاع "نظم داخل النظم"، مثل المدارس التي أدارتها الكنيسة الكاثوليكية وهيئات دينية وخيرية أخرى. وبرزت كذلك ثلاث مدارس عُرفت باسم caput، ارتبطت بالقطاع المُعان لكنها اعتمدت على منح حكومية تُصرف وفقًا لعدد التلاميذ، استنادًا إلى صيغة مالية وُضعت منذ عقود.

الجدول 5.2: هيئات التعليم الابتدائي والثانوي في هونغ كونغ، 2012/2013


ابتدائي

ثانوي

إجمالي

حكومي

34

32

66

مدعوم حكوميا

423

362

785

رأس مال (Caput)

0

3

3

نظام الدعم المباشر

21

61

82

خاص

50

32

82

دولي

41

29

70

الإجمالي

569

519

1.088

المصدر: هيئة التعليم في هونغ كونغ – www.edb.gov.hk

إلى جانب المدارس الحكومية والمدارس المعانة والمدارس شبه الخاصة المعروفة بالكابوت (Caput)، ظهرت فئتان إضافيتان من المدارس الخاصة التي اكتسبت أهمية خاصة في المشهد التعليمي. ففي عام 1991 أُنشئ برنامج الدعم المباشر (DSS) الذي فتح الباب أمام المدارس المعانة للتحوّل إلى مؤسسات خاصة مع احتفاظها بامتياز الحصول على منح حكومية تضمن استمرارية عملها، كما منح المدارس الخاصة فرصةً للحصول على دعم مالي من الدولة متى التزمت بالمعايير الأكاديمية والتنظيمية المفروضة عليها. وقد أدّى اختلاف البنية المالية والرقابية لبرنامج الدعم المباشر عن النظام التعليمي السائد إلى إيجاد ما يشبه النظام الموازي أو «النظام داخل النظام». وفي المقابل، فإن المدارس التي صُنّفت في الجدول 5.2 باعتبارها مدارس خاصة لم تتلقَّ منحًا تشغيلية متكررة من الحكومة، لكنها استفادت في بعض الحالات من تخصيص أراضٍ أو أشكال أخرى من المساندة، الأمر الذي أتاح لها مرونة أكبر في صياغة مناهجها التعليمية واتخاذ قراراتها التنظيمية على نحوٍ أكثر استقلالًا.

شكّلت المدارس الدولية الفئة الأخيرة في هذا التصنيف، وقد تنوّعت بدورها تنوّعًا واسعًا، إذ شملت في العام الدراسي 2011/2012 خمس عشرة مدرسة تابعة لمؤسسة المدارس الإنجليزية (ESF) التي جرى تنظيمها ضمن مجموعة تسعى في معظمها إلى اعتماد منهج البكالوريا الدولية باعتباره إطارها الأكاديمي الموحِّد، في حين اتجهت مدارس أخرى إلى استلهام المناهج الوطنية لدول مثل أستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا واليابان وكوريا والنرويج وسنغافورة (مكتب التعليم في هونغ كونغ 2012)، وبذلك أضحت بعض هذه المدارس بمثابة امتداد مباشر لأنظمة تعليمية أجنبية أخذت تعمل داخل هونغ كونغ وتفرض حضورها التربوي فيها (بري وياموتو 2003، ص 58–59؛ نغ 2012، ص 124).

قدّمت بعض المؤسسات التعليمية نموذجًا منهجيًا غنيًا حين جمعت في إطارها أكثر من نظام تعليمي، فجسّدت المدرسة الدولية الألمانية–السويسرية هذا التنوّع بإنشائها قسمًا يسير على المنهج الألماني وآخر يطبّق المنهج الإنجليزي، وسارت المدرسة الدولية الفرنسية في الاتجاه نفسه إذ انقسمت إلى قسم يتبع المنهج الفرنسي وقسم آخر يطبّق منهج البكالوريا الدولية، بينما احتوت المدرسة الدولية الكورية على قسم يعتمد المنهج الكوري وآخر يلتزم بالمنهج الإنجليزي. وأفضى هذا التعدد إلى اختلاف التوقعات المهنية المفروضة على المعلمين، كما انعكس على التلاميذ في المدرستين الفرنسية والكورية الذين تكبّدوا رسومًا متفاوتة بحسب القسم الذي ينتمون إليه، وبذلك أصبح من الممكن إجراء المقارنة بين النظم التعليمية داخل حدود هونغ كونغ العامة وحتى في صميم المؤسسة الواحدة.

أبرزت المؤسسات التعليمية داخل النظام السائد تمايزها من خلال لغة التدريس التي اعتمدتها، وأظهر هذا التمايز في الوقت نفسه أبعادًا تاريخية تكشف عن تطور مسار التعليم. فقد عرض الجدول 5.3 التصنيف الرسمي في منتصف تسعينيات القرن العشرين، حيث تميّزت المدارس الثانوية بين الأنجلو–صينية التي تولّت التدريس باللغة الإنجليزية باستثناء مادتي اللغة الصينية والتاريخ الصيني، والمدارس الصينية الوسطى التي اعتمدت اللغة الصينية في تدريسها مع استثناء مادة اللغة الإنجليزية. واتبعت المدارس الأنجلو–صينية نظامًا دراسيًا يقوم على 5+2، بينما التزمت المدارس الصينية الوسطى حتى مطلع التسعينيات بنظام 5+1. وأسست السلطات عام 1963 جامعة هونغ كونغ الصينية لتكون قمة هذا النظام وقدّمت برنامجًا أساسه أربع سنوات، في حين ظلّت جامعة هونغ كونغ تمثل في تلك الفترة قمة النظام الأنجلو–صيني ببرنامج دراسي مدته ثلاث سنوات.

الجدول 5.3: تصنيف المدارس الثانوية في هونغ كونغ وفق لغة التدريس، 1993/1994


الحكومة

الدعم

الخاص

الإجمالي

أنجلو–صيني

33

299

56

388

الصيني

2

14

7

23

الأنجلو صيني والصيني

3

5

4

12

الإنجليزي

1

5

15

21

أخرى

-

-

2

2

الإنجليزي وغيره

-

-

2

2

الإجمالي

39

323

86

448

ملاحظة: تشير هذه الأرقام إلى المدارس النهارية فقط.

المصدر: إدارة التعليم في هونغ كونغ (1993)، ص 55.

تلاشت مع مرور الوقت الحدود التي كانت تفصل بين المسارين اللغويين، إذ راحت أعداد متزايدة من المدارس الأنجلو–صينية تعلن أنها تعتمد الإنجليزية لغة للتدريس بغرض اجتذاب الطلاب، غير أنّ الواقع العملي في قاعات الدراسة فرض تدريس كثير من المواد باللغة الصينية. وبدأت الجامعة الصينية في هونغ كونغ تختار طلابها بشكل متزايد من المدارس الأنجلو–صينية إلى جانب المدارس الصينية الوسطى (لي 1993). وفي عام 1988 اتخذت الحكومة قرارين مهمّين: أولهما أن تكون ثلاث سنوات هي المدة الأساسية لبرامج الدراسة الجامعية في جميع المؤسسات، بما في ذلك الجامعة الصينية في هونغ كونغ، وثانيهما أن تلتزم المدارس الثانوية ضمن النظام العام بتطبيق نموذج 5+2. وهكذا، غدت الأنظمة الفرعية التي كانت تمثل هذين المسارين اللغويين أقل تميّزًا وأقل وضوحًا، وأصبحت تُشكّل إطارًا للمقارنة الداخلية في ميدان التربية المقارنة.

أدّت السياسات التعليمية في أواخر تسعينيات القرن العشرين إلى إحداث تمييز أوضح بين المدارس التي تعمل بلغات تدريس مختلفة. وفرضت السلطات، بعد عملية فرز دقيقة وصارمة، أن يُسمح فقط لـ 114 مدرسة ثانوية حكومية – أي ما يقارب ربع العدد الإجمالي – باستخدام الإنجليزية لغة للتدريس لطلاب دفعة 1998 وما تلاها. وأدّى تنفيذ هذه السياسة إلى انقسام جديد بين فئتين من المدارس محدّدتين بوضوح على أساس لغة التدريس، وهو ما أتاح إمكانية إجراء مقارنات مباشرة بينهما (اللجنة الدائمة لتعليم اللغة والبحث 2003؛ لجنة التعليم 2005).

أطلقت حكومة هونغ كونغ عام 2009 إصلاحًا جديدًا (هونغ كونغ 2011) غيّر هيكل النظام التعليمي من نموذج 6+5+2+3؛ أي ست سنوات في المرحلة الابتدائية، وخمس سنوات من التعليم الثانوي تنتهي بامتحانات شهادة الثانوية، وسنتين في المرحلة الثانوية العليا تنتهي بامتحانات المستوى المتقدّم، وثلاث سنوات للحصول على الدرجة الجامعية الأساسية. واستبدلت الحكومة هذا النموذج بآخر هو 6+3+3+4؛ أي ست سنوات ابتدائي، وثلاث سنوات ثانوي أدنى، وثلاث سنوات ثانوي أعلى، وأربع سنوات للدرجة الجامعية الأساسية. ومنحت هذه التغييرات الباحثين والممارسين فرصًا لإجراء مقارنات بنّاءة عبر الزمن، من خلال الموازنة بين النظام القديم والنظام الجديد.

وأصبح المجال اللغوي أكثر التباسًا مع تطوّر السياسات الحكومية. وألزمت الحكومة المدارس من عام 1997 حتى 2008 باتباع سياسة "التوجيه الصارم"، التي فرضت العمل وفق اختيارات لغوية دقيقة وفئات منفصلة. ثم أطلقت بعد ذلك مرحلة "التعديل الدقيق"، فأتاحت مجالًا أوسع للتساهل وأدّت إلى ظهور فئات لغوية أقل وضوحًا وأكثر غموضًا (موريس وآدمسون 2010، ص 152–154).

تُظهر الخلاصة أنّه رغم إمكانية النظر إلى نظام التعليم في هونغ كونغ باعتباره وحدة قائمة بذاتها، فإن الفحص الدقيق يبرهن على وجود تباينات ملحوظة في أساليب إدارة المدارس وفي محتوى المناهج. ولذلك يمكن القول إن هونغ كونغ تضم أنظمة متعدّدة داخل إطارها التعليمي، وأن هذه البُنى خضعت لتحولات كبيرة عبر الزمن.

النظم التعليمية في ماكاو

تبدو هونغ كونغ صغيرة مقارنةً بالصين القارية، لكن ماكاو أصغر حجمًا منها بكثير. إذ لا يتجاوز عدد سكانها 560 ألف نسمة، ولا تزيد مساحتها عن 28 كيلومترًا مربعًا. ومنذ منتصف تسعينيات القرن العشرين بذلت الحكومة جهودًا واضحة لتشييد نظام تعليمي لماكاو (ليُنج 2011؛ وانج 2011؛ ماكاو 2012أ). ومع ذلك استمر وجود تنوّع داخلي واسع.

يعود تاريخ ماكاو بوصفها وحدة متميّزة إلى عام 1557، حين حصل التجار البرتغاليون من السلطات الصينية على حق الاستيطان. وظلّت المنطقة تحت الإدارة البرتغالية حتى عام 1999، حين عادت السيادة إلى الصين. وقد جاء نموذج الانتقال مشابهًا لما جرى في هونغ كونغ، حيث تُعد ماكاو أيضًا منطقة إدارية خاصة تحتفظ بعملتها ونظامها القانوني وإدارتها للتعليم (براي وكو 2004).

لم تُولِ الإدارة الاستعمارية في ماكاو عناية جدّية بالتعليم قبل تسعينيات القرن الماضي. واكتفت بتسيير عدد قليل من المدارس التي اعتمدت المنهج البرتغالي، موجّهة بالدرجة الأولى لأبناء الموظفين البرتغاليين وأبناء الأسر المحلية ذات الصلة المباشرة بالبرتغال. ولم تَخدم هذه المدارس سوى أقل من 10% من السكان. واضطر باقي الأطفال إمّا إلى الالتحاق بمدارس خاصة أو إلى البقاء خارج النظام التعليمي. ولم يكن للحكومة أي دور في تمويل هذه المدارس الخاصة أو الإشراف عليها أو حتى متابعتها. وقد تولّت هيئات دينية إدارة جانب منها، بينما أنشأت منظمات للخدمات الاجتماعية وشركات تجارية مدارس أخرى (لاو 2009).

حدّد أحد الوثائق الرسمية (ماكاو 1989، ص 178) طريقة لتصنيف مدارس ماكاو، إذ ميّزت بين أربعة أنظمة تعليمية كما هو موضّح في الشكل 5.1. وحملت النماذج مسميات: البرتغالي، والأنجلوساكسوني، والصيني التقليدي، وجمهورية الصين الشعبية. غير أنّ هذه التسميات استندت إلى فهم جزئي ومشوّه للأنظمة في البلدان التي زُعم أنّ النماذج استُوردت منها. ويُعدّ ذلك بحد ذاته مثالًا على الحاجة إلى نشر معلومات أوضح حول تنوّع الأنظمة التعليمية داخل كل بلد. وكان وصف النموذج بالأنجلوساكسوني تسمية خاطئة، إذ استُورد النموذج من هونغ كونغ لا من المملكة المتحدة، ثم إنّ النموذج السائد في هونغ كونغ كان الأنجلو–صيني 5+2 لا النظام الصيني الأوسط 5+1. كما أنّ توصيف نموذج 6+5 بأنه نموذج لجمهورية الصين الشعبية لم يكن دقيقًا، لأن النموذج السائد فيها هو 6+3+3، ولم يكن أي من النماذج الأخرى 6+5. أما تسمية "الصيني التقليدي" فكانت تعود إلى نموذج مستورد من تايوان، مع بقاء أسباب اختيار هذا الوصف غير واضحة.

الشكل 5.1: النُظم التعليمية في ماكاو كما وردت في وثيقة رسمية عام 1989

Shape1

(*) كان لبعض المؤسسات في هذا النظام الصف الثاني عشر. يمكن اعتبار هذا عاما قبل جامعي

المصدر: ماكاو (1989، ص 178).

الشكل 5.2: النُظم التعليمية في ماكاو كما وردت في وثيقة رسمية عام 1993

Shape2

اتبعت بعض المدارس نظامًا يقوم على ست سنوات مقسّمة إلى ثلاث سنوات ثانوية دنيا وثلاث سنوات ثانوية عليا، في حين اعتمدت مدارس أخرى نظامًا ثانويًا من خمس سنوات. وقدّمت مجموعة من مدارس هذا النظام سنة إضافية (الفصل السادس) للطلاب الساعين إلى استكمال تعليمهم العالي.

المصدر: ماكاو (1993 أ)، ص 205.

عقب الاعتراف بمحدودية بعض جوانب التصنيف السابق وما أثاره من تساؤلات، لجأت منشورات رسمية صدرت لاحقًا (مثل ماكاو 1993أ) إلى اعتماد تصنيف جديد لثلاثة من الأنظمة التعليمية، على نحو أبسط وأكثر مباشرة، يقوم على أساس لغة التدريس (انظر الشكل 5.2). ومع ذلك لم يكن هذا التصنيف قائمًا على اللغة وحدها، إذ اعتُبرت المدارس اللوسو–صينية فئة مستقلة بحد ذاتها. وقد شغّلت الحكومة هذه المدارس في معظم برامجها باللغة الصينية، غير أنّها أولت في الوقت ذاته أهمية واضحة للبرتغالية باعتبارها لغة ثانية ينبغي إكسابها للطلاب. وامتاز النظام اللوسو–صيني ببنية مختلفة ومتمايزة عن المدارس الصينية اللغة من جهة، والمدارس البرتغالية اللغة من جهة أخرى، بما جعله نموذجًا وسطًا له خصوصيته. ويبيّن الجدول 5.4 عدد المدارس في تلك المرحلة وفق لغة التدريس، مظهرًا ملامح التوزيع اللغوي السائد آنذاك. فقد كانت الغالبية العظمى من المدارس الخاصة تعتمد الصينية لغةً للتعليم، بينما لم يتجاوز عدد المدارس الثانوية التي اعتمدت البرتغالية مدرستين فقط (استوعبتا 2% من الطلاب)، في حين بلغ عدد المدارس الثانوية التي استخدمت الإنجليزية سبع مدارس شكّلت نسبة 19% من إجمالي الطلاب. كما يبرز الجدول التحولات التي طرأت عبر العقود، والتي انعكست أولًا في تقليص عدد المدارس الابتدائية الصغيرة، وثانيًا في تراجع حضور البرتغالية تدريجيًا لصالح اللغتين الأخريين الأكثر انتشارًا.

الجدول 5.4: المدارس في ماكاو، حسب الملكية ووسيلة التدريس


ابتدائي

ثانوي


1992/93

2010/11

1992/93

2010/11

الحكومية

الصينية

6

1

1

4

البرتغالية

2

0

1

1

الخاصَّة

الصينية

55

18

24

24

البرتغالية

4

1

2

1

الإنجليزية

6

6

7

8

الإجمالي

73

26

35

38

ملاحظة: حُسبت المدارس التي تضم مرحلتين ابتدائية وثانوية كمؤسستين منفصلتين.

المصدر: ماكاو (1993 ب)، ص 2، ماكاو (2012 ب)، ص 70.

أظهر الجدول 5.4 تمييزًا واضحًا بين المدارس الحكومية والمدارس الخاصة من حيث الملكية والإدارة، غير أنّ المدارس الخاصة لم تكن كتلة واحدة متجانسة، بل تفرّعت إلى مجموعات متنوّعة. وبرز من بينها اتحاد المدارس الكاثوليكية الذي شكّل في أوائل تسعينيات القرن الماضي ما يقارب نصف المدارس الخاصة، قبل أن تتراجع نسبته قليلًا بحلول العقد الأول من الألفية الجديدة، وقد خضعت مؤسساته لإشراف مباشر من الأسقف مما منحها طابعًا أقرب إلى النظام المستقل. وفي العقد الثاني من الألفية برز تجمع أكبر حجمًا تمثّل في المدارس المرتبطة بجمعية المربّين الصينيين التي تمتّعت بعلاقة وثيقة مع حكومة البرّ الرئيسي للصين، واستمدّت توجهاتها من السياسات المتّبعة هناك (ليوونغ 2011، ص 173).

أظهر العقد الثاني من الألفية معيارًا إضافيًا لتجميع المدارس وتصنيفها، إذ ارتبط الأمر بانضمامها إلى برنامج التعليم المجاني الذي تبنّته الحكومة، وهو البرنامج الذي قدّم إعانات مالية مكّنت تلك المؤسسات من إتاحة التعليم بلا مقابل، في الوقت نفسه الذي فرض فيه تنظيمات دقيقة تحدّد الحد الأقصى لأعداد الطلاب داخل الصفوف الدراسية (ليوونغ 2011، ص 173؛ ماكاو 2012أ، ص 316). وأوضحت بيانات العام الدراسي 2010/2011 أنّ 82.8% من المدارس الخاصة التحقت بالفعل بهذا البرنامج وأصبحت جزءًا من منظومته.

لم تستطع سلطات ماكاو أن تُقيم نظامًا تعليميًا موحّدًا رغم الزيادة الكبيرة في التمويل الحكومي وما رافقها من تشريعات وضوابط جديدة، إذ وقفت القوى السياسية سدًّا أمام اعتماد امتحانات موحّدة على مستوى الإقليم. وأكّد ليوونغ (2011، ص 181) أن الدولة حين اندفعت في مسار الإصلاح، مثل إصلاح المناهج الدراسية، وجدت نفسها مكبّلة بقدرة محدودة على الفعل. وزاد الأمر تعقيدًا أنّ معظم المعلّمين تخرّجوا وتدرّبوا في الصين القارية أو في تايوان أو في هونغ كونغ، فجاؤوا بثقافات تربوية مستوردة من هناك، كما اعتمدت غالبية المدارس مناهج مدرسية أُعيدت صياغتها انطلاقًا من مواد تعليمية مستجلبة من تلك المناطق. وهكذا بدا أنّ الحكومة، وإن أنشأت ما يمكن وصفه بنظام تعليمي خاص بماكاو يصلح للمقارنة بالنظم السائدة في هونغ كونغ والصين القارية في الإطار الصيني العام، فإن مدارسها في العقد الثاني من الألفية ظلّت تُظهر تنوّعًا واسعًا يعبّر عن تعددية داخلية يصعب دمجها في نظام واحد.

مزيد من النماذج التوضيحية من المملكة المتحدة

أظهر التنوع التعليمي في المملكة المتحدة جذورًا تاريخية مختلفة وصورًا معاصرة مغايرة لما هو قائم في الصين، وهو ما يمنحه أهمية خاصة عند مقارنته بالتجربة الصينية. ويتضح ابتداءً أنّ المملكة المتحدة لم تعرف في أي مرحلة من تاريخها نظامًا تعليميًا واحدًا يغطّي أراضيها كافة، ولذلك كان عنوان مقالة (بوث 1985) المعنونة "المملكة المتحدة: نظام التعليم" عنوانًا مضلّلًا وبعيدًا عن الدقة. وتمتلك كل من إنجلترا وإيرلندا الشمالية واسكتلندا وويلز نظمًا تعليمية مستقلة، ويظهر في داخل كل واحدة من هذه المناطق قدر آخر من التنوع يعكس اختلاف الجماعات الدينية والاقتصادية والاجتماعية التي تخدمها تلك النظم. ومع ذلك، يركّز النقاش اللاحق أساسًا على النظم التعليمية المميّزة في كل بلد من بلدان المملكة المتحدة.

قدّم (راف 1999) وزملاؤه ورقة بحثية بالغة الفائدة في هذا الموضوع، أرست إطارًا اعتمد عليه باحثون مثل (بريساد 2007) وزملاؤه و(منتر 2009) وزملاؤه. واستعان (راف) وزملاؤه باستعارة من لعبة كرة القدم لتيسير تحليل التعليم (ص 9).

تشارك المملكة المتحدة في ميدان كرة القدم بأربع فرق وطنية مستقلّة، هي فرق إنجلترا واسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية، وقد عُرفت المباريات التي كانت تدور بينها في الماضي باسم "المباريات الدولية الداخلية". ويعكس هذا التمايز الرياضي صورة أوسع للحقل التعليمي، إذ إنّ كل دولة من هذه الدول الأربع تمتلك نظامًا خاصًا بها في التعليم والتدريب، ومن هنا تأتي هذه الورقة لتدافع عن فكرة عقد مقارنات "دولية داخلية" بين تلك النظم باعتبارها سبيلًا إلى فهم أعمق لتعددية التعليم داخل المملكة المتحدة.

لفت المؤلفون الانتباه إلى أنّ عددًا كبيرًا من الناس لا يميّزون بين النظم التعليمية الأربعة، بل يعتبر بعضهم أنّ هذه الفروق مجرد إزعاج لا يستحق عناء التفسير والتدقيق، ثم أكّدوا في الصفحة 10 أنّ:

انتقل عدد من الباحثين في تركيزهم بين إنجلترا وبريطانيا العظمى والمملكة المتحدة وفقًا للسياقات المؤسسية أو بحسب ما تتيحه البيانات من معطيات، وقدّم آخرون دراسات زعموا فيها أنهم يعالجون المملكة المتحدة بأسرها غير أنهم لم يتجاوزوا وصف إنجلترا وحدها، مكتفين بذكر اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية في هامش تقليدي. وتجاهل فريق ثالث الفروق تمامًا وتعامل مع إنجلترا وبريطانيا العظمى والمملكة المتحدة كأنها كيانات مترادفة بلا اختلاف.

أعطت الفروق القائمة بين النظم التعليمية في المملكة المتحدة انطباعًا لا يشي بوجود معضلة بقدر ما يفتح الباب أمام فرص بحثية جديدة، إذ شكّلت هذه الفروق ساحة للتحديات النظرية والتجريبية، كما أمدّت السياسات والممارسات التربوية بمصادر غنيّة يمكن الاستفادة منها.

امتدّت السياقات السياسية بجذورها إلى الماضي البعيد، لكنها شهدت في الوقت نفسه تطوّرات حديثة (بِل وجرانت 1977؛ جننغ وراف 2011؛ ريتشاردسون 2011). ودُمجت ويلز سياسيًا مع إنجلترا خلال القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي تطوّر فيها نظامها التعليمي، ونتيجة لذلك ظلّت الفروق بين التعليم الويلزي والتعليم الإنجليزي محدودة تاريخيًا. غير أنّ هذه النظم تباينت مع نهاية القرن العشرين، إذ نصّ المنهاج الوطني لويلز على إلزامية تدريس اللغة الويلزية في جميع المدارس المموّلة من الدولة، كما دعمت فروقًا أخرى في محاور المناهج بوجود هيئات منفصلة للامتحانات العامة وللإشراف العام على شؤون التعليم (غوراد 2000؛ بريساد وزملاؤه 2007).

احتفظ النظام التعليمي في اسكتلندا بهوية متميّزة ومستقلة على امتداد تاريخه الطويل (ماثيسون 2000؛ ريتشاردسون 2011)، على العكس من نظيره في إنجلترا وويلز. وبدأ فرض التعليم الإلزامي بموجب قانون صدر في القرن الخامس عشر، كما بدأ التعليم الاسكتلندي يتطور بوصفه نظامًا وطنيًا متميّزًا حتى قبل اتحاد اسكتلندا مع إنجلترا عام 1707. وفي الزمن المعاصر، يظهر التباين بوضوح في هيكل التعليم الثانوي الأعلى، حيث يؤدّي في اسكتلندا إلى امتحانات "هاير" التي تفتح الطريق أمام درجة جامعية أساسية تستمر أربع سنوات، في حين ينتهي التعليم الثانوي الأعلى في إنجلترا بامتحانات المستوى المتقدم (A-Level) التي تقود إلى درجة جامعية أساسية مدتها ثلاث سنوات فقط. ويختلف المشهد في اسكتلندا عن إنجلترا وويلز أيضًا من حيث عدم وجود منهاج وطني موحّد، إذ لم تصدر السلطات سوى خطوط توجيهية عامة من دون إلزام. وتشمل الفروق كذلك مدة التعليم الابتدائي، وآليات تفتيش المدارس، واللوائح المنظمة للحد الأقصى لأعداد التلاميذ داخل الصفوف، إلى جانب طبيعة الحوكمة المدرسية. وقد تعمّقت هذه الفوارق مع بداية القرن الحالي، حين أسهمت عمليات اللامركزية السياسية في تعزيز استقلالية التعليم الاسكتلندي (أندروز ومارتن 2010؛ أرنوت وأوزكا 2010).

شرعت أيرلندا في اعتماد نظام تعليمي منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أي في فترة مبكرة سبقت تطبيق مثل هذا النظام في أماكن أخرى، غير أنه جاء منقسمًا على أسس دينية (بِل وجرانت 1977، ص 47–51). ثم انفصل الجزء الأكبر من أيرلندا عن المملكة المتحدة عام 1920 ليصبح جمهورية مستقلة، في حين ظلّت أيرلندا الشمالية تابعة للمملكة المتحدة، فتباعد نظامها التعليمي عن نظام الجمهورية، واقترب شيئًا فشيئًا من نظامي التعليم في إنجلترا وويلز. ومع هذا التقارب، حافظت أيرلندا الشمالية على سمات مميّزة؛ إذ ظلّ التعليم الثانوي فيها انتقائيًا، بحيث يُوجَّه الطلاب نحو المدارس الثانوية النحوية أو المدارس الثانوية المتوسطة بحسب قدراتهم الأكاديمية. وفي المقابل، اعتمدت اسكتلندا وويلز نموذج المدارس الشاملة تقريبًا في جميع مدارسها الحكومية، بينما جاء المشهد في إنجلترا أكثر تنوعًا، إذ تُصنّف معظم المدارس على أنها شاملة بالاسم، لكن بعض المناطق احتفظت بالمدارس النحوية الانتقائية. وإلى جانب ذلك، تختلف أيرلندا الشمالية في لوائح الحوكمة المدرسية، التي صاغها تاريخها السياسي والديني بشكل عميق (دن 2000؛ ماغنِس 2012).

انبثقت فروق أخرى من طبيعة تفاعلات صانعي السياسات في أقاليم المملكة المتحدة مع بعضهم بعضًا من جهة، ومع مؤسسات وجهات عالمية من جهة أخرى. وقد لاحظ (جننغ وراف 2011، ص 254) أنّ المملكة المتحدة، على عكس النظم الفيدرالية أو شبه الفيدرالية، لا تمتلك آليات رسمية متينة تكفل تحقيق قدر من الاتساق أو حتى الوعي المتبادل بين صانعي السياسات في أقاليمها المختلفة. وأسهمت التغييرات المتكررة في بنية الحكومات والتبدلات السريعة في المسؤولين في الحد من تأثير الروابط الشخصية وغير الرسمية على التنسيق. وبيّن (غريك وأوزكا 2010) أنّ صانعي السياسات في اسكتلندا، بالمقارنة مع نظرائهم في إنجلترا، أبدوا انفتاحًا أوضح على تطورات الاتحاد الأوروبي، وتأثروا بها إلى حدٍّ أكبر.

استنادًا إلى ما حدّده (راف وزملاؤه 1999، ص 17–18) وتحديثًا لملاحظاتهم، يمكن صياغة الملخّص الآتي:

  1. كشفت النظم التعليمية في المملكة المتحدة عبر تاريخها عن درجة من الاعتماد المتبادل تفوق بكثير ما تشهده الدول القومية المنفصلة عادة. وقد جاءت هذه الروابط معقّدة ومتشابكة، ومع ذلك ظلّت الأقاليم الأربعة جزءًا من النظام السياسي الواحد، وبقي كل إقليم منها خاضعًا لقيود تفرضها عوامل مثل السياسة المالية للمملكة المتحدة وهيكل مؤسسات سوق العمل.

  2. غلبت أوجه التشابه على الاختلافات بين النظم الأربعة، فقد اشتركت جميعها في سمات أساسية تمثّلت في البنية المؤسسية العامة للمدارس والكليات، وفي هيكل الشهادات ووظائفها ومواعيد منحها، إضافةً إلى حجم التعليم العالي وبنيته والوظائف التي يضطلع بها.

  3. اختلفت مظاهر التباين باختلاف الأقاليم، فرغم مسار التباعد بين النظم، بقيت إنجلترا وويلز محتفظتين بقدر مهم من أوجه التشابه، بينما تميّزت اسكتلندا بأنها الأبعد عن غيرها والأكثر تمايزًا في ملامح نظامها التعليمي.

  4. مثّلت الفروق بين النظم في كثير من الجوانب تنويعات على موضوعات مشتركة، حيث أُدّيت وظائف متشابهة بطرائق مختلفة قليلًا، وقامت مؤسسات وهياكل متشابهة بأداء وظائف متباينة إلى حد ما. فعلى سبيل المثال، أدّت المدارس وكليات التعليم المستمر وظائف متقاربة في الأقاليم الأربعة، غير أنّ الفروق بينها تظل ذات دلالة.

  5. أظهرت العلاقات الاجتماعية والمضامين المجتمعية للتعليم والتدريب تباينًا محدودًا بين الأقاليم الأربعة للمملكة المتحدة مقارنة بما هو مألوف عادة بين الدول القومية المستقلة. واتضح أنّ الفوارق الثقافية الأكثر أهمية لا ترتبط بسلوك الأفراد، بل تتمحور حول السياسات التعليمية وما تحمله من أبعاد سياسية، وحول مسألة الهوية الوطنية وما تثيره من دلالات.

  6. أنتجت البُنى السياسية وضعًا يسمح للعلاقات بين النظم التعليمية الأربعة بأن تتبدّل في وقت قصير، فتنفتح أمامها إمكانات إيجاد أرضية مشتركة تعزّز التقارب، وفي الوقت نفسه تظلّ قائمة احتمالات السير في اتجاه مغاير يقود إلى تباعد أكبر في الأولويات وفي الأطر المؤسسية التي يقوم عليها كل نظام.

الاستنتاجات الختامية

برزت النظم التعليمية منذ زمن طويل بوصفها وحدة تحليل رئيسة في التربية المقارنة، وذلك على المستوى الظاهري على الأقل. غير أنّ التدقيق يكشف أنّ الباحثين نادرًا ما يعرّفون المقصود بالنظم، إذ مال الميدان إلى مساواة النظم بالدول، ولم تتناول إلا دراسات قليلة النظم دون الوطنية أو العابرة للحدود. وتتمثل إحدى الإشكالات في صعوبة تعريف النظم التعليمية أو رسم حدودها. غير أنّ هذا التحدي يمكن أن يتحوّل إلى فرصة، إذ يستطيع الباحثون دراسة تبعات التعريفات المختلفة والحدود المتباينة، كما يمكنهم تبيّن الكيفية التي تؤدي بها طرائق مختلفة في تصور النظم التعليمية إلى رؤى وفهم متباين.

بيّن هذا الفصل أنّ النظم التعليمية لا تُدرَك على نحو واحد، بل يمكن أن تتحدد وفق أشكال متعددة ومعايير متباينة، منها ما هو مكاني ومنها ما هو وظيفي. فالمعيار المكاني يركّز على النظم التي تُحدَّد على أساس جغرافي، مثل الصين القارية وهونغ كونغ وماكاو، أو مثل إنجلترا وإيرلندا الشمالية واسكتلندا وويلز. أما المعيار الوظيفي فيتمثل في النظم التي تقوم على مناهج خاصة أو ترتيبات إدارية بعينها، كما هو الحال في المدارس النموذجية بالصين القارية أو برنامج الدعم المباشر في هونغ كونغ. ويضاف إلى ذلك أنّ النظم قد تُعرَّف بحسب كونها عامة أو خاصة، أو بحسب السلطة الإدارية المشرفة عليها كالكنائس أو سائر الهيئات الراعية. وقد يجادل بعض الباحثين بأنّ هذه التصنيفات تعبّر في جوهرها عن نُظُم فرعية داخل كيانات أوسع، لا عن نُظُم مستقلة تعمل على قدم المساواة. وتبقى مثل هذه المسائل ذات قيمة في النقاش والبحث، إذ تساعد على فحص طبيعة الحدود المرسومة للنظم في سياقات وظروف زمنية محددة.

أتاحت المقارنة بين أشكال التنوع داخل حدود الدولة الواحدة للباحثين أن يتعرّفوا إلى عناصر تتقارب وأخرى تتباعد، وذلك رغم وجود أطر عامة شاملة تجمعها. وقدّمت هذه المقارنة منظورًا تحليليًا متميزًا يختلف عمّا تقدّمه المقارنات العابرة للدول، إذ تسلّط الضوء على أبعاد داخلية قد لا تُدرك في النهج التقليدي. وقد أولى هذا الفصل اهتمامًا خاصًا بالدراسات التي عُرفت باسم "المباريات الدولية الداخلية"، ومن أبرزها ما قدّمه (راف وآخرون 1999) و(بريساد وآخرون 2007) و(جننغ وراف 2011). وتكتسب المبادئ التي أرستها هذه الدراسات أهمية لا تقتصر على المملكة المتحدة، بل تمتد لتشمل الصين القارية وهونغ كونغ وماكاو، فضلًا عن كثير من الدول الأخرى التي قد تستفيد من هذا المدخل المقارن.

سجّل (راف وآخرون 1999، ص 22) ملاحظة أخرى ركّزت على الصعوبات العملية والاعتبارات التطبيقية المرتبطة بالقيام ببحوث مقارنة داخل الدولة الواحدة. وقد أوضحوا أنّ المملكة المتحدة تمثل حالة يمكن أن يُنفّذ فيها هذا النوع من البحوث بيسر أكبر وتكلفة أقل، وذلك لأن طبيعة العمل البحثي فيها تستند إلى:

تستمد البحوث المقارنة في المملكة المتحدة سهولتها من مجموعة من العوامل المترابطة، في مقدمتها وحدة اللغة التي تزيل عوائق التفاهم، والألفة الثقافية التي تقرّب بين الباحثين، والإطار الإداري المشترك الذي يسهّل العمل، ثم القرب الجغرافي الذي يختصر المسافات. ويؤدي ذلك إلى انخفاض تكاليف السفر وسهولة التواصل، الأمر الذي يجعل فرص التعاون بين الجامعات البريطانية والمعاهد البحثية، حيث تُدار البحوث وتُموَّل على أسس متشابهة، أوفر وأسهل بكثير من التعاون بين مؤسسات واقعة في دول قومية مختلفة تُدار شؤونها بطرق متباينة.

يمكن القول إن هذه الملاحظة تصلح للتطبيق على دول عديدة، منها تنزانيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من السياقات العالمية المتنوعة. غير أنّ (راف وآخرون) نبّهوا إلى ضرورة عدم المبالغة في هذا الاستنتاج، فقد وجدوا أنّ التوفيق بين الفروق في التصميم والتعريف لمسوح الفئات الشبابية في إنجلترا وويلز واسكتلندا وأيرلندا الشمالية لم يكن أقل صعوبة من بناء قاعدة بيانات مقارنة تضم أيرلندا وهولندا واسكتلندا معًا. بل إنّ المقارنات داخل الدولة الواحدة في البلدان الواسعة المساحة مثل الولايات المتحدة قد لا تقل تكلفة من حيث السفر والتواصل عن المقارنات الدولية بين دول متجاورة كالمجر وبولندا. وإضافة إلى ذلك، فإن ميزة الاعتماد على لغة واحدة في المملكة المتحدة تظل خاصة بها، إذ تغيب عندما يتعلق الأمر بمقارنة النظم التعليمية في بلجيكا بين المناطق الناطقة بالفلمنكية وتلك الناطقة بالفرنسية، أو في كندا بين مقاطعة كيبيك الناطقة بالفرنسية وأونتاريو الناطقة بالإنجليزية. وهكذا تُثير هذه الملاحظة سؤالًا مقارنًا إرشاديًا جديرًا بالاهتمام حول ما إذا كان تنفيذ بحوث مماثلة أيسر أو أعسر في بيئات وسياقات مختلفة.

يمكن دفع هذا النقاش خطوة إضافية عبر تصوّر مصفوفة منهجية تجمع بين الدراسات الداخلية والدراسات العابرة للدول. فمثلًا، نظرًا لأن كندا والكاميرون وفانواتو تملك جميعها نظمًا تعليمية أنغلوفونية وأخرى فرنكوفونية، فإن المجال يظل مفتوحًا أمام الباحثين لإجراء ثلاث دراسات منفصلة، كل واحدة منها تقتصر على بلد بعينه، كما يمكنهم في الوقت نفسه صياغة دراسة مقارنة موحّدة تضع الحالات الثلاث في إطار واحد. وبطريقة أخرى، إذا عُدّت اللغة عاملًا ثابتًا، فإن التنوع داخل كندا الأنغلوفونية يكشف عن أوجه شبه مع الولايات المتحدة وأستراليا، مما يسمح أيضًا بإنجاز دراسات منفردة إلى جانب دراسة مقارنة تجمع بين الحالات الثلاث على نحو متكامل.

تنفتح أمام الدراسات فوق الوطنية للنظم التعليمية أسئلة متعدّدة لا تزال بحاجة إلى بحث معمّق، خاصة مع تنامي تأثير قوى الإقليمية والعولمة وتوغّلها بصورة أوضح. وتبرز عملية بولونيا في التعليم العالي الأوروبي مثالًا دالًا، فقد شكّلت مجالًا خصبًا لبحوث مقارنة واسعة أفضت إلى بلورة مسارات نظرية ومفهومية جديدة (كُراج وآخرون 2012؛ كروسييه وبارفيفا 2013). وفي السياق نفسه، يمكن للدراسات أن تركّز على موضوعات مثل أثر الامتحانات فوق الوطنية، وعلى رأسها البكالوريا الدولية، التي تسهم في بناء نظم مدرسية عابرة للحدود تستند إلى المناهج الدراسية المشتركة (بونيل 2008؛ هايدن وتومبسون 2008). كما يمكن استكشاف دور اتفاقيات منظمة التجارة العالمية في تيسير انتشار وتشغيل النظم التعليمية للدول القوية والمؤثرة خارج حدودها الوطنية (تيلاك 2011؛ فيرجر وروبرتسون 2012).

تتعدّد أبعاد دراسة النظم التعليمية وتتنوّع مساراتها؛ فهي قد تنصرف إلى النظم الوطنية التي شكّلت تقليديًا مركز الاهتمام في التربية المقارنة، وقد تتجه أيضًا إلى النظم داخل الدولة الواحدة وإلى النظم العابرة للحدود. وتُظهر أقاليم صغيرة مثل ماكاو قدرتها على أن تكون تربة خصبة للدراسات التحليلية، كما تكشف بعض المدارس الدولية في هونغ كونغ عن إمكانية إجراء المقارنة على المستوى المؤسسي ذاته. وتتسع الموضوعات الجديرة بالبحث لتشمل دور الآليات التنظيمية وأثرها، وتوزيع السلطة، ووظائف الامتحانات الخارجية، والسياسات اللغوية، فضلًا عن الإيديولوجيات التي تصوغ التوجهات التعليمية. ورغم ما ينطوي عليه اتخاذ النظم وحدةً للتحليل من صعوبات وتعقيدات، فإن هذا المسار البحثي يظل قادرًا على أن يفتح آفاقًا مثمرة ويوفر معارف عميقة وإضاءات إرشادية بالغة القيمة.

1 يُذكر أنّ اسم هذه المنطقة يُكتب في الإنجليزية بصيغتين شائعتين هما Macau وMacao. فقد ظلّ الشكل الأول مستخدمًا على نطاق واسع لفترة طويلة، وهو ما يزال الشكل الرسمي المعتمد في اللغة البرتغالية. غير أنّ الحكومة قررت في عام 2000 أن يكون الشكل الرسمي في الإنجليزية هو Macao، وهو صيغة بديلة ظلّت متداولة منذ زمن بعيد. ويعتمد هذا الفصل تهجئة Macao باستثناء الحالات التي يقتضي فيها الأمر الاقتباس المباشر أو الإشارة إلى منشورات تستعمل تهجئة Macau.


الفصل السادس

مقارنة الأزمنة

يُطرح سؤال جوهري حول كيفية تقديم مدخل إلى مقارنة الأزمنة في ميدان التربية المقارنة يكون أعمق من مجرد إشارة عابرة، ويقتضي ذلك ابتداءً النظر في المفاهيم الأساسية المرتبطة بهذا الطرح، وبخاصة مفهوم "الزمن" وكيفية توظيفه في الميدان باعتباره وحدة للمقارنة.

الزمن

لا يجوز اختزال الزمن في وظيفته الفيزيائية الضيقة بوصفه عنصرًا مساعدًا على حساب السرعة، لأن هذا الفهم يُقصي مكوّناته الأساسية التي تشمل من جهة ترتيب الأحداث على نحو متسلسل، ومن جهة أخرى امتدادها عبر المدة الزمنية. وقد يبدو هذا التسلسل في ظاهره أمرًا ثابتًا لا يتبدل، غير أن النظر المتعمق يكشف أنه ليس كذلك، إذ إن التزامن أو الفورية أو التجارب الذاتية التي يخوضها الأفراد تجعل إدراك الأحداث وترتيبها مسألة نسبية وليست مطلقة. كذلك فإن عثرات الذاكرة أو الصرامة المفرطة في الاسترجاع قد تؤدي إلى صياغة سلاسل زمنية متباينة انطلاقًا من الوقائع نفسها، سواء أكان ذلك من قِبل أشخاص مختلفين أو من قبل شخص واحد يراجع ماضيه في أوقات مختلفة. ويُدرك الجميع تقريبًا أن المدة الزمنية، حتى حين تُقاس بأدق الأدوات، تُعاش بأوجه متعددة تبعًا لعوامل مثل الاهتمام الشخصي أو الانخراط العاطفي أو مشاعر البهجة أو الضجر. ولهذا، يمكن الاستنتاج — ولأسباب تختلف عن تلك التي عرضها (آينشتاين) أو (هوكينغ) — أن الزمن نسبيّ في طبيعته، وأنه ليس خطًا مستقلًا قائمًا بذاته منفصلًا عن المكان، بل هو بُعد من أبعاد الزمكان يحمل خصائص فيزيائية ووجودية في آن واحد. وفي عالم العولمة بما أتاحه من تواصل فوري تقريبًا، ومع ما فرضه من تشابك في المناطق الزمنية يواجهه الأفراد والمؤسسات، أصبح هذا التعقيد جزءًا من ملامح الواقع ما بعد الحداثي. ومن ثَمّ يبدو الزمن صالحًا على نحو خاص ليكون وحدة مناسبة للتأمل والمقارنة.

عند استخدام الزمن وحدةً للمقارنة يتضح فورًا أن ثمة أنماطًا متعددة ينبغي أخذها في الاعتبار، ومنها الزمن الفلكي والزمن البيولوجي والزمن الجيولوجي، إضافة إلى النوعين الأكثر أهمية في هذا الفصل، وهما الزمن الشخصي والزمن التاريخي. ورغم تزايد حضور الساعات والأدوات الدقيقة التي تضبط الإيقاع اليومي للحياة، يبقى الزمن الشخصي في جوانب أساسية أمرًا ذاتيًا نسبيًا. فقد يُنظر إليه نظرة شاملة باعتباره تعبيرًا عن النضج أو التقدّم في العمر، كما يمكن أن يُدرك بصورة جزئية ترتبط بالمواعيد والانضباط فيها، أو بمدة الدروس وتسلسلها، أو بتعدّد التقاويم التي تنظّم الحياة الاجتماعية والمهنية والأسرية والترفيهية، وما يرافقها من شعور بالانشغال أو بالركود.

ورغم أنّ من السهل النظر إلى الزمن التاريخي على أنّه المقابل المجتمعي أو الوطني للزمن الشخصي عند الفرد، فإن الأهمية التربوية الأعمق تنشأ من إدراك الروابط المتداخلة بين الزمنين الشخصي والتاريخي. ومن هذا المنطلق يتكوّن "الوعي التاريخي" حين يدرك الفرد نقطة التقاء زمنه الشخصي بالزمن التاريخي (روسن 1987؛ فون بورييس 1994). وفي إطار المقارنة الزمنية في بحوث التربية المقارنة، يتعيّن التذكير بأن بناء هذا الوعي التاريخي يقوم على نسج روابط متعددة، وبخاصة ما يتعلّق بإدراك الفرد لذاته وموقعه في مجرى الزمن التاريخي، إلى جانب تطوير مهارة "التزامن"، أي القدرة الإيجابية والخلاقة على رصد المفارقات الزمنية. أما على مستوى المقارنات الكلية، فإن ما أورده (كووين 2002، ص 416) بشأن أهمية الفوارق في "الزمن التنموي"، وكذلك ما طرحه (نوفوا) و(ياريف–ماشال 2003) حول تباين "الحاضرات"، يشكّل مساهمة بالغة القيمة. فالإقرار بإمكان وجود هذا التباين الثقافي والسياقي شرط جوهري لبناء مقارنات رصينة وذات صدقية.

كما أُشير في أكثر من موضع من هذا الفصل، فإن من المفيد أيضًا عقد المقارنة بين مفهوم الزمن في طابعه المجرّد والمعقّد بما يتضمنه من استعمالات متعددة، وبين معنى "الأزمنة" في دلالته الشائعة والأكثر ألفة، كما يظهر في تعبيرات متداولة مثل: "حياة فلان وأزمنته". وقد كان (بوب ديلان) أقرب إلى هذا المعنى الثاني عندما قال إن "الأزمنة تتغير". وبحسب ما طرحه (ديلان)، فإن الناس جميعًا – من الكتّاب والنقّاد إلى أعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس، مرورًا بالآباء والأمهات – عليهم أن يدركوا طبيعة الأزمنة المتقلبة، ولكل منهم ما يبرّر هذا الإدراك. ويمكن أن تضاف إلى هذه القائمة فئة الباحثين في ميدان التربية المقارنة، إذ قد يرغب كثير منهم في إجراء مقارنات بين فترتين أو أكثر من فترات أو مراحل التطور التعليمي في بلد واحد أو في أكثر من بلد، ومن ثم التوصل إلى استنتاجات مبدئية تتعلق بطبيعة تلك الفترات. وقد يتمتع بعضهم بالثقة الكافية لمحاولة تحديد "روح العصر" الخاصة بكل فترة أو حقبة زمنية. وفي مستويات بحثية أقل طموحًا، فإن مقارنة الأحداث والأفكار والاتجاهات داخل فترة بعينها أو عبر أكثر من فترة، تتيح للباحث أن يصوغ استنتاجات قائمة على حجج منطقية حول قضايا الاستمرارية والتغيّر والتطور.

قدّم (كووين 2002) في تركيزه على ما سماه "لحظات الزمن"، أي الوحدات الزمنية المتجمدة مجازًا في صورة ثابتة، رؤية تقيّد إدراك حركة الزمن وتتابعه وما يحمله من تسارع أو ركود، وربما نشأ هذا القيد من إصراره المتواصل على أن التربية المقارنة لا بد أن تنحصر في دراسة أكثر من نظام تعليمي واحد يرتبط عادة بأكثر من دولة قومية كما أوضح عام 2000، غير أنّ ميدان التربية المقارنة يتسع ليشمل تنوّع التصورات حول الأوضاع التعليمية الراهنة أو التطلعات المستقبلية، إلى جانب ما تحقق في الماضي من إنجازات تعليمية، وبذلك يصبح من الأجدى إلى جانب مفهوم "لحظات الزمن" ذي الطابع التجزيئي تبنّي مفهوم أرحب هو "مقارنة الأزمنة" لإبراز البعد التاريخي.

المناهج التاريخية في التربية المقارنة

يُقبل الباحثون في التربية المقارنة بين فترة وأخرى على إيقاف أعمالهم الروتينية ليتساءلوا عن مغزى هذا الميدان ومعناه، وغالبًا ما يتزامن ذلك مع مناسبات يُنظر إليها على أنها محطات فاصلة مثل العددين الخاصين بالألفية في مجلة التربية المقارنة (المجلد 36، العدد 3 لعام 2000، والمجلد 37، العدد 4 لعام 2001)، أو العدد المميز من مجلة قارن: دورية التربية المقارنة والدولية الذي صدر احتفاءً بمرور أربعين عامًا على تأسيسها (المجلد 40، العدد 6 لعام 2010)، وتكفي مثل هذه الإصدارات إلى جانب كتب مستقلة تناولت نظريات وأساليب بحوث التربية المقارنة مثل ما كتبه (بيرداي 1964) و(ألتباخ وكيللي 1986) و(كمنغز 1999) و(واتسون 2001) و(براي 2003) لإغناء الموضوع بحيث لا يقتضي الأمر هنا تفصيلًا مطولًا.

يرى الكاتب أن التربية المقارنة توصف أحيانًا بكونها "متسيبة" وفق تعبير (برودفوت 2003، ص 275) أو "موسومة بالانتقائية" كما أشار (نينس وبرنت 2003، ص 279)، فهي تحتضن بوجه ظاهر دراسات المنطقة والدراسات القائمة على العلوم الاجتماعية ودراسات التنمية والتخطيط، فضلًا عن صور هجينة شتى، غير أن بعض المتخصصين يميلون إلى ممارسة قدر أكبر من الإقصاء والتشدد مقارنة بغيرهم كما أبانت انتقادات (إبستين 1987) لعمل (فاريل) في تشيلي، ويقبل الكاتب كذلك بأن التربية المقارنة ارتبطت دومًا بتقاليد متعددة التخصصات تستحق التقدير، إذ يؤكد مع مجموعة من الأعلام مثل (نوا وإكشتاين 1998) و(برودفوت 2000) و(هوكينز ورست 2001) و(ويلسون 2003) أن الاعتراف بأهمية الرؤى التاريخية بين الباحثين والمنظرين في هذا الميدان هو جزء أصيل من مسيرته.

سجّلت الدراسات التاريخية في التربية المقارنة فترة من التوقف النسبي امتدت من أواخر خمسينيات القرن العشرين حتى تسعينياته كما أوضح (رست وزملاؤه 1999)، ويُفسَّر هذا التوقف أحيانًا بتحوّل الصيحات الفكرية الضيقة مثل صعود المناهج الوضعية في العلوم الاجتماعية منذ أواخر الخمسينيات، ثم بروز الطروحات الماركسية الجديدة في منتصف السبعينيات، وما أعقبها من انتشار الرؤى النيوليبرالية وما بعد الحداثية في الثمانينيات، كما يُفسَّر أحيانًا أخرى بعوامل أوسع تتجاوز الميدان نفسه مثل أثر إطلاق سبوتنيك، ونهاية الحرب الباردة، وتداعيات مرحلة ما بعد الاستعمار وخطاباتها، والثورة في التكنولوجيا الدقيقة وغيرها من التحولات.

شهد مطلع القرن دعوات متكررة إلى إعادة اكتشاف المناهج التاريخية في التربية المقارنة وإعادة ابتكارها وإعادة صياغتها مفهوميًا، فأكّد (واتسون 1998، ص 28) ضرورة أن يعيد الباحثون جذور هذا الميدان إلى التحليل التاريخي والثقافي بدلًا من الانشغال بالجدل حول قيمته ومبرراته، وذهب (كازاميس 2001، ص 447) إلى المطالبة باستعادة الإرث التاريخي الموشك على الاندثار في التربية المقارنة، لكن في إطار مناهج تاريخية مُعاد ابتكارها تستند إلى مفاهيم وتجريدات أو حتى نظريات تمنح الباحث أدوات للمقارنة والتفسير وفهم الظواهر التاريخية
(ص 446)، وفي الوقت الذي قد يتردد فيه بعض المقارنين والمؤرخين إزاء الإكثار من اللجوء إلى الصياغات القطعية في المقالة الجدلية التي نشرها (نوفوا وياريف–ماشال 2003)، فإن كثيرين ـ ومن بينهم كاتب هذه السطور ـ يقبلون بنتيجتها (ص 435) التي تفيد بأن:

تؤدي البحوث التاريخية دورًا محوريًا في ميدان التربية المقارنة، إذ تمكّن الدراسات المقارنة من تتبّع مسار تشكّل الأفكار وبناء المعرفة عبر الزمن والمكان، ويمكن تصور هذا الإطار النظري للدراسات المقارنة باعتباره عملية متعددة الأبعاد تُبنى فيها الدراسات على "تواريخ محلية" لكنها تستند في الوقت نفسه إلى قوى وروابط وأزمنة وأمكنة متداخلة، ويؤدي تلقّي هذه التواريخ في كل حاضر مختلف إلى إنتاج خطاب اجتماعي وثقافي وتربوي متفرد يرتبط بسياقه التاريخي.

قدّم (كووين 2000، ص 333) طرحًا يتسم بقدر من المرونة، فرأى أن البحث في تربويات مقارنة تتعلق بالماضي أو بالمستقبل لا ينبغي أن ينتهي بخاتمة حاسمة، بل يظل في جوهره حوارًا متواصلًا، ومن هذا المنطلق دعا إلى اعتماد صيغة الجمع "تربويات مقارنة" بدلًا من صيغة المفرد "تربية مقارنة" التي قد تُشعر بالانغلاق أو الحصرية. ولا يبدو أن هناك اعتراضًا جديًا على هذا الرأي، حتى وإن كان استخدام 'التربية المقارنة' بوصفها مفهومًا جامعًا قد يساعد على ترسيخ توجه انفتاحي يشبه ما يُنسب عادة إلى دراسات الأديان المقارنة. وفي محاولة للمشاركة في هذا الحوار، يمكن توصيف التربية المقارنة بأنها كل جهد يرمي إلى الكشف عن أوجه التشابه والاختلاف بين أشكال التعليم، سواء ارتبطت بالمكان أو بالزمن (سويتنغ 2001). ومن المفيد كذلك أن نتسع بالأفق لنستوعب البحوث التي تُنجَز في ميادين معرفية قريبة، وأن نثمّن الأعمال الدولية المؤثرة التي قدّمها باحثون لا يصنّفون أنفسهم ضمن جماعة المقارنين (إيفانز 2003، ص 418). ومن المرجّح أن يشمل ذلك بعض إسهامات علماء النفس الثقافي المقارن، واقتصاديي التربية، وعلماء الاجتماع التربوي، بل وحتى مؤرخي التربية (غرين 2002).

أبرزت دراسة أكثر صلة للموضوع كتبها (كووين 2002) أهمية هذا النقاش، إذ اختار مجلة تاريخ التربية منبرًا للتعليق على ما سمّاه "وحدة الأفكار" في التربية المقارنة، مع تركيز خاص على مفاهيم الزمن. وقد جادل، ولو ضمنيًا، بأنّ حقلَي تاريخ التربية والتربية المقارنة يرتبطان بعلاقة وثيقة ويتداخلان فيما بينهما. وأوضح صراحةً (ص 413) أنّ كلا الميدانين لم يُحسن التنظير لمفهوم الزمن، غير أنّه افترض أنّ الممارسة العملية تكشف عن حساسية مختلفة تجاه الزمن وعن استخدام متباين لمفاهيمه. وانطلاقًا من طرح (كووين)، جاء هذا الفصل، ضمن كتاب عن طرائق ونهج البحث في التربية المقارنة، ليعلّق بدوره على قضايا تؤثر في دراسة وكتابة تواريخ التربية، وكذلك على الأعمال الأكثر وعيًا بالتاريخ داخل الحقل المعترف به للتربية المقارنة. ويسعى الفصل إلى تعميق البحث في مفاهيم الزمن المتداولة فعليًا، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام احتمال أن يكمن الفرق بين الميدانين لا في طبيعة المفاهيم الزمنية التي يعتمدها كلٌّ منهما، بل في درجة التركيز عليها وأهمية حضورها في أعمالهما.

دراسات تاريخية في التربية

يقوم كل عمل تاريخي في أحد أبعاده على المقارنة، لأن معالجة الزمن وتسلسله وما يتصل بالاستمرارية والتحول لا تتحقق إلا من خلالها. ومع ذلك فإن بعض الكتابات التاريخية تحمل طابعًا مقارنًا أوضح من غيرها، كما أن بعض الحقب تُوصَف بأنها أكثر انتقالية من سواها.

الأنماط الغالبة في كتابة تاريخ التربية

عرفت تواريخ التربية هي الأخرى مسارًا تاريخيًا مميزًا (ألدريتش 1982؛ غوردون وسزريتر 1989؛ لوو 2000؛ بوبكوفيتز وآخرون 2001؛ غيذر 2003). وإذ لا يتوافر في هذا الموضع الحيز ولا الوقت ولا الدافع الكافي لإضافة جديدة إلى هذا الأدب، اكتفى الكاتب ببناء تصنيف قد يكون غير مكتمل للأنماط المختلفة. وقد تناول سبعة أنماط متباينة من تواريخ التربية، ساعيًا من خلالها إلى تقويم دورها وقيمتها في ميدان التربية المقارنة.

  1. جاءت فئة "عقائد كبار المربين" لتعيد صدى عنوان كتاب حظي يومًا بمكانة واسعة في القراءات التربوية (روسك 1969). ويقف هذا الاتجاه عند مفترق الفلسفة والتاريخ، حيث يركّز على صياغة عرض مكثف لـ"عقائد" عُدّت تأسيسية في الفكر التربوي، وغالبًا ما يُستدعى في هذا السياق أسماء (أفلاطون) و(أرسطو) و(كومنيوس) و(روسو) و(ديوي). وتميل الكتابات المنضوية تحت هذا الاتجاه إلى الاقتصار على النصوص أو إلى إعادة صياغتها في صورة شروح مقتضبة، فلا تنفتح إلا نادرًا على الأبعاد الأوسع المتصلة بالبنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وإن أضاف بعضها بيانات سيرية قصيرة عادةً ما تفتقر إلى النقد. ورغم أنّ هذه الأعمال لم تشكّل عنصرًا بارزًا في الأدبيات البحثية الحديثة للتربية المقارنة، فإنّ عودة بعض تأثيرها غدت ملموسة مع تزايد إقبال الأكاديميين على الاستشهاد بالأقوال التي تبلورت في إطار تيارات ما بعد البنيوية.

  2. التبجيل المؤسسي. تماثل هذه الفئة ما سبقها من حيث ضيق أفق معظم منشوراتها وافتقارها إلى النظرة النقدية، بل إنها قد تنزع في كثير من الأحيان إلى المحلية المحدودة. ويُعدّ من أبرز أقسامها الفرعية ذلك الذي يكرّس لإحياء مناسبات مثل الذكرى السنوية أو المئوية للمؤسسات التعليمية. ولا يتجاوز دور هذه الإصدارات، في أغلب الأحيان، أن تكون خزانًا لما قد يُتوقع من تواريخ دقيقة وأسماء أماكن وأشخاص وإحصاءات حضور، وربما مناهج رسمية، من دون أن تقدّم إسهامًا علميًا ملموسًا في مسار البحث المقارن أو في نتائجه. ومع ذلك فإنّ هذا لا يعني أنّ جميع تواريخ المؤسسات الفردية أو إصدارات الذكرى تندرج في هذا الإطار، إذ نجد استثناءات مشرّفة، من بينها ما صدر بمناسبة مرور مئة عام على إنشاء معهد التربية في جامعة لندن (ألدريتش 2002)، وكذلك ما أُنجز احتفاءً بمئوية جامعة هونغ كونغ (كونيتش 2012).

  3. الطروحات الجدلية. تباينت هذه الفئة عن الفئتين السابقتين بما تتسم به من نقدية حادة وصوت جدلي واضح، غير أنّ كثيرًا من أعمالها ينحصر في أفق ضيق، لا سيما تلك التي تنطلق أساسًا من الدفاع عن موقف سياسي أو فلسفي بعينه. ومن هنا فإن بعض الأعمال المتأثرة بالنظرية النقدية أو بدراسات ما بعد الاستعمار تبدو واقعة في أسر هذا الضيق والتحيز. وقد تصل بعض الكتابات إلى حد إساءة استخدام المناهج التاريخية حين تُخضع الشواهد القائمة لمتطلبات الحجة فحسب، فتعاملها بانتقائية مفرطة واستخفاف (كارنوي 1974؛ ماير وآخرون 1992؛ بينيكوك 1998). ومع ذلك فإنّ هذه الطروحات في جانبها الإيجابي قادرة على إثارة النقاش وإطلاق البحث عن أدلة تثبت أو تفند المزاعم المطروحة (غرين 1997؛ آبل 1999، 2000). وبفعل تأثير تيارات متعددة تشمل منظّري النقد ونظرية التبعية ونظرية النظم العالمية وما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة وما بعد البنيوية، غدت الرؤى التاريخية ذات الطابع الجدلي جزءًا لا يُستهان به من بحوث التربية المقارنة، وما تزال آثارها حاضرة بقوة.

  4. دراسات السياسات. تتقاطع هذه الفئة مع الطروحات الجدلية من حيث الموضوعات والاهتمامات، لكنها تتمايز عنها بقدر أكبر من الانضباط المنهجي وبتركيز أوضح على البحوث الموجهة التي تسعى إلى تقديم رؤى تاريخية معمّقة. وتضم هذه الفئة الأعمال الأكثر ارتباطًا بالسياسات التعليمية المباشرة. وقد تناولت بعض هذه الدراسات قضايا المركزية واللامركزية في الإدارة التعليمية (موك 2003؛ براي 2013)، فيما ركّزت أخرى على جوانب إدارية متنوعة (واتس 1998أ؛ لاو 2002)، كما ناقشت بعض الدراسات المفارقة الظاهرة بين مأسسة مهنة التعليم وتجريد المعلّمين من مهاراتهم (غينسبورغ 1995؛ كوو 2010؛ روبرتسون 2012). وفي ميدان المناهج الدراسية، تناولت بحوث أخرى سياسات تصميم المناهج وتنفيذها (موريس وآخرون 2001؛ بولتون 2002؛ غروسمان وآخرون 2008). كما لم يغب عن هذه الفئة بحث الآثار المترتبة على العولمة (موك وولش 2003؛ بيتش 2009؛ مارينغ وآخرون 2013). ومن الواضح أنّ مثل هذه الأعمال لا تقتصر أهميتها على إثراء البحوث المقارنة في التربية، بل إن معظم مؤلفيها أنفسهم يقرّون بانتمائهم المباشر إلى هذا الميدان.

  5. المختارات الأرشيفية وبدائلها. تشمل هذه الفئة أعمالًا تربوية ركّزت على الأرشيف، مثل الدراسات التي تناولت إنجلترا وويلز (ماكلور 1986)، أو الصين (فريزر 1965، 1971)، أو هونغ كونغ (سويتنغ 1990، 2004)، رغم أنّ بعضها تضمن مواد أخرى لا تندرج تحت الوثائق الأرشيفية الصرفة. وتتمثل أهميتها للباحثين في التربية المقارنة في كونها وسيلة عملية اختزالية للوصول إلى الأدلة التاريخية. غير أنّ هذه الأعمال قد تفقد قيمتها حين تُثقلها التعليقات التحريرية الطاغية، التي تظل في الغالب نصّية النزعة أو حتى معدِّلة للنصوص، الأمر الذي يصرف الباحث عن هدفه بدل أن يمدّه برؤى تاريخية معمّقة (بيكلي 2002). وتظهر البدائل الأرشيفية في مؤلفات قائمة على تشريعات بعينها (ماكولك 1994؛ جيننغز 1995). كما تتجسد في المعنى الأشمل في السرديات المبكرة للتطورات التاريخية، والتي صيغ معظمها بمنهجية علوية من الأعلى إلى الأسفل (كيرتس 1967؛ دنت 1970). ويظل دور هذه المؤلفات في البحوث المقارنة أقرب إلى دور "الكتاب المساعد" الذي لا يتجاوز حد المرجع المختصر.

  6. الإضافات النمطية. تمثل هذه الفئة أدنى مستويات الإفادة، إذ لا تتعدى كونها عبارات مقتضبة وسطحية يحرص بعض كتّاب التربية المقارنة على إدراجها كنوع من التحية الشكلية للبعد التاريخي. وتُقرأ هذه الجمل وكأنها مستلة من دفتر عبارات جاهزة طال استعماله وربما تناقلته الأيدي من مصادر ثانوية، مثل العبارة: "تأسست هونغ كونغ مستعمرة بريطانية عام 1842 ثم أُعيدت إلى السيادة الصينية عام 1997". وهي في الغالب محصورة في الشؤون السياسية الكلية أو في بيانات تعليمية ضيقة مستمدة من نهج علوي بيروقراطي، كالحديث عن تواريخ القوانين التعليمية والتقارير الرسمية. وفي بحوث التربية المقارنة، لا تضيف هذه الإشارات أكثر من الحد الأدنى، إذ تكاد تكون أفضل من الصمت لكنها لا تتجاوزه. وما تمنحه من فائدة لا يرقى إلا إلى تنوير القارئ الذي يفتقر كليًا إلى المعرفة بالسياق أو المكان أو الزمان محل النقاش، من دون أن تقدم له عمقًا أو أفقًا أوسع.

  7. التواريخ الاجتماعية. شهدت المكتبة التربوية تزايدًا ملحوظًا في الأعمال التي تنظر إلى التربية من خلال منظورها الاجتماعي (سيلفر 1977؛ آرتشر 1979؛ لوو 1988؛ أوربان 1999؛ كالواي 2002؛ فيجنر 2002). وتمثل هذه الفئة إضافة بالغة الأهمية للباحثين في التربية المقارنة، إذ لا تقتصر على تقديم روايات عن الأحداث التربوية، بل تفتح المجال لفهم معمق للأبعاد الثقافية وسائر السياقات الاجتماعية التي تحيط بالمدرسة والجامعة والمؤسسات التعليمية. ومن خلال هذه الرؤى يستطيع الباحث أن يجد ما يعينه على التخطيط المنهجي لبحثه، وأن يسترشد بها أثناء جمع البيانات ومعالجتها وتحليلها، وهو ما يجعلها من أكثر أشكال التأريخ قدرة على إغناء المعرفة المقارنة.

الاتجاهات النظرية الغالبة وتأثيرها في بحوث التربية المقارنة

أقرّ كثير من المؤرخين بما ذكره (كازاميس 2001، ص 446) من أنّهم إذا طُلب منهم أن يبيّنوا منطلقاتهم، فإن معظم زملائهم يعلنون تبنّي موقف لا نظري. بينما يذهب آخرون إلى وصف أنفسهم بالانتقائية، مؤكدين استعدادهم لتوظيف أي موقف نظري يرونه مناسبًا للموضوع الذي يدرسون أبعاده. غير أنّ المفارقة اللافتة تكمن في أنّ كلا الموقفين، سواء اللا نظرية التي تُفصح غالبًا عن احتقار للنقاش النظري أو الانتقائية، لا ينفصل عن كونه موقفًا نظريًا بحد ذاته. وهذا ما أكّد عليه (كازاميس) بتشديد بالغ، لافتًا النظر إلى أن التنصّل من النظرية أو الانتقاء منها لا يعفي من الاصطدام بها، بل يُعدّ شكلًا آخر من أشكالها:

لا يتسم معظم المؤرخين بالنزعة النظرية، في حين نجد أنّ غالبية المؤرخين المقارنين، ومن ثم غالبية مؤرخي التربية المقارنة، يلجؤون إلى توظيف رؤى نظرية يستعيرونها عادةً من ميادين علمية أخرى. وقد تتمثل هذه الرؤى في نظريات كبرى كالوظيفية أو الماركسية أو نظريات التحديث أو ما بعد الاستعمار، كما قد تتجلى في مفاهيم تحليلية ذات نطاق محدود أو أشمل، مثل الطبقة الاجتماعية أو الرأسمالية أو السلطة أو الصراع أو العنف أو إعادة الإنتاج أو التبعية أو الديمقراطية أو العولمة أو التنميط أو التجزئة أو مفهوم الهابيتوس. وتؤدي هذه الأطر دور العدسات أو الوسائط التي يعتمدها الباحث لاختيار مادته التاريخية وتنظيمها وتفسيرها، بحيث تمنحه زاوية نظر أعمق لفهم المعطيات وتفكيك دلالاتها.

اتجه عدد من مؤرخي التربية وباحثي التربية المقارنة الذين يوظّفون الرؤية التاريخية في أعمالهم إلى تبني مواقف نظرية متنوّعة خلال العقود الماضية، حافظوا عليها بدرجات متباينة من الاتساق والاستمرارية. وتبرز فيما يلي أبرز هذه المواقف كما أُعيدت صياغتها وتعديلها قليلًا استنادًا إلى القائمة التي طرحها (كازاميس):

  • الماركسية/النظرية النقدية (سيمون 1970؛ بولز وجنتس 1976؛ سيلفر 1977؛ آبل 2000). انطلق هذا التوجه من اعتبار الاقتصاد المحرّك الأعمق للسياسات التعليمية وممارساتها، وأعطى للطبقة الاجتماعية دورًا محوريًا في تفسير كيفية تشكّل القرارات التربوية وتوجيه الممارسة اليومية في المدارس والجامعات. غير أنّ هذا المنظور لم يخلُ من انتقادات، أبرزها ما يُقال عن نزوعه إلى الحتمية، إذ يُضفي على الظواهر طابعًا قدريًا يوحي بأنّ مساراتها لا يمكن أن تكون إلا على النحو الذي انتهت إليه.

  • نظرية التبعية/تحليل النظم العالمية (والرشتاين 1974؛ ماير وآخرون 1992). يلتقي هذان المنهجان في نقدهما الشديد لما يُعتبر هيمنة تمارسها الدول المتقدمة، ولا سيما دول الغرب والشمال، على ما يُعرف بـ"العالم النامي". ويُصوَّر هذا النفوذ في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والتربية على أنه شكل من أشكال السيطرة البنيوية التي تُضعف قدرة الدول النامية على رسم مساراتها الخاصة. غير أنّ هذا المنظور لم يخلُ من إشكالات، إذ بدا في بعض أطروحاته متعاليًا، وافترض خطأً أنّ مجرد التشابه في الألفاظ أو في أسماء المواد الدراسية يكشف عن نسخ آلي وتقليد أعمى يرقى إلى ما يشبه "عبادة البضائع"، متغافلًا عن الفوارق العميقة في السياقات والدلالات.

  • ما بعد البنيوية (بال 1994؛ بينيكوك 1998). اكتسب هذا الاتجاه الأكاديمي رواجًا لافتًا خلال العقود الأخيرة، وامتاز بقدرته على فتح الباب أمام تفكيكات ذاتية للسياسات والممارسات تكشف عن مواطن التناقض بينها وبين التصريحات التاريخية للنوايا، بل وتشجع على إبراز هذه المفارقات بصورة نقدية معمّقة. غير أنّ هذا المنظور لم يسلم من الانتقاد، إذ اعتُبر أنّ روابطه بالأدلة العلنية القابلة للتحقق تظل ضعيفة وهشة في أحيان كثيرة، مما يثير التساؤل حول صلابته المنهجية ومصداقية استنتاجاته.

  • ما بعد الحداثة (بوبكوفيتز 1994؛ لوو 1996؛ لارسِن 2009). انبثق هذا الاتجاه الفكري بوصفه قريبًا لما بعد البنيوية، وامتاز بمنحه أتباعه مرونة منهجية وحرية فكرية أوسع في تناول القضايا التعليمية والثقافية. وقد اعتُبر في نظرهم تصحيحًا ضروريًا للمنظور الحداثي الذي ارتكز على الخطية العقلانية وأُرسيت ملامحه في أوروبا مع عصر التنوير. ويتيح ما بعد الحداثة نهج متعدّد الأبعاد، ذات طابع انطباعي يلتقط تعقيدات الواقع وتشابكه، غير أنّه في المقابل يغفل في كثير من الأحيان الأطر التقليدية المفسّرة للدوافع والأسباب والنتائج. ويُعاب على بعض أنصاره أنّهم لم يطرحوا على أنفسهم سؤال إمكان ظهور "ما بعد–ما بعد الحداثة"، مما يجعل موقفهم، في حدّه الأدنى، لا تاريخيًا يعيد إنتاج المفارقة التي أرادوا أصلاً تجاوزها.

  • ما بعد الاستعمار (بنتون 1996؛ تيكلي 1999؛ شارما–برايمر 2009). يتخذ هذا الاتجاه من الاستعمار، وبالأخص آثاره السلبية وشروره، محورًا رئيسًا للتحليل والنقد. وتبرز أهميته في قدرته على دحض التصورات القديمة التي سوّقت لفكرة التفوق الثقافي أو العرقي المزعوم، كما يُحسب له أنه يلتفت إلى إمكان تَشكّل أنماط جديدة من الاستعمار الحديث تُمارَس بوسائل مختلفة يغلب عليها الطابع الاقتصادي. ومع ذلك، فإن هذا التوجه يشترك مع ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة في مخاطرة واضحة، إذ قد ينزلق بعض أتباعه إلى التركيز على الشعارات المرتبطة بالتصحيح السياسي أكثر من ارتكازهم على الأدلة التجريبية الموثوقة.

  • النسوية (سترومكويست 1990؛ واتس 1998ب). مثل هذا النهج رافعة فكرية ونقدية مهمتها فضح التحيزات الراسخة والكشف عن الممارسات التي طالما تم تجاهلها، فجاءت لتؤكد على ضرورة استحضار البعد الجندري بوصفه عنصرًا جوهريًا في فهم التربية وتحليلها. غير أنّ الحماسة التي أبداها بعض أنصار هذا الاتجاه تجاوزت في بعض الأحيان حدود المقبول، إذ بلغ بهم الأمر إلى المبالغة الشديدة أو حتى اختلاق صور من التمييز الذكوري أو استغلال النساء، في مواقف لم يكن للنوع الاجتماعي فيها موقع مركزي. وهنا برز النقد الذي يذكّر بوجوب التوازن بين الحماسة النقدية والالتزام بالأدلة التاريخية والموضوعية.

  • النيوليبرالية/الإدارة الجديدة (تاونسند 1996؛ رينولدز 1998). ارتكز هذا التوجه على استحضار الأدلة التاريخية لإبراز محاسن تقليص تدخل الدولة في شؤون التعليم، وتأكيد القيمة "الإيجابية" لقوى السوق حين تُطلق لتعيد تشكيل المؤسسات التعليمية. غير أنّ ما يكشفه هذا المنظور هو نزوع أنصاره إلى اعتماد تصورات شديدة الضيق لمفهوم "الفعالية"، سواء عند تقييم المدارس أو الحكم على أداء المعلّمين أو متابعة تحصيل الطلاب أو تقويم السياسات. وهكذا ينتهي بهم المطاف إلى التعامل مع التعليم كما لو كان سلعة تُسوّق وتُباع، لا تجربة إنسانية حيّة ولا لقاءً معرفيًا يكوّن الذات والفكر.

انصرف بعض الباحثين عمدًا، في أجزاء جوهرية من حياتهم الأكاديمية (فاريل 1986، ص 8؛ وانظر فاريل 2011، ص 65–69)، عن استخدام النظرية وتجنّبوها بإصرار، ليغدوا حالات مضادة لما طرحه كازامياس (1961، ص 90–96؛ 2001، ص 446) وما أشار إليه نوفوا وياريف–ماشال (2003، ص 430). وأوضح (مارتن 2003) أنّ النتائج التي أفضى إليها هذا التوجّه غير المؤطَّر نظريًا (فاريل 1986) تتقارب إلى حد بعيد مع ما توصّلت إليه النهج المشبعة بالنظرية (يانسن 1991). وبرغم ذلك، يظل من الصعب العثور على مؤرخ ينكر اعتماده في دراسته على مفاهيم كبرى مثل الطبقة، والرأسمالية، والسلطة، والصراع.

خصائص التحليل التاريخي المعاصر

انطوت الكتابات التاريخية الحديثة على جدل متكرر بشأن طبيعة التفسير التاريخي، وبالأخص فيما يتعلق بمسألة "القوانين الشاملة" (غاردينر 1961؛ روبرتس 1995؛ هاسكل 1998؛ فيتزر 2000؛ هاميلتون 2003). وعلى الرغم من أنّ المؤرخين غالبًا ما يتحفظون إزاء الطابع المرتبط بالعلوم الاجتماعية لهذه القوانين، فإن معظمهم يعترف باللجوء إلى تعميمات عامة، تتخذ شكل مفاهيم منظمة أو ما يُعرف بـ "التعميمات المغلقة". وبهذا فإن مفاهيم مثل "الطبقة" و"الرأسمالية" و"السلطة" تُعد إلى حد بعيد رهينة السياق التاريخي، تتبدل دلالاتها بحسب الزمان والمكان والظروف. وقد سلط عدد من الباحثين الضوء على هذه الجوانب: (سيمون 1970) ركّز على الطبقة، و(بولز وجنتس 1976) على الرأسمالية، و(سلفر 1977) على الرأي، و(غرين 1997) على الدولة، و(كارنوي 1974) على الاستعمار، و(غراي وآخرون 1983) على إعادة البناء، كما اهتم غيرهم بالسياسات التعليمية. ومن خلال هذه المساهمات، حظيت التربية المقارنة بإضاءة فكرية على التعميمات المغلقة التي يستخدمها المؤرخون، كما استفادت من اعتمادهم على أسلوب "الربط الموضوعي" (والش 1967)، وهو النهج الذي يسعى عبره المؤرخ إلى استخلاص دوافع أو أهداف أو دلالات مشتركة من أحداث متفرقة، وربطها ضمن حركة أو سياسة أو توجه. وتزداد متانة العلاقة بين بحوث التربية المقارنة وعلم التاريخ بفضل هذا الأسلوب، إذ يقوم أساسًا على المقارنة من خلال إدراج الأحداث في تسلسل مركّب واستنتاج المعاني منها.

تكشف الممارسات التي دأب المؤرخون على اتباعها عن قدرة واضحة على إنارة مجال الدراسات المقارنة في التربية، وذلك عبر اهتمامهم البالغ بالمصادر الأولية، بما فيها المصادر الشفوية التي يوليها مؤرخو القضايا الحديثة أهمية خاصة. فالمصادر الأولية هي تلك التي ظهرت في وقت الحدث وكانت نتاجًا مباشرًا له. ولهذا السبب يفضّل المؤرخون "مصادر العملية"، مثل شهادات الشهود والتقارير الحرفية والرسائل والمقابلات، على "مصادر المنتج" مثل القوانين الصادرة والتقارير النهائية. ومع ذلك فإن معظم المؤرخين المحدثين لا يكتفون بها منفردة، بل يتحققون منها عبر المضاهاة بمصادر أخرى مختلفة المنبت. كما أنّ المصدر لا يكتسب قيمة الدليل إلا إذا ارتبط بسؤال محدد يسعى الباحث للإجابة عنه. ولو جرى تبني مثل هذا النهج في التربية المقارنة لَتراجعت الدراسات التي تُغرق نفسها في الوصف والإحصاءات بلا جدوى واضحة. إذ إن غموض الهدف يؤدي إلى مقارنات وصفها (كمنجز 1999،
ص 43) بأنها "عديمة المعنى"، مثل تلك التي تلجأ إليها بعض الوكالات الدولية عند تقديم إحصاءات عامة عن مناطق مثل آسيا أو إفريقيا أو أمريكا اللاتينية، دون مراعاة التنوع الكبير داخلها. وعلى الجانب الآخر، قد تُظهر بعض الدراسات ضعفًا فكريًا ومنهجيًا حين تُساق بدوافع خارجية، كتأكيد موقف نظري أو براديغمي مسبق، وخاصة عندما تُستند إلى تعريفات غير مناسبة أو إلى انتقاء محدود للأدلة.

دأب المؤرخون على معالجة مصادرهم من مداخل مختلفة تسمح بتعدّد التفسيرات الممكنة، وعلى مقابلة هذه المصادر ببعضها البعض، الأمر الذي يدفعهم عادة إلى قبول فكرة التعدد السببي، وإلى الاطمئنان لفكرة وجود قراءات متعددة للحدث الواحد. وقد كتب (فاريل 1986، ص 8) عن دراسته الشخصية ما يؤكد هذا التوجه بقوله:

لا أزعم أنّ هناك تفسيرًا وحيدًا ذا مشروعية مطلقة للأحداث التي شهدتها تشيلي بين عامي 1970 و1973، ولا أؤمن أصلًا بإمكانية وجود مثل هذا التفسير. غير أنّ تعدّد التفسيرات يُعدّ مكسبًا في حد ذاته، إلا لأولئك الذين يظل فهمهم للواقع الاجتماعي ضيقًا وصلبًا إلى درجة تدفعهم إلى اعتبار أي انحراف عن "الحقيقة" التي يؤمنون بها ضربًا من الهرطقة التي لا بد من استئصالها.

لهذه الأسباب وغيرها تميل الأحكام التاريخية إلى التحفّظ والتردّد، ويتّسم المؤرخون بكثرة الجدل والنقاش. وهي سمات يجدر ببعض العاملين في مجال التربية المقارنة أن يتحلّوا بها، لكونها ملائمة على وجه الخصوص للتعامل مع ما وصفه (كينغ 2000، ص 273) بـ "عولمة كثير من مظاهر عدم اليقين".

وعلى الرغم من ميل المؤرخين إلى التحفظ في الأحكام والانخراط في الجدل، فإن اهتمامهم ينصرف أيضًا إلى قضايا جوهرية مثل منشأ الأحداث والحركات والأفكار، وآثارها، وقيمتها التأسيسية بعيدة المدى، وما تنطوي عليه من أهمية. ويقرّ كثير منهم بأن ما يبدو من عبارات حاسمة تصدر في "مصادر المنتج" الرسمية قد يتضح عند التدقيق أنه غير دقيق، أو ظالم، أو ناقص، وربما ينطوي على عزوٍ خاطئ للفعل أو لصانعيه. وهذه الخلاصة تصلح أن تكون عبرة لعدد من باحثي التربية المقارنة، إذ تدعوهم إلى النظر بعين أكثر ريبة إلى التصريحات التي تُصاغ بروح دعائية أو لأغراض العلاقات العامة.

وعند الانتقال إلى التحليل السببي، يعي المؤرخون في الغالب خطأ الاستدلال المعروف بـ post hoc ergo propter hoc، أي الزعم بأن تتابع حدثين يعني أن أحدهما سبب الآخر، في حين يصعب القول إن هذا الوعي حاضر بنفس القوة لدى بعض المقارنين. كما أنّ كثيرًا من المؤرخين يبدون حذرًا من التفسيرات الغائية التي تقوم على افتراض غاية نهائية أو قصد كلي موجه للتاريخ. وفي هذا السياق، فإن الباحثين في التربية المقارنة، ممن قد يُغريهم الانسياق وراء نظريات المؤامرة حول الحكومات الاستعمارية، سيكونون في حاجة إلى قدر من النزعة التشكيكية التاريخية، التي تتقوّى بالاعتماد على الأدلة الجزئية الدقيقة لا على تعميمات مبالغ فيها.

وتتجلى سمة أخرى من سمات التحليل التاريخي الحديث في ميل كثير من المؤرخين البارزين إلى تخطّي التصنيفات الجامدة، والبحث عن الترابطات التي تصل بين دراسات التعليم وبين الديناميات الأوسع في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة والدين. إلا أنّ هذا البعد يغيب أحيانًا في بعض الدراسات التاريخية للتربية أو في بحوث التربية المقارنة، حيث يظل التركيز منصبًا على الداخل: مؤسسات، شخصيات، منشورات، من دون إدراك لاحتمال أنّ النظريات والمناهج في التربية المقارنة قد صاغتها أيضًا عوامل خارجية. ومن ذلك مثلًا: الصيحات الأكاديمية في ميادين معرفية أخرى، والتحولات الاقتصادية، والتحسينات في أساليب الحياة، والاختراعات التقنية، والانقلابات السياسية، بل وحتى تبدل التصورات الكونية والمواقف من المرأة أو الطفل. وإنّ تعميم هذا الوعي وربطه بروابط محددة ومقنعة ينسجم مع مقولة (سادلر 1900) عن قيمة "الأشياء خارج المدارس". كما أنّه يسمح، كما سبقت الإشارة، بالمقارنة بين الأزمنة التعليمية وتقويماتها وبين أزمنة أخرى قد تكون مؤثرة أو متأثرة بها.

أساليب تحليل الأزمنة المقارنة

يساعد في هذا السياق تحديد شطرين رئيسين لهذه الاستراتيجيات: وحدات مناسبة لإجراء المقارنة، وهياكل ممكنة للمقارنة بين الأزمنة.

وحدات التحليل المقارَن

منذ البدايات الأولى للكتابات المنشورة في التربية المقارنة، شكّلت الدولة القومية الوحدة الرئيسة للمقارنة (ناكاجيما 1916؛ كاندل 1933)، وظلّت، كما يشير عدد من الباحثين (مثل كاون 2000، ص 336؛ نوفوا وياريف–ماشال 2003، ص 434)، بمثابة الوحدة الافتراضية للميدان. غير أنّ بعض الباحثين في السنوات الأخيرة (براي وتوماس 1995؛ سويتنغ 1999، ص 270؛ هوكينز ورَست 2001، ص 502) قد تساءلوا عن مدى ضرورة وقيمة الاستمرار في الاعتماد على هذه الوحدة الافتراضية. ويعكس هذا الكتاب بوضوح هذا التوجّه الجديد، إذ يبيّن أن البدائل عن الدولة القومية كوحدة للمقارنة لا تقتصر على الأبعاد المكانية مثل القارات والمناطق والمدن والمناطق الإدارية، بل يمكن أن تشمل أيضًا كيانات متصلة بالتربية مثل الثقافات والقيم والمناهج والسياسات وطرائق التعلّم. كما يمكن للدراسات المقارنة أن تركز على أنماط المدارس (مثل مدارس النحو، والمدارس المهنية، والمدارس الدولية)، أو على مدارس فردية، أو على طيف واسع من المجتمعات (مثل الأقليات القومية بعينها أو أحياء "تشاينا تاون")، أو على الكتب المدرسية وموارد التعليم والتعلّم الأخرى، وحتى على مؤسسات التعليم غير النظامي أو غير الرسمي.

هياكل مقارنة الأزمنة

يوظّف الباحثون في مقارناتهم للأزمنة ما لا يقل عن ثلاثة أنماط بنيوية مختلفة: التحليل التعاقبي، والتحليل التزامني، والتحليل شبه التزامني (سويتنغ 1993). ويتحدد الشكل الذي يختاره الباحث تبعًا، في جانب منه، لطبيعة الموضوع قيد البحث، كما يتأثر بأهداف المقارنة والغايات المرجوّة منها، وبالميول الشخصية للباحث نفسه.

يأتي التحليل التعاقبي في المقام الأول، وهو الأكثر شيوعًا في دراسات التاريخ التربوي كما في التواريخ العامة. ويرتكز هذا النمط على البنية الزمنية، حيث يتخذ السرد شكلًا رئيسيًا له. ومن أمثلته المعروفة أعمال (ألدريتش 2002) و(فاريل 1986). ومن الناحية المجازية يمكن النظر إلى هذه الدراسات على أنها بمثابة فيلم مكتمل. وأبرز ما يميز هذا النمط هو وضوحه الزمني، بما يسمح بإظهار الاستمرارية والتغير معًا، وتقديم صورة عامة شاملة. غير أنّ هذا النمط ليس بلا أخطار؛ فحين يسعى الباحث لتفادي رتابة السرد – التي تختزل الأسئلة في "وماذا بعد؟" – من خلال فرض حبكة أو تصميم قد يؤدي إلى عقلنة مفرطة وتشويه للواقع، عبر تصوير أناس الماضي وكأنهم قادرون على التنبؤ بالمستقبل أو على إدراك حاضرهم بوعي كامل. كما تنشأ خطورة أخرى من طبيعة السرد نفسه، إذ قد يتعارض مع الرؤية الشمولية لمختلف مستويات التعليم وأبعاده، ويدفع الكاتب إلى التركيز على الصورة الكلية فحسب، مع إهمال التفاصيل وانحصار النظر في المبادرات الفوقية.

يُجسّد التحليل التزامني نهج يلتقط اللحظات الزمنية كما لو كانت صورًا جامدة، وقد ارتبط في بعض الأحيان بالتوجهات البنيوية. ويُعد كتاب (نيمير) 1957 بنية السياسة عند اعتلاء جورج الثالث العرش من الدراسات الكلاسيكية التي اعتمدت هذا النمط. أما في البحوث التاريخية المتعلقة بالتربية، فيلجأ إليه الباحثون عند تناول تشريعات بعينها، أو عند المقارنة بين أوضاع سابقة وأخرى لاحقة كما هو الحال في دراسة (سويتنغ) 1993، ص 14–40. وعلى الصعيد النظري، يبدو أنّ تركيز (كوون) 2002 على "لحظات الزمن" يشجع هذا المنهج. وتتمثل أبرز مزاياه في إفساح المجال لعرض تفصيلي وتحليل معمّق، غير أنّ الخطر يكمن في أنّ ما جرى خلال الفترات الفاصلة بين اللحظات المختارة قد يتعرض للتقليل من قيمته أو التهميش بصورة غير مبررة، حتى عندما توضع لحظتان متناقضتان في مقارنة مباشرة.

يأتي الشكل الثالث تحت مسمى التحليل شبه التزامني أو شبه التعاقبي، وهو يضم مجموعة متنوعة من الصيغ المزدوجة، خصوصًا دراسات الحالة التي تُعنى بمتابعة حلقات سياسية محددة مثل ما أورده (تشينغ) 1987 و(سزه) 1990. ويمكن تصوير هذه الدراسات مجازًا وكأنها أفلام منزلية أو برامج تلفزيونية قصيرة. وتتمثل قوتها في قدرتها على المزج بين مزايا التحليلين السابقين، إذ تجمع بين الإحساس بالاستمرارية وبين الإمكانية لتناول التفاصيل الدقيقة المرتبطة بدراسة الحالة. غير أنّ ما يضعف هذا الشكل هو طبيعته المتجزأة وما يترتب على ذلك من أخطار إهمال جوانب رئيسية في مسار التطور التعليمي.

صعوبات في مقارنة الأزمنة

لن يكتمل هذا الفصل ما لم يُسلَّط الضوء على طبيعة المشكلات التي تواجه السعي إلى مقارنة الأزمنة، وهذه المشكلات تتجلى في ثلاث دوائر كبرى.

مشكلات المصادر

يواجه الباحثون أحيانًا صعوبات في الوصول إلى المصادر، وخصوصًا الأرشيفات الحكومية. غير أنّ المثابرة كثيرًا ما تؤدي إلى نتائج مثمرة، كما أنّ الجهود المبذولة في استعادة بدائل غالبًا ما تكون نافعة. ويُقال الشيء نفسه عن عدم اكتمال بعض المصادر، حيث يمكن أن تعوّضها مصادر بديلة أو مكمّلة مثل الشهادات الشفوية. ويتعيّن على الباحثين قليلي الخبرة أن يولوا اهتمامًا خاصًا لطبيعة المصادر التي يعتمدون عليها وتنوّعها، وألّا يرضوا سريعًا بالمصادر الأكثر وضوحًا التي غالبًا ما تكون رسمية أو وثائقية، بل أن يضيفوا إليها مصادر من قبيل الروايات الشفوية أو المواد الصُوَرية أو البيانات الإحصائية أو المذكرات الشخصية. وبهذا النهج يواجهون على نحو أفضل المشكلات المتعلقة بموثوقية الأدلة، خاصة باستخدام أساليب المضاهاة بين مصادر متعددة. كما أنّ إدخال هذا التنوع يوفر للقارئ بدائل أخف وقعًا من الصفحات النصية الطويلة المتكررة.

مشكلات التفسير

تتضاءل هذه المشكلات حين يُلجأ إلى أسلوب التحقق المتقاطع للأدلة، وهو منهج يتيح بدوره تفسيرات متعددة. غير أن بعض المشكلات التفسيرية الدقيقة تتعلق بمسألة إثبات الأصل، إذ لا بد من إدراك أن النسب الرسمي أو الشائع لأفكار أو قرارات معينة لا يعكس دائمًا الحقيقة كاملة أو بدقة. وينطبق هذا أيضًا على تحديد المسؤولية أو الفاعلية عند صياغة السياسات، وعلى تقدير النفوذ عند تنفيذها. فكثيرًا ما تُنسب الفاعلية إلى لجان أو مجالس لم تفعل شيئًا سوى المصادقة الشكلية على مقترح، وكثيرًا ما تكون التقارير الرسمية التي تتحدث عن تعميم سياسة مركزية واسعة التطبيق تقارير موجهة لذاتها ينبغي التدقيق فيها بمقارنتها بممارسات التنفيذ الواقعية. وينسحب هذا التحذير أيضًا على تفسير الإعلانات الرسمية المتعلقة بالأهداف، إذ ينبغي الوعي بأن التسلسل الذي يبدو منطقيًا بين الغاية والعملية والنتيجة قد يظهر في الواقع بشكل مغاير، فتُجرّب العمليات بشكل أولي، وتُقيَّم النتائج، وتُبنى الأهداف بأثر رجعي كما أوضح (سويتنغ 2002). وبالمثل، فإن استخدام مصادر متنوعة ومقارنتها يعزز دقة التفسير سواء فيما يخص الأصول أو الدلالات. ومن المفيد التأكيد على أن المؤرخين مدعوون إلى الاستفادة من امتياز الرؤية بأثر رجعي دون الوقوع في إساءة استعماله، في حين ينبغي لدارسي التربية المقارنة أن يتجنبوا "الحاضرية" التي أعيد إحياؤها في بعض أنماط الخطاب ما بعد البنيوي وما بعد الحداثي كما ذكر (لورينجر 1996) و(نوفوا وياريف–ماشال 2003، ص 430).

مشكلات التقسيم الزمني

تُعالج الفترات الزمنية في الكتابات التاريخية باعتبارها إنشاءات اصطناعية، سواء حُددت مباشرة بمفردات زمنية مثل "القرن العشرون" و"الستينيات"، أو بشكل غير مباشر مثل "العصر الفيكتوري" و"مرحلة إعادة البناء بعد الحرب" و"سنوات تاتشر"، أو بصورة ضمنية مثل "مرحلة التراجع" و"صعود النيوليبرالية والإدارة الجديدة". وقد وصفها (كينغ 2000، ص 267) بأنها مجرد أدوات تركيبية يوظفها المؤرخون وغيرهم لتسهيل عملية التوليف. وعندما يقوم الكتّاب بابتكار تسميات زمنية من هذا النوع، فإنهم يهدفون إلى تكثيف المعنى عبر عملية الربط الموضوعي، وبذلك يحوّلون السرد التاريخي إلى حبكة متكاملة أو إلى موضوعات محددة، كما أوضح (فورستر 1953).

تتضمن التحديات المرتبطة بالتأريخ الدوري قضايا متعددة، منها تحديد نقاط البداية والنهاية، واتخاذ قرارات حول المدة الزمنية الأنسب، إضافة إلى حاجة مؤرخ التربية إلى ربط هذا التأريخ بتاريخ آخر أوسع نطاقًا يشمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية وسياسية وإقليمية وعالمية، أي بيانات ورؤى تأتي من خارج التربية ومن داخلها على حد سواء بالنسبة للوحدة المقارنة موضع التحليل، كما أشار (فيليبس 1994، 2002). وقد استلهم المؤلف في دراسته للتعليم في هونغ كونغ بعض مفاهيم الفترات التي يستخدمها المؤرخون. وفي بعض المواضع مثلما جاء عند (سويتنغ 1998أ، 1998ب، 1999) اعتبر أنّ من المفيد النظر إلى التطورات المتتابعة في التعليم الجامعي لإعداد المعلمين على النحو التالي:

  • ما قبل التاريخ (قبل 1917، حين أُنشئ أول قسم جامعي)

  • التاريخ القديم (1917–1941، فترة تميزت بعضو هيئة تدريس واحد متفرغ، يساعده "أستاذ الطريقة" في المدارس)

  • العصور المظلمة (أواخر 1941–1951، من الغزو الياباني وإغلاق الجامعة إلى الترتيبات الخاصة بإعادة فتح القسم)

  • عصر النهضة (1951–حوالي 1976، من إعادة بعث القسم إلى أن حصل على استقلاله عن كلية الآداب)

  • الأزمنة الحديثة (حوالي 1976–حوالي 1998، مع ما اتسمت به من تكنولوجيا متقدمة وما تحمله من إيحاءات مستوحاة من أسلوب تشارلي شابلن)

قدّم (سويتنغ 2004) في عمل لاحق تصوّرات زمنية بديلة أقل قابلية للنقد بوصفها أورومركزية. وبعد النظر في مزايا وعيوب اعتماد فترات زمنية طويلة أو قصيرة لدراسة التطورات التعليمية في هونغ كونغ بين 1941 و2001، لجأ إلى التقسيم الزمني التالي:

  • المخاطر المهنية (و"العلاج؟") 1941–1945

  • إعادة الإعمار والتوسع والتحول 1945–1964

  • السياسة، وجماعات الضغط، والأوراق – في الطريق إلى الوصول الشامل 1965–1984

  • التخطيط لمستقبل أكثر يقينًا 1985–1997

  • مستقبل أكثر يقينًا – لذّات ومخاطر ما بعد الاستعمار 1997 حتى الألفية الجديدة

ومهما كانت مزايا أو عيوب العبارات التي استُخدمت في تسمية الفترات، فإن جميع الفترات، باستثناء الأولى والأخيرة، تتسم بميزة واضحة تتمثل في تقارب أطوالها الزمنية وفي ارتباط بدايتها ونهايتها بتواريخ بالغة الأهمية. وفي بعض الحالات، وخاصة الثانية والثالثة والرابعة، استندت أسس التأريخ الدوري إلى اعتبارات تربوية بالدرجة الأولى، بينما ارتبطت الفترة الأولى والأخيرة بعوامل أوسع نطاقًا كانت التربية جزءًا لا ينفصل عنها. وتمثل هذه الأمثلة تطبيقًا لتناول جوانب متعددة من التعليم في مجتمع واحد على امتداد فترة زمنية طويلة نسبيًا. وهناك تحديات ومكاسب أيضًا في مقارنة الفترات التطويرية بين أماكن مختلفة، كما أوضح (فيليبس 1994، ص 270؛ 2002، ص 372–374) في دراسته عن ألمانيا وإنجلترا بعد الحرب. وقد يعزز هذا الفهم من أن المقارنة تدخل في صميم عمل المؤرخ. ويتأكد ذلك على نحو خاص في ما يتعلق بعملية الربط الموضوعي، وبناء التسلسلات المتماسكة، ومناقشة التفسيرات البديلة واختبارها، وكذلك بالنسبة لمؤرخي التربية الذين يعنون بالنظر في المستويات المختلفة أو الأبعاد المتعددة للتعليم كما أشار (ويستلوند 2007).

الاستنتاجات

في ميدان التربية المقارنة، كما في غيره من المجالات، تتحدد القيمة الكبرى بالغاية المرجوة. فإذا اقتصر الهدف على القياس الكمي، فقد يُنظر إلى مقارنة الأزمنة على أنها ذات أهمية محدودة، غير أنّه حتى في هذه الحالات يمكن أن تكون مقارنة معدلات النمو أو التدهور عبر الزمن مثمرة. أما حين يكون الغرض من المقارنة التعرف على المراحل المنفصلة للتطور التعليمي، فإن مقارنة الأزمنة تمثل عنصرًا أساسيًا في صميم البحث.

يمكن أن تتجه الاستكشافات اللاحقة في موضوع مقارنة الأزمنة إلى مقارنة الأزمنة المفصلية، مع التركيز بوجه خاص على مفهوم (كاون) حول "الانتقالات" أو transitologies، وكذلك إلى دراسة ملاءمة توقيت مقارنة الأهمية، باعتبار ذلك علاجًا مضادًا لبعض القراءات ما بعد البنيوية وما بعد الحداثية، بل ولما تحمله أحيانًا من نزعة عولمية مبالغ فيها في تصوير النظم التعليمية. وتكتسب هذه الزاويتان أهمية خاصة في الحالات التي تتسم فيها مبادرات الإصلاح بغياب النظرة التاريخية. ومن هنا، فإن تبني منظور مقارن تاريخي متعمّد يقدّم التصحيح المطلوب. وعلى نحو أعم، فإن القيم الإيجابية التي تحملها الكتابة التاريخية، مثل إبراز البعد الإنساني والإنسانيات كما أكد (كازامياس 2001)، وتعزيز الدور الحاسم للسياق كما أشار (كروسلي 2009)، وتقديم بدائل عن "الهوس الكلّي" كما وصفه (سويتنغ 1989)، يمكن أن تغني ميدان التربية المقارنة. ويُعدّ هذا الفهم في النهاية المبرر الأسمى لأهمية مقارنة الأزمنة.

ملاحظة المحررين: النص الأساسي الذي كتبه الراحل (أنتوني سويتنغ) ما زال قائمًا في هذه الطبعة الثانية، وقد أضاف المحررون تحديثًا محدودًا لبعض المراجع.


الفصل السابع

مقارنة العِرق والطبقة الاجتماعية والنوع الاجتماعي

يقول (مارك ميسون) في هذا الكتاب (ص 253): "تحقق البحوث المقارنة في التربية أعظم قيمة ممكنة، ولا سيما من زاوية أخلاقية، عندما يحرص الباحثون منذ مرحلة بلورة مشروعاتهم على تحديد المحاور التي تُوزَّع وفقها المنافع التعليمية وغيرها بشكل غير متكافئ، ثم يعملون على تحليل موضوع الدراسة تبعًا لهذه المحاور".

يُعدّ العِرق والطبقة والنوع الاجتماعي من أبرز المحاور المؤثرة في إنتاج أوجه التفاوت التعليمي، إذ تمثل ثلاثة عناصر أساسية تحدد إمكانية وصول الأفراد إلى التعليم ومستوى إنجازهم داخل المجتمعات المختلفة. ومن هذا المنطلق فإن هذه العوامل الثلاثة تستحق في ميدان التربية المقارنة عناية أوفر مما يُخصص لها عادة. غير أنّ دلالات العِرق والطبقة والنوع الاجتماعي وتعريفاتها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. ونظرًا لكونها عوامل ذاتية متصلة بالهوية، وهي مفهوم متحوّل، فإنها لا تُدرس غالبًا على أنها قائمة بذاتها، بل يُنظر إليها باعتبارها مترابطة في أثرها على فرص الوصول والمساواة التعليمية. ويهدف هذا الفصل إلى بحث الكيفيات التي يمكن بها دراسة هذه العوامل الثلاثة في إطار بحوث التربية المقارنة.

العرق

حين تلتقي جماعات متباعدة جغرافيًا، فإن ملاحظاتها تنصرف في الغالب إلى إبراز الفوارق بينها وبين غيرها. وفي مثل هذه السياقات يشكّل العِرق والإثنية فئتين أساسيتين لفهم تلك الاختلافات، إلى جانب الثقافة التي جرت مناقشتها في هذا المجلد في الفصل الثامن. ويتناول هذا القسم دلالات مفهومي العِرق والإثنية والتحديات التي يطرحانها أمام بحوث التربية المقارنة.

العرق والإثنية: مفاهيم متغيرة

تشكلت التصنيفات العِرقية للجنس البشري في القرن السابع عشر كما ورد عند (كيفاك 2011)، حيث تركز الاهتمام على الفروق الجسدية والعقلية المزعومة بين الجماعات، وربط العِرق بمفهوم النوع الحيوي في إطار ما يُسمى بالعنصرية الجوهرانية، أي الاعتقاد بوجود فروق بيولوجية أساسية ونوعية بين الأعراق المختلفة كما أوضح (كينشلو وستاينبرغ 1997، ص 170). واستمر الأوروبيون الغربيون في القرون من السابع عشر حتى العشرين في اختبار هذه التصورات وتعريفها وإعادة صياغتها. ومع أن أبحاثهم بدت لهم دقيقة وموضوعية، إلا أنها ساعدت في تكريس معاملة غير عادلة للأفراد داخل المجتمعات وفيما بينها، لأن غالبية تصنيفاتهم العِرقية كانت ذات طبيعة هرمية كما أكد (كيفاك 2011). وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين برزت "الداروينية الاجتماعية"، التي قدّمت صورة للمجموعات العِرقية وكأنها تتطور معًا على أرضية واحدة، حيث يتقدم "البيض" على المجموعات "السود" و"الحمر" و"الصفر" و"السمر". وأدت هذه العدسات العِرقية إلى أحداث مأساوية في مختلف أنحاء العالم، من قوانين (جيم كرو) وسياسات تحسين النسل في الولايات المتحدة، إلى المحرقة في ألمانيا، ثم الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

تظهر بين الحين والآخر مسألة إعادة إحياء "علم العِرق". ففي عام 2006 مثلًا صادقت إدارة الغذاء والدواء في الولايات المتحدة على دواء "مخصص للأفارقة الأميركيين"، الأمر الذي عزز الاعتقاد بالعِرق البيولوجي كما أشار (تاكيزاوا 2011، ص 13). غير أنّ الاتجاه الغالب في العلوم الاجتماعية منذ منتصف القرن العشرين هو اعتبار العِرق بناءً اجتماعيًا أكثر من كونه خاصية بيولوجية. وإذا نظرنا إليه من زاوية تاريخية وثقافية مقارنة فسوف يكون من الصعب إنكار أنه بناء اجتماعي، نظرًا لتنوع تعريفاته عبر الأزمنة والمجتمعات. ففي تاريخ الولايات المتحدة المبكر كان يكفي أن يحمل الفرد "قطرة واحدة" من "دم أسود" ليُعتبر "أسود" أو "مُلَوَّنًا". بينما في جنوب إفريقيا أثناء الفصل العنصري كان السواد يُحدَّد حصرًا، وكان وجود "قطرة واحدة" من "دم أبيض" أو أي مظهر "أبيض" يؤدي إلى تصنيف الشخص على أنه "مُلَوَّن" لا "أسود". وفي فترات مبكرة وصف الأوروبيون الآسيويين بأنهم "بيض مثلنا"، ثم صاروا يوصفون بـ"الصفر" فقط بعد أن شاع استعمال التصنيفات العِرقية في أواخر القرن السابع عشر كما أوضح (كيفاك 2011).

في هذا السياق يذهب بعض الباحثين إلى أنّ العِرق لم يعد جديرًا بأن يُعامل باعتباره فئة بحثية رئيسة، ولا سيما في العلوم الاجتماعية، أو أنّ على الباحثين أن يسعوا إلى ما يُسمى "عمى الألوان"، أي تجاهل الفوارق العِرقية عمدًا. وقد عبّر (رافيتش 1990، ص 342) عن هذا الموقف بقوله:

لا يدّعي أي عالم جاد أنّ الأوروبيين والأميركيين البيض جميعًا يندرجون في ثقافة واحدة، أو أنّ الآسيويين على اختلافهم يشكّلون ثقافة واحدة. فالتصنيف الذي يتسم بهذا القدر من التعميم يفتقر في جوهره إلى المعنى وإلى الجدوى.

نظرًا لأن الهوية الفردية متغيّرة وتتأثر بعوامل عديدة تتجاوز العِرق، مثل النوع الاجتماعي والدين بل وحتى الطول والوزن، فإن بعضهم يجد التفكير المرتبط بالعِرق أمرًا غير مرغوب فيه بل ومثيرًا للاشمئزاز. وفي هذا السياق لاحظ (أومي ووينانت 1993، ص 7) أنّ "المحافظين هم الذين يجادلون بأن العِرق وهم"، مع أنّ بعض ممثلي التيار اليساري بدورهم يعترضون على توظيف التفكير العِرقي في الدفاع عن الجماعات أو تمكينها، كما في برامج التمييز الإيجابي للأميركيين الأفارقة، وهو ما أشار إليه (بارخ 2000) و(ماكارثي 2003).

يجادل بعض الباحثين بأنّ العِرق ما زال يحتفظ بفاعلية في تشكيل الفرص الفردية، رغم إدراك طبيعته الاجتماعية البنائية. ويوضح منظّرو العِرق النقدي أنّ العنصرية المؤسسية تشكل حاجزًا يحول دون تحقيق المساواة والعدالة في مختلف المجتمعات، حتى في الحالات التي تكون فيها العنصرية الجوهرانية بين الأفراد نادرة. وهم يقرون بأن للعِرق "أهمية متواصلة ومعنى متغيرًا" في حياة البشر، كما بيّن (أومي ووينانت 1993، ص 7). كما يوجد نوع من التأثير الشبكي، وفق ما سجّله (كينشلو وستاينبرغ 1997، ص 174):

تطوّر معظم المؤسسات ممارسات ثقافية غير رسمية يكتسبها أعضاؤها بالتدريج. وتتنوع هذه الثقافات المؤسسية في أنماط تعبيرها وخصوصيتها باختلاف كل منظمة، غير أنّها تميل في الغالب إلى التمركز حول خبرات البيض وقيمهم. فالمؤسسة "تفكر" وتدير أعمالها بما يعكس الثقافة المهيمنة البيضاء. ويُنظر إلى الأشخاص البيض، بحكم خبراتهم الثقافية، على أنهم أكثر انسجامًا مع هذه الثقافة المؤسسية، مع أنّ قضايا الطبقة والنوع الاجتماعي تؤثر بدورها في تحديد معايير "الملاءمة".

يشير بعض المفكرين إلى ما يسمّى "امتيازات خفية" من الامتيازات التي يتمتع بها من يُحسبون بيضًا في المجتمع، وهي منافع يحصلون عليها لمجرد الانتماء العِرقي رغم وجود مساواة قانونية من حيث الشكل. وقد عدّدت (ماكينتوش 1990) العديد من المواقف اليومية التي نادرًا ما يتعرض لها البيض، مثل التحرش عند التسوق لشراء المجوهرات، أو صعوبة العثور على ضمادات طبية تناسب لون البشرة. وتوضح التجارب الشخصية كما في (هوكس 1994) و(لادسون–بيلينغز 1998)، والدراسات التحليلية للتمثيلات كما في (ماكارثي 2003) و(تاكيزاوا 2011)، فضلًا عن البيانات الإحصائية كما لدى (هاكر 2003)، أنّ العِرق يشكّل أثرًا مباشرًا في تجارب الأفراد وفرصهم منذ لحظة الميلاد. وهو ما يؤدي إلى معاملة غير عادلة في مجالات متعددة من الحياة الاجتماعية، ويؤكد أن العِرق يبقى عاملًا جوهريًا في تكريس عدم المساواة، بالرغم من طبيعته الاجتماعية البنائية والمتغيرة.

في السياقات التي يبدو أنّ العنصرية المؤسسية قد حلّت محل العنصرية الفردية، وصف (ليوناردو 2004، ص 125) العنصرية ما بعد الحداثية بأنها شعور بعدم الارتياح والعجز لدى البيض عن التعامل مع الحدود العِرقية، نظرًا لـ"فهمهم المجزأ للعالم كما هو مكوَّن عِرقيًا". وقد أشار إلى هذا أيضًا (جاكسون 2009).

كما عرضت (فوستر 1999) فكرة "العنصرية المعرفية" في ميدان البحث التربوي، مبينة أنها تنشأ من حقيقة أنّ "العلوم الاجتماعية والسلوكية التي اعتمد عليها البحث التربوي عبر تاريخه كانت متجذّرة في علم النفس، وهو اختصاص قام بقياس الأشخاص الملوّنين والنساء وأفراد الطبقة العاملة بالاحتكام إلى معيار الرجل الأبيض في الطبقة الوسطى" (ص 78–79). ومن وجهة نظرها فإن هذه العنصرية المعرفية ما تزال تثقل كاهل أبحاث العلوم الاجتماعية المعاصرة، وتجعل الباحثين الملوّنين مضطرين دومًا للدفاع عن نهجهم، بينما تؤدي آثار الشبكات والعوامل المساندة لها إلى الحد من وجودهم في الوسط الجامعي بصفة عامة.

في ضوء هذا الإرث التاريخي المليء بالتوتر وبسبب الطابع المثير للجدل لسياسات الهوية، يغدو خطاب العِرق من الموضوعات المحظورة في أماكن معينة. وهو ما سجّله (هولنغر 2005، ص 225–226):

يقرّ أغلب العلماء بأنّ الأعراق لم تعد قائمة بالمعنى القديم الذي اعتُمد طويلاً، حيث اعتُبرت كيانات بيولوجية تمتلك إمكانات متفاوتة جذريًا في الذكاء والسلوك الاجتماعي، وتُستَخدم لتبرير التمييز ضد ما سُمّي بالأعراق الأدنى. وهم يقرّون أيضًا بأنّ عملية "التعرّق"، أي معاملة البشر معاملة مختلفة وفقًا لما يُعتقد أنه دلائل نسبهم، لا تزال ظاهرة واسعة. لكن الجدل قائم: فهناك من يرى أنّه يجوز وصف هذه المجموعات بأنها "عرق"، وهناك من يرى العكس، معتبرًا أن الاستمرار في الحديث عن "أعراق" يُعيد إنتاج كثير من الدلالات العنصرية الموروثة. ومن الأوفق أن يُقال "أشخاص مُعرقَنون"، أو أن يُستخدم مصطلح "المجموعات الإثنية–العِرقية" لتخفيف وطأة المفهوم.

تقترب الإثنية من مفهوم العِرق، مع إقرارها بـ"مكانة التاريخ واللغة والثقافة في بناء الذات والهوية، وكذلك بحقيقة أنّ الخطاب كلّه متموضع ومحدد السياق، وأن المعرفة كلّها مشروطة بسياقاتها" كما ذكر (هول 1995، ص 226). وقد استُخدم مفهوم الإثنية في بلدان مثل الولايات المتحدة، حيث أخفقت الثنائية العِرقية القائمة على الأبيض/الأسود في استيعاب السكان المتزايدين من الآسيويين واللاتينيين أو وصفهم وتصنيفهم بفاعلية.

تتبدل الفئات الإثنية بمرور الوقت مثلها مثل العِرق. ففي الولايات المتحدة مثلًا صار مصطلح "آسيوي أميركي" يُقسَّم تدريجيًا إلى فئات أصغر مثل "شرق آسيوي" و"هندي" و"من سكان جزر المحيط الهادئ". وتشمل بيانات التعداد الأميركية اليوم عناصر العِرق والإثنية والنَّسَب، حيث يُفرَّق مثلًا بين اللاتيني وغير اللاتيني. ويُستعمل تعبير "الأشخاص الملوّنون" لوصف كل من لا يُصنّف أبيض، سواء داخل المجتمع الواحد أو عبر المجتمعات، لكن بعض الباحثين يشيرون إلى أنّ هذا التعبير قد يغفل التحديات الأشد التي عانى منها السود مقارنةً بالجماعات الإثنية الأخرى كما أوضح (هاكر 2003). ويميل (هولنغر 2005، ص 228) إلى استخدام مصطلح "الإثني–العِرقي"، لكونه يشمل جميع المجموعات السكانية المحددة بالنَّسَب مع الاعتراف بأن سماتها يمكن أن تُفهم على أنها إثنية أو عِرقية. بينما يفضّل (ليستينا 2001، ص 425) صياغة "العرقية–الإثنية" (racenicity) للتنبيه إلى التداخل التاريخي بين العِرق والإثنية في الادعاءات غير المثبتة التي ربطت الخصائص البيولوجية بميول نفسية أو فكرية أو اجتماعية.

في مواضع متعددة يُستخدم مفهوم الإثنية بطريقة مشابهة للعِرق بوصفه إطارًا رئيسًا لتصنيف الاختلافات الاجتماعية الداخلية القائمة على النَّسَب الجغرافي أو الثقافي أو اللغوي. وأشار (شيه 2002، ص 13، 24) إلى أنّ الإثنية في الصين تُعرَّف على أساس الدم والدين واللغة والقرب الثقافي من الهان، وتُتيح للمنتمين إليها أن يطوروا استجاباتهم تجاه تحديد هويتهم. وقد تداخلت مفاهيم العِرق والإثنية في سنغافورة كما ذكر (بكر 2009) وفي اليابان كما أوضح (هيراساوا 2009). ويُستحضر مفهوم العِرق في هذه السياقات عند الحديث عن جماعات يُنظر إليها بوصفها غريبة عن المجتمع الوطني، كما في هونغ كونغ حيث يُعتبر "البيض" و"الصينيون" أعراقًا، في حين تُستخدم الفوارق الإثنية أيضًا لتحديد الهوية بين الصينيين الإثنيين. وفي إندونيسيا في فترة الاستعمار الهولندي صُنِّفت الأعراق إلى أوروبيين ومالايو وصينيين، ثم جرى داخل فئة المالايو التمييز بين إثنيات فرعية (كويبرز ويولايلواتي 2009، ص 451). وفي العصر الحاضر يُعرّف الإندونيسيون من أصل صيني أنفسهم باعتبارهم صينيين إثنيًا (كويبرز ويولايلواتي 2009، ص 456).

العِرق والإثنية ودراسـات التربية المقارنة

تواجه البحوث المقارنة في مجال التربية التي تتناول العِرق أو الإثنية صعوبات واضحة. وتنطلق الفقرات التالية من ملاحظات عامة، ثم تنتقل إلى مقارنة الأعراق زمنيًا ومكانيًا.

  1. مقارنة "الأعراق": طوال قرون استُخدمت المقارنات الكمية بين المجموعات العِرقية المختلفة لقياس مستويات الإنجاز ضمن ما عُرف بـ"المعرفة العنصرية"، بهدف تعزيز الفكرة الجوهرانية للعنصرية وترسيخ سيادة البيض. ويشير منظّرو العِرق النقدي إلى أنّ اختبار الاستعداد الدراسي (SAT)، الذي يُستخدم على نطاق واسع في الولايات المتحدة لتحديد مدى جاهزية الطلاب للتعليم الجامعي، بُني في أصله على نماذج من اختبارات الذكاء التي وُضعت "لتكريس الاعتقاد بأن المهاجرين والسود أقل ذكاءً بطبيعتهم الوراثية" (رويثماير 1998، ص 403). وقد كان واضع اختبار (SAT) وهو (كارل بريغهام) يؤمن بوجوب استخدام هذه الاختبارات لتبرير سياسات الحد من الهجرة وضبط الإنجاب وفق الانتماء العِرقي في الولايات المتحدة.

أصدر (هيرنستاين) و(موري) كتاب منحنى الجرس عام 1994، حيث اقترحا مجددًا أنّ الذكاء تحدّده الفوارق العِرقية. وقد وُجّهت إلى هذا الكتاب انتقادات واسعة، كما بيّن (كينشلو وستاينبرغ 1997، ص 185)، لأنه استبعد عوامل أساسية تفسر التفاوت في التحصيل الأكاديمي بين الأعراق، مثل الخلفية العائلية والمستوى الاجتماعي–الاقتصادي وظروف المنزل والتجربة التعليمية:

من أبرز التشويهات في كتاب منحنى الجرس الطريقة التي فسر بها المؤلفان نتائج دراسة التبنّي في مينيسوتا، حيث تبنّت أسر بيضاء مئة طفل ينحدرون من أصول إثنية مختلفة. وعندما بلغ هؤلاء الأطفال السادسة عشرة توصّل (ساندرا سكار) و(ريتشارد واينبرغ) إلى أن معدلات الذكاء لدى الأطفال غير البيض انخفضت في المتوسط 17 نقطة لتستقر عند 89. وبعد دراسة المعطيات رأى (سكار) و(واينبرغ) أن هذا التراجع ناتج عن التحيز والتمييز العِرقي في المدارس. غير أن (هيرنستاين) و(موري) تمسكا بأن نتائج الدراسة لا تشير إلى أثر بيئي كبير على القدرة المعرفية، وأكدا أن الوراثة العِرقية هي التي تحدد تراتبية الذكاء، وأن هذه التراتبية ستزداد بروزًا كلما تقدّم الأطفال في العمر.

على الرغم من أنّ (هيرنستاين) و(موري) واجها انتقادات واسعة بسبب تفسيرهما لهذه النتائج، فإن أثر العوامل الوراثية في مقابل العوامل البيئية على الذكاء ما يزال موضع جدل وخلاف حتى اليوم.

يُستخدم في الأبحاث الكمية تصنيف الفئات العِرقية للمقارنة في مجال التحصيل الدراسي، بهدف كشف العنصرية المؤسسية وتتبع دور العرْقنة في مسألة الإنصاف التعليمي. ومن أبرز محاور المقارنة التوزيع غير العادل للموارد التعليمية بين الجماعات العِرقية. وقد ركزت دراسات عديدة على الفوارق في الإنفاق، سواء من قبل الحكومات أو جهات أخرى، على المدارس التي يغلب على طلابها الانتماء إلى جماعات عِرقية مختلفة، على أساس أن تمويل التعليم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتحصيل الدراسي. وفي دراسة أجراها (ميك وميك 2008) بجنوب إفريقيا تمت مقارنة نصيب الفرد من الإنفاق التعليمي وفق العِرق قبل نظام الفصل العنصري وأثناءه (ص 509، 519). وأظهرت النتائج أنّ الإنفاق على تعليم السود ظل طوال معظم القرن العشرين محدودًا للغاية إذا ما قورن بما خُصص للأقلية البيضاء، رغم الخطاب الرسمي الذي بشّر بالمساواة في الفرص عبر التعليم. وفي السياق الأميركي يؤكد منظّرو العِرق النقدي أن "تمويل المدارس يعكس في جوهره العنصرية المؤسسية والبنيوية"، نظرًا لارتباطه بالضرائب العقارية، في ظل تاريخ طويل من الاضطهاد العِرقي والفصل السكني على أساس العِرق (لادسون–بيلينغز 1998، ص 62).

تقدّم قاعدة بيانات اليونسكو العالمية حول عدم المساواة في التعليم (WIDE) بيانات عن التحصيل الدراسي وفق الانتماء الإثني، فضلًا عن مؤشرات إضافية، في أكثر من ستين بلدًا (اليونسكو 2013). وتتيح هذه القاعدة أيضًا إمكانية استيعاب التداخل بين العوامل المتنوعة، بما في ذلك فحص العلاقة بين الإثنية والثروة والنوع الاجتماعي والموقع الجغرافي. ومن خلال هذه المقارنات يمكن للباحثين وواضعي السياسات أن يفهموا بصورة أعمق أثر الإثنية في تكافؤ الفرص التعليمية وفي مستويات الإنجاز.

إزاء صعوبة فهم التفاعلات بين العوامل في هذا المجال المعقّد، تتجه الدراسات الإثنوغرافية في مقارنة الأعراق إلى التركيز على الظروف السياقية التي تؤثر في الإنصاف التعليمي. وقدّمت دراسة (هيث 1983) مثالًا رائدًا في هذا الاتجاه، إذ تابعت اكتساب الأطفال للغة في المدرسة والمجتمع داخل جماعتين عِرقيتين منفصلتين بالولايات المتحدة، وأظهرت أنّ محدودية الموارد مثل الكتب واختلاف أساليب التواصل في المنازل انعكسا على فعالية المعلمين وعلى تحصيل المتعلمين. وتشير أبحاث إثنوغرافية أخرى إلى أنّ "الاستراتيجيات التعليمية الحالية تفترض وجود قصور لدى الطلاب الأميركيين من أصول أفريقية"، وهو ما يراهم المعلمون البيض غالبًا كمصدر صعوبات (لادسون–بيلينغز 1998، ص 61). ومع ذلك يبقى تحديد بؤرة الاهتمام أمرًا خلافياً، إذ قد تتعرض فكرة الباحث الموضوعي والمحايد للتساؤل. وقد رأت (فيليغاس 1988، ص 253) أنّ التركيز على ممارسات المعلمين يؤدي إلى تهميش قضايا أعمق، مثل التوزيع غير المتكافئ للموارد التعليمية بين الجماعات.

كما أنّ العلاقة بين العِرق والعنصرية من ناحية، والتحصيل الأكاديمي من ناحية أخرى، عند تداخلها مع متغيرات مثل النوع الاجتماعي والانتماء الطبقي، تبقى صعبة الكشف. فقد بيّنت دراسة (لامونتاني 1999) الخاصة بتعليم الأقليات في الصين أنّ الفروق بين الجنسين تتباين بوضوح وفق الأقاليم والإثنيات، الأمر الذي يجعل أثر العِرق في المستوى الفردي أقل وزنًا مقارنةً بأثر النوع الاجتماعي. ولهذا فإن التجارب التعليمية للأفراد قد لا تتقارب بالضرورة داخل الجماعة الواحدة، سواء كانت عِرقية أو إثنية.

  1. المقارنة العِرقية عبر الزمن: ركزت أبحاث عديدة على مقارنة مستويات الإنجاز التعليمي بين الأعراق عبر فترات زمنية، خاصة لقياس أثر البرامج التعليمية التي تستهدف توسيع دائرة المساواة. وتعرض قاعدة WIDE بيانات إثنية لثلاث مراحل زمنية (اليونسكو 2013). غير أنّ الحذر يظل ضروريًا عند إجراء مقارنات واسعة النطاق على مدى الزمن، إذ يمكن أن تختلف التعريفات العِرقية والإثنية حتى في الموقع الواحد. كما أنّ البيانات غالبًا ما تكون محدودة. فعلى سبيل المثال توقفت ولايات أميركية عديدة عن تتبع البيانات العِرقية في التعليم بعد قضية براون ضد مجلس التعليم عام 1954 (بوزر وآخرون 1992). وكما أشار (سويتنغ) في الفصل الخاص بمقارنة الأزمنة في هذا الكتاب، فإن التحليلات التزامنية قد تكشف عن أوضاع قبل/بعد، غير أنّ العلاقات السببية مثل العلاقة بين التدخلات التعليمية ونتائجها قد يكون من الصعب تحديدها.

  2. المقارنة العِرقية عبر البلدان: من المؤكد أن العِرق والإثنية يؤثران في تحقيق العدالة التعليمية حول العالم، غير أنّ إجراء مقارنات بين جماعات الهوية العِرقية أو الإثنية في دول مختلفة يواجه صعوبات كبيرة. فالتعريفات والتقسيمات المتعلقة بالعِرق والإثنية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالظروف التاريخية والديموغرافية لكل مجتمع. وتوفّر قاعدة WIDE بيانات عن الإثنية والتحصيل الدراسي في أكثر من ستين بلدًا (اليونسكو 2013)، لكنها تعرض الجماعات الإثنية وفق التصنيف الوطني، الأمر الذي يمنع إجراء مقارنات دولية مباشرة. ولهذا يمكن الاستفادة من هذه البيانات لفهم عدم المساواة التعليمية المرتبطة بالإثنية عبر البلدان، مع ضرورة مراعاة عوامل موازية مثل الطبقة والنوع الاجتماعي. وهناك دول لا تنشر بيانات رسمية عن العِرق أو الإثنية في التعليم، كما هو الحال في فرنسا حيث لا تُعتبر الإثنية "وسيلة مقبولة لتصنيف السكان" (دير 2008، ص 337). أما تقارير اليونسكو للتعليم للجميع (على سبيل المثال تقرير 2012) فهي لا تعقد مقارنات منتظمة بين الإثنية والعدالة التعليمية عالميًا، لكنها تورد العديد من الأمثلة التي تُبرز دور الإثنية في كل من الدول الغنية والفقيرة.

تشيع في البحث التربوي المقارن تحليلات البيانات التعليمية وفق العِرق أو الإثنية داخل حدود الدولة الواحدة، سواء على مستوى الولايات أو المقاطعات أو المدن أو المناطق التعليمية، إذ تكشف قضايا تُغفل في النهج الوطنية الشاملة. لكن لا يصح افتراض أنّ التركيبة العِرقية أو الإثنية موحدة في كل أنحاء الدولة، أو أنّ الخلفيات التاريخية والبُنى الاقتصادية السياسية متشابهة. لذا يجب الانتباه إلى خصوصيات كل موقع، مع الحرص على مقارنة الجماعات المماثلة لتجنّب التعميم المفرط. ومن الأمثلة على ذلك دراسة أجرتها الحملة الوطنية الأميركية من أجل الحق في التعلّم (2013) قارنت فيها أثر إغلاق المدارس في (شيكاغو) و(نيويورك) و(فيلادلفيا) على الطلاب السود واللاتينيين والبيض، كما درست نسب هؤلاء مقارنة بتمثيلهم في مجمل سكان هذه المدن. وقد أظهرت مثل هذه التحليلات الاتجاهات وأبرزت أوجه التفاوت بين مختلف المواقع.

الطبقة الاجتماعية

لا يخلو أي مجتمع من تصور للطبقة أو للوضع الاجتماعي–الاقتصادي (SES)، وهو تصور يعكس تباين صلات الأفراد بالدخل والثروة وبفرص المشاركة السياسية والاقتصادية. ومع ذلك فإن تعريف الطبقة والوضع الاجتماعي–الاقتصادي يتباين بتباين السياقات الزمانية والمكانية، ويتشكل بحسب تركيب المجتمع وحركته الاقتصادية وقيمه. ومع أنّ البحوث التي تربط بين التعليم والطبقة تتنامى اليوم بدافع الالتزام بالعدالة الاجتماعية والسعي للحد من فقر الأطفال وتحقيق المساواة، فإن كون الطبقة بناءً اجتماعيًا يجعل من الصعب اعتمادها مفهومًا موحدًا عبر الأماكن والأزمنة.

مفهوم الطبقة الاجتماعية

تتناول عدة أطر نظرية مسألة الطبقة بالتركيز على طبيعتها. ويأتي في مقدمتها الاقتصاديون وعلماء الاجتماع الذين يفضّلون منظورًا وظيفيًا هرميًا، ويرون الطبقة تعبيرًا عن تفاوت مالي ومهني طبيعي وضروري ناتج عن التقدم والتمايز في المجتمع الرأسمالي. وتذهب هذه النهج تقليديًا إلى أن الذكاء يتوزع بصورة غير متساوية بين الأفراد بشكل طبيعي (مالوت 2009، ص 285). وكان من أبرز المنظرين الذين مثّلوا هذا التوجه (سميث 1776) و(دوركهايم 1893)، وقد اعتبرا أن الرأسمالية المبكرة شهدت تمايزًا مفرطًا وغير متوازن بين طبقات اجتماعية متفاوتة بشدة، لكنهما في الوقت نفسه رأيا أنّ الرأسمالية نتيجة طبيعية للتوزيع المتنوع لرأس المال البشري والموارد المادية. وهذه الرؤية التي تعتبر اللامساواة طبيعية أو نافعة تتجلى اليوم في الأيديولوجيات المحافظة الجديدة، التي تعطي أولوية لتقليل الإنفاق الحكومي على التعليم والخدمات الاجتماعية عوضًا عن فرض ضرائب مرتفعة على الأثرياء (مالوت 2009، ص 288).

يتعارض هذا الإطار التفسيري لمغهوم الطبقة الاجتماعية مع مواقف كثير من الباحثين، لأنه يبدو وكأنه يبرر بقاء اللامساواة الحادة. فالمنظور الماركسي يعرّف الطبقة باعتبارها "علاقة ثنائية بوسائل الإنتاج" (هيل وآخرون 2008، ص 61)، ويقسم النظم الرأسمالية ذات الملكية الخاصة إلى طبقتين: طبقة تملك وسائل الإنتاج من مصانع وتجهيزات ومعرفة وغيرها، وطبقة محرومة من هذه الملكية. وفي هذا السياق يشار إلى أنّ إنشاء مدارس التعليم العام في الولايات المتحدة ارتبط منذ البداية بالحاجة إلى يد عاملة مدرّبة للمصانع. كما أوضح (ألتوسير 1971، ص 132) أنّ النظام التعليمي يعيد إنتاج الطبقات من خلال تلقين العمال الطاعة للأيديولوجيا السائدة، بينما يمنح الطبقة الحاكمة القدرة على التعامل مع هذه الأيديولوجيا وتوجيهها. ومن ثم فإن التخفيف من آثار الرأسمالية على التعليم يُعد شرطًا أساسيًا لتحقيق الإنصاف. ويتجه علماء الاجتماع التربوي المعاصرون ممن يتناولون علاقة الأفراد بالموارد إلى ما يسمى "الماركسية الثانية" أو "النيوماركسية"، حيث يُفهم مفهوم الطبقة ضمنها باعتباره تكوينًا يجمع بين الأبعاد الثقافية والمادية. وفي هذه الرؤية تُعد العلاقة بين الثقافة والموارد المادية الاقتصادية علاقة متشابكة يصعب تحديدها بدقة، لأن القيم التي تُمنح للموارد ومنها المال هي قيم اجتماعية المصدر. ويبين (مايسون) في هذا الكتاب (ص 227) أنّ الثقافة "ليست ثابتة، بل عملية جدلية بين الإنسان وبيئته الاجتماعية"، وهي تتغير بمرور الزمن داخل الجماعات. ونتيجة لذلك قد تُنتج المجتمعات الطبقية المختلفة توجهات وقيمًا خاصة بها. وفي هذا الإطار وصف (بورديو 1968، ص 210) رأس المال الثقافي بأنه "مجموعات" من القيم الجمالية المترابطة بالوضع الاجتماعي، لكنها لا تُدرَّس بشكل مباشر في المدرسة أو في المجتمع. وكتب (كينشلو وستاينبرغ 1997، ص 106) أنّ "الموقع الاقتصادي والمهني داخل البنية الاجتماعية هو أحد عوامل عدة تُسهم في تشكيل الوعي، وفي تحديد نظرة الفرد إلى الآخرين، وعلاقته بالسلطة". فعلى سبيل المثال يُنظر إلى المعلمين في بعض الدول باعتبارهم جزءًا من طبقة أعلى وأكثر مهنية مقارنة بغيرهم في مجتمعات أخرى، وهذا الوضع يؤثر في هويتهم ورؤيتهم للعالم. وانطلاقًا من العلاقة بين الهوية والطبقة، فإن علماء الاجتماع الذين يدرسون الطبقة يركّزون عادة على الطريقة التي يتعامل بها المعلمون مع طلابهم وفق مؤشرات طبقية، الأمر الذي يؤثر بدوره في سلوك الطلاب وتحصيلهم وإحساسهم بالذات.

يسعى بعض الباحثين إلى التمييز بين المؤثرات الثقافية والأيديولوجية من جهة، والعوامل الاقتصادية من جهة أخرى، باستخدام مصطلح "الوضع الاجتماعي–الاقتصادي" بديلًا عن الطبقة. وقد أوضح (جاكوب) و(هولسينغر 2008، ص 14) أنّ الطبقة تُعد سمة مفروضة على الفرد بالميلاد، في حين أنّ الوضع الاجتماعي–الاقتصادي متغير يمكن أن يتغير بتجارب الفرد. ومع ذلك يبقى من العسير تحديد هذا الوضع بدقة. فالوظيفة والمستوى التعليمي والدخل والثروة تُعد من المحددات الأساسية له، غير أنها تتشابك بعلاقات معقدة مع بعضها ومع عوامل أخرى. ويُضاف إلى ذلك أنّ فهم الوضع الاجتماعي–الاقتصادي باعتباره مفهومًا ديناميًا يجعل استخدامه غير ميسّر. ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره (غرينبرغ وآخرون 2009، ص 270): عندما يسعى طلاب من أسر متوسطة الدخل لإتمام دراستهم الجامعية عبر العمل في مطاعم الوجبات السريعة، فإن هذه الأعمال لا تجعلهم تلقائيًا من الطبقة العاملة. إذ قد لا تنتمي مهنة الفرد وتعليمه ودخله وثروته إلى تصنيف واحد محدد.

رأى (سافاج وآخرون 2013، ص 28) أنّ الطبقة يمكن إعادة تصورها في ثلاثة محاور أساسية، تتكون من:

  • رأس المال الاقتصادي، أي الدخل والثروة،

  • رأس المال الثقافي (وفق طرح بورديو)، أي الاهتمامات والأنشطة،

  • رأس المال الاجتماعي، أي تكوين الشبكة الاجتماعية للفرد.

حدّد الباحثون سبع طبقات اجتماعية في المملكة المتحدة باستخدام هذا الإطار التحليلي، من بينها تكوينات اجتماعية جديدة للطبقة العاملة، التي كان يُنظر إليها تقليديًا باعتبارها متجانسة إلى حد كبير، ومستقرة، وذات درجة محدودة من الحركية الاجتماعية.

يُعد النموذج مفيدًا لتفسير البنية الطبقية في المملكة المتحدة، غير أنّ نقله إلى مقارنات دولية يواجه صعوبات كبيرة. إذ يرى (علي) و(دادوش 2012) أنّ تصنيفات الطبقة غالبًا ما تفتقر إلى الجدوى في المقارنة بين الدول، بسبب التباين في السياقات الاجتماعية–الاقتصادية والثقافية، وبسبب التحديات المنهجية في الحصول على بيانات دقيقة. وقد اقترحا اعتبار امتلاك السيارة مقياسًا للانتماء إلى الطبقة الوسطى أو إلى المستويات الأعلى، لأنه "يدل بوضوح على القدرة على شراء سلع كمالية أخرى". ومع ذلك قد لا يكون هذا المؤشر معتمدًا في جميع الحالات. ففي (هونغ كونغ)، على سبيل المثال، تجعل كفاءة النقل العام كثيرًا من الأسر ذات الدخول المرتفعة تستغني عن امتلاك السيارات.

يفسَّر مفهوم الطبقة أو الوضع الاجتماعي–الاقتصادي في مجال البحث التربوي في كثير من الأحيان عبر مفهوم "الخلفية الأسرية"، الذي يشمل تعليم الوالدين وثروتهما ومداخيلهما وأعمالهما، وعدد الأبناء، وغير ذلك من السمات المرتبطة بالأسرة. ونظرًا للتباين الذي قد يظهر بين هذه المؤشرات، فإن تصنيف الأفراد وفقها يثير صعوبات، ولهذا يفضّل بعض الباحثين التربويين فحص واحد أو أكثر من هذه المتغيّرات بصورة مستقلة، كأن تُقارَن مستويات التحصيل الدراسي بدخل الأسرة أو بالخلفية التعليمية لكل من الأب والأم (انظر على سبيل المثال: هونغ وتشينغ 2008). كما يمكن أن يُفهم مفهوم الطبقة من خلال توفر حاسوب منزلي أو الأهلية للحصول على وجبة غداء مدرسية مجانية أو تخفيضات في الرسوم، غير أن هذه المقاييس تظل مقيدة بالسياق الذي تُستخدم فيه.

من بين المقاييس التي طُوِّرت خصيصًا لدراسة الطبقة في البحوث التعليمية يبرز مؤشر الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي (ESCS) ومعامل جيني التعليمي. ويُعد مؤشر ESCS أداة لقياس الوضع الفردي (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2009، ص 49)، إذ يعتمد على أعلى وضع مهني للوالدين وفق المؤشر الدولي للوضع الاجتماعي–الاقتصادي، وأعلى مستوى تعليمي بلغه الوالدان، إضافة إلى مؤشر الممتلكات المنزلية الذي يستند إلى ما إذا كان الطلاب يمتلكون أشياء محددة في منازلهم:

مكتب للمذاكرة، غرفة خاصة، مكان هادئ للدراسة، حاسوب للاستخدام المدرسي، أي برامج تعليمية، اتصال بالإنترنت، آلة حاسبة شخصية، مؤلفات من الأدب الكلاسيكي، كتب شعرية، أعمال فنية، كتب لمساعدة الدراسة، قاموس، غسالة صحون، مشغّل أقراص DVD أو جهاز فيديو (VCR)، عدد الهواتف المحمولة وأجهزة التلفاز وأجهزة الحاسوب والسيارات والكتب في المنزل.

وقد يكون جمع مثل هذه البيانات أمرًا معقدًا، لأنها تتطلب إجراء مقابلات أو استبيانات، فضلًا عن أنّ التحدي الأكبر يتمثل في تحديد أوزان هذه العناصر عند استخدامها في المقارنات الدولية.

يُشتق معامل جيني التعليمي من معامل جيني التقليدي، الذي يُستخدم على نطاق واسع لقياس توزيع الدخل ورصد أوجه اللامساواة، وقد طوّره عالم الاجتماع (كورادو جيني) في بدايات القرن العشرين (بيرت وبارك 2008). ويُبنى هذا المعامل على صيغة رياضية تتعلق بتوزيع مستويات التحصيل التعليمي ومتوسط سنوات الدراسة داخل مجتمع ما، إضافة إلى نسبة السكان الذين يبلغون مستويات تعليمية معينة وعدد سنوات الدراسة عند كل مستوى تعليمي. وكما في المعامل الأصلي، يمكن الاستفادة من معامل جيني التعليمي في عقد المقارنات بين المجتمعات المختلفة عبر المكان والزمان، إلا أنّه لا يكشف عن مواقع اللامساواة داخل توزيع المتغير الخاضع للقياس (بيرت وبارك 2008، ص 264). ومع أنّ الماركسيين من علماء الاجتماع التربوي يرون أنّ الرأسمالية تولّد لا مساواة في التعليم (انظر: هيل وآخرون 2008؛ مالوت 2009)، فقد أظهر معامل جيني التعليمي ارتباطًا إيجابيًا مع رأس المال/الدخل بين الدول (جاكوب وهولسينغر 2009، ص 10–12).

دراسة الطبقة الاجتماعية في إطار بحوث التربية المقارنة

تتعدد الطرائق التي يمكن استخدامها في دراسة الطبقة ضمن التربية المقارنة، ويختلف اختيارها بحسب السياق ووحدات التحليل وأسئلة البحث المطروحة. وكما ورد في المعالجة السابقة لمسألة العرق، تبدأ الفقرات التالية بمناقشة جوانب عامة، ثم تتوجه إلى مقارنة الطبقات من حيث الزمن ومن حيث المكان.

  1. مقارنة الطبقات الاجتماعية: تتناول دراسات عديدة مسألة الإنصاف التعليمي من منظور الطبقة أو الوضع الاجتماعي–الاقتصادي، وذلك ضمن سياقات وطنية أو إقليمية أو محلية. ويعتمد تفضيل المنهج المستخدم على محور المقارنة، فقد يُلجأ إلى الطرائق الكيفية أو الكمية أو المدمجة. ويركز الباحثون الكيفيون خصوصًا على مسألة إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية من خلال أنماط التفاعل بين المعلمين والطلاب داخل الصفوف الدراسية. ومن الأمثلة أن يقارن الباحث بين أساليب التدريس في مدرسة واحدة عند التعامل مع طلاب من أسر فقيرة وطلاب من الطبقة الوسطى. وقد بينت الدراسات أنّ المعلمين كثيرًا ما يتعاملون مع الطلاب المحرومين اقتصاديًا على نحو "جاف وغير شخصي" (كينشلو وستاينبرغ 1997، ص 128). كما أظهر العمل المبكر لـ(أوكس 1985) حول التتبع في التعليم أنّ الطلاب يتعرضون لتنشئة اجتماعية مختلفة بحسب مساراتهم التعليمية، وهو ما يتماشى مع مخاوف المنظّرين الماركسيين من دور التعليم في إعادة إنتاج الطبقات. ويمكن كذلك تحليل المقررات الدراسية للكشف عن الرسائل الصريحة أو المستترة في الكتب أو الدروس التي ترسم توجهات معينة تجاه عدم المساواة الاجتماعية.

  2. تتيح النهج الكمية مقارنة التحصيل التعليمي مثل عدد سنوات الدراسة أو معدلات التخرج بين طلاب ينتمون إلى مجموعات اجتماعية–اقتصادية مختلفة. وتُمكّن بيانات WIDE من إجراء مقارنات للتحصيل التعليمي بين أفقر 20% وأغنى 20% عبر دول متعددة (اليونسكو 2013)، فيما قارنت منظمة OECD ((2007 بين التحصيل التعليمي ومستويات تعليم الآباء. وتنتج عن هذه الأساليب بيانات تُظهر العلاقة بين الطبقة والعدالة التعليمية. غير أنّ من الصعب تحديد المؤشرات الواجب اعتمادها في مثل هذا النوع من البحوث الكمية، إذ قد تكون العوامل المستخدمة مجرد مؤشرات بديلة لبيانات أكثر تحديدًا وتفسيرًا. ولهذا تُستكمل البحوث الكمية بتحليلات متعددة المستويات أو بدراسات ميتا تضيف إلى البيانات الكمية معطيات نوعية تعزّز قوة الاستنتاجات. وفي دراسة (ماكإنرني 2010) عن هونغ كونغ، وُجد ارتباط بين الوضع الاجتماعي–الاقتصادي والخلفية الأسرية ودخل الأسرة من جهة، والتحصيل التعليمي من جهة أخرى. وقد استعان ببحوث مرتبطة ليُظهر (ص 9) كيف تتجلى العلاقة السببية بين هذه المتغيرات:

يُسهم دخل الأسرة في فتح أبواب المدارس الثانوية الأكثر تكلفة والأعلى جودة أمام الطلاب، كما يُتيح فرصًا أوسع للحصول على دعم تعليمي إضافي عبر الدروس الخصوصية، مما يعزز إمكانات النجاح الأكاديمي. غير أنّ الطلاب المنحدرين من أوضاع اجتماعية–اقتصادية متواضعة قد يواجهون عقبات تتمثل في محدودية المدارس المتاحة أمامهم، وضآلة فرص الاستفادة من التعليم الخصوصي، وضعف متابعة الأهل لأوقات المذاكرة بسبب ساعات العمل الطويلة، فضلًا عن الأعباء المالية التي قد تخلق بيئة منزلية غير مشجعة على التعلم.

  1. مقارنة الطبقة الاجتماعية عبر الزمن: يمكن لبيانات WIDE وغيرها أن توضّح كيف تؤثر العوامل الطبقية في العدالة التعليمية داخل المجتمعات مع تغيّر الزمن. غير أنّ الصعوبة تكمن في فهم كيفية تفاعل المتغيرات الاقتصادية، أو تغيّر قيمة العملة، أو الموارد التعليمية الأخرى مع العوامل الطبقية في مثل هذه المقارنات. فمثلًا، قد يتقلص الفارق في الإنجاز التعليمي بين الشرائح الأفقر والأغنى من السكان (20% لكل منهما)، لكن ذلك لا يشير بالضرورة إلى تحسن عام في مستويات الإنجاز. وأظهرت دراسات في بريطانيا أنّ الطلاب المنحدرين من أسر فقيرة أصبحوا أكثر ميلًا من ذي قبل إلى الالتحاق بالتعليم العالي، غير أنّ "احتمال تحقق ذلك مقارنةً بنظرائهم الميسورين بات أقل" (هيل وآخرون 2008، ص 77). وتبعًا لذلك، فإن السياسات المستندة إلى إحدى هاتين النتيجتين بمعزل عن الأخرى قد تُفضي إلى توجهات مختلفة تمامًا.

من المهم إدراك أنّ تعريفات المصطلحات، مثل "الفقر"، وأنماط تصنيف العوامل قد تتبدل بمرور الزمن. ففي تحليل (بيرت وبارك 2008) لمعامل جيني التعليمي في كوريا عبر أربعة عقود، ظهرت اختلافات واضحة في الفئات المعتمدة للتحصيل الدراسي تبعًا للبيانات المتوافرة، مما يعكس اختلاف المعايير في كل فترة. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كانت الفئات "تخرّج"، "لم يُكمل"، و"لم يلتحق أبدًا"، بينما في التسعينيات جرى التفريق بين "الثانوي العام" و"الثانوي المهني". وفي عام 2000 فُصلت "تخرّج" عن "أكمل"، كما أضيفت فئات تفصيلية مثل "أنهى الماجستير"، "أنهى الدكتوراه"، "انقطع عن الماجستير"، و"انقطع عن الدكتوراه" (ص 264–265). ومن هنا، فإنّ معالجة مثل هذه التغييرات يجب أن تتم بحذر وبما يتلاءم مع أسئلة البحث.

  1. مقارنة الطبقة الاجتماعية بحسب المكان: تركز أبحاث كثيرة على مقارنة معاملات جيني التعليمية أو العلاقات بين التحصيل الدراسي والمؤشرات الطبقية مثل مؤشر الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي (ESCS)، والخلفية العائلية، والثروة، في أكثر من موقع جغرافي. وقد استُخدم معامل جيني التعليمي لقياس التفاوت في التعليم بين الأقاليم داخل البلد الواحد، كما في كوريا (بيرت وبارك 2008)، وعلى المستوى العالمي أيضًا (جاكوب وهولسينغر 2008؛ توماس ووانغ 2009). كما يمكن ربطه بمؤشرات الثروة الوطنية مثل الناتج المحلي الإجمالي (جاكوب وهولسينغر 2009). وتتيح بيانات WIDE إجراء مقارنات بين الشرائح المئوية للثروة عبر مختلف الدول، غير أنّها تعاني أحيانًا من مشكلات تتعلق بضمان دقة البيانات أو بوحدة الفترة الزمنية التي جُمعت فيها. ومثال ذلك تقرير اليونسكو لعام 2010 الذي قارن بين التحصيل الدراسي والثروة في بلدان متعددة، إذ استند إلى بيانات عام 2000 لـ(الغابون) وبيانات عام 2007 لجمهورية الكونغو الديمقراطية (ص 140). ومثل هذه التمثيلات تكشف عن اتجاهات عامة واسعة النطاق أكثر مما تسمح بتفسير مباشر لنتائج السياسات التعليمية أو بإجراء مقارنات دقيقة.

النوع الاجتماعي(الجندر)

يُخلط في كثير من الأحيان بين الجنس و الجندر (أو النوع الاجتماعي)، على الرغم من أنّ الجنس يُحدَّد بالخصائص البيولوجية للذكورة والأنوثة، في حين يُفهم النوع الاجتماعي على أنه "علاقة متغيرة باستمرار تُبنى من خلال التجربة الحياتية والسياق والشعور بالجسد" (إيرتون 2009، ص 224). وكما هو الشأن بالنسبة للعرق والطبقة، يُعد النوع الاجتماعي بناء اجتماعيًا متحركًا، إذ إنّ معاني الرجولة والأنوثة أو الطفولة الذكورية والأنثوية تختلف تبعًا للسياقات. وتُظهر بعض البيئات، سواء التقليدية أو الحديثة، أشكالًا بديلة من الهوية الجندرية، وهي أشكال تطمس الحدود التقليدية وتتجاوزها بل وتواجه الثنائية السائدة. ومع ذلك، يظل النوع الاجتماعي، إذا ما قورن بالعرق والطبقة، أكثر يسراً من حيث اعتماده في التصنيف البحثي، لأن أغلب الأفراد يدركون أنفسهم ضمن المنظور الثنائي للنوع. وكما يؤكد (إيرتون 2009، ص 223–224)، فإنّ الجنس والنوع الاجتماعي "يتفاعلان بشكل وثيق بوصفهما عنصرين مركزيين في علاقة الفرد بذاته وبالعالم"، ولذلك فإنّ الدراسات التعليمية نادرًا ما "تتوقف لتعريف مصطلحات مثل الجنس والنوع الاجتماعي والصبي والفتاة والذكر والأنثى، باعتبار أنّ معانيها مفهومة تلقائيًا على نطاق عالمي".

تشير نتائج البحوث التاريخية إلى أن المساواة بين الذكور والإناث في التعليم من حيث الالتحاق والتحصيل قد شهدت تحسنًا كبيرًا خلال القرن العشرين، بعد أن تم التخلي إلى حد بعيد عن الفكرة الموروثة عن "دونية" المرأة في القدرات الفكرية، والتي كانت شائعة في عصور سابقة (أيستون 2010؛ جونز 2010). ومع ذلك، ما زالت قضية المساواة الجندرية تحظى باهتمام رسمي واسع من قبل المنظمات الحكومية الدولية، حيث لم يتحقق بعد تكافؤ الفرص التعليمية للفتيات، لا سيما في الدول النامية. ويُعالج بعض الباحثين ومسؤولي السياسات هذه الإشكالية من خلال التركيز على مؤشرات التكافؤ في فرص الوصول. ومثال ذلك أنّ الهدف الثالث من الأهداف الإنمائية للألفية التي أقرتها الأمم المتحدة عام 2000 تمثّل في القضاء على الفجوة الجندرية في التعليم الأساسي والثانوي. كما يطالب الناشطون باعتماد سياسات واضحة تكفل الحقوق التعليمية للفتيات، إذ إن السياسات العامة التي تستهدف الأطفال جميعًا قد تُغفل الاعتبارات الجندرية أو تُعطّل تحقيق المساواة (هاير وآخرون 2008).

تركّز الدراسات المقارنة في مجال تكافؤ فرص التعليم على فحص معدلات الالتحاق أو الحضور المدرسي بين الصبيان والبنات، إلى جانب تحليل ما تنص عليه القوانين والسياسات الوطنية من حقوق تعليمية. وفي إطار البحث الكمي، تستعين تقارير اليونسكو الخاصة بالتعليم للجميع بمقاييس متعددة، وفي مقدمتها مؤشر التكافؤ بين الجنسين (GPI)، الذي يرصد نسب البنين والبنات عبر مختلف مستويات التعليم. ويُعد هذا المؤشر أداة مهمة للمقارنة بين الدول، وكذلك لفهم كيفية تطور التكافؤ بمرور الوقت داخل كل مجتمع. أما التحليلات السياسية النوعية، فتتناول الكيفية التي تعتمدها الدول لضمان الحقوق التعليمية المتساوية للفتيات أو لجميع الأطفال.

غير أنّ دراسة قضايا النوع الاجتماعي في التعليم تكشف أنّ مجرد تحقيق التكافؤ في فرص الالتحاق لا يكفل المساواة من حيث المخرجات أو مستويات الإنجاز. وهو ما أكده (هاير وزملاؤه 2008، ص 133):

تشير معايير الأهداف الإنمائية للألفية المعنية بالمساواة الجندرية في التعليم إلى أنّ المغرب يحقق نتائج إيجابية نسبيًا، إذ تصل نسبة التحاق الفتيات بالتعليم الابتدائي إلى 83%، ويبلغ معدل معرفة القراءة والكتابة بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا نحو 0.79 للإناث مقابل 1 للذكور. ومع ذلك، فرغم تزايد أعداد الفتيات اللواتي يدخلن المدرسة، فإنّ القليل منهن ينجحن في الاستمرار داخل النظام التعليمي.

ولا يضمن إقرار السياسات والحقوق القانونية التي تمنح الفتيات فرصة الالتحاق بالتعليم تخرجهن من المدرسة أو حتى مواظبتهن على الحضور.

يتحوّل اهتمام المنظمات والباحثين شيئًا فشيئًا من مجرد حساب معدلات الالتحاق إلى تقييم ما يحرزه الطلاب والطالبات من إنجازات فعلية، بل إن هذا المنظور يُستعاض به أحيانًا عن مؤشرات الالتحاق عندما يتحقق التكافؤ. وقد نصّت أجندة التعليم للجميع (EFA)، التي أُقرت في (جومتيين – تايلاند) عام 1990 وجُددت في (داكار – السنغال) عام 2000 (اليونسكو 2012ب)، على هدف مكمّل لأهداف الألفية الإنمائية، يتمثل في "إزالة الفجوة الجندرية في التعليم الابتدائي والثانوي بحلول عام 2005، وتحقيق المساواة الجندرية في التعليم بحلول عام 2015، مع إعطاء الأولوية لضمان استفادة الفتيات من تعليم أساسي متكافئ وعالي الجودة وتحقيق نتائج كاملة فيه" (الهدف الخامس للتعليم للجميع).

تتيح البحوث الكمية التي تدرس المساواة في التحصيل إجراء مقارنات بين مستويات التحصيل الدراسي أو معدلات التخرج لدى البنين والبنات، سواء على مستوى مدرسة واحدة أو مدينة أو إقليم أو دولة. وتجمع معظم الدول بيانات عن التحصيل التعليمي بمختلف مراحله وفق النوع الاجتماعي، وقد أجرت دراسات برعاية اليونسكو (2010) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2007) والكومنولث (مينيفي وبراي 2012) مقارنات بين معدلات تخرج الذكور والإناث، وغالبًا ما قارنتها أيضًا بمعدلات المواظبة على الدراسة بحسب الدولة أو الإقليم. كما يمكن لمثل هذه الدراسات أن تتناول الإنجاز عبر فترات زمنية مختلفة (جونز 2010).

تُقاس المساواة بين الجنسين في الإنجاز التعليمي عبر البلدان أو الفئات السكانية باستخدام مؤشر المساواة الجندرية (GEI) ومؤشر المساواة الجندرية في التعليم (GEEI). ويُعتبر مؤشر GEI "مؤشرًا مركّبًا يقيس التكافؤ بين الذكور والإناث في التعليم الابتدائي والثانوي، وكذلك في مستويات الإلمام بالقراءة والكتابة لدى الكبار" (أونترهالتر وأومِّن 2008، ص 541). ومن ثم فهو يجمع بين جانب الالتحاق التعليمي والنتائج المترتبة عليه بوصفها قدرة مكتسبة. في المقابل، يتميز مؤشر GEEI، الذي وُضع عام 2006، بشموليته، إذ يقوم على معدل صافي حضور الفتيات في المرحلة الابتدائية، ومعدل استمرارية الدراسة لخمس سنوات في هذه المرحلة، ونسبة صافي القيد في التعليم الثانوي، فضلًا عن مؤشر التنمية الجندرية (أونترهالتر وأومِّن 2008، ص 543).

على الرغم من أنّ مؤشر المساواة الجندرية في التعليم (GEEI) يسمح بتعديل أوزان مدخلاته بحسب السياق البحثي، إلا أنّه وُجّه بانتقاد لافت لقصوره عن قياس معدلات الاستمرار في التعليم الابتدائي، وهي معضلة قائمة في عدد من الدول الإفريقية. كما أنّ مؤشري GEI وGEEI يظلان محدودين في تمثيل أوضاع الفتيات والنساء في البيئات الاجتماعية الأكثر هشاشة، حيث تختلف فرص الالتحاق والتحصيل وفق الطبقة الاجتماعية–الاقتصادية والانتماء العرقي أو الإثني. بل إنّ النوع الاجتماعي نفسه يُعاد بناؤه اجتماعيًا بطرائق متمايزة بين الفوارق العرقية والطبقية داخل المجتمع، بما يؤثر في التعليم بصورة مباشرة (هوكس 1994؛ سيويل 2004؛ كينشيلو وستاينبرغ 2009). ولهذا يُنظر أحيانًا إلى تقسيم الطلاب إلى فتيان وفتيات كمجموعات متجانسة باعتباره نهج غير مفيد، لأنها تغفل التنوع الكبير في تجاربهم التعليمية. ويكتسب نظام WIDE أهمية خاصة هنا، إذ يشمل إتمام المرحلة الابتدائية كمؤشر رئيسي، ويتيح المقارنة وفق الثروة والإثنية والنوع الاجتماعي عبر مختلف البلدان. وفي إطار الهدف الخامس للتعليم للجميع، أعلنت اليونسكو (2013) استنادًا إلى بيانات WIDE أنّ 90% من أفقر الشابات في عشر دول لم يستطعن إنهاء المرحلة الابتدائية.

تُعدّ البحوث النوعية مفيدة أيضًا في مقارنة خبرات المجموعات المختلفة داخل المجتمع، سواء بين البنين والبنات أو بين الفتيات أنفسهن، وفي الكشف عن مدى حصول الفتيات في المجتمعات المتنوعة على تعليم "جيد النوعية" كما نصّت عليه أجندة التعليم للجميع، إلى جانب مجرد وجودهن الجسدي في المدرسة. وتُظهر الدراسات الإثنوغرافية التي تقارن خبرات الطلاب والطالبات في بيئات تعليمية متعددة الكيفية التي تقوم بها المدارس بترسيخ الأدوار الجندرية لدى المتعلمين، تمامًا كما تهيئهم للمشاركة في المجتمع بوجه عام، على نحو يؤثر في ما يتعلمونه وفي المهارات التي يطورونها. فعلى سبيل المثال، يمكن لتسامح المعلّمين مع مشاكسة البنين أكثر مما يفعلون مع البنات أن يعيق تطوير الفتيات لقدراتهن في التواصل الحازم، بينما قد يؤدي التركيز على الثناء على كتاباتهن أكثر من قدراتهن العددية إلى تثبيط انخراطهن في الرياضيات، حتى وإن كانت لديهن الموهبة أو الاهتمام. وقد درس (غوردون وآخرون 2000) الحصص الدراسية وأجروا مقابلات مع المعلّمين والطلاب حول الممارسات المدرسية المتعلقة بالنوع الاجتماعي في لندن وهلسنكي، وكتبوا (ص 193) ما يلي:

بيّنت النتائج أنّ العمليات الجندرية [في المدارس موضوع البحث] سارت في معظمها وفق الأنماط الراسخة التي أكّدتها دراسات سابقة؛ إذ شكّل البنون عادةً مركز اهتمام المعلّمين وملاحظاتهم بدرجة تفوق الفتيات، وتلقى البنون فرصًا أكبر في التفاعل مع المعلّمين مقارنة بالبنات، بالرغم من محاولات المعلمين المقصودة لإرساء معاملة متساوية بين الجنسين.

على غرار الدراسات التي تناولت التعليم والعرق أو الطبقة، تستطيع البحوث الإثنوغرافية أن توضّح كيف يتفاوت تلقّي الأفراد للتعليم بحسب النوع الاجتماعي، وأن تركّز بدقة أكبر على خبرات الطلاب استنادًا إلى النوع والطبقة والأصل العرقي أو الإثني. ومن الأمثلة على ذلك ما قامت به (مورافيفا 2010) من مقارنة أوضاع النساء الروسيات باختلاف أصولهن العرقية والاجتماعية في الجامعات الأوروبية خلال أواخر القرن التاسع عشر، لتبيّن تنوّع التحديات التي اعترضتهن.

تلتفت أبحاث حديثة إلى ما يُعرف بـ "المناهج الخفية" للجندر، أي تلك المعارف والمواقف الضمنية التي يحملها الأطفال والمعلّمون إلى المدرسة من غير وعي، فتنعكس في صورة دروس غير معلنة تشكّل سلوكهم. ففي دراسة عن لعب الأطفال الحر في المدارس الأمريكية، بيّنت (ثورْن 1993) أنّ البنين والبنات كانوا يتبادلون فيما بينهم قواعد السلوك الجندري من دون تدخل الكبار، بل حتى رغم الرسائل المغايرة التي يسعى الأهل والمعلّمون إلى ترسيخها. وقد أثارت هذه النتائج أسئلة حول مدى تأثير الثقافة الشعبية وثقافة الاستهلاك في تشكيل وعي الأطفال بالجندر، خصوصًا في ظل اتساع دائرة التسويق الموجَّه لهم في كثير من المجتمعات (ستون 2000).

تتيح البحوث النوعية كذلك دراسة طبيعة تمثيلات الجندر وصورها في المناهج والمواد المدرسية، مثل الكتب المقررة، سواء في النصوص أو الصور، بوصفها انعكاسًا للمواقف الشائعة والمعارف الضمنية لدى المعلّمين. فعلى سبيل المثال، أعرب محررو الكتب المدرسية في تايوان عن شعورهم بعدم الارتياح إزاء إدراج أدوار غير تقليدية للجنسين ضمن المواد التعليمية (بنغ وهوانغ 2012). وبالمثل، تكاد صور النساء تغيب عن الكتب المدرسية الإيرانية مقارنة بالرجال، وحين تظهر تُقدَّم عادة في مواقع تبعية (خيلتاش وراست 2008). ورغم أن مثل هذه النتائج لا تكشف بالضرورة عن علاقة سببية مباشرة بين التمثيل وعدم المساواة التعليمية، فإنها تضيء الدروس غير الرسمية التي يتلقاها الشباب حول الجندر في سياق دراستهم.

رؤى ختامية في موضوعات العرق والطبقة الاجتماعية والنوع الاجتماعي

توضح الأدلة أنّ التفاوتات البنيوية تشكل فرص التعليم تبعًا للعرق والإثنية، متأثرةً بالتحيّزات التعليمية والاجتماعية، وبآثار شبكات العلاقات، وبما يُعرف بـ "امتيازات خفية" وغيرها من العوامل. وتؤدي الطبقة الاجتماعية دورًا لا يقل أهمية، إذ تمنح الخلفية الأسرية ومستوى الدخل للشباب مزايا أو حرمانًا متفاوتًا، وهما عنصران حاسمان في تحقيق التحصيل التعليمي في شتى المجتمعات. كما أن النوع الاجتماعي يوجّه التوقعات التعليمية في المجتمعات المختلفة، سواء من خلال إقصاء الفتيات عن فرص التعليم، أو عبر تنشئة الذكور والإناث بطرق متباينة، أو عبر تشكيل مسارات تحصيل النساء والرجال على حد سواء.

ناقشنا في هذا الموضع العرق والطبقة والنوع الاجتماعي على نحو منفصل في الغالب، لبيان الصعوبات التي تنشأ عند التركيز على أي عنصر منها بمفرده. غير أنّ (كينشيلو وستاينبرغ 2009، ص 6) يؤكدان أنّ "المربّين مطالبون بفهم ديناميات العرق والطبقة والنوع الاجتماعي، كما هم مطالبون بفهم الكيفية التي تفضي بها تقاطعات هذه الفئات في الواقع الحي إلى توترات وتناقضات وانقطاعات في الحياة اليومية". وتظل أهمية العرق والطبقة والنوع الاجتماعي رهينة بالسياق الاجتماعي، تمامًا كما تتوقف عليه طرائق تأثير كل منها في الآخر.

لا يمكن فهم أوجه عدم المساواة التعليمية ومعالجتها إلا من خلال النظر في طبيعة التفاعل بين العرق والطبقة والنوع الاجتماعي داخل سياقات محددة. فبرامج "التمييز الإيجابي" في الولايات المتحدة، التي هدفت إلى تقليص فجوة القبول الجامعي بين الأمريكيين الأفارقة وغيرهم، كثيرًا ما وُصفت بالفشل (جاكسون 2008)، إذ ذهب معظم نفعها إلى الشرائح الميسورة. صحيح أنّ بعض الفئات الفقيرة من الأمريكيين الأفارقة استطاعت بفضل هذه البرامج دخول الجامعات، لكن عددًا ملحوظًا منهم لم يفلح في نيل شهاداته بسبب قصور في الاستعداد الأكاديمي أو نقص في الوسائل التي تضمن استمرار النجاح، وهذه بدورها مظاهر للفوارق الطبقية أكثر منها مظاهر للفوارق العرقية. لذا، فإن إغفال العلاقة بين العرق والطبقة يقلل من فرص نجاح تلك البرامج.

على غرار ذلك، قد تُفضي البحوث التي تتمحور حول النوع الاجتماعي إلى حجب العوامل الجوهرية المرتبطة بالعرق والطبقة، والتي تظل مؤثرة في فرص الفتيات التعليمية. وفي هذا السياق المركّب، تبرز الحاجة إلى طرح تساؤلات حول ما إذا كانت النتائج المتعلقة بالنوع الاجتماعي تكشف بالفعل أهمية العرق والطبقة أم تُغطي عليها، بحيث تتجاوز القراءة السطحية وتفضي إلى رؤى أكثر نفعًا. وينبّه (فيربراذر، ص 77) إلى أنّ "الواجب يقتضي وعيًا دائمًا بالتحيّزات الشخصية ومساءلة الافتراضات الذاتية أثناء محاولة فهم الافتراضات التي تحكم المجتمعات والثقافات قيد البحث". وغالبًا ما تلاحظ النساء ذوات البشرة الملوّنة أنّ النساء البيض يتناولن قضايا الجندر بطريقة تُقصي تجاربهن (هوكس 1994). وهذا بدوره يسلّط الضوء على مدى تداخل المتغيرات وتشابكها.

خلاصة القول إنّ العرق والطبقة والنوع الاجتماعي تمثّل ثلاث فئات اجتماعية محورية تقف وراء أوجه عدم المساواة التعليمية عبر مناطق العالم المختلفة، غير أنّ تفاعلها المعقد، ودلالاتها المتغيرة، وطابعها البنيوي تجعل من الصعب توظيفها بفاعلية في دراسات التربية المقارنة. فكلٌّ من العرق والطبقة يصعب تصنيفهما، ومن ثم يصعب تحليل أثرهما بصورة دقيقة في سياقات اجتماعية متباينة، أما النوع الاجتماعي فرغم سهولة مقارنته نسبيًا، فإن دلالاته تتحدد بطرق مختلفة في ضوء العرق والطبقة وغيرها من الفوارق داخل المجتمعات. وهذا يعني أنّ "النساء" لا يمكن النظر إليهن كمجموعة متجانسة حتى داخل المدرسة أو المجتمع الواحد. فضلًا عن ذلك، فإن العرق والطبقة والنوع الاجتماعي قد يؤثر كل منها في الآخر بطرائق تعيق التعميم، وتطرح عقبات إضافية أمام الباحثين الساعين إلى الإجابة عن أسئلة واسعة النطاق أو عالمية تتصل بالعدالة التعليمية.

استهلّ الفصل بكلمات (مايسون) التي شدّد فيها على أنّ "البحث التربوي المقارن يقدم أرفع ثماره، أخلاقيًا على الأقل، حين يحرص الباحثون منذ بداية صياغة مشروعاتهم على تحديد المحاور التي يجري على ضوئها توزيع السلع التعليمية وغيرها بصورة غير متكافئة، والعمل على تفكيك موضوع الدراسة وفق تلك المحاور". ويواجه البحث المقارن في قضايا العرق والطبقة والنوع الاجتماعي (إلى جانب سمات الهوية الشخصية الأخرى مثل القدرة والدين واللغة) مهمة صعبة، تتمثل في مقارنة الفئات داخل مدارس ومجتمعات غالبًا ما تتسم بالتنوع، من دون افتراض أنّ هذه الفئات تمثل جماعات اجتماعية متجانسة (كأن يُنظر إلى "البنين" و"البنات" بوصفهم كتلتين موحّدتين). وبالنظر إلى رؤية (مايسون، ص 253) للتربية المقارنة باعتبارها "علمًا اجتماعيًا نقديًا يحمل مشروعًا تحرريًا محوره تحليل توزيع القوة وامتيازاتها"، فإنّ على الباحثين المقارنين أن يطرحوا باستمرار أسئلة حول دلالات العرق والطبقة والنوع الاجتماعي وأهميتها، بوصفها عوامل مستقلة ومتداخلة في آن واحد، تشكّل فرص الأفراد التعليمية ومكتسباتهم. كما ينبغي أن تنصب المقارنة على السياقات إلى جانب الفئات الاجتماعية، بغية إبراز الدور الفعلي لهذه العوامل بدلًا من حجب أثرها.


الفصل الثامن

مقارنة الثقافات

طرح كاتب الرحلات المعروف (جان موريس 2005، ص 24) سؤالًا عن حقيقة النزعة الإمبريالية لدى البريطانيين، وبرز تساؤل آخر حول ما إذا كان "المتعلّم الصيني" في رؤية (واتكنز وبيغز 1996) يتمسّك دومًا بتقدير عالٍ للتعليم، وهل يتميّز الطلاب الآسيويون بالجدّية وحدها، أم يمتلكون فوق ذلك حافزًا قويًا نحو التفوّق (لي 1996، ص 25). وأثيرت الشكوك أيضًا بشأن وجود "بيداغوجيا صينية مميزة" كما أوحى (راو وتشان 2009، ص 10)، وبشأن ما إذا كان الطلاب الفنلنديون يحظون بأفضلية ثقافية تساعدهم على تكرار التفوق في اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) الذي أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية خلال أعوام 2000 و2003 و2006 و2009 و2012. ودار النقاش كذلك حول مدى وجاهة ما أعلنه تقرير لجنة آيسلن في جنوب إفريقيا سنة 1951 من أنّ "الممارسة التعليمية يجب أن تدرك أنّها تتعامل مع طفل بانتو تشكّل في أحضان ثقافة البانتو، وتعلّم لغة البانتو، وتشرب قيمًا وميولًا وأنماط سلوك على يد أم بانتو" (كالواي 1984، ص 175). وتواصل الجدل حول مدى صحة تصريح (هندريك فرفورد) وزير شؤون السكان الأصليين في جنوب إفريقيا سنة 1954 حين قال إنّ "لا مكان للبانتو في المجتمع الأوروبي إلا في نطاق بعض أشكال العمل" (كالواي 1984، ص 173).

يتّضح أنّ العوامل الثقافية ترتبط بالتعليم وتُوجّه الكثير من مساراته، ولم يشكّك في ذلك سوى قلة، كما لاحظ (ألكسندر 2000، ص 29–30):

تتجلّى الحياة في المدارس والفصول باعتبارها امتدادًا للمجتمع الأوسع لا كيانًا منفصلًا عنه، فالثقافة لا تنتهي عند بوابة المدرسة، وإنّما تترك القيم المؤثرة في جوانب الحياة الوطنية بصماتها في تكوين ملامح الحياة المدرسية وحركتها الداخلية.

بيّن (ألكسندر) في الصفحة 30 أنّ الثقافة تحتل موقع الصدارة في التحليل والفهم المقارن وتغدو الركيزة الكبرى في النظم التعليمية الوطنية.

يتطلّب البحث المقارن بين الثقافات قدراً من اليقظة، إذ قد يُواجَه الباحثون بتهم الانزلاق نحو الصور النمطية أو التعامل مع الثقافة على أنّها وحدة صلبة أو المبالغة في أثرها ضمن عالم يضجّ بتفاعلات معقّدة ومؤثرات متشابكة. وقد جاء ردّ (موريس 2005، ص 24) على تساؤلها حول ما إذا كان البريطانيون ينزعون فعلًا إلى الإمبريالية على النحو الآتي:

اتّسم بعض البريطانيين بالنزعة الإمبريالية فيما خلا آخرون منها، وكان ذلك رهناً بالطبقة والعمر والطبع والدين وبأوضاع البلاد وبمصير الاستثمارات وبصحة الجسد وبغيرها من عوامل شتى تجعل فكرة الإجماع الوطني بشأن أي قضية فرضية جوفاء.

استشهد (لي 1996) في فصله من كتاب المتعلّم الصيني بآراء (هو 1986) و(يانغ 1986) التي أكّدت ما يُنسب عادةً إلى الطلاب الصينيين، بل والآسيويين على وجه أعم، من جدّ واجتهاد ودافعية قوية وتقدير رفيع للتعليم. وقد أبلغ كثير من المعلّمين الذين عملوا في مجتمعات وُصفت بما يُعرف على نطاق واسع بـ "ثقافات الإرث الكونفوشيوسي" عن انطباعات مشابهة. غير أنّ التساؤل يظل قائمًا حول مدى صواب هذه التوصيفات، وهل هي سمات حصرية لطلاب تلك الثقافات. وقد نبّه (لي) القرّاء إلى مخاطر التعميم المفرط، كما ذكّر هو و(مانزون) في الفصل التاسع من هذا الكتاب بأنّ "القيم حين تُناقش على نحو جماعي يجب النظر إليها في سياق اختيارات الأفراد لها". وفي كتاب إعادة النظر في المتعلّم الصيني حذّر (تشان) و(راو) بدورهما من مخاطر إقامة "تمييز ثنائي بين الطلاب الصينيين والغربيين" ومن "افتراض تجانس الشعب الصيني" (2009أ، ص 318).

أشار (فالِييارفي 2002، ص 45) في معرض تناوله أداء التلاميذ في فنلندا ضمن دراسة PISA لعام 2000 إلى أنّ العوامل الثقافية شكّلت عنصرًا مؤثرًا، ورأى أنّ من بين مكوّناتها التجانس الثقافي الذي جعل من اليسير نسبيًا في فنلندا التوصّل إلى تفاهم مشترك حول سياسة التعليم الوطنية ووسائل تطوير النظام التعليمي. كما لفت (فالِييارفي) إلى انخراط الطلاب في القراءة وإلى التواصل الثقافي بين الآباء والأبناء، واستشهد بما تحظى به المساواة في فرص التعليم من قيمة ثقافية كبرى في فنلندا.

قدّم (لينناكولا 2002) تفسيرًا آخر للإنجاز البارز الذي حققه تلاميذ فنلندا، إذ استنتج أنّ الأطفال الفنلنديين نشؤوا عبر قرون من التقاليد الثقافية على احترام راسخ لمهارة القراءة. ويُعزى ذلك إلى ما أعقب حركة الإصلاح البروتستانتي في شمال أوروبا (1517–1648)، حين تحدّى (مارتن لوثر) وآخرون الممارسات الكنسية الكاثوليكية السائدة، فأصبح من المألوف بل والضروري أن يقرأ الآباء الكتاب المقدّس لأبنائهم، خلافًا لما كان شائعًا من قصر قراءة الكتاب المقدّس على رجال الدين في التقاليد الكاثوليكية. ومنذ القرن السادس عشر، حين كانت فنلندا جزءًا من السويد، غدت القدرة على القراءة شرطًا لتلقّي الأسرار المقدّسة ولإبرام عقد الزواج المسيحي. وكانت مهارات القراءة عند الأطفال تُختبر علنًا في احتفالات سنوية تُعرف بـ كينكيريت، حيث كان الإخفاق فيها يجلب العار ويحرم صاحبه من الإذن بالزواج (لينناكولا 2002، ص 83–85). ونتيجة لذلك نشأ معظم أطفال فنلندا على مدى قرون في أسر يتمتّع كلا والديها بالقدرة على القراءة والكتابة.

يختلف السؤال الأخير المطروح في مطلع هذا الفصل، حيث استُخدمت الفوارق الثقافية لتبرير تعليم الفصل العنصري، اختلافًا حادًا عن الأمثلة السابقة. ومع أنّ المواقف العنصرية الواضحة في جنوب إفريقيا آنذاك كانت تخدم مصالح النخبة الاقتصادية والسياسية، فإنّ كثيرًا من الباحثين في التربية يعترفون بوجود قدر معتبر من الحقيقة في الأمثلة المستقاة من التجربة الفنلندية ومن ثقافات الإرث الكونفوشيوسي. ومع أنّ التأثيرات الثقافية في التعليم تكاد تُجمع عليها الدراسات، فإنّ معظم الباحثين يحجمون عن الجزم بماهيتها، لأنّها من أعسر ما يمكن فصله عن غيره، وما يُقال عنها يبقى في غالب الأحيان هشّ الأساس، إذ يسهل تضخيم أثر ثقافة معينة أو إساءة تقديره في عالم شديد التشابك والتداخل. والأسوأ أنّ من يتصدّى لوصف أثر الثقافة في التعليم قد يواجه اتهامات بالوقوع في فخ التنميط وربما بالعنصرية. ولهذا يبدو الفارق شاسعًا بين ما حظيت به كتب المتعلّم الصيني (واتكنز وبيغز 1996) وتعليم المتعلّم الصيني (واتكنز وبيغز 2001) وإعادة النظر في المتعلّم الصيني (تشان وراو 2009ب) من تقدير علمي، وما كان سيُستقبل به كتاب بعنوان "المتعلّم الإفريقي الأسود"، إذ تُعَدّ الأعمال الأولى محاولة جادة للكشف عن أسباب التفوق الدراسي الاستثنائي لطلاب ثقافات الإرث الكونفوشيوسي، وهو تفوق لا يخلو من مفارقات بالنظر إلى السياسات التعليمية وأساليب التدريس، في حين لا يتجاوز الثاني كونه استمرارًا للأدبيات التي شُيّدت لتبرير التعليم الاستعماري وتعليم الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وكأنّ المسألة كلها تختزل في "المتعلّم الإفريقي الأسود".

استند المؤلف إلى هذه الاعتبارات ووجّه هذا الفصل إلى مناقشة التحديات الفلسفية والمنهجية التي يواجهها الباحثون عند محاولتهم المقارنة بين التعليم في ثقافات متعددة. وقسّم عرضه إلى قسمين أساسيين؛ أحدهما تناول الأسئلة التاريخية والفلسفية والأنثروبولوجية والسوسيولوجية المرتبطة بتعريف الثقافة وكيفية فهمها في سياقات مختلفة، والآخر تناول الأسئلة المنهجية المرتبطة بالبحث التربوي عبر الثقافات وما يرافقه من صعوبات. وسعى المؤلف إلى بلورة فهم أكثر تفصيلًا للثقافة مما يظهر في كثير من البحوث التربوية المعاصرة، معتمدًا على أعمال مفكرين بارزين مثل (يوهان هيردر) و(رايموند وليامز) و(روبرت بوكوك) و(ستيوارت هال) و(غيرت هوفستيد) و(زيجمونت باومان). كما عرض القضايا المنهجية في البحث التربوي عبر الثقافات بالرجوع إلى إسهامات كل من (روبرت ليفاين) و(جوزيف توبيـن) و(روبين ألكسندر) و(فاندرا ماسمان).

يتوقف بناء استدلالات متينة في إطار الدراسات المقارنة على أن تتم المقارنة بين كيانات محددة الهوية ومتميزة عن غيرها. فإذا أراد الباحثون أن يستندوا إلى مقارنة بين ثقافتين كي يبلوروا نتائج ذات قوة تفسيرية، وجب عليهم أن يحددوا بوضوح ماهية كل ثقافة وأن يتأكدوا مما يجعلها مختلفة عن الأخرى. فإذا أرادوا أن يطرحوا مثلًا قولًا من قبيل "المتعلمون الصينيون يكنّون دائمًا احترامًا رفيعًا للتعليم"، فإنّ عليهم أن يضعوا في اعتبارهم أنّ مثل هذا القول الحاسم يعني بالضرورة أنّ كل أفراد هذه الجماعة يتميزون بهذه السمة. كما أنّه ينطوي على أنّ هذه السمة تمثل خاصية جوهرية في هوية أفراد الجماعة، بحيث يصبح احترام التعليم شرطًا لازمًا يحدد الانتماء إلى الجماعة التي تُصنَّف باعتبارها "الصينيين".

يسهم الانتباه إلى ضبط المفاهيم والتعريفات في بحوث التربية المقارنة بين الثقافات في إرساء قدر أكبر من الصرامة المنهجية في هذا الميدان، إذ تقوم هذه البحوث في جوهرها على مقارنات تعليمية عبر ثقافات متعددة، وهي مقارنات شائعة ومتكررة في الدراسات التربوية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الدراسات الدولية للتحصيل الدراسي التي أُنجزت برعاية الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA) وكذلك الدراسات التي يشرف عليها برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA). وغالبًا ما يفضي التحليل الثانوي لنتائج هذه الدراسات إلى سعي معقّد لاستخلاص العوامل الثقافية التي قد ترتبط بمستويات التحصيل، غير أنّ أول منزلق يظهر في هذا السياق يتمثل في الانتقال من الحديث عن الدولة إلى الحديث عن الثقافة، بل وفي الخلط بين مفاهيم الأمة والدولة والثقافة. وهذا الخلط لا يصح علميًا، تمامًا كما أنّ تصوير الثقافة على أنّها كيان واحد متجانس ومنعزل خطأ واضح. وقد أسهمت الصورة المتوارثة عن عالم أنثروبولوجيا يعتمر القبعة الاستوائية ويشق طريقه في الغابات الكثيفة ويعبر الجبال الوعرة ليصل إلى قبيلة نائية معزولة في وديانها ويسجّل ممارساتها وعاداتها، في تكوين تصوّرات مبسّطة عن المقارنة بين الثقافات، ربما بدرجة أكبر مما يُتصوَّر عادة. ولهذا تُثار تساؤلات مشروعة حول مدى صدقية وموثوقية المنظورات الأنثروبولوجية في دراسة التربية عبر الثقافات، ولا سيما تلك المناهج القديمة التي ما زالت تؤثّر في كثير من الدراسات المعاصرة. وفي عالم لم يعد يسمح بوجود عزلة ثقافية كالتي صُوِّرت عن قبائل بورنيو، لم تعد هذه الرؤى الأنثروبولوجية القديمة صالحة لتوجيه البحث المقارن، بل يصبح من الأجدى التوجّه إلى المنظورات السوسيولوجية لمفهوم الثقافة من أجل بناء تصوّر أوسع وأكثر عمقًا يعكس تعددية الثقافات وتشابكها وتداخلها في عالم يتّسم بازدياد التعددية والتنوع والاعتماد المتبادل والاندماج والتعقيد.

تعريف الثقافات ووصفها

يتركّز أول الأسئلة المحورية حول ماهية الثقافة نفسها، إذ يُطرح التساؤل عمّا تشمله طبيعتها، وبأي وسائل يمكن إدراكها والتعرّف عليها، وما النتائج التي تخلّفها في السياقات الاجتماعية والتربوية، وكيف ينعكس تأثيرها في الممارسات والعمليات المختلفة.

اعتبر (رايموند وليامز)، الذي يُعَدّ في طليعة المنظّرين الكبار في ميدان الثقافة كما تشهد على ذلك مؤلفاته الصادرة أعوام 1981 و1982 و1985، أنّ كلمة "ثقافة" تمثل واحدة من أعقد الكلمات في اللغة الإنجليزية، وربما تدخل ضمن أكثر كلمتين أو ثلاث كلمات إثارة للتعقيد (1985، ص 87). وأوضح أنّ هذا التعقيد "ينشأ من سببين متداخلين؛ أولهما التطور التاريخي المركب للكلمة عبر عدد من اللغات الأوروبية، وثانيهما، وهو الأهم، أنّ الكلمة أصبحت تُستعمل للدلالة على مفاهيم رئيسية في مجالات فكرية متمايزة، بل ومتعارضة في كثير من الأحيان، وفي أنساق متعددة من التفكير يصعب التوفيق بينها".

التطور التاريخي لمفهوم الثقافة

ظهر مصطلح الثقافة في استعمالاته الأولى ليعني "رعاية شيء ما، وبوجه خاص المحاصيل أو الحيوانات" (وليامز 1985، ص 87). وبعد ذلك اتسع معناه عبر الاستعارة ليُستخدم في الإشارة إلى عملية التطور الإنساني، كما في قول (هوبز 1651) "ثقافة عقولهم"، إلا أنّ الكلمة لم تدخل التداول الشائع في اللغة الإنجليزية إلا في منتصف القرن التاسع عشر. ويبيّن (وليامز) أنّ مفهوم "تهذيب الذات" المعروف في تقاليد الإرث الكونفوشيوسي ظل حاضرًا بوصفه قيمة فكرية وأخلاقية، غير أنّ إنجلترا القرن الثامن عشر شهدت تطورًا مغايرًا حين اكتسبت كلمتا "التهذيب" و"المهذَّب" دلالات متصلة بالطبقة الاجتماعية، فتحوّل المفهوم من قيمة أخلاقية عامة إلى علامة على الانتماء الطبقي.

أخذت اللغة الألمانية الكلمة الفرنسية Culture ودوّنتها بصيغة Kultur، وكانت تحمل في دلالتها معنى الدخول في مسار التمدّن والتهذيب أو عملية الارتقاء نحو حالة أكثر تحضّرًا. ويشير (باومان 2011، ص 53)، مستندًا إلى أعمال (فيليب بينيتون)، إلى أنّ فكرة الثقافة في لحظة نشأتها الأولى قد تميّزت بجملة من الخصائص:

يقوم هذا التصور على مسلّمة مفادها أنّ المثال الأسمى للطبيعة الإنسانية يظل واحدًا لا يتغيّر باختلاف الأمم أو الأمكنة أو الأزمنة، وأنّ أوروبا هي التي اكتشفت هذا المثال وصاغت حدوده ورسخته من خلال نماذج الحياة الفردية والجماعية فيها، وهو ما يعبّر عن نزعة أورومركزية تجعل من التجربة الأوروبية مرجعًا وحيدًا لتحديد جوهر الإنسان.

برزت أهمية خاصة لموقف الفيلسوف الألماني (هيردر) في أواخر القرن الثامن عشر لأنه رفض الفكرة التي سادت آنذاك حول وجود مسار موحّد للتطور الإنساني. وقد وجّه نقدًا شديدًا حتى لمجرد التصور بوجود "ثقافة أوروبية متفوقة" (وليامز 1985، ص 89)، ولم يقبل أن تُرفع أوروبا إلى مرتبة النموذج الأعلى، بل انصرف إلى إبراز التمايزات بين الثقافات واختلاف مساراتها. وتمثل إسهامه الأكبر في إدخال مفهوم "الثقافات" بصيغة الجمع، وهو ما اعتبره (وليامز 1985، ص 89) ابتكارًا حاسمًا غيّر مسار التفكير في معنى الثقافة. فقد شدّد (هيردر) على أنّ لكل أمة ثقافة خاصة بها تختلف عن ثقافات الأمم الأخرى، وأنّ كل عصر يطبع ثقافته بطابعه، وأنّ الجماعات الاجتماعية والاقتصادية داخل الأمة الواحدة تمتلك هي الأخرى ثقافات متمايزة. وهكذا لم يعد الحديث ممكنًا عن ثقافة واحدة موحّدة، بل أصبح لا بد من الاعتراف بتعدد الثقافات واختلافها في المكان والزمان. ومن هذا المنطلق برزت أسئلة ملحّة حول إمكان إجراء المقارنة بين هذه الثقافات، وحول الأساليب التي تتيح دراسة الفوارق داخل الثقافة الواحدة نفسها بين طبقاتها وفئاتها المختلفة.

استخدمت الثقافة في أحد معانيها لوصف "عملية عامة من التطور العقلي والروحي والجمالي" (وليامز 1985، ص 87)، غير أنّ العلوم الاجتماعية الحديثة وظّفت هذا المصطلح في سياق آخر ارتبط بخط فكري يبدأ من (هيردر) ويمتد إلى كتاب (كلم) التاريخ الثقافي العام للبشرية (1843–1852) ثم إلى كتاب (تايلور) الثقافة البدائية (1870). وفي هذه المؤلفات ظهرت الثقافة اسمًا مستقلًا، تُستعمل أحيانًا على نحو عام وأحيانًا على نحو محدد، لتشير إلى أسلوب حياة بعينه، سواء أكان أسلوب حياة شعب بعينه أو عصر من العصور أو جماعة اجتماعية أو الإنسانية كلها. وكثيرًا ما استُعملت الكلمة أيضًا للدلالة على "الأعمال والممارسات الفكرية، وبخاصة النشاط الفني: فالثقافة هي الموسيقى والأدب والرسم والنحت والمسرح والسينما" (وليامز 1985، ص 90). غير أنّ هذا الاستعمال الفكري والجمالي ليس موضوع اهتمامنا المباشر هنا، ويكفينا أن نسجّل أنّ الثقافة، حين تعبر بهذه الصيغة عن قيم جماعة بعينها، فإنها تؤدي وظيفة أوضحها (كلكهون 1961)، إذ رأى أنّ الثقافة تستجيب لأسئلة إنسانية جوهرية تتصل بطبيعة النفس البشرية، وبعلاقة الإنسان بالطبيعة، وبعلاقة الإنسان بسائر البشر، وبعلاقة الإنسان بالعمل.

انطلقت معظم المحاولات الرامية إلى تحديد معنى "صحيح" أو "سليم" أو "علمي" لمصطلح الثقافة من اعتماد استعماله في الأنثروبولوجيا الأمريكية الشمالية معيارًا يُقاس عليه. ويُعد هذا الاعتماد أمرًا اعتباطيًا، وتكمن في هذا الاعتباطية بعض الأسباب التي دفعتني إلى الدفاع عن تبنّي المنظورات السوسيولوجية المعاصرة في دراسة التربية مقارنة بين الثقافات، بدلًا من الاقتصار مثلًا على المنظور الأنثروبولوجي الأمريكي الشمالي الذي تبنّته (ماسيمان). وعند السعي إلى بناء فهم لمفهوم الثقافة لأغراض المقارنة، يكتسب معنى خاصًا ما أشار إليه (وليامز 1985، ص 91) بقوله:

ركّزت الإشارة إلى الثقافة في علم الآثار والأنثروبولوجيا الثقافية على الإنتاج المادي، بينما ركّزت في التاريخ والدراسات الثقافية على النظم التي تُعنى بالمعنى والرمز.

تقتضي المقارنة بين النظم التعليمية في الثقافات المتعددة تناول جانبي الإنتاج المادي والنظم الرمزية في آن واحد. ويُعد المنهج الدراسي نموذجًا واضحًا يجمع بين البعد المادي والبعد الرمزي، وينطبق الأمر كذلك على السياسات التعليمية والمواد التعليمية التي تُستعمل في الممارسة التربوية.

خصّت الأنثروبولوجيا الرمزية اهتمامها الأساسي بالنظم الدلالية كما هو واضح في حقل الدراسات الثقافية، بخلاف الأنثروبولوجيا الثقافية التي ارتبطت بالإنتاج المادي. ويبرز كتاب (واجنر 1981) اختراع الثقافة بوصفه نصًا تأسيسيًا في هذا الاتجاه، إذ دعا إلى تجاوز النظرة التي ترى في الثقافة كيانًا ثابتًا يُحدّد حياة الأفراد، وأكّد على ضرورة النظر إليها كعملية جدلية دينامية ينخرط فيها الناس ضمن بيئاتهم الاجتماعية، ويشاركون في صياغة الثقافة عبر إعادة استخدام الرموز السائدة بطرائق جديدة تولّد معاني مختلفة. وتتضح هذه الجدلية في تنوّع الألفاظ التي استُخدمت عبر الأزمنة للدلالة على المتعلم، إذ قيل تلميذ أو صبي مدرسة أو فتاة مدرسة، وقيل متدرّب أو متعلم بالممارسة، كما استُعملت أوصاف أخرى مثل تابع أو مريد، واستُخدمت ألقاب أكاديمية مثل باحث أو ناقد أو طالب، بل ظهر في العصر الحديث تعبير متعلم مدى الحياة. وكل لفظ من هذه الألفاظ يرتبط بمنظومة قيم محددة ويمنح المتعلم دورًا مختلفًا تبعًا لتغير التصورات الثقافية عبر السياقات التاريخية والاجتماعية. ويعني ذلك أنّ الناس الذين يشتركون في ثقافة معينة هم الذين يصوغون هذه الرموز، ويضفون عليها معاني تتباين فيما بينهم، فتتجلّى الثقافة لا كيانًا مغلقًا بسمات ثابتة، بل قوة منتجة تتشكّل من تجمع واسع وغير متماسك تمامًا من العوامل المتداخلة التي تمارس تأثيرها على الأفراد وفي الوقت نفسه تتأثر بهم.

قاد هذا العرض إلى استخلاص تعريفين للثقافة يُنظر إليهما باعتبارهما الأكثر أهمية في اهتمامات علماء الاجتماع. فجاء التعريف الأول في إطار الأنثروبولوجيا، وهو التعريف الذي يشير إلى "أسلوب حياة مميز، سواء ارتبط بشعب من الشعوب أو بفترة تاريخية محددة أو بجماعة اجتماعية أو بالإنسانية جمعاء" (وليامز 1985، ص 90). ويحتوي هذا الأسلوب على القيم والمعاني التي يشترك فيها أعضاء الجماعة ويعبّرون من خلالها عن هويتهم. ووفقًا لرؤية (كيسنغ) فإنّ الثقافة "ترتبط بالأفعال والأفكار والمنتجات المادية التي يتعلّمها الأفراد في التقاليد التي ينتمون إليها، ويتبادلونها فيما بينهم، ويولونها التقدير" (1960، ص 25). وانطلاقًا من هذا الإطار، بنت (ماسيمان) مقاربتها الأنثروبولوجية للثقافة (2013، ص 114) على افتراض أساسه أنّ:

تمتد دلالة الثقافة لتشمل جميع جوانب الحياة الإنسانية، إذ تتضمن الأبعاد الذهنية التي تتجلى في طرائق التفكير والقيم، والأبعاد الاجتماعية التي تتمثل في أشكال العلاقات داخل الأسرة ومع المؤسسات الكبرى، والأبعاد اللغوية التي تتجسد في اللغات المنطوقة والمكتوبة، فضلًا عن الأبعاد المادية التي تظهر في جسد الإنسان وفي البيئة التي يعيش فيها. وتشمل الثقافة كذلك الرموز التي يتقاسمها الناس، مثل أشكال التعبير الكتابي أو الفني من موسيقى ورسم ونحت، كما تمتد إلى علاقة الأفراد بمحيطهم الطبيعي، وإلى التقنيات التي يبتكرها المجتمع ويعتمد عليها في تنظيم حياته.

انبثق التعريف الثاني للثقافة عن التوجه الأنثروبولوجي، غير أنّه لم يقف عند حدود الإشارة إلى المعاني المشتركة داخل الجماعات، بل ذهب أبعد من ذلك حين ركّز على "البعد الرمزي، وعلى ما تؤديه الثقافة من وظائف أكثر مما تُعرَّف به من ماهيات" (بوكوك 1992، ص 232). وفي الدراسات الثقافية بوجه خاص، تبرز الثقافة ليس بوصفها مجرد أسلوب حياة مميز يرتبط بالآثار المادية التي تُعرّف شعبًا أو فترة أو جماعة، بل بوصفها "نسقًا من الممارسات التي يتم من خلالها إنتاج المعاني وتبادلها داخل الجماعة" (بوكوك 1992، ص 233). وتقوم اللغة في قلب هذا النسق، لأنها تتيح من خلال نظامها المشترك إمكان التواصل الدالّ بين الأفراد. ويُفهم مصطلح اللغة هنا فهمًا موسعًا، إذ يشمل كل أنظمة العلامات والرموز التي تُنتج المعنى وتحوّله إلى وسيلة للتعبير: "فأي نظام للتواصل يستند إلى العلامات في الإشارة إلى الأشياء في العالم الواقعي يُعد عملية رمزية تتيح لنا أن نتخاطب تخاطبًا ذا معنى حول العالم" (بوكوك 1992، ص 233).

تُدرَك أنظمة العلامات والرموز عادةً في صورة الكلمات التي تتألف منها اللغة، غير أنّها تمتد أيضًا لتشمل الأشياء المادية. ويظهر الفارق بين المقاربة الرمزية للثقافة والمقاربة الأنثروبولوجية لها في الكيفية التي تُفسَّر بها الأهمية الكامنة وراء الشيء المادي. ولعلّ أبرز الأمثلة على ذلك الزي المدرسي الذي يُلزم به بعض الأطفال، أو الملابس التي يختارها التلاميذ حين يكونون في غياب إلزام بالزي الموحّد، بما تحمله أو لا تحمله من شعارات العلامات التجارية، إذ تتحول هذه الأزياء في حد ذاتها إلى علامات رمزية تنقل معاني وتُجسّد مضامين ثقافية.

تقدّم الأنثروبولوجيا الثقافية تعريفًا للثقافة باعتبارها "المعاني المشتركة وأنماط العيش التي تجمع الناس"، في حين تقدّم الدراسات الثقافية والفروع المرتبطة بها تعريفًا مغايرًا يركّز على أنّ الثقافة هي "الممارسات التي يُنتج من خلالها المعنى" (بوكوك 1992، ص 234). ويكشف التأمل في هذين التعريفين أنّهما ليسا متناقضين بقدر ما يختلفان في مجال التركيز؛ فالأول يولي عناية بالمحتويات الجوهرية للثقافة بوصفها أسلوب حياة متكامل يعكس قيماً ومعاني مشتركة، بينما يوجّه الثاني اهتمامه إلى الإجراءات والممارسات التي تتيح إنتاج هذه المعاني وتبادلها داخل الجماعة. ولهذا يتجه التحليل الثقافي الذي يميز الاتجاه الثاني إلى البحث عن طرائق إنتاج الدلالة عبر "ترتيب الحدث وبنيته الرمزية ونموذجه المنظم" (بوكوك 1992، ص 235)، الأمر الذي صاغ مفهوم البنيوية بوصفه إطارًا نظريًا يفسر كيفية توليد المعنى.

مفهوم الثقافة الوطنية في السياقات المجتمعية الحديثة

يظهر في المجتمعات الحديثة أنّ أبرز أشكال التعبير عن الهوية الثقافية يتمثل في الثقافة الوطنية، بينما كانت الهوية في المجتمعات ما قبل الحديثة تُصاغ في إطار الانتماء إلى قبيلة أو دين أو إقليم جغرافي. غير أنّ بروز الدولة القومية باعتبارها الكيان السياسي المهيمن في الحداثة أدى إلى تراجع تلك الأشكال من الانتماءات التقليدية وصعود هوية وطنية جامعة تستمد شرعيتها من فكرة الثقافة الوطنية. ولهذا السبب كثيرًا ما جرى الخلط بين مفهومي الأمة والثقافة في البحوث المقارنة في التربية، إذ حاول الباحثون أن يفسروا عبر هذا الدمج ما إذا كانت عوامل ثقافية محددة قد ساعدت مثلًا في تفسير نجاح فنلندا المتكرر في نتائج البرنامج الدولي لتقويم الطلبة (PISA). وبذلك يتجه النقاش إلى السؤال الجوهري المتعلق بدلالة مفهوم الثقافة الوطنية.

أتابع هنا طرح (هول) (1994، ص 292) الذي عرّف الثقافة الوطنية بأنها خطاب بالمعنى الواسع للكلمة، أي "طريقة في تشييد المعاني تؤثر في سلوك الأفراد وتعيد تنظيم تصوراتهم لأنفسهم". ويرى (أندرسون) (1983) أنّ الهوية الوطنية لا تتجاوز كونها "مجتمعًا متخيَّلًا". غير أنّ هذا التصور لا ينفي مطلقًا النتائج الواقعية المترتبة على الهوية الوطنية والثقافة، بل يسلّط الضوء على ضرورة أن يتأمل الباحثون في التربية المقارنة، قبل الشروع في إجراء المقارنات بين الثقافات، ليس فقط طرائق تمثيل خطاب الثقافة الوطنية، وإنما أيضًا القوة التي تمتلكها هذه التمثيلات في استقطاب الولاء الوطني وفي إعادة تعريف الهوية الثقافية ضمن حدود الدولة القومية.

انصبّ التركيز في هذه المناقشة على مفهوم الثقافة الوطنية والهوية الوطنية لما حظي به من عناية خاصة لدى الباحثين في ميدان التربية المقارنة. وإذا كان الواقع المعاصر يكشف عن وجود هويات ثقافية متعددة تتداخل في تشكيل الأفراد والجماعات، فإنّ مسار العولمة وما يرتبط به من تحولات اجتماعية وثقافية قد قلّل من مركزية الهوية الثقافية الوطنية وجعلها تندرج ضمن مجموعة واسعة من الخطابات الثقافية التي تصوغ الفرد في سياق الحداثة المتأخرة. ومع ذلك تظل الهوية الوطنية، رغم هذا التراجع النسبي، إحدى أكثر هذه الخطابات قوة ونفوذًا في المجتمعات الحديثة، بما تملكه من قدرة على حشد الانتماء وتوجيه الوعي الجمعي.

ما هي إذن الهوية الثقافية الوطنية؟ لقد أشار (هول) (1994، ص 292–293) إلى أنّ:

لا تُعد الهوية الوطنية معطًى طبيعيًا يولد به الإنسان، وإنما هي بناء اجتماعي وثقافي يتشكل عبر عمليات التمثيل ويتغير تبعًا لها. وما نملكه من تصور حول معنى "الإنجليزية" إنما يرجع إلى الطريقة التي أعادت بها الثقافة الوطنية الإنجليزية إنتاج "الإنجليزية" في صورة منظومة من المعاني التي تحدد ماهيتها. وهنا تبرز الأمة باعتبارها كيانًا سياسيًا يستند إلى الحدود والمؤسسات، وتعمل في الوقت نفسه على إنتاج الدلالة وإرساء نظام من التمثيلات الثقافية. فالانتماء إلى الأمة لا يتحدد من خلال المواطنة القانونية وحدها، بل من خلال المشاركة في فكرة الأمة كما تُجسَّد داخل خطاب ثقافتها الوطنية. وتبني الثقافة الوطنية الهوية عن طريق توليد معانٍ متصلة بـ"الأمة" يجد الأفراد فيها مجالًا للتماهي والانتماء، وهذه المعاني تتجلى في السرديات التي تُحكى عنها، وفي الذكريات التي تربط حاضرها بتاريخها، وفي الصور التي تُبتكر لها لتمنحها حضورًا رمزيًا متجددًا.

انبثقت الثقافة الوطنية في سياق نشوء الحداثة وأسهمت في بلورة ملامحها، إذ أخذت تعمل تدريجيًا على إزاحة خطابات الهوية التي سادت في العصور السابقة مثل الانتماءات القبلية والإثنية والدينية والإقليمية، وإن لم تُلغها بصورة كاملة. وتعاظم حضور خطابات الثقافة الوطنية مع ترسيخ الدولة القومية للغة مشتركة، وإنشاء نظام تعليمي وطني هدفه ضمان شمولية التعليم ونشر مهارات القراءة والكتابة في تلك اللغة التي أصبحت تُعَد لغة الأمة. وساهمت في تعزيز هذا الحضور أيضًا المتاحف والمسارح والفنون الأدائية، والرموز المعمارية الكبرى مثل القصور والقلاع والمباني البرلمانية التي جسدت سيادة الدولة وهيبتها، ثم جاء العصر اللاحق ليضيف إلى هذا المشهد الفرق الرياضية الوطنية والعلامات التجارية التي جرى تسويقها بهويات وطنية، الأمر الذي منح الثقافة الوطنية امتدادًا في الحياة اليومية والفضاء العام.

من أين تنبثق التمثيلات التي تُنشئ خطاب الثقافة الوطنية وتعبر عنه؟ قد تُشيَّد سردية الثقافة الوطنية من خلال "الاحتكام إلى جذور مشتركة وروح واحدة" (باومان 2011، ص 73) يتجسد فيها:

  • السرديات التي تُحكى وتُعاد حكايتها عن الأمة في كتب التاريخ الوطني وآدابه ووسائل إعلامه وثقافته الشعبية، وهي السرديات التي تُقدّم مجموعة من القصص والصور والمشاهد الطبيعية والسيناريوهات والأحداث التاريخية والرموز الوطنية والطقوس التي تمثل الخبرات المشتركة للأمة من آلام وانتصارات وكوارث، فتمنح الأمة معناها، وهي ذاتها التي تنسج الخيوط التي تربطنا على نحو غير مرئي بماضينا (هول 1994، ص 293؛ شفارتس 1986، ص 155).

  • إبراز مفهوم "الأصول والاستمرارية والتقليد والخلود" (هول 1994، ص 294)، بحيث تُصوَّر الهوية الوطنية كأنها كيان بدئي مترسخ "في طبيعة الأشياء نفسها" (غيلنر 1983، ص 48).

  • مفهوم "اختراع التقليد"، حيث أشار (هوبزباوم) و(رانجر) (1983، ص 1) إلى أنّ كثيرًا من التقاليد التي تُقدَّم على أنها عريقة أو تُظهِر نفسها كذلك إنما نشأت في فترات حديثة، وبعضها اختُلق اختلاقًا.

  • بناء "أسطورة تأسيسية" تحدد نشأة الأمة والشعب وطباعهم القومية في مرحلة موغلة في القدم بحيث تضيع معالمها في ضباب زمن أسطوري لا ينتمي إلى التاريخ الواقعي (هول 1994، ص 295؛ هوبزباوم ورانجر 1983، ص 1).

  • إسناد الهوية الوطنية إلى مرتكز رمزي يقوم على تصور "شعب نقي في أصله وأصيل في جذوره" (هول 1994، ص 295؛ غيلنر 1983، ص 61).

أردتُ من الاستعانة بآراء هؤلاء المفكرين أن أبيّن أنّ الهوية الثقافية الوطنية ليست حقيقة طبيعية راسخة بقدر ما هي بناء اجتماعي وخطابي، وأنّها لا تقوم على مرتكزات مادية صلبة بقدر ما تتشكل عبر التمثيلات والدلالات، وذلك بهدف تحذير الباحثين في ميدان التربية المقارنة من هشاشة الأسس التي تُقدَّم على أنها دعائم للهوية الثقافية ومن طابعها الاعتباطي. وإذا كان البحث المقارن يقتضي في خطوته الأولى عزل الكيانات موضع المقارنة وتعريفها تعريفًا دقيقًا، فإنّ الواقع يكشف أنّ الثقافة من أكثر "الوحدات" استعصاءً على التحديد وأشدها صعوبة في الوصف والتحليل الإجرائي. صحيح أنّ الهوية الثقافية بالغة الأهمية وتترك آثارًا حقيقية في حياة الأفراد والمجتمعات، لكن إرجاع الدلالة الكامنة في هذه الآثار إلى مصدر محدد في الثقافة يظل أمرًا بالغ التعقيد ويثير إشكالات معرفية ومنهجية كبرى.

تتجاوز الأسئلة المتعلقة بالطابع الاعتباطي في بناء تاريخ الهوية الثقافية الوطنية إشكالية أخرى، وهي ما إذا كانت الهويات الوطنية فعلًا موحّدة ومنسجمة ومتسقة ومتجانسة بالقدر الذي تصوّره تمثيلات "الثقافة الوطنية". والإجابة بوضوح أنها ليست كذلك. فقد أشار (هول) (1994، ص 297) إلى أنّ "الأمم الحديثة جميعها كيانات ثقافية هجينة". ولا غرابة في ذلك، إذ إنّ معظم الأمم الحديثة نشأت نتيجة إخضاع مجموعة أو أكثر بالقوة لمجموعة أخرى. وقد ذكّر (غيلنر) (1983) بأنّ أوروبا في بدايات القرن التاسع عشر ضمّت طيفًا واسعًا من الجماعات العرقية والدينية واللغوية، لكن القليل منها فقط هو الذي تحوّل إلى "أمم"، في حين جرى تحويل غيرها من الطامحين إلى منزلة الأمة إلى أقليات عرقية، وغيرهم من الطامحين إلى شرف اللغة الوطنية الرسمية إلى لهجات، وغيرهم من الطامحين إلى مرتبة الكنيسة الوطنية إلى مجرد طوائف (باومان 2011، ص 72).

كثيرًا ما تُنشأ الهوية الثقافية الوطنية على أساس وهمي يقوم على فكرة العرق، إذ يُوضَع المختلفون في جماعات عرقية متباينة ويُشار إليهم بوصفهم آخرين. وتتسم الهوية الوطنية أيضًا بطابع جندري صارم يستبعد النساء ضمن منظومة معاييرها الأبوية. وتشكّل الطبقة عامل انقسام قوي، حيث يُرفع الرأسمال الثقافي للنخب ليصبح هو النموذج المهيمن الذي ينبغي على الجميع احتذاؤه. وينتج عن تعميم معايير النخب باعتبارها "الهوية الثقافية الوطنية" ما وصفه (بورديو) بـ"العنف الرمزي"، إذ تتحول تمثيلات الهوية الثقافية الخاصة بالفئات الأخرى إلى مجرد "نزعات محلية ضيقة أو انحرافات إقليمية" (باومان 2011، ص 73). كما ترسم الفروق القائمة في اللغة والموقع الجغرافي والدين والتقاليد والعادات حدودًا جديدة للتمايز والإقصاء. ويتمثل هدف جوهري في مشروع بناء الأمة، وفقًا لـ(باومان)، في "تجريد الآخرين من صفتهم كآخرين" (2011، ص 75). وتنهض الأسطورة الوطنية بمهمة جمع الهويات المتعددة والجماعات المحلية المكوِّنة للدولة القومية، والسعي إلى "توحيد الثقافة مع السياسة" تحت "مظلة سياسية واحدة" (غيلنر 1983، ص 43)، وإخفاء الانقسامات التي تفصل بين من يندرجون في ما أسماه (أندرسون) "المجتمع المتخيَّل" وبين من يظلون خارجه. ومن هنا يبدو التجرؤ على مقارنة المقاربات الثقافية للتعلم في جنوب إفريقيا ونيجيريا أو إندونيسيا أو الصين عملًا محفوفًا بالتحدي.

الثقافة الوطنية في عالم يتزايد فيه طابع العولمة

أوضحتُ في ما سبق أنّ ما يُسمى "الثقافة الوطنية" ليس إلا بناءً اعتباطيًا تُضفى عليه طابع الأسطورة أكثر مما يقوم على مرتكزات واقعية، وأنه لم ينجح في حجب الانقسامات الاجتماعية العميقة والمتداخلة. غير أنّ مسار العولمة أضفى على هذا الوضع مزيدًا من التعقيد، وهو ما يدفعني الآن إلى بحث الآثار التي تركتها العولمة وعملياتها المتشابكة على الهوية الثقافية الوطنية. فبمجاز جيولوجي متداخل، يمكن القول إنّ العولمة قد أعادت تشكيل ما كان قد تراكم في صورة طبقات رسوبية مستقرة أُعيد إنتاجها على أنها حقائق مسلّم بها حول الهوية الوطنية. وإنّ الطبيعة الهجينة للدولة القومية الحديثة، التي جرى التغطية عليها بخطاب التجانس الوهمي في أساطير الثقافة الوطنية، قد ازدادت وضوحًا بفعل العولمة حتى وصلت إلى حد يكاد يزيح الثقافة الوطنية ذاتها لصالح أنماط أخرى من الانتماء. ويتضح ذلك خصوصًا في ظاهرة الهجرة الجماعية غير المخطط لها، الناجمة عن الفجوة المتفاقمة بين عالم الأغنياء وعالم الفقراء، والتي تُعَد من أبرز نتائج العولمة وأكثرها قسوة، حيث اتجهت أعداد كبيرة من شعوب البلدان المستعمَرة سابقًا في العالم النامي إلى بلدان العالم المتقدم، وغالبًا إلى القوى الاستعمارية السابقة ذاتها. وإذا كانت الهوية الثقافية الوطنية قد بُنيت على فكرة الانتماء إلى مجتمع متخيَّل قائم على الإحساس بالمكان المشترك والسردية التاريخية والرموز التي تُصاغ خطابيا، فإنّ العولمة تُنتج في المقابل أشكالًا من الهوية أكثر كونية وتحررًا من الجغرافيا.

يرى (واترز 1995، ص 3) أنّ العولمة تُفهم باعتبارها "عملية اجتماعية تتلاشى فيها القيود التي تفرضها الجغرافيا على الأنماط الاجتماعية والثقافية، ويزداد إدراك البشر لهذا التلاشي مع مرور الزمن". وقد طوّر (ديلانتي 2000، ص 81) هذه الرؤية حين وصفها بأنها انحسار الأهمية التي تضطلع بها الجغرافيا في تحديد طبيعة التفاعلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، أي إعادة صياغة لمفهوم الفضاء، أو بعبارة أوضح "إزالة الطابع الإقليمي عن الفضاء". وبهذا المعنى، باتت الثقافات والحضارات أكثر انفتاحًا بعضها على بعض، وأكثر عرضة للتقاطع والتأثير المتبادل، بحيث يمكن أن تنشأ بينها حالات صدام، أو عمليات اندماج، أو أشكال هجينة جديدة، وربما ملامح ثقافة كونية، وكل ذلك يترك آثاره بالتساوي على المستويات المحلية المحدودة وعلى المستويات الكونية الشاملة، نتيجة تقلص الحدود المكانية. ومع ذلك، لا يمكن القول إنّ العولمة تقود بالضرورة إلى قيام مجتمع عالمي متجانس أو إلى بروز ثقافة واحدة مشتركة بين الجميع، اللهم إلا ما يتمثل في سيطرة منطق السوق وتوجهاته نحو النخب العابرة للحدود، باعتبار ذلك من أبرز انعكاسات عولمة الرأسمالية. وتشير مجموعة واسعة من الدراسات إلى أنّ العولمة تمثل مسارًا مزدوجًا، فهي تنتج في الوقت ذاته أشكالًا متزايدة من التنوع والانقسام، إلى جانب تعزيزها أشكالًا من التشابه والتجانس.

تبدو النزعات نحو التعددية والتجزؤ ماثلة في مظاهر شتى، من أبرزها رفض تنظيم القاعدة لمجتمع الاستهلاك الغربي وما يحمله من قيم ثقافية، وإصراره في المقابل على تأكيد الهوية والثقافة الإسلامية. كما تتبدّى هذه النزعات بوضوح في عودة التعبيرات القومية بقوة إلى الواجهة في بلدان أوروبا الوسطى والشرقية منذ أواخر عقد الثمانينيات، حيث مثّلت القوميات الإستونية واللاتفية والجورجية والكازاخية والأوزبكية والطاجيكية نماذج حية أسهمت في تفكك الاتحاد السوفيتي، بينما أسهمت النزعات القومية السلوفينية والكرواتية والبوسنية والصربية في تفكك يوغوسلافيا. إنّ هذه الصراعات على إعادة فرض هوية ثقافية قومية لم تكن سوى محاولة للبحث عن إرث يُفترض أنّه "نقي إثنيًا" وفُقد عبر التاريخ، وقد وجدت تلك المحاولة تجسيدها الأكثر إيجازًا ورعبًا في المصطلح الذي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بحروب البلقان الأخيرة: "التطهير العرقي". وهو ما صاغه (باومان 1990، ص 167) بأوجز العبارات وأكثرها دلالة:

إنّ ما يُعرف بعودة الإثنية قد وضع في الواجهة مظاهر الازدهار غير المتوقع للولاءات العرقية داخل الأقليات الوطنية، حتى غدت الإثنية إحدى العلامات أو الرموز التي تُبنى حولها الجماعات البشرية، ويُعاد في ضوئها تشكيل الهويات الفردية وتأكيدها.

تتجلّى مظاهر تجانس الثقافة في أوضح صورها داخل ثقافة الاستهلاك. فقد اتجه الشباب في معظم المجتمعات إلى صياغة هويتهم، أو جزء جوهري منها، من خلال ما يرتبط بالمراكز التجارية وما يرمز إليه ارتداء الجينز والقمصان الغربية الطابع واقتناء أحذية "نايكي" الرياضية والتردّد على مقاهي "ستاربكس" وغيرها من مظاهر العولمة الاستهلاكية. ويعيش الإنسان المعاصر في مجتمع استهلاكي، حيث تُفهم الثقافة وفق تعبير (باومان 2011، ص 14) بوصفها مستودعًا من السلع المعدّة للاستهلاك. وأسهمت نزعة تحويل كل ما يمكن إعادة إنتاجه أو تغليفه أو تسويقه إلى سلعة تُضاف إليها قيمة ربحية، فيما يُعرف بعملية التسليع، في تكريس هذا النمط من التجانس الثقافي. وهكذا أضحت الهوية محكومة بمنطق الاستهلاك، ومُعرَّفة بالخيارات التي تُمارس في فضاءات السوق، ولا سيما في المراكز التجارية، وهو ما لخّصه (هول 1994، ص 303) بعبارة جامعة:

كلما ازدادت هيمنة تسويق أنماط العيش والأمكنة والصور على المستوى العالمي، وتوسعت حركة السفر الدولي، وتشابكت وسائط الإعلام والاتصال العابرة للقارات، انفصلت الهويات أكثر فأكثر عن الأزمنة والأمكنة والوقائع التاريخية والتقاليد التي نشأت فيها، حتى بدت وكأنها هويات طافية حرة من أي جذور. ويجد الإنسان نفسه أمام طيف واسع من الهويات المتنوعة التي تستميله، أو بالأحرى تستميل جوانب مختلفة من ذاته، بحيث يبدو وكأنّ الاختيار بينها أمر ممكن. وقد أسهم انتشار النزعة الاستهلاكية، واقعًا كان أو حلمًا، في تكريس هذا الأثر الذي يشبه "سوق التنوع الثقافي".

ومع ذلك تبقى نتائج العولمة غير متكافئة التوزيع بين مختلف الدول والمجتمعات. ويؤكد أنصار المقاربة الأنثروبولوجية للثقافة أنّ ثقافات الاستهلاك الوافدة من الولايات المتحدة واليابان تمارس تأثيرًا قويًا في أماكن مثل المكسيك وهونغ كونغ، في حين يظل أثرها محدودًا في بلدان مثل بوتان وميانمار. وباستخدام المفاهيم التي صاغها (والرشتاين 1974)، يمكن القول إنّ الإنتاج الثقافي للمركز الغربي – الذي يضم بطبيعة الحال الرأسمال الثقافي الياباني – يهيمن على إنتاج الأطراف. وفي فضاء المركز تتاح إمكانية الاختيار بين أشكال متعددة من الهويات الكوزموبوليتية أو الهويات الهجينة الخاصة، بينما تبقى هذه الإمكانية بعيدة المنال في الأطراف.

تنبثق من ظاهرة العولمة ثلاثة مسارات رئيسة تهم موضوع هذا الفصل: المسار الأول يتمثل في تزايد هشاشة الهويات الثقافية الوطنية إلى حد غير مسبوق، والمسار الثاني يتمثل في صعود الهويات المحلية والجزئية التي تستمد قوتها من مناهضة آليات العولمة ومقاومة آثارها، أما المسار الثالث فيتجلى في بروز هويات هجينة جديدة أخذت تحظى بوضوح أكبر على حساب الهويات الوطنية. وقد ذهب (باومان 2011، ص 35 و37) إلى أنّ عصرنا هو "عصر الشتات"، حيث تتوزع البشرية على أرخبيل غير متناهٍ من التجمعات الإثنية والدينية واللغوية، وتتجه أنماط الحياة في مسارات شتى لا يربطها تنسيق أو انتظام، فتظل في حالة تيه أو تعليق داخل فضاء يتخلله تداخل ثقافي دائم. ومن هذا المنطلق يصف (باومان 2011، ص 11 و87) ما أطلق عليه بعض الباحثين "ما بعد الحداثة" أو "الحداثة المتأخرة" "الحداثة السائلة"، إذ إنّ "الحياة الاجتماعية في صورها المعاصرة تشبه السائل، فهي لا تحتفظ بشكل واحد مدة طويلة" (ص 11). والخلاصة أنّ التعريف الأنثروبولوجي للثقافة يصبح موضع شك منهجي، ولا يكاد يصلح إلا عند الحديث عن المجتمعات الأكثر تجانسًا وعزلة، وهي إن وُجدت في الماضي، فوجودها في الحاضر يكاد يكون مستحيلًا. ولذلك فإنّ المقاربات الأكثر وجاهة في بحوث التربية المقارنة هي تلك التي تنطلق من الدراسات الثقافية والفهم السوسيولوجي للثقافة، أكثر من اعتمادها على التصورات الأنثروبولوجية الكلاسيكية. ومع ذلك أجدني مضطرًا إلى استعمال مصطلح "ثقافة" فيما يلي من الصفحات، على الرغم من كل ما أشرت إليه من محدودية دلالته، لأنّ غياب بديل عربي جامع ودقيق يحول دون تجاوزه، وعلى القارئ أن يضع في اعتباره أنّ الكلمة ينبغي أن تُفهم دائمًا بين علامتي اقتباس دلاليتين بوصفها "ثقافة".

مقارنة التربية بين الثقافات

ينصرف السؤال الثاني الجوهري إلى الكيفية التي يتعيّن على الباحثين اعتمادها عند الانخراط في دراسة مقارنة للتربية بين ثقافات متباينة. فالمسألة تتجاوز حدود الرغبة في المقارنة لتطرح تحديًا معرفيًا ومنهجيًا يتمثل في كيفية الكشف عن الأثر الذي تمارسه الثقافة داخل مؤسسات التعليم وتنظيماته وممارساته، ثم التمكّن من عزله وتحليله على نحو يسمح بفهم طبيعته ومدى تأثيره. ومن ثم يصبح ممكنًا وضع هذه النتائج في سياق مقارن مع النظم التربوية في مجتمعات أخرى، بما يفتح المجال لتكوين رؤية أوضح حول مواضع الالتقاء والاختلاف بين التجارب التربوية عالميًا.

تواجه البحوث المقارنة في المؤسسات والممارسات التربوية عبر الثقافات الإشكالية نفسها التي كثيرًا ما تعترض الباحثين في الدراسات الإثنوغرافية، وهي إشكالية السياق. فحين يسعى باحثو التربية المقارنة إلى تحديد أثر الثقافة في التربية، يتضح أنّ جوهر المعضلة، كما جرى التلميح إليه في معظم أجزاء هذا الفصل، يكمن في السياق نفسه: ما هو الإطار الثقافي الذي يُنتج المؤسسات والممارسات التربوية موضع الدراسة؟ وقد طرح (هامرزلي 2006، ص 6) سؤالين يُعدّان من المسائل الجوهرية في نظر الإثنوغرافيين:

* بأي طريقة نستطيع تبيّن الإطار العام الذي يلزم أن نضع ضمنه موضوع الدراسة؟

* بأي سبيل نستطيع الحصول على الفهم المطلوب لذلك الإطار؟

* هل يمكن حصر هذا السياق الأوسع في الإطار الثقافي المحلي؟ لقد دلّت شواهدي على ضيق هذا التصوّر وعجزه عن تفسير الديناميات القائمة، وهل يمكن عزل السياق في الإطار الثقافي الوطني؟ لقد أشرتُ إلى أنّ هذا أمر متعذّر، بفعل ما تقوم به العولمة من تقويض للهويات الوطنية وتعزيز للهويات الهجينة، ومع ذلك فإن الاكتفاء بالحديث عن "السياق الثقافي المعولم" يؤدّي إلى إغفال ما اكتسبته الهويات المحلية والخصوصية من قوة متزايدة في مقاومة ضغوط العولمة، ويعني كذلك التراجع عن السعي للكشف عن الحقائق المتعلقة بأثر الثقافة في التربية، وهو أثر ظاهر للعيان ومصدر لإضاءات معرفية مثيرة للاهتمام.

أثار (هامرزلي 2006، ص 6) في معرض إجابته عن سؤاله الأول سؤالًا إضافيًا يتّصل اتصالًا مباشرًا بالهدف الرئيس الذي سعيت من خلال هذا الفصل إلى تحليله وتفكيكه، وهو السؤال عن طبيعة السياق: هل يُكتشف السياق اكتشافًا أم يُبنى بناءً؟ وإذا كان يُبنى، فمن الذي يتولى عملية البناء: هل هم المشاركون في الممارسة الاجتماعية أم الباحث الذي يحاول قراءتها؟ وقد بيّنت أنّ الثقافة أو السياق الثقافي لا ينبغي أن تُفهم من خلال ماهيتها الجامدة، بل من خلال أفعالها وما تتركه من آثار واقعية، وأنّ العلاقة بينها وبين الأفراد علاقة تبادلية، فهي تؤثر فيهم بقدر ما يعيدون هم تشكيلها. ولفت (هامرزلي) إلى وجود اتجاه إثنوغرافي يرى أنّ السياق يتولّد من الممارسات التي يقوم بها الناس أنفسهم، وأنّ مهمة الباحث تنحصر في اكتشافه وتوثيقه في ضوء ما يتجسد داخل عمليات التفاعل الاجتماعي التي يخوضها المشاركون. ويرى أنصار هذا التوجّه أنّ فرض الباحث لأطره النظرية على المعاني الثقافية التي ينتجها الناس يُعد شكلاً من أشكال العنف الرمزي الذي يشوّه دلالة تلك المعاني. غير أنّ (هامرزلي، ص 6) عاد ليطرح سؤالين إضافيين أكثر عمقًا: هل يعبّر الناس فعلًا وبشكل صريح عن السياق الذي يتصوّرون أنّهم يتحركون في إطاره؟ وهل يجوز أن نفترض أنّ لديهم وعيًا كافيًا بالسياق الأمثل الذي يمكن أن تُفهم فيه أفعالهم وأنشطتهم بما يخدم أغراض التفسير في العلوم الاجتماعية؟

عالج (هامرزلي 2006، ص 6–7) في إطار سؤاله الثاني المتصل بسبل حصول الباحثين على المعرفة التي تمكّنهم من إدراك السياق الأوسع قضية جوهرية تتعلق بموقع البحث الإثنوغرافي بين النظريات الاجتماعية والبحوث الأخرى، فتساءل عمّا إذا كان الأنسب أن يُبنى هذا النمط من البحوث على ما تراكم من نظريات اجتماعية قائمة، أم أن يُدمج ضمن مقاربات أخرى من البحوث في العلوم الاجتماعية تتوافر لها أدوات أنسب لدراسة البنى المؤسسية الكاملة والمجتمعات الوطنية والقوى العالمية، محذرًا من أنّ هذا المسار قد يفضي إلى تضييق مجال إنتاج نظريات راسخة في الواقع الميداني وقائمة على المعايشة المباشرة. وقد أوضحتُ من خلال هذا الفصل أنّ الربط بين البحث المقارن عبر الثقافات والنظرية الاجتماعية المعاصرة هو المسلك الذي أتبناه وأجد فيه إمكانًا لتفسير أعمق، غير أنّ هذا المسلك يثير بالضرورة سؤالًا آخر لا يقل أهمية، وهو: أيّ منظور من مناظير النظرية الاجتماعية هو الأجدر بأن يشكّل مرجعًا أساسًا لدراسات التربية المقارنة عبر الثقافات ويزوّدها بالأدوات المفهومية والمنهجية اللازمة؟

انطلق البحث الإثنوغرافي عبر تاريخه من روافد نظرية متعددة تنوّعت بين الاتجاه الوظيفي الذي يسعى إلى تفسير الظواهر من خلال أدوار المؤسسات ووظائفها، والاتجاه البنيوي الذي ينظر إلى البنى والعلاقات الكامنة، والمقاربة التفاعلية الرمزية التي تركز على إنتاج المعاني في سياق التفاعلات الاجتماعية، بالإضافة إلى مناهج الصراع أو النقد التي شملت الماركسية والنيوماركسية والنسوية وغيرها من الرؤى النقدية. ويرى المؤلف أنّ مسألة الاختيار بين هذه المقاربات لا يمكن أن تُحسم ببساطة عبر الاحتكام إلى الأدلة وحدها، إذ يظل السؤال مطروحًا حول طبيعة الأساس البرهاني الذي يسمح للباحثين بالتمييز الحاسم بين هذه المناهج، بل إنّ المحدّد الأهم هو الالتزامات القيمية التي يتبناها الباحث في مسار بحثه (انظر سايكس وآخرون 2003). فإذا انطلق الباحث مثلًا من التزام واضح بمبدأ العدالة التعليمية، فسيسعى في بحوثه الإثنوغرافية إلى الكشف عن خطوط التفاوت في توزيع المنافع التعليمية والموارد الأكاديمية بين الفئات. وقد اختارت (ماسيمان) أن توضّح موقفها في هذا الجدل، فاعتبرت أنّ المنظور الأجدر بترسيخ البحث الإثنوغرافي في سياقه الأوسع هو إطار نظرية الصراع، ودعت إلى صياغة ما أسمته "إثنوغرافيا نقدية"، وهي مقاربة أنثروبولوجية تسترشد بالنظرية النقدية وتعمل على تفكيك الأسس التي تنطلق منها المناهج الوظيفية والوضعية في افتراضها الحياد والموضوعية، لتؤكد في طرحها (2013، ص 113) أنّ:

يقوم النهج الإثنوغرافي بدور أساسي في الكشف عن آليات الثقافة داخل الفصول الدراسية وفي بيئات المدارس وفي الأنظمة الإدارية التي تحتضنها، غير أنّ الاعتماد عليه لا ينبغي أن يقتصر على مقاربات ظاهراتية أو على التركيز في التجربة الذاتية للمشاركين وحدها، لأنّ مثل هذا الحصر يضيّق أفق الفهم ويُغفل الأبعاد الأوسع. ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح على منظور نقدي أو نيوماركسي، إذ يتيح هذا المنظور رسم خريطة دقيقة للعلاقات التي تربط بين المستوى الجزئي المتمثّل في تفاصيل التجربة التعليمية داخل المدرسة المحلية، والمستوى الكلي للقوى البنيوية العالمية التي تُعيد تشكيل طرائق تقديم التعليم وأنماط الخبرة التعليمية في مختلف الأقطار، وصولًا إلى أشدّ المناطق بُعدًا.

أجد نفسي متفقًا مع (ماسيمان) في موقف مزدوج؛ فمن جهة ترى أنّ البحث في ميدان التربية المقارنة حين يتناول الثقافة لا يجوز أن يُقيَّد بمقاربات ظاهراتية محصورة في التجربة الذاتية، بل ينبغي أن يُرسى في إطار أوسع قوامه النظريات الاجتماعية التي تفسّر السياقات الكبرى وتربط الجزئي بالكلي، ومن جهة أخرى تؤكد أنّ المنظورات النظرية الأجدر بالاعتماد والأكثر إنتاجًا للمعرفة، فضلًا عن كونها الأرسخ من حيث المبررات الأخلاقية، هي تلك المنبثقة من حقل نظرية الصراع والتيارات النقدية. وقد استعانت (ماسيمان) في ترسيخ موقفها هذا بآراء (دوركهايم) و(برنستين) (2013، ص 117–118)، لتستدلّ على أنّ:

يحكم الموقع الطبقي للطلاب في البنية الاجتماعية مصائرهم التربوية ويحدّد في النهاية أسلوب تلقيهم لأي صيغة من صيغ البيداغوجيا، إذ إنّ التباينات التي قد تبدو في القيم والمعايير لا يمكن تفسيرها تفسيرًا ثقافيًا بحتًا، وإنما تكشف عن خلفيات طبقية راسخة. ومن هذا المنظور يتضح أنّ العلاقة بين التعليم والثقافة والطبقة هي علاقة ملازمة في كل مجتمع من المجتمعات. وإذا كان التقليد الليبرالي قد اعتاد النظر إلى تجارب الأطفال التعليمية وردود أفعالهم تجاهها على أنّها نتاج الثقافة والقيم وحدها، أي باعتبارها كيانات مفصولة عن الأساس المادي للحياة الاجتماعية ممثَّلًا في عالم العمل والإنتاج، فإنّ التحليل الأعمق يبين أنّ تلك التجارب تتشكل بصورة جوهرية من البنية الاقتصادية للمكان الذي ينشأ فيه الطفل، سواء أكان حيًّا سكنيًا أو جماعة محلية أو إقليمًا أو دولة كاملة، بل ومن حركة الاقتصاد العالمي الذي يفرض هيمنته في نهاية المطاف على كل هذه المستويات، ليترك أثره الحاسم على تشكّل التجربة التعليمية نفسها.

أضيف في هذا الموضع أنّ خطأً منهجيًا بالغًا يقع فيه بعض الباحثين في الدراسات الإثنوغرافية حين يتصورون أنّ توليدهم للنظرية الميدانية عبر الاستقراء المبني على الملاحظات التجريبية يمكن أن يتم بصورة محايدة تمامًا، من غير الاستناد إلى أي إطار نظري سابق، وكأنّهم قادرون على دخول موقع الدراسة بوعي خالٍ من كل منظومة فكرية أو افتراض مُسبق. والحقيقة التي لا مجال لإنكارها أنّ الرؤية ذاتها لا تنفصل عن النظرية، وأنّ إدراكنا للوقائع وتحليلنا لها يظل مشروطًا دائمًا بالخلفية النظرية التي ننطلق منها. وبكلمات أكثر حسمًا، لا يمكننا أن نرى من دون نظرية.

يستلزم البحث الإثنوغرافي اعتماد منظور نظري يوجّه الباحث في انتقاء ما يلاحظه وفي تأويل ما يشاهده، غير أنّ هذا المنظور نفسه يتحدد في نهاية الأمر عبر التزامات قيمية يتبناها الباحثون في ممارستهم العلمية، وهو ما يضعهم أمام خطر الانزلاق إلى انحياز منهجي منظم ما لم يكونوا على وعي كافٍ بذلك. وربما يستحيل على الباحث أن يتجنب تمامًا ما وصفه (هامرسلي) (2006، ص 11) بالتوتر البنيوي الملازم لهذا النمط من البحث، المتمثل في الجمع بين محاولة استيعاب رؤى المشاركين من الداخل والسعي إلى النظر إليهم وإلى سلوكهم من موقع خارجي أوسع قد يبدو غريبًا عنهم أو مثيرًا لرفضهم. ويغدو التعامل مع هذا التوتر على المستوى المنهجي أحد أبرز التحديات التي يطرحها هذا الفصل، وهو التحدي الذي سأكرّس له اهتمامي في القسم اللاحق.

يظهر خطر موازٍ يتمثل في تقصير الباحثين أحيانًا عن الانتباه إلى نزعاتهم الإثنومركزية التي قد تؤثر في مسار دراستهم. ولا يقتصر التحدي على ضرورة صياغة أدوات بحثية صالحة للتطبيق في بيئات متعددة الثقافات، بل يتعداه إلى ما نبّه إليه (فاغنر) في كتابه اختراع الثقافة (1981، ص 2–4)، حيث أكّد أنّ:

حين يُطلق على مجمل قدرات الإنسان الذهنية والاجتماعية والعملية اسم الثقافة، فإنّ الباحث في الأنثروبولوجيا يجد نفسه مضطرًا إلى أن يستعين بالثقافة التي ينتمي إليها لكي يدرس الآخرين ولكي يفسّر مفهوم الثقافة ذاته في معناه الأوسع. وهذا الوعي بالثقافة يفرض تحوّلًا عميقًا في أهداف الباحث ورؤيته العلمية، إذ يفرض عليه أن يتخلى عن الادعاء الموروث في العقلانية الكلاسيكية بوجود موضوعية مطلقة يمكن بلوغها، ويُرغمه على تبني تصور بديل قوامه موضوعية نسبية تتحدد من خلال خصائص ثقافته الذاتية. ولا ريب أنّ مسؤولية الباحث العلمية تحتم عليه أن يسعى إلى الحياد بقدر ما يستطيع إدراك افتراضاته، إلا أنّ الواقع يُظهر أنّ الإنسان يميل إلى التعامل مع المسلّمات الجوهرية في ثقافته تعاملًا بديهيًا يخرجه من دائرة الوعي. ولا سبيل إلى بلوغ الحياد النسبي إلا بالكشف عن هذه النزعات الكامنة، وعن السبل التي تسمح بها الثقافة لفهم الثقافات الأخرى، وعن الحدود التي تفرضها هذه الثقافة على عملية الفهم ذاتها (ص 2). ومن هنا تأتي أهمية مفهوم "العلاقة"، إذ إنّه يعبّر عن الجمع بين كيانين أو منظورين متكافئين على نحو أعمق من مصطلحات مثل "التحليل" أو "الفحص" التي ما زالت ترتبط بادعاء الموضوعية المطلقة (ص 3).

لا يجد الباحث سبيلًا إلى بناء علاقة بين كيانين متمايزين إلا بأن يُحكم معرفته بهما معًا في اللحظة نفسها، ويستوعب نسبية ثقافته عبر صياغة ملموسة لثقافة مغايرة. ومن هذا المنطلق يمكن القول إنّ عالم الأنثروبولوجيا لا يكتفي بدراسة الثقافة التي يعتقد أنّه بصددها، بل "يبتكرها" ابتكارًا، لأنّ الدلالة المجرّدة للثقافة لا تُدرك إلا عبر هذا الابتكار، ولأنّ ثقافته هو لا تنكشف له إلا من خلال المقارنة الملموسة مع ثقافة أخرى. وفي أثناء هذه العملية لا يقتصر الأمر على "اختراع" ثقافة الآخرين، بل يمتد ليشمل إعادة صياغة ثقافته الخاصة، بل وحتى إعادة اختراع مفهوم الثقافة ذاته (ص 4).

تتّسع البحوث المقارنة عبر الثقافات لتشمل المنهج الفينومينولوجي، وهو المسار الفلسفي الذي يسعى إلى فهم الواقع كما يظهر في التجربة الحيّة للآخرين، بحيث يُدرك الباحث العالم من خلال أعينهم كما يعيشونه ويصفونه. غير أنّ الدراسات الفينومينولوجية للقيم تُحَمِّل الباحث مسؤولية مضاعفة، إذ تفرض عليه أن يظلّ واعيًا بأنّ منظومته القيمية الذاتية تؤثر بدرجة ملحوظة في طريقة ملاحظته ووصفه وتصنيفه، وفي ما يصوغه من مفاهيم وما يستنتجه من نتائج أو يتنبأ به من احتمالات، وأن يتّخذ في سبيل ذلك إجراءات منهجية تقلل من هذه التأثيرات بقدر المستطاع. ولا يقتصر الأمر على القيم فحسب، بل يتصل أيضًا باللغة ذاتها التي يستخدمها الباحث، لما لها من أثر مباشر في تشكيل صورته عن الواقع وحدوده. وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا عندما يدخل عامل الترجمة، سواء في ترجمة أدوات القياس أو في نقل النصوص المكتوبة، لتضيف مستوى آخر من التحدي، وهنا يأتي دور الترجمة العكسية باعتبارها أداة ضرورية للتحقق من صدقية النصوص المترجمة وتكافؤها عبر اللغات.

يشكّل كتاب (هوفستد) عواقب الثقافة الصادر سنة 2001 علامة فارقة في دراسات المقارنة عبر الثقافات، حتى إنّ أي معالجة جادّة لهذا الميدان تبدو ناقصة ما لم تتطرق إليه. وقد انطلق (هوفستد) من دراسة اختلافات ثقافية بين موظفين يعملون في شركة عالمية كبرى هي (آي بي إم)، عبر فروعها المنتشرة في أكثر من خمسين بلدًا. وخلص إلى أنّ الفوارق الثقافية يمكن تحليلها في ضوء خمسة أبعاد مستقلة للثقافة الوطنية، كل بُعد منها متجذّر في معضلة أساسية تواجهها المجتمعات كافة في مسارها (ص 29):

  • بُعد مسافة السلطة: يقيس الحد الذي يقبل عنده الأفراد الأقل قوة في المجتمع فكرة التوزيع غير العادل للسلطة ويتوقعونها، بما يعكس مستوى التفاوت الإنساني الذي يشكّل الأساس في عمل البُنى الاجتماعية.

  • تجنّب عدم اليقين: وهو ما يرتبط بمستويات التوتر والقلق التي يظهرها أفراد المجتمع عند مواجهة ظروف يسودها الغموض.

  • الفردية مقابل الجماعية: يوضّح العلاقة التي تنشأ بين الفرد والجماعة، ومدى تغليب المجتمع لقيمة الاستقلال الذاتي والمسؤولية الفردية أو لقيمة الانتماء والولاء للجماعة التي ينتمي إليها الفرد.

  • الذكورة مقابل الأنوثة: يشير إلى مدى تأثير الفوارق البيولوجية بين الجنسين في توزيع الأدوار العاطفية والاجتماعية، بحيث تتجه بعض المجتمعات نحو تعزيز قيم التنافس والإنجاز، بينما تبرز مجتمعات أخرى قيم الرعاية والعلاقات الإنسانية.

  • التوجّه طويل الأمد مقابل قصير الأمد: يتناول هذا البعد الاتجاه الذي تركّز فيه المجتمعات جهودها، فبعضها يستثمر في المستقبل ويضع أهدافًا بعيدة المدى، في حين ينصرف بعضها الآخر إلى تلبية الحاجات الراهنة وإعطاء الأولوية للحاضر.

تثار تساؤلات عدّة حول ما إذا كانت الأبعاد الخمسة التي وضعها (هوفستد) تُعد بالفعل مداخل مثمرة لاستجلاء نتائج الثقافة، وحول احتمال وجود أبعاد أخرى قائمة بذاتها من الناحية المفهومية والإحصائية، أو أدوات تحليلية أكثر تركيزًا قد تكون أوفر فائدة للباحثين في مجال التربية. غير أنّ ما يهمنا هنا ليس هذه الأسئلة بقدر ما يهمنا المنهج الذي اعتمده (هوفستد) في بحثه. وقد تعرّض هذا المنهج لانتقادات، أبرزها اعتماده على الدول كوحدات للتحليل عند دراسة الثقافات، وهو ما أقرّه (هوفستد) نفسه (2001، ص 23) بصعوبته، لكون الدول الحديثة كيانات بالغة التعقيد، ومتعددة البُنى الداخلية، ومتنوعة إلى درجة لا تسمح بوصف ثقافتها بدقة استنادًا إلى استنتاجات استقرائية من عينات صغيرة يجري التعمق فيها، كما هو الحال في المنهج الأنثروبولوجي الكلاسيكي. وأكّد (جاكوب 2005، ص 515) هذا الانتقاد، مبيّنًا أنّ:

تظهر التعدديات الثقافية داخل حدود الدولة الواحدة كما تظهر في العلاقات بين الدول، ومع ذلك فقد بنت معظم الدراسات الأساسية تصنيفاتها على افتراض أنّ الدول وحدات ثقافية متجانسة، بينما الواقع يبرهن أنّ ما من ثقافة خالصة أو نقية، بل يتوجّب التركيز على أنّ الدول تتشكل من تركيبات ثقافية متداخلة، وأنّ الأفراد أنفسهم يتحوّلون إلى كائنات هجينة بالمعنى الثقافي، إذ ينتمون في اللحظة الواحدة إلى جماعات متعددة، ويزاوجون بين قيم ومعانٍ ورموز مستمدّة من بيئات متنوّعة.

يظهر بجلاء أنّ التباينات داخل المجتمع الثقافي الواحد قد تتجاوز في شدّتها التباينات القائمة بين المجتمعات المختلفة، وفي المقابل تكشف الدراسات عن وجود ثوابت عابرة للثقافات، ومن أمثلتها ما سجّله (جاكوب 2005، ص 516) بأنّ القادة الذين يتعاملون برفق ورعاية يحظون بقبول أوسع بكثير من أولئك الذين يفتقرون إلى ذلك، وذلك بصرف النظر عن الثقافة التي ينتمون إليها، وإذا كان التنوع الداخلي يطغى في أغلب الأحيان على التنوع الخارجي، وإذا كانت الثوابت العابرة للثقافات تنزع من جهة أخرى إلى تقويض فكرة الاختلاف الثقافي ذاتها، فإنّ الشك يثور بشأن قيمة التحليل الذي ينطلق من وحدة الثقافة، ومع ذلك فإنّي أؤكّد في هذا السياق أنّ المقارنة بين الثقافات تكشف حقائق عميقة عن اختلافات التربية والتعليم حين تُدار بوعي وحساسية وبالتزام بالتحليل المتأنّي.

تتضح المخاطر المنهجية التي نبّه إليها (هوفستد 2001، ص 463) عند إعادة تطبيق دراسته، وأوّلها الخلط بين الثقافة والفرد، وهو خطأ يغري به الباحثون النفسيون المنتمون إلى مجتمعات يغلب عليها الطابع الفرداني، إذ أكّد (هوفستد، ص 17) أنّ الثقافة ليست نسخة موسّعة من الفرد، ولا يجوز تفسير منطقها الداخلي من خلال أدوات تحليل الشخصية، بل ينبغي النظر إليها بوصفها نسقًا متكاملاً له قواعده وخصائصه الخاصة، وقد أشار كذلك إلى خطأ آخر هو الخلط بين الثقافة الوطنية والمستويات الثقافية الأخرى كالعرقية أو الجهوية (هوفستد، ص 464)، ولهذا يبدو من غير المقبول أن يعقد الباحث مقارنة بين مقاربات التعلّم في بريطانيا وتلك الموجودة في جنوب آسيا، بينما تكتسب المقارنة وجاهتها حين تجرى بين أساليب التعلّم في الجاليات الباكستانية المهاجرة بمدن إنجلترا الصناعية وبين المجتمعات الباكستانية التقليدية في ريف وزيرستان الشمالية.

رأى (هوفستد 2001، ص 20) أنّ النهج المنهجية الأجدر بالاعتماد في بحوث المقارنة بين الثقافات هي النهج المتعدد التخصصات، لما توفّره من زوايا تحليلية متكاملة تسمح بفهم أعمق وأشمل للظواهر، إذ إنّ:

تظهر على مستوى الثقافات الوطنية أهمية النظر إلى الظواهر في كل مستوياتها، بدءًا من الأفراد مرورًا بالجماعات والمؤسسات ووصولًا إلى المجتمع بأسره، فضلًا عن الظواهر المرتبطة بجوانب التنظيم والنظام السياسي وأنماط التبادل. وهذا كلّه يفرض على الباحث أن يتجاوز حدود التخصص الواحد وأن ينفتح على مهج متعددة التخصصات.

تبرز أهمية التربية المقارنة في هذا السياق من كونها ميدانًا معرفيًا يتجاوز حدود الانغلاق التخصّصي، إذ يتميّز بمرونة تتيح للباحثين فيه الانفتاح على أكثر من منظور نظري ومنهجي. وهذا ما يجعلهم أكثر استعدادًا من غيرهم لتحمّل أعباء المقارنات بين الثقافات، حيث يتطلّب الأمر مقاربة متعدّدة التخصّصات قادرة على رصد الجوانب المتشابكة للتعليم في سياقاته المختلفة. ومن ثمّ يُستحسن أن تُضطلع بمهام هذا النوع من البحوث فرق علمية متكاملة، يجمع أعضاؤها بين خبرات في مجالات الفلسفة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والعلوم السياسية والنظرية الاجتماعية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، فضلًا عن علم النفس واللاهوت واللسانيات والدراسات التربوية، بما يسمح بتشييد رؤية تحليلية شاملة قادرة على النفاذ إلى أعمق أبعاد الظاهرة التعليمية.

النهج البحثية لمقارنة التعليم بين الثقافات

تناول (ألكسندر) في كتابه الثقافة والبيداغوجيا (2000) دراسة مقارنة للتعليم الابتدائي في خمس دول هي إنجلترا وفرنسا والهند وروسيا والولايات المتحدة. وقد بيّن أنّ هذه الدول تجمع بين اختلافات صارخة في خصائصها الجغرافية والديموغرافية والاقتصادية والثقافية، وبين وحدة ظاهرية متمثلة في التزامها الدستوري بقيم الديمقراطية (ص 4). وبتحليله لسياساتها وبُناها التعليمية من جهة، ولممارساتها الصفّية والمدرسية من جهة أخرى، حاول أن يوضح كيف تتشابك هذه العناصر مع الثقافة والقيم والبيداغوجيا في شبكة معقّدة (ص 4). وتوصّل من خلال عمله إلى أنّ الباحثين في الثقافات الأجنبية عنهم غالبًا ما يشعرون بمدى ضآلة معارفهم، ويخافون أن يُنظر إليهم بسذاجة أو بتعجّل أو بتبسيط مُخلّ إزاء ما يعجز حتى أبناؤها عن تفسيره أو يجدونه متناقضًا. وأكد أن أكثر ما يصعب القبض عليه هو الكيفية التي ترتبط بها ممارسات التعليم والتعلّم بسياق الثقافة والبنية والسياسة الذي يُشكّل إطارها (ص 3).

استند نجاح (ألكسندر) في تفادي الاتهامات بالسذاجة أو التجرؤ أو المبالغة في التبسيط إلى دقته المنهجية وحرصه على جمع بيانات شاملة من أكبر عدد ممكن من المصادر. فقد قام بجمع بياناته على ثلاثة مستويات متكاملة هي: مستوى النظام التعليمي، ومستوى المدرسة، ومستوى الصف الدراسي. واعتمد في ذلك على مزيج من المقابلات والملاحظات شبه المنهجية، إلى جانب استخدام التسجيلين المرئي والسمعي الذي أُخضع لاحقًا للتفريغ والتحليل. كما دعّم مادته البحثية بوثائق المدارس والبلدان، وبالصور الفوتوغرافية، وبالمذكرات اليومية التي كان يدوّنها بانتظام.

أبرز (ألكسندر) فكرة جديرة بالاهتمام مفادها أن تحديد عدد الثقافات أو الدول التي تُدرَس في إطار البحث ينعكس مباشرة على طبيعة النتائج التي يمكن استنتاجها وعلى مدى شمولها. وقد تناول في هذا السياق السؤال المتكرر حول دوافعه في اختيار خمس دول للمقارنة بدلًا من الاقتصار على اثنتين أو ثلاث، موضحًا في الصفحة 44 رؤيته في هذا الشأن على النحو الآتي:

يؤدي حصر المقارنة في بلدين إلى دفع الباحث نحو عقلية استقطابية تقسم الظواهر إلى ثنائيات متعارضة يصعب تجاوزها. وعند إدخال بلد ثالث تنشأ الظاهرة التي أطلق عليها (توبين 1999) "تأثير غولديلوكس"، حيث يُقال إنّ نظام التعليم في بلد ما حسن، وفي بلد آخر سيئ، أمّا البلد الثالث فيبدو "المناسب تمامًا". بيد أنّ اعتماد المقارنة على خمسة بلدان يطرح تحديًا أكبر من حيث التعقيد، غير أنّه يوفّر في المقابل ميزة جوهرية تتمثل في إمكانية معالجة أوجه الشبه والاختلاف بوصفها متصلة ومتدرجة على محور واحد، بدلًا من اقتصارها على ثنائية الأقطاب. وإذا كانت البلدان المختارة متباينة بما فيه الكفاية، فإنّ هذا التوسّع يفتح المجال أمام مقاربة أكثر واقعية في البحث عن القواسم التعليمية المشتركة أو الكونية.

تناول (ليفين 1966) مسألة بالغة الأهمية تتعلق بأحكام الباحثين من خارج المجتمع محل الدراسة، مبيّنًا أنّ القيمة الحقيقية لهذه الأحكام لا تكمن في فردانيتها، بل في نقاط الالتقاء التي تبرز عند تحليل تصوّرات الجماعات المختلفة حول الثقافة المدروسة. ورأى أنّ الطريق إلى مقاربة الحقيقة في هذا السياق يمرّ عبر تعزيز الصدقية باستخدام التثليث المنهجي. وقد أخذ (توبيـن) و(وو) و(ديفيدسون) هذه الرؤية في دراستهم عام 1989 لرياض الأطفال في اليابان والصين والولايات المتحدة، ثم تابعها (توبيـن) و(هسويه) و(كاراساوا) في دراستهم عام 2009، حيث نظروا إلى رياض الأطفال في البلدان الثلاثة باعتبارها انعكاسًا لثقافات هذه المجتمعات ونافذة لمقارنتها. واستنادًا إلى أفكار (ليفين) وإلى إسهام (ميخائيل باختين) المنظّر الأدبي الروسي (انظر: توبيـن وآخرون 2009، ص 7)، سعى هؤلاء الباحثون إلى صياغة "إثنوغرافيا متعددة الأصوات" (1989، ص 4) بهدف تقوية استنتاجاتهم وإضفاء الموثوقية عليها من خلال اعتماد التثليث في تحليل النتائج.

وشمل هذا النهج المعروفة بـ"الإثنوغرافيا المتعددة الأصوات" (1989، ص 4–5) العناصر التالية:

برزت في هذه المقاربة أصوات معلمي رياض الأطفال وأولياء أمور التلاميذ والإداريين، حيث تولّى كل طرف منهم رواية قصته الخاصة وكتابة نصوصه الذاتية. وقد صيغت هذه النصوص في صورة شروح على الأشرطة المصوّرة لرياض الأطفال المدروسة، سواء داخل مجتمعاتهم أو في مجتمعات أخرى، فتحوّلت إلى فضاء للنقاش والتفكيك والنقد الموجّه لرواية الباحثين عن المدارس. ولم يكن أي نص لاحق بديلًا عن النصوص السابقة أو نافيًا لها، بل كان يتفاعل معها ويكمّلها ضمن حوار متواصل يثري تعددية الأصوات ويكشف أبعادًا جديدة للتجربة.

عمل (توبيـن وآخرون) على إيجاد توازن بين أحكامهم العلمية المستندة إلى خلفيتهم الأنثروبولوجية وبين التصوّرات التي يقدّمها المنتمون إلى الثقافة ذاتها أو القادمون من خارجها. وبنوا مقاربتهم البحثية على أربع روايات رئيسية على الأقل، عُرضت بطريقة بيانية في الشكل 8.1 لتوضيح كيفية تداخل المنظورات المختلفة وتكاملها في بناء الصورة الكلية.

الشكل 8.1: تصنيف الداخلين والخارجيين في البحث الإثنوغرافي إلى فئات أولية وثانوية


الغرباء

المطلعون

الأساسي

يشرع الباحثون في الإثنوغرافيا بدخول سياق ثقافي محدّد، يتمثّل هنا في قاعة دراسية لرياض الأطفال بدولة أخرى، ليقوموا بتصويره وتحليله من موقع المراقب الخارجي.

(السرديات من المستوى الأول)

المعلّم الذي دُرس صفّه، إلى جانب زملائه من معلمي الطفولة المبكرة في المدرسة ذاتها، يتبادلون النقاش حول الشريط المصوَّر في أحد فصول المدرسة.

(السرديات من المستوى الثاني)

الثانوي

يقدّم معلمو الطفولة المبكرة تعليقاتهم على تسجيلات مصوّرة برياض أطفال خارج بلدانهم، وفي الوقت نفسه يزوّدون الباحثين بملاحظات تتيح فهمًا أعمق لزوايا نظرهم الثقافية.

(السرديات من المستوى الرابع)

يشارك معلمو الطفولة المبكرة القادمون من مدن مختلفة داخل الدولة ذاتها في مناقشة الفيديو المصوَّر بإحدى مدارسها، مسهمين بملاحظاتهم التي تمنح الباحثين فهمًا أعمق لمسألة مدى تمثيلية هذه الحالات.

(السرديات من المستوى الثالث)


تحدّد مضمون المشاهد التي صوّرها الباحثون في دراستهم الإثنوغرافية البصرية لرياض الأطفال عبر سلسلة من الحوارات مع مضيفيهم، فانتهى الأمر إلى "حل توفيقي يجمع بين ما كان الباحثون يتطلّعون إلى توثيقه منذ البداية، وما اعتبره المضيفون أكثر أهمية وملاءمة للعرض عليهم". وقد أوضح الباحثون في تقريرهم (1989، ص 5) أنّ:

إنّ حدود ما يمكن أن يقوله أو يُظهره معلمو رياض الأطفال والإداريون والأهالي والأطفال للأنثروبولوجيين القادمين من الخارج تتحدّد في معظمها وفق الإطار الثقافي. فالتصوّرات عمّا يعنيه الصدق في القول، وعن ما ينبغي إظهاره أو حجبه أمام الضيف، وعن درجة الانفتاح في توجيه النقد للنفس أو للآخرين، تختلف باختلاف البيئات الثقافية وتتأثر كذلك بالظروف السياسية المتغيّرة.

فرضت "الإثنوغرافيا المتعددة الأصوات" الحاجة إلى إبراز تعدّد المنظورات، لأنّ عملية الرؤية نفسها عند الباحثين لم تكن محايدة بل مشروطة بخلفياتهم الثقافية، وهو ما انعكس في اختيارهم للقطات وتركيزهم أثناء التصوير. وفي الدراسة الأولى (1989) أدرك الباحثون بعد مراجعة التسجيلات أنّ الفريق الأمريكي ركّز عدسته على أفراد التلاميذ، في حين لجأ الفريق الصيني إلى تصوير مشاهد واسعة لمجموعات كاملة من الأطفال. وأقرّ الباحثون بأنّ النتيجة كانت ثلاثة أشرطة فيديو "ذاتية الطابع، ومتفردة في منظورها، ومقيّدة بحدود الثقافة" (1989، ص 7).

بدأت الدراسة بتصوير ثلاث مدارس لمرحلة رياض الأطفال في ثلاث ثقافات مختلفة، وهو ما عُدّ بمثابة رواية أولى لملاحظات الباحثين كغرباء إثنوغرافيين. ثم اتجه (توبيـن وآخرون 1989) إلى بناء رواية ثانية تمنح هذا التصوير بُعدًا إضافيًا. فكان ذلك عبر "تفسيرات وتفاعلات المديرين والمعلمين وأولياء الأمور والأطفال في رياض الأطفال اليابانية والصينية والأمريكية تجاه الأشرطة التي التقطها الباحثون في مدارسهم" (1989، ص 7). وقد طُلب من هؤلاء أن يشاهدوا التسجيلات وأن يقدّموا شروحًا حيّة وتعليقات متواصلة تجمع بين الحكي والتفكيك التحليلي لما دار أمامهم على الشاشة.

سعى الباحثون بعد ذلك إلى صياغة سردية ثالثة ضمن منهجهم في الإثنوغرافيا المتعددة الأصوات، وهي تفسيرات يقدّمها "الداخلون الثانويون" يمكن أن تسهم في معالجة مسألة النمطية. فطلبوا من جماعات أخرى مرتبطة برياض الأطفال في البلد نفسه أن يوضّحوا مدى تمثيل هذه الروضة لغيرها من رياض الأطفال في مجتمعهم، ومدى خصوصيتها أو اختلافها عنها. وقد وجّه (توبيـن وزملاؤه 1989) إلى المشاركين في هذه السردية الثالثة، بعد أن عرضوا عليهم مقاطع من الأشرطة المصوّرة التي التُقطت في المدرسة في مجتمعهم نفسه وتُظهر المعلمين وهم يتعاملون مع مسائل الانضباط، أسئلة من قبيل: "هل كان المعلّمون صارمين أكثر من اللازم، أم على القدر المناسب، أم أقل من المطلوب؟" (1989، ص 9). وقد عرض الباحثون نتائج هذه السردية الثالثة بأسلوبين: أحدهما إحصائي باستخدام بطاقات تقييم للإجابات على الأسئلة (مثل هذا السؤال عن مستوى الصرامة)، والآخر وصفي من خلال استبيانات استطلعت آراء المشاركين حول أهداف مرحلة رياض الأطفال في المجتمع، وما الذي ينبغي أن يتعلمه الأطفال فيها، وما الصفات التي يجب أن يتحلى بها معلم الروضة الجيد، وغير ذلك. وأسهمت هذه السرديات الثالثة، أي سرديات الداخلين الثانويين، في وضع سرديات الباحثين (الذين يمكن وصفهم بالـ"خارجين الأوائل") والسرديات الثانية للداخلين الأوائل في سياق أشمل وأوسع. وقد وفّر هذا النهج للباحثين فهمًا أفضل لمدى التجانس أو لاختلافات الممارسات والمعتقدات المرتبطة بالمؤسسات أو الترتيبات الاجتماعية في مجتمعات معينة، كما مكّنهم من إدخال مسألة التباينات داخل رياض الأطفال في كل بلد في الحسبان (انظر: توبيـن وآخرون 2009، ص 10).

رأى (ألكسندر) أنّ قوة الأسلوب الذي اتبعه (توبيـن وزملاؤه) في بحثهم تظهر في قدرتهم على كشف القيم والأفكار والتجارب الثقافية الكامنة خلف الممارسات التعليمية، إذ انطلقوا من أنّ الثقافة عنصر أصيل فيما يجري داخل المدارس والفصول وليست إضافة عرضية من خارجها. وأشار إلى أنّ ملاحظاتهم في إحدى رياض الأطفال اليابانية أثبتت لهم أنّ هذا المنهج يمكّن الباحث من التحقّق من أصالة الممارسات المرصودة وتميّزها بما يجعلها تمثيلاً صادقًا لما هو شائع في تلك البيئة التعليمية، أي أنّهم واجهوا إشكالية النمطية بتحديد مدى أصالة التفرّد من خلال اعتمادهم على السرديات المتعددة: الأولى والثانية والثالثة والرابعة، من الداخلين الأساسيين والثانويين والخارجين كذلك. وأضاف (ألكسندر) (2000، ص 267) أنّ:

عاين فريق الباحثين في (كيوتو) أنماطًا تعليمية لم تتطابق بحذافيرها مع ما هو قائم في روضة مجاورة، بل ولا مع ما قد يوجد على مسافة مئتي ميل، لكنّ قيمتها الأصيلة وتميّزها في إطار التربية اليابانية ظهر في أنّ ما يبدو على السطح من اختلافات قد غطّت عليه أوجه تشابه أعمق وأكثر دوامًا، تشابهات متجذّرة في القيم والأفكار والتجارب التي يشترك فيها المعلمون والآباء والأطفال، وقد ساعدهم منهجهم البحثي الدقيق، القائم على الملاحظة المباشرة والتفصيلية، في الكشف عن هذه الأبعاد المشتركة وصياغتها في صورة متكاملة

أوضح (ألكسندر) أنّ مواجهة مسألة النمطية وجعل الحالة المعيّنة تحمل قيمة تفسيرية لا يتحقق إلا بالاعتماد على فرضيتين بارزتين متضمنتين في ما سبقت الإشارة إليه، وتتمثل الفرضية الأولى في أنّ:

يُدرك الباحث أنّ الثقافة التي تنتظم المدارس في إطارها ويتقاسمها المعلّمون والطلاب تُمارس أثرًا حاسمًا يعادل في قوته أثر العوامل المؤسسية الخاصة والظروف المحلية والتفاعلات الإنسانية التي تفرّق بين مدرسة وأخرى وبين صف وآخر، فالثقافة لا تُفهم كعامل خارجي ولا كمتغيّر من بين متغيرات قابلة للتصنيف والتحليل، بل تُنظر إليها بوصفها طاقة فاعلة تسري في نسيج المدرسة وتنعكس في تفاصيلها من الرموز المرئية على الجدران إلى العمليات الذهنية الخفية التي تتشكل في عقول الأطفال

يقدّم (ألكسندر) في مقولته الثانية (2000، ص 266)، التي دلّل عليها بعمق من خلال دراسته ومن خلال عمل (توبيـن وآخرين)، رؤية نقدية تؤكد أنّ المناهج البحثية الرصينة لا يجوز أن تقف عند حدود ما يمكن رصده من ممارسات صفية وحركات بيداغوجية ظاهرية، بل ينبغي أن تمتلك أدوات تمكّنها من التغلغل في البنية الرمزية والقيمية الكامنة خلف تلك الممارسات، فيكشف الباحث من خلالها المعاني المتجذّرة في خبرات المعلّمين والمتعلّمين على السواء، وتظهر أهمية هذا المنظور في أنّه يرسّخ القناعة بأنّ الثقافة تمثل عنصرًا بنيويًا داخل المدرسة والصف وليست مجرد عامل خارجي يسهم في تفسير ما يحدث، الأمر الذي يتيح للباحث مقاربة شمولية تنفذ إلى جوهر العلاقة بين الثقافة والتربية.

استفاد (توبيـن وآخرون) في دراستهم عام 1989 من فكرة (ليفـاين) عن أحكام من هم خارج السياق الثقافي (1966)، فأدخلوا مستوى رابعًا من السرد عن طريق عرض تسجيلات مصوّرة لرياض أطفال تنتمي إلى مجتمعين آخرين على مشاركين من الصين واليابان والولايات المتحدة، طالبين منهم تقديم تفسيراتهم وانطباعاتهم. وقد سبق لهؤلاء المشاركين أن قدّموا منظورًا ثالثًا باعتبارهم مطّلعين ثانويين على تسجيلات مدارسهم، غير أنّهم هنا انتقلوا إلى موقع الغرباء الثانويين، فصاروا يقدّمون قراءة نقدية ومقارنات ثقافية تعكس الفروق والإمكانات المشتركة بين النظم التربوية. وقد جُمعت استجاباتهم وفق الآلية نفسها التي استُخدمت في المنظورات السابقة، مما أتاح للباحثين أداة إضافية لتقوية صلاحية النتائج عبر توسيع دائرة السرد وتعدد الأصوات.

اقتضى الاهتمام المنهجي بتعدد السرديات من وجهة نظر المراقبين ألّا يهمل الباحثون الحوار مع الأفراد الخاضعين للملاحظة المباشرة والإنصات إليهم، فاللغة تُعدّ أداة أساسية في تشكيل الدلالات داخل كل ثقافة، ومن ثم وجب على الباحثين أن يتفحصوا بعناية اللغة المتداولة بين المعلّمين والمتعلمين والإداريين وأولياء الأمور وغيرهم، وقد عالج (ألكسندر) في دراسته (2000، ص 427) "خصائص اللغة داخل الصف، والكيفية التي يُلقَّن بها الأطفال طرائق استعمالها، وأنماط التعلم التي تنشّطها، وصلتها بالخطابات الثقافية الواسعة التي تحدد طبيعة التعليم الابتدائي وأهدافه".

قدّمت السرديات الرابعة التي صاغها المشاركون من خارج الثقافة الثانويون في دراسة (توبيـن وآخرون 1989) رؤىً حول المعتقدات والممارسات المرتبطة بالثقافة الموصوفة، كما قدّمت رؤىً موازية تتعلّق بالمعتقدات الثقافية لدى من يتولّون عملية الوصف أنفسهم، وقد أتاح هذان المستويان من الرؤى للباحثين أن يعودوا من جديد إلى منظور المشاركين من خارج الثقافة الأوليين ليتبيّنوا طبيعة تصوّراتهم المتأثرة بالتحيّز الثقافي، أي مشكلة النزعة الإثنومركزية عند الباحث، وقد لخّص (توبيـن وآخرون 1989، ص 9) ذلك بقوله:

تُظهر الأحكام الإثنوغرافية، سواء جاءت من فرد عادي أو من باحث أنثروبولوجي، تمازجًا بين الثقافة موضوع الوصف والثقافة التي تباشر عملية الوصف، ومن هنا فإنّ ما يقوله أولياء الأمور والمعلمون في رياض الأطفال الأمريكية بشأن روضة في الصين يكشف لنا أبعادًا من المعتقدات والقيم الأمريكية بقدر ما يكشف عن المعتقدات والقيم الصينية

يستمد البحث التربوي المقارن عبر الثقافات قوته حين يُقرّ بأنّه يتجاوز حدود دراسة ثقافتين أو أكثر بوصفها موضوعات منفصلة، ليصبح في جوهره بحثًا بين–ثقافيًا، إذ يتناول رؤى الثقافات المدروسة إلى جانب الرؤى الثقافية للباحثين، وقد جسّدت دراسات (توبيـن وآخرون) هذا التوجه بامتياز وكان ذلك مقصدهم، وقد أشاروا في هذا الصدد إلى ما أورده (ماركوس) و(فيشر) سنة 1986 من أنّ دراسة الثقافات الأخرى تؤدي أيضًا وظيفة "النقد الثقافي للذات".

أخذ الباحثون في الحسبان عند إعداد دراساتهم ضرورة أن تنحصر المقارنات بين الثقافات في أوجه التشابه القابلة فعلًا للمقارنة. ولهذا لا يكون من المجدي مثلًا مقارنة رياض الأطفال في (الصين) برياض الأطفال في (جبل طارق). وقد اجتهد (توبيـن وآخرون) في تسجيل مواقف متماثلة تشمل أطفالًا في أعمار متقاربة داخل مؤسسات تعليمية متماثلة في ثلاث مجتمعات مختلفة، لكنهم أقرّوا (1989، ص 7) بأنّ "المقارنة عبر الثقافات لا يمكن أن تتجاوز كونها تقريبية". وفي محاولتهم تسجيل حالة شجار بين الأطفال في كل ثقافة، وحالة لتأديب أحد الأطفال من معلم، تبيّن لهم أنّ معاني هذه الأفعال ذاتها تختلف جذريًا من ثقافة إلى أخرى.

أعاد (توبيـن وآخرون 1989) طرح النقاش حول الانتقادات المتكرّرة الموجّهة للبحوث الإثنوغرافية، والتي ترى أنّ هذا النوع من البحوث لا يتجاوز تسجيل مشهد آني لممارسات ثقافية في لحظة زمنية محدودة، وهو ما قد يفضي إلى توصيفها توصيفًا مثاليًا مبالغًا فيه، وإلى التعامل مع الثقافة كما لو كانت كيانًا ساكنًا. غير أنّ الفريق البحثي تجاوز هذه الإشكالية من خلال إنجاز دراسة جديدة في رياض الأطفال داخل (الصين) و(اليابان) و(الولايات المتحدة الأمريكية) بعد عقدين من الزمن، فأضافوا بذلك "البعد التاريخي الذي غاب عن عملهم الأول" (2009، ص ix). وقد تركز اهتمامهم – في ظل موجات العولمة التي تدفع نحو التماثل – على التساؤل عمّا إذا كانت "التصورات والممارسات التربوية في تلك البلدان قد ازدادت تقاربًا" (2009، ص 4) مقارنة بما وثّقوه سابقًا. ومع أنّ نتائج البحث جاءت ذات قيمة، إلا أنّ ما يعنينا في هذا الفصل هو ما قدّمته من دلالات منهجية أعمق. فأول تحذير أورده (توبيـن وزملاؤه) حول الإثنوغرافيا التعاقبية يتمثّل في صعوبة إدخال البعد التاريخي من دون الوقوع في مأزق إسقاط خط زمني واحد على جميع الثقافات (2009، ص 4). ولعل القارئ يستفيد كثيرًا من ملاحظات (سويتنغ) في هذا السياق، إذ يفرض البحث المقارن بين الثقافات وعبر الأزمنة وعيًا بضرورة تفادي الاعتقاد بأنّ جميع المجتمعات تسير وفق مسارات متطابقة من "التحديث أو العقلنة أو العولمة" (2009، ص 5)، بل يتطلّب مقاربة متوازنة تعالج المكان والسياق والزمن في آن واحد وبالقدر نفسه من الاعتبار.

أدرك الباحثون الذين يخوضون غمار المقارنة بين الأنظمة التعليمية في ثقافات مختلفة وعبر مراحل زمنية متباينة أنّ الحكم على التغيّر يحمل دائمًا قدرًا من المجازفة، فليس من السهل إثبات أنّ الأوضاع قد تدهورت أو أنّها تحسّنت على نحو مطّرد بمرور الزمن. وغالبًا ما يتجلّى أي تحوّل في النظام التعليمي بوصفه انعكاسًا مباشرًا للقوى الاجتماعية، وللعمليات التاريخية، وللاتجاهات الثقافية التي تسود المجتمع في تلك المرحلة. ومن هذا المنطلق جاء تنبيه (توبيـن وزملاؤه 2009، ص 247) لتذكير القرّاء بضرورة التعامل بحذر مع مسألة الحكم على التغيّر.

تلزم النسبية الثقافية التي تشكّل أساس الإثنوغرافيا الباحث بأن يترفّع عن النظر إلى ثقافة بعينها على أنّها أسمى من غيرها، فيما تدعو النسبية التاريخية بدورها إلى الحذر من الوقوع في أوهام السرديات التي تُضخّم صورة التدهور أو ترسم التاريخ في صورة خطّ مستقيم من التقدّم المستمر. فإذا كانت النسبية الثقافية تصدّ غلوّ التمركز حول الذات، فإنّ النسبية التاريخية تُذكّر بضرورة تجنّب محاكمة عصر من العصور استنادًا إلى مقاييس عصر آخر، سواء جاء الحكم في صورة تمجيد أو في صورة ازدراء.

أجرى (توبيـن وزملاؤه) في دراستهم الثانية تحوّلًا منهجيًا بارزًا حين وسّعوا نطاق الملاحظة من روضة واحدة إلى روضتين في كل بلد، ولم يكن قصدهم الوصول إلى عيّنة ممثّلة بقدر ما كان هدفهم بناء منظور قادر على الإمساك بخيوط المكان والسياق والزمن معًا. فجاءت الروضة الثانية لتشكّل نافذة إضافية على أسئلة الاستمرارية والتغيير، ولتكشف عن طبيعة الاتجاهات التي سلكها التحوّل، وسرعته، ومنطقه، وخصوصياته الإقليمية، وآلياته، فضلًا عن أنها مكّنت الفريق من معاينة ما إذا كانت الممارسات الموثقة تعبّر عن أنماط متكرّرة أم عن تباينات جوهرية داخل الثقافة الواحدة.

اختار (توبيـن وزملاؤه) كل روضة من الروضات الثلاث الجديدة وفق معيار واحد، هو أن يُنظر إلى برنامجها التعليمي من داخلها وخارجها بوصفه يمثّل مسارًا جديدًا في تعليم الطفولة المبكرة (2009، ص 10). وهكذا أضافوا إلى موقعهم الأصلي في الصين، روضة (داغوان) في (كونمينغ) عاصمة (يونّان) ذات الطابع الريفي البعيد في الجنوب الغربي، موقعًا آخر في قلب (شنغهاي)، المدينة التي اشتهرت بكونها الأكثر تطورًا اقتصاديًا، والأكثر جرأة في إبراز هويتها التقدمية والمنفتحة على العالم (2009، ص 11). وقد كشف هذا التباين، حين قورن بما ورد في أشرطة الفيديو الأولى عام 1989 ثم بما أُعيد عرضه على المشاركين أنفسهم بعد عقدين من الزمن، عن مستويات متباينة من الاستمرارية والتغيير، وألقى الضوء على أثر العولمة في الدفع نحو التجانس، وفي الوقت ذاته على قضايا النمطية والتباين، إذ بيّن أن السلوكيات والممارسات "النمطية" هي الأقدر على البقاء والاستمرار مقارنة بغيرها "غير النمطية".

سعى (توبيـن وزملاؤه 2009) إلى الكشف عن آليات الاستمرارية والتغيير في الثقافات الثلاث التي خضعت للبحث عبر ثلاث مقاربات متكاملة. فأعادوا أولًا تكرار دراستهم الأصلية لعام 1989 في الروضات نفسها لتأمين عنصر المقارنة المباشرة. ثم قاموا ثانيًا بعرض الأشرطة القديمة على المعلّمين والإداريين، سواء من العاملين آنذاك أو من الذين تقاعدوا، ووجّهوا لهم أسئلة دقيقة عمّا بدا متغيرًا وما بقي ثابتًا، مع التوقف عند الأسباب التي تفسّر ذلك. ثم أضافوا ثالثًا إلى دراسة 2009 روضة ثانية في كل مجتمع من المجتمعات الثلاث، بحيث تمثل كل واحدة منها اتجاهًا جديدًا في مسار تعليم الطفولة المبكرة داخل ذلك البلد. وأطلقوا على هذه المقاربة المنهجية، التي تزاوج بين البعد الزمني والبعد الثقافي عبر الاستعانة بمشاهد مصوّرة، مصطلح "الإثنوغرافيا الطولية متعددة الأصوات الموجّهة بالفيديو" (2009، ص 21).

بيّن البحث أنّ الثقافة لم تكن يومًا مجرّد خلفية محايدة، بل هي القوّة التي تُرسّخ الاستمرار وتمنع الانجراف الكامل وراء العولمة والعقلنة وتقلبات الاقتصاد. وأكدت الدراسة أنّ الممارسات الثقافية أبقى أثرًا وأشدّ رسوخًا من أن تذيبها تصوّرات الحتمية الاقتصادية أو مشاريع التحديث والعولمة (2009، ص 224–225). كما برهنت أنّ رياض الأطفال ليست مجرد فضاء للتعليم، بل مرآة للمجتمع ووعاء لقيمه، تواصل حملها إلى الأجيال وتغذيتها بها لتظل حيّة في حياتهم اليومية (2009، ص 225).

الخاتمة: دراسة القيم والمصالح الكامنة في مقارنة النظم التربوية بين الثقافات

تناولت الفقرة السابقة من هذا الفصل القضايا المنهجية المرتبطة بمقارنة التربية عبر الثقافات، مع تركيز ملحوظ على الإشكاليات الإثنوغرافية وأدوات البحث المرتبطة بها. وفي هذا القسم الختامي يصبح من المناسب التوقف عند بعض الاعتراضات الجادة التي وُجّهت إلى الإثنوغرافيا باعتبارها منهجًا للبحث، وفي مقدمتها نزعتها إلى تقديم صورٍ خارج سياقها التاريخي، وهي الملاحظة التي سبقت الإشارة إليها. وقد لخّص (توبيـن وزملاؤه 1989، ص 9) عددًا من هذه الاعتراضات على النحو الآتي:

يتعرض المنهج الإثنوغرافي في البحث والتمثيل لانتقادات حادة، إذ يُنظر إليه أحيانًا على أنّه منهج ساكن لا يراعي حركة التاريخ، وأنه يقدّم تصوّرات مثالية ونماذج نمطية تُعيد إنتاج الوضع القائم بطريقة محافظة. ففي سعيه إلى إبراز مظاهر النظام والانسجام والوظائف داخل المؤسسات، يغفل كثيرًا عن رصد التناقضات والصراعات والاختلالات التي تعتريها، كما ينصرف إلى الطقوس والمعتقدات وما يُعبّر عن روح الجماعة، في حين يتراجع اهتمامه بتحليل الأبعاد المرتبطة بالطبقة الاجتماعية والعلاقات السياسية وبُنى القوة.

لفت (هامرزلي 2006، ص 5) الانتباه إلى أنّ ضيق أفق كثير من البحوث الإثنوغرافية الحديثة من حيث مدّة العمل الميداني قد يدفعها إلى معالجة الواقع بعيون تفتقر إلى الحس التاريخي، فتُهمل الجذور والسياقات الزمنية الأوسع للمؤسسة موضوع البحث. وهنا تبرز إشكالية العيّنة: كيف للباحث أن يضمن أنّ الفترة الزمنية المقتطعة التي يدرسها تجسّد بالفعل أنماط الثقافة على امتدادها الطويل؟ ومن هذا الطرح ينبثق سؤال آخر حول حدود إمكان التعميم ومدى مشروعيته.

أقرّ (توبيـن وزملاؤه) عام 1989 بأنّ أشرطة الفيديو التي سجّلوها، شأنها شأن غيرها من السرديات الإثنوغرافية، "تجمّد الأشخاص والمؤسسات في لحظة زمنية محدّدة وتعزلهم عن سياقاتهم الأوسع"، بحيث تبقى رواياتهم، على الرغم من أنّها بُنيت على رؤى مشاركين من داخل الثقافة ومن خارجها، عرضة لخطر أن تبدو وكأنها بلا زمن أو سياق. وقد أدرك الباحثون هذه المخاطر منذ البداية، فحرصوا على إدخال ما أسموه "إحساسًا بالزمن والمكان والطبقة الاجتماعية" (1989، ص 10) في دراستهم الأولى. ومن زاوية السياق التاريخي، وضعوا بحثهم في الصين بعد خمس سنوات من فرض سياسة الطفل الواحد، وهي فترة كان فيها المربّون والآباء يواجهون سؤالًا ملحًا حول الكيفية المثلى لتنشئة جيل جديد ينمو من دون إخوة. وبالمنهج نفسه راعوا الخصوصية المكانية والجغرافية للمدارس التي درسوها، كما أخذوا في الحسبان البعد الطبقي. أما قضايا النوع الاجتماعي فقد نوقشت بدرجة أقل وضوحًا، مثل ما ورد حول أدوار الأمهات الأميركيات داخل المنزل وخارجه (1989، ص 179–182)، بينما ظلّ حضور قضايا العِرق والإثنية أضعف بكثير. وكما سبقت الإشارة، أعاد (توبيـن) وزملاؤه عام 2009 تكرار دراستهم الأولى وتوسيعها، بغية فهم رياض الأطفال في سياقاتها التاريخية إلى جانب سياقاتها الثقافية.

وقد أوضح (توبيـن وزملاؤه) أنهم "حرصوا على منح الأولوية لتلك السياقات التي يعتبرها أبناء الثقافة أنفسهم الأجدر بالاهتمام" (1989، ص 10). وهذه المقاربة تحمل في طياتها وجهي عملة؛ فهي نقطة قوة لأنها تعكس تقديرًا صادقًا لصوت المشاركين من داخل الثقافة، لكنها أيضًا نقطة ضعف لأن هؤلاء قد يُضفون على واقعهم قراءات ذات نزعة وظيفية محافظة، ينظرون من خلالها إلى الفاعلين والمؤسسات باعتبارهم جميعًا يعملون في تناغم لصالح المجتمع ككل، وكأن الترتيبات الاجتماعية مُوجَّهة بالأساس نحو تحقيق الخير العام. غير أنّ هذه الرؤية قد تحجب زوايا أخرى أكثر نقدًا. ففي جنوب أفريقيا مثلًا، لو استُطلعت آراء قطاعات واسعة من البيض حول الترتيبات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية في عهد الفصل العنصري، لربما جاءت إجاباتهم متشبّعة بخطاب وظيفي محافظ يرى أنّ تلك المؤسسات قد وفّرت "تطوّرًا منفصلًا" سلميًا للجماعات العرقية، في سياق إرث تاريخي مثقل بثلاثة قرون من الاستعمار. وبذلك قد يفوّت الباحثون على أنفسهم الاستماع إلى أصوات أخرى تتبنى منظورًا نقديًا، ترى فيه أنّ البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية صُمّمت أساسًا لخدمة مصالح الفئات المهيمنة، وأنّ العلاقات داخل المجتمع تقوم على صراع حول موارد محدودة أكثر مما تقوم على تعاون من أجل الخير المشترك.

أؤكد هنا أنّ الباحث لا يمكنه أن يشرع في دراسة مجتمع أو ثقافة جديدة دون أن يتأثر بما يحمله من خلفيات نظرية ومعتقدات شخصية. فما يظهر له وما يُستبعد من ملاحظاته لا يتحدد بالصدفة، بل يتشكل وفقًا لهذه المنظورات الكامنة. ولهذا فإنّ الدعوة إلى الملاحظة "اللا–نظرية"، التي يرددها بعض المنهجيات الإثنوغرافية، في نظري دعوى زائفة. ولا أجد أفضل من الاستشهاد بما أبرزه (برغر) في كتابه طرائق الرؤية (1972، ص 8): "إن الطريقة التي نرى بها الأشياء تتأثر بما نعرفه أو بما نعتقده".

لا يكفي أن يركّز الباحث على ما يعتبره أبناء كل ثقافة "الأكثر أهمية"، كما ذكر (توبيـن وآخرون 1989، ص 10)، بل يتوجّب عليه أن ينفذ أعمق من ذلك، وأن يعترف بما يختبئ وراء بحثه من مقاصد مضمرة، وخصوصًا ما يتصل منها بالبعد الأخلاقي وبالأغراض القيمية الأشمل. وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا أُجري هذا البحث أصلًا؟ ما الدوافع التي حرّكت الباحث نحوه؟ وما القيم التي طبعت عمله وأثّرت في نتائجه؟ ومن هذا المنطلق أستند إلى رؤية (هابرماس) التي صاغها في كتابه المعرفة والمصالح الإنسانية (1971)، حيث بيّن (ص 197) أنّ "المعرفة لا يمكن اختزالها في أداةٍ يتكيف بها الكائن مع بيئة متحوّلة، ولا هي فعل عقلٍ خالصٍ ينعزل عن سياق الحياة لينغمس في التأمل". فالمسألة عنده لا تقف عند حدود الإبستمولوجيا، بل تتعلق بما سمّاه "المصالح المعرفية"، وهي مصالح أوسع من أن تُردّ إلى نزوات الأفراد أو أجندات الجماعات السياسية، إذ تشكّل في عمقها الأساس الذي تقوم عليه المعرفة ذاتها. وقد ميّز (هابرماس) (1971، ص 308) بين ثلاثة أنماط جوهرية لهذه المصالح: المصلحة التقنية، والمصلحة العملية، والمصلحة التحررية، ولكل منها حقل معرفي يقابله.

يقوم منهج العلوم التجريبية التحليلية على مصلحة معرفية تقنية، وينطلق منهج العلوم التاريخية التأويلية من مصلحة معرفية عملية، بينما يرتكز منهج العلوم النقدية على المصلحة المعرفية التحررية.

أوضح (هابرماس) أنّ العلوم التجريبية التحليلية والعلوم التاريخية التأويلية، التي يصفها أيضًا بالعلوم المنهجية للفعل الاجتماعي مثل الاقتصاد وعلم الاجتماع والعلوم السياسية (1971، ص 310)، تسعى إلى بلوغ معرفة قانونية تهدف إلى الكشف عن القوانين التي تحكم الظواهر الطبيعية. ومع ذلك، شدّد (هابرماس) على أنّ هذا الهدف، رغم أهميته، لا يحيط بكامل طبيعة المعرفة ولا يكشف عن أبعادها الإنسانية الأعمق (1971، ص 310):

لن تظل العلوم الاجتماعية النقدية مكتفية بهذا الحد، بل تسعى إلى تجاوز هذه الغاية لتحدّد متى تُمسك العبارات النظرية بالانتظامات الثابتة للفعل الاجتماعي، والأهم من ذلك أن تكشف متى تُجسّد علاقات تبعية متحجّرة بفعل الأيديولوجيا رغم أنّها قابلة، من حيث المبدأ، للتحوّل.

ظهر في المناقشة السابقة أنّ كثيرًا مما طُرح قد انبنى ضمنيًا على مقولات التفاعلية الرمزية، وهو ما قد يوجّه القارئ للاعتقاد بأنّ ميدان التربية المقارنة يمكن أن يُدرج في إطار العلوم التاريخية التأويلية التي تقوم على اهتمام عملي يتمحور حول فهم التفاعلات الإنسانية وتفسيرها في ضوء سياقاتها الاجتماعية والثقافية. غير أنّني أرى أنّ هذا التصنيف يظل قاصرًا عن الإحاطة بعمق هذا الميدان، وأدافع عن تصور آخر يعتبر التربية المقارنة علمًا اجتماعيًا نقديًا يستند إلى اهتمام تحرري يتجاوز مجرد التفسير العملي ليطرح أسئلة أعمق حول طبيعة توزيع السلطة في المجتمعات، وما يرتبط بها من ثروة اقتصادية وهيمنة سياسية ورأسمال ثقافي ورمزي، فضلًا عن المكانة الاجتماعية والامتيازات التي تُعاد إنتاجها عبر النظم التعليمية. ومن هذا المنطلق فإنّ القيمة الحقيقية للتربية المقارنة تكمن في دورها في خدمة قضايا التنمية التعليمية وتعزيز العدالة التربوية، وهو المجال الذي أجمع عدد من الباحثين البارزين، وفي مقدمتهم (سترومكويست 2005)، على أنّه ميدان التأثير الأبرز والأكثر رسوخًا في إسهامات هذا التخصص.

إذا نظرنا إلى المسألة نظرًا إبستمولوجيًا أوليًا اتضح لنا أنّ الباحثين في الإثنوغرافيا يخطئون حين يتوهمون أنّ بمقدورهم مراقبة ممارسات مجتمع آخر أو ثقافته مراقبة خالصة من أي افتراضات مسبقة، ثم الانطلاق من هذا المراقبة العيانية لبناء استنتاجات استقرائية حول المعتقدات الكامنة، أو الأنماط المنظمة، أو الآليات المولّدة للمعنى التي يُظن أنّها تقف وراء تلك الممارسات. فمثل هذا التصوّر يبدو في جوهره ساذجًا، لأنّ النظر والعمل لا ينفصلان عن الأطر النظرية التي تشكّل وعي الباحث وتوجّه زاوية رؤيته. وإذا أخذنا بجدية ما طرحه (هابرماس) من أنّ المعرفة ليست محايدة ولا تُنتَج في فراغ، بل تتأسس دومًا على مصالح معرفية وقيمية وأخلاقية، فإنّ مسؤولية الباحث في العلوم الاجتماعية تقتضي منه أن يتوقف عند الغايات والدوافع التي تهيمن على عمله، وأن يسائل نفسه: ما الذي يدفعني لإجراء هذا البحث؟ ما القيم التي أستند إليها؟ وما المصالح التي أترجمها في صياغة أسئلتي وفي تفسير نتائجي؟ ومن هذا المنظور أرى أنّ التربية المقارنة تبلغ ذروتها الأخلاقية والمنهجية حين ينطلق الباحث منذ اللحظة الأولى لتشكيل مشروعه من وعي نقدي بالمحاور التي يتوزع على أساسها التعليم وغيره من الخيرات الاجتماعية، فيقوم بتفكيك موضوع دراسته على هذه المحاور، ويكشف عن أشكال التفاوت في توزيعها. وعند هذه النقطة يتضح كيف تلتقي هذه الرؤية مع ما خلص إليه (برنستاين 1976، ص 198–199) من أنّ المصلحة المعرفية التحررية تمثل الركيزة الإبستمولوجية لفهم (هابرماس) للنقد، إذ تجعل البحث الاجتماعي النقدي أداة لا لمجرد الوصف أو التفسير، بل لفضح علاقات التبعية الجامدة التي تبدو وكأنها حتميات لا تقبل التغيير، مع أنّها في حقيقتها قابلة للتحوّل. وتغدو المقارنة عبر الثقافات، حين تُبنى على هذا الأساس، مسعى يتجاوز حدود التحليل الأكاديمي ليصبح مشروعًا موجّهًا نحو العدالة التعليمية، ساعيًا إلى تفكيك بُنى السلطة التي تتحكم في توزيع الثروة والفرص والمكانة الاجتماعية، وإلى الدفع باتجاه أنماط أوسع من المساواة والإنصاف في الميدان التربوي.


الفصل التاسع

مقارنة القيم

أبرز (كمنغز) وزملاؤه في أواخر ثمانينيات القرن العشرين نهضة جديدة في الاهتمام بالتربية القيمية على مستوى العالم، وقد تضمّن كتابهم المعنون إحياء تعليم القيم في آسيا والغرب (كمنغز وآخرون 1988، ص 3) معلومات وافرة توضّح كيف تغلغل تعليم القيم في المناهج الدراسية في تسعين دولة، واستمر حضور تعليم القيم في التنامي، الأمر الذي أسفر عن صدور كتاب آخر بعنوان تعليم القيم للمجتمعات المتحوّلة حرّره (كمنغز) ومجموعة أخرى من زملائه (كمنغز وآخرون 2001أ)، حيث عرض الكتاب دراسة حول تعليم القيم في عشرين سياقًا في حوض المحيط الهادئ، مبرزًا بطرق شتى أنّ تعليم القيم ظلّ يمثل محورًا أساسيًا لاهتمام القادة التربويين، كما أسهم الإنتاج العلمي الآسيوي في هذا المجال من خلال ثلاثية عن التربية المدنية في آسيا والمحيط الهادئ (لي وآخرون 2004؛ غروسمان وآخرون 2008؛ كينيدي وآخرون 2010).

أولى المربّون والباحثون القيم أهمية بارزة، غير أنّ هذا المفهوم يتّسم باتساعه وغموض حدوده، إذ يشبه في طبيعته الفلسفة التي تتسرّب إلى معظم مجالات المعرفة وتلقي بظلالها على مختلف الدراسات، فتغدو مناقشة القيم حاضرة في شتى التخصصات. ويكاد يكون ضبط التعريفات المرتبطة بالقيم أمرًا متعذرًا، لأنها تمتد من المستوى الفردي إلى المستوى الجمعي وتشمل أنماطًا متباينة من المعرفة، مثل تحقيق الذات، والصدق، والخير، والفرادة، والعدالة، والكمال، والمعنى (هيفرون 1997، ص 17).

رأى بعض الباحثين أنّ النظر إلى القيم من المنظور الفردي يقود إلى اعتبار التربية القيمية ممارسة تربوية تهدف قبل كل شيء إلى تنمية الأخلاق وصياغة الشخصية وبنائها على أسس متينة من الاستقامة والسلوك القويم (نوتشي 1989). وفي المقابل، اتجه باحثون آخرون إلى دراسة القيم من زاوية جماعية، فجعلوا اهتمامهم ينصب على القيم الاجتماعية والقيم الثقافية والقيم السياسية، وعلى ما يتصل بها من مبادئ المواطنة وأنساق المعتقدات الجامعة مثل الأديان والأنظمة الفكرية والأيديولوجيات التي تؤطر حياة الجماعات وتوجّهها (تشنغ 1997؛ لي 1997؛ بيك 1998). وهناك فريق ثالث من الدارسين اختار أن يتناول القيم من زاوية معرفية، فانشغل بدراسة طبيعة ما يُسمّى بعوالم القيم، تلك التي تتفرّع إلى مجالات شتى منها النفسي والاقتصادي والأخلاقي والجمالي والشعري والأدبي والتقني والقانوني (برسنو وبرسنو 1980)، أي أنّ القيم هنا لا تُفهم باعتبارها مبادئ سلوكية وحسب، بل أيضًا بوصفها أشكالًا من المعرفة تنعكس في ميادين متباينة. ومع ذلك فإن اتساع مفهوم القيم وتشعّب دلالاته يجعل من الصعب على أي مؤلف أن يحصر النقاش في إطار واحد أو أن يقصره على زاوية بعينها، لأن تناول القيم في بعدها الجماعي يستلزم بالضرورة وضع اختيارات الأفراد وميولهم موضع اعتبار، مثلما أنّ الحديث عن القيم في بعدها الفردي لا ينفكّ عن المجتمع الكلي الذي يحتضن الأفراد ويوجّه سلوكهم. وحتى حين يُصار إلى مقاربة القيم من منظور العوالم المعرفية، فإنها تظل بطريقة أو بأخرى مرتبطة بعامل الزمن وبما يطرأ عبره من اختلافات، كما تبقى وثيقة الصلة بتفضيلات الأفراد والجماعات على السواء. وهذا التداخل بين الأبعاد الفردية والجماعية والمعرفية أبرزته بجلاء دراسة (غاردنر وآخرون 2000) في كتابهم التربية على القيم: الأخلاق والمواطنة في التعليم المعاصر، حيث جرى التركيز فيه على الطابع المترابط للقيم وكيفية حضورها في التربية الحديثة بصورها المختلفة.

يعرض هذا الفصل دراسات للقيم جرى تصميمها لتكون دراسات مقارنة، إذ حلّلت القيم في أنظمة اجتماعية وسياسية متنوّعة. وقد أطلق الباحثون على هذه الأنظمة أسماء مختلفة مثل مجتمعات أو أمم أو دول بحسب نطاق تركيزهم. كما يستعرض الفصل مناقشات حول المناهج والمقاربات المقارنة في دراسة القيم. وتتناول الحالات المختارة أساسًا قضايا المواطنة وما يتصل بها من موضوعات مدنية، مظهرة تباينات من النمط التصنيفي. وقد توزعت الحالات الإحدى عشرة المختارة على أربع فئات: ارتبطت الفئة (أ) بحجم الإطار البحثي ومداه وتعقيده، وشملت الفئة (ب) تحليلات طولية لكتب مدرسية، وتركزت الفئة (ج) على دراسات حول تقاطعات القيم واختلافاتها، أما الفئة (د) فمثّلت مقارنات أُجريت في نطاق الدراسات النوعية.

الفئة (أ): حجم البناء البحثي ومدى اتساعه وتعقيده

الحالة الأولى: دراسة واسعة النطاق بمشاركة باحثين متعدّدين واعتماد أبعاد وأدوات متنوّعة

أجريت دراسة التربية المدنية والمواطنة الدولية (ICCS) سنة 2009 باعتبارها أكبر وأوسع دراسة دولية تناولت موضوع التربية المدنية والمواطنة، وذلك تحت إشراف الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA). وتمثّل هذه الدراسة الحلقة الثالثة في سلسلة الدراسات التي اضطلعت بها الرابطة في هذا المجال، إذ أُنجزت الدراسة الأولى سنة 1971 وشاركت فيها تسع دول، بينما أُجريت الثانية سنة 1999 بمشاركة 28 دولة (تورني–بيرتا وآخرون 2001). وقد امتدّ نطاق دراسة ICCS ليشمل أكثر من 140,000 طالب في الصف الثامن و62,000 معلّم من 5,300 مدرسة عبر 38 دولة، توزعت على خمس دول في آسيا، و26 دولة في أوروبا، وست دول في أميركا اللاتينية، ودولة واحدة في أستراليا. ولم تقتصر البيانات على استبيانات الطلاب والمعلمين، بل عُزّزت أيضًا ببيانات سياقية جُمعت من مديري المدارس ومن المراكز الوطنية للبحوث في الدول المعنية.

سعت دراسة التربية المدنية والمواطنة الدولية (ICCS) (إينلي وآخرون 2013) إلى تحقيق مجموعة من الأهداف البحثية، تمثّلت في:

* فحص الطرائق التي تعمد إليها الدول في إعداد شبابها وتأهيلهم ليضطلعوا بمسؤوليات المواطنة وأدوارها في حياتهم العامة.

* قياس معارف الطلاب وفهمهم لأسس التربية المدنية والمواطنة، ورصد اتجاهاتهم ومواقفهم وانطباعاتهم وأنشطتهم المرتبطة بهذا المجال التربوي.

* تحليل أوجه الاختلاف بين الدول في نتائج التربية المدنية والمواطنة، وتفسير كيفية ارتباط تلك الاختلافات بخصائص الطلاب، وبالأوضاع المدرسية والمجتمعية، وبالسمات الوطنية العامة التي تميز كل دولة.

ارتكزت الدراسة على ستة أسئلة بحثية مترابطة سعت إلى الإحاطة بمجموعة واسعة من القضايا المتصلة بالتربية المدنية والمواطنة؛ إذ تناول السؤال الأول التباينات القائمة في المعرفة المدنية بين الطلاب، وركز الثاني على التغيرات التي طرأت على المعرفة بالمحتوى منذ دراسة 1999، في حين بحث الثالث في مدى اهتمام الطلاب واستعدادهم الذاتي للانخراط في الشأن العام والحياة السياسية، واهتم الرابع بكشف التصورات المختلفة إزاء التهديدات التي قد تعترض المجتمع المدني، أما الخامس فقد انصرف إلى تحليل السمات المميّزة لأنظمة التعليم والمدارس والفصول الدراسية ذات الصلة بالتربية المدنية والمواطنة، في حين خصص السادس لدراسة الخلفيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للطلاب ومدى ارتباطها بالنتائج المتحققة في مجال التربية المدنية والمواطنة (شولتس وآخرون 2011، ص 15). ومن أجل تحويل هذه التساؤلات النظرية إلى أدوات قابلة للقياس والتحليل، وضع فريق ICCS إطارًا تحليليًا للتربية المدنية والمواطنة استند إلى ثلاثة أبعاد رئيسية هي: البعد المتعلق بالمحتوى، والبعد الوجداني–السلوكي، والبعد المعرفي. ثم جرى تحليل كل بُعد منها وفق مجالات محددة: فقد احتوى بُعد المحتوى على أربعة مجالات رئيسة هي المجتمع المدني والنظم، والمبادئ المدنية، والمشاركة المدنية، والهويات المدنية، بينما شمل البُعد الوجداني–السلوكي عناصر متنوّعة كالمعتقدات القيمية والمواقف والنيات السلوكية والسلوكيات الفعلية، أما البُعد المعرفي فاقتصر على مجالين اثنين هما المعرفة، والاستدلال والتحليل (شولتس وآخرون 2011).

احتوى الاختبار المعرفي على ثمانين بندًا شملت أسئلة لقياس مستوى المعرفة المدنية والمواطنة لدى الطلاب، فضلًا عن تقصّي قدراتهم على التحليل العقلي والاستدلال المنطقي وتطبيق المفاهيم على المواقف المختلفة. وإلى جانب هذا المكوّن، أُنجز استبيان دولي مستقل موجَّه للطلاب جُمعت من خلاله بيانات واسعة النطاق حول تصوراتهم للتربية المدنية والمواطنة، إلى جانب معلومات تفصيلية عن خلفياتهم الاجتماعية والثقافية والتعليمية. كما صُمّمت أدوات إقليمية متخصصة للتعامل مع قضايا محدّدة تتعلق بالتربية المدنية والمواطنة في سياقات جغرافية وسياسية بعينها شملت آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية. ولم يقتصر الأمر على الطلاب فحسب، بل طُلب من المعلمين أيضًا إكمال استبيان موسّع يوضح تصوراتهم عن حضور التربية المدنية والمواطنة في مدارسهم، بينما كُلّف مديرو المدارس باستبيان آخر يرصد الخصائص المؤسسية للمدرسة ويبيّن كيف تُدرج التربية المدنية والمواطنة في بنيتها التعليمية. وفي مستوى أعلى، أجرى المنسقون الوطنيون للبحث مسحًا عبر الإنترنت بمشاركة خبراء وطنيين جمعوا من خلاله بيانات تفصيلية عن هيكلة النظام التعليمي الوطني وعن المكانة الممنوحة للتربية المدنية والمواطنة ضمن المناهج الدراسية الرسمية. وقد جرى توثيق هذه المعطيات السياقية ونشرها لاحقًا في موسوعة ICCS 2009 (أينلي وآخرون 2013).

أُديرت هذه الدراسة في إطار ائتلاف بحثي جمع بين ثلاث مؤسسات شريكة بارزة هي: المجلس الأسترالي للبحوث التربوية (ACER)، والمؤسسة الوطنية للبحوث التربوية (NFER) في المملكة المتحدة، ومختبر التربية التجريبية (LPS) التابع لجامعة روما تري في إيطاليا. وقد عملت هذه الجهات في شراكة وثيقة مع أمانة الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA)، ومع مركز معالجة البيانات والبحوث التابع للرابطة، إضافةً إلى شبكة المنسقين الوطنيين للبحث الذين مثّلوا 38 دولة مشاركة.

الحالة الثانية: دراسة صغيرة النطاق شارك فيها عدد من الباحثين واستُخدمت فيها أدوات بسيطة، وتناولت تصوّرات المعلّمين عن مفهوم المواطنة الصالحة في خمس دول

لم تتمكّن إلا قلة من المشاريع المقارنة من بلوغ حجم الدراسة التي أجرتها الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA)، غير أنّ نهج هذه الرابطة لم يلقَ إجماعًا بين الباحثين. فقد تعرّضت دراساتها لانتقادات تتعلق بتبسيطها النسبي في تفسير بيانات معقدة جُمعت من عدد كبير من الدول التي تتفاوت تفاوتًا واسعًا في ثقافاتها ومجتمعاتها وأوضاعها الاقتصادية والسياسية، كما وُجّهت إليها تساؤلات بسبب انتقائيتها في اختيار القضايا والدول موضع التحليل. وأوضح (بوك–بيرجه 2006، ص 543) في تعليقه على دراسات التربية المدنية في بلدان ما بعد الشيوعية أنّ هذه الدراسات استبعدت الدول التي "لا تنطبق بدقة على القالب الذي وضعته الرابطة"، وأن بعض الحالات القطرية لم تكن سوى "انعكاسات لآراء الخبراء أكثر من كونها تمثيلًا مباشرًا للبيانات".

ينطلق أحد النهج البحثية المتطرفة من مبدأ استخدام أداة بحثية بالغة التبسيط، وذلك بغية الحد إلى أقصى درجة ممكنة من التباينات في تفسير البيانات القادمة من الدول المشاركة. وقد تعمّد (لي وفاوتس 2005، ص 11–12) إبراز هذه المسألة في دراستهما التي تناولت تصوّرات المعلّمين لمفهوم المواطنة الصالحة في خمس دول هي الولايات المتحدة وإنجلترا وأستراليا وروسيا والصين، والتي جرت في الفترة الممتدة ما بين 1995 و1999، مؤكدَين أن البساطة المتناهية في الأداة البحثية قد تضمن قدراً أعلى من الاتساق في تفسير النتائج عبر السياقات المتباينة.

يواجه هذا النمط من الدراسات تحدّيين مترابطين بصورة وثيقة: أولهما القيود المفاهيمية، وثانيهما إشكالات القياس. وقد عبّر (توماس 1990) عن صعوبة القيود المفاهيمية بوضوح حين أشار إلى أنّ "العديد من المفاهيم التربوية [وغيرها] لا تحمل معاني متكافئة عبر المجموعات الاجتماعية أو الثقافية، بل ولا حتى عبر الدول المختلفة." ويُظهر هذا الواقع الأساس الذي يقوم عليه مشروع "المواطنة الصالحة"، بما ينطوي عليه من اختلافات دلالية تجعل المفهوم متعدّد الوجوه بحسب الفئات والبيئات. أما على المستوى الأكثر تحديدًا، فإن التحدّي يتمثل في ضمان أن يكون النقاش منصبًا على القضية ذاتها، لا على تباينات في التأويل، سواء عند الحديث عن "المواطنة الصالحة" نفسها أو عند استخدام مفاهيم موازية لتعريفها مثل التربية الأخلاقية أو الوطنية.

جاء اختيارنا للأدوات البحثية وأسئلة المقابلة في هذه الدراسة محكومًا بوعي مسبق بأنّ زيادة درجة تعقيد الأدوات والإجراءات البحثية يُضاعف من احتمالية وقوع مشكلات في الترجمة ويؤثر سلبًا في إمكانية إجراء مقارنات دقيقة بين الدول. ومن هذا المنطلق تعمّدنا أن نصوغ الاستبيانات وأسئلة المقابلة بأبسط صورة وأكثرها وضوحًا، بحيث تقل احتمالات سوء الفهم أو ضياع المعنى عند الترجمة. ولا ندّعي أنّ هذه الأدوات والأسئلة بلغت درجة المثالية أو مستوى التفصيل الذي يُعتمد عادة في دراسات تنحصر في دولة واحدة، غير أننا نعتقد أنّها كافية إلى حد معقول لتحقيق مقاصدنا البحثية، وإن كانت تفرض بعض الحدود، كما أنّها تتيح إمكان ترجمتها بصورة تضمن إجراء مقارنات صالحة وعابرة للدول.

في تباين حاد مع الدراسة الواسعة التي أجرتها الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA)، اعتمدت دراسة الدول الخمس على استبيان موجز لا يتجاوز صفحتين، وُزّع على عينة ميسّرة من نحو 500 معلّم في كل مدينة من مدن الدول المشاركة، مع استكماله بمقابلات متابعة مع عدد من المعلّمين. ولم تسعَ الدراسة إلى بناء مخطّط معقّد ذي أبعاد متعدّدة للمفاهيم، بل حُدّدت محاورها في أربع قضايا أساسية: (1) الخصائص التي تحدّد المواطن الصالح، (2) العوامل المؤثرة في تشكيل مواطنة الفرد، (3) التهديدات التي قد يتعرّض لها الطفل في اكتساب مواطنته، (4) الأنشطة الصفّية الكفيلة بتنمية مواطنة الطفل. وقد جرى انتقاء هذه الأسئلة من مجموعة أكبر من الأسئلة التي استُبعد كثير منها أثناء مرحلتي التجريب المبدئي والاختبار الميداني. وبرغم بساطتها، فقد وُسّعت هذه المجموعة من الأسئلة عبر مقابلات نوعية متابعة. وكانت البداية بفريق الولايات المتحدة الذي باشر التجربة، ثم جرى تقنين خبرته وتعميمها على باقي الدول المشاركة لتُعتمد مرجعًا يقترب منها الجميع بقدر الإمكان، حرصًا على تعزيز المقارنة بين السياقات الوطنية.

الحالة الثالثة: دراسة واسعة النطاق أعدّها باحث واحد مستخدمًا أبعادًا وأدوات بحثية متعدّدة، تناولت موضوع التنشئة السياسية في خمس دول

بينما جرت العادة أن تُنفَّذ الدراسات المقارنة للقيم عبر فرق من الباحثين، فقد اختارت (هان 1998) أن تُنجز بمفردها دراسة مقارنة تناولت التنشئة السياسية في كلّ من إنجلترا والدنمارك وألمانيا وهولندا والولايات المتحدة الأمريكية. وقد برز تميّز كتابها التحوّل إلى الفعل السياسي في لجوئها إلى استخدام ضمير المتكلّم المفرد، وهو ما يُعد خروجًا ملحوظًا عن القاعدة المتبعة في الكتابات الأكاديمية. وقد شرحت (هان 1998، ص 1–5) هذا التوجّه بقولها:

وجدتُ نفسي أمام تحدٍ منهجي دقيق تمثّل في ضرورة تحديد عينة تمثيلية من المراهقين في خمس دول مختلفة، فبادرتُ إلى استثمار العلاقات الأكاديمية التي نسجتُها عبر مشاركاتي في مؤتمرات دولية تناولت موضوعات الدراسات الاجتماعية والمواطنة والتعليم العالمي، متواصلًا مع باحثين ومعنيّين سعيت من خلالهم إلى الوصول إلى صفوف دراسية مناسبة. وقد أتيح لي أن أجمع بيانات من فئات عمرية تراوحت بين الخامسة عشرة والتاسعة عشرة سنة، ضمن مدارس ثانوية متنوعة الطابع تعكس تباين الأنظمة التعليمية والسياقات الاجتماعية في البلدان الخمسة. ولتأطير هذه الدراسة، قمتُ بإعداد استبيان علمي اعتمد مقاييس كمية دقيقة لقياس المواقف السياسية للمراهقين، حيث شمل مؤشرات الاهتمام، والشعور بالفاعلية، ودرجات الثقة، ومستويات الاطمئنان. كما عمّقتُ البحث بمقابلات ميدانية أجريتها مع المعلمين والطلاب على حد سواء، بغية الوقوف على أنماط التفكير السياسي لدى الناشئة وعلى كيفية تشكّل المعتقدات المرتبطة بالتربية على المواطنة. تنوّعت هذه المقابلات بين جلسات حوارية صغيرة ضمّت مجموعات من طالبين حتى ثمانية طلاب، وبين نقاشات صفّية موسّعة. وبعد جمع هذه المعطيات، شرعتُ في تحليل البيانات الكمية باستخدام حزمة من الأدوات الإحصائية المتقدمة، شملت تحليل العوامل، وتحليل البنود، وتوزيعات التكرار حسب كل بند، وحساب المتوسطات على مستوى البنود والمقاييس، إضافة إلى اختبارات تحليل التباين وقياس حجم الأثر بين المتوسطات. وفي المقابل، تعاملتُ مع المادة الكيفية (المذكرات الميدانية، والمقابلات، والوثائق، واليوميات البحثية) عبر منهج التحليل المقارن المستمر، الذي مكّنني من استخلاص موضوعات محورية وقضايا تفسيرية من رحم المعطيات الأولية، بما أتاح بناء صورة متكاملة عن التنشئة السياسية لدى المراهقين في السياقات المدروسة.

لأنّ الدراسة التي اضطلعت بها (هان) اتسمت بطموح واسع النطاق وبتعقيد منهجي استثنائي، فقد امتد تنفيذها على مدى عقد كامل حتى تكتمل. ورغم أنّها لم تكن تعمل بمفردها على نحو مطلق، إذ اعتمدت على شبكة من الوسطاء في البلدان المختلفة، واعترفت بالدعم الذي قدّمه عدد من المساعدين في مراحل تحليل البيانات، فإنّ المشروع ظلّ يقوم جوهريًا على جهد فردي خالص، حيث كانت صاحبة القرار النهائي فيما يتصل بتوقيت العمل، ومكانه، وأساليبه. وما بدا في الظاهر قيدًا كان في جوهره مصدر قوة؛ فحرمانها من وجود فريق دولي جعلها محدودة الموارد ومتقيدة بإمكانات ذاتية، لكنه أعفاها من الأعباء المرهقة للعمل ضمن فريق عابر للثقافات، ومن إشكالات التنسيق، ومن السعي إلى فرض معايير موحّدة على جميع الحالات القُطرية المشاركة كما كان الحال في الدراسات السابقة. لقد غدت (هان) نفسها المعيار المرجعي الجامع، وأدّت دور الوسيط والموجّه بين السياقات الوطنية المختلفة، لتجعل من حضورها الفردي الضابط الأساسي لمسار المشروع.

بخلاف (لي وفاوتس) اللذين تعمّدا تضييق نطاق دراستهما وتقليص أدواتها حرصًا على بلوغ مستوى من القابلية للمقارنة اعتبراه ممكنًا، اختارت (هان) أن تسلك سبيلًا مغايرًا قوامه مقاربة شمولية اعتمدت على أدوات وأساليب بحثية معقّدة ومتداخلة. فعلى الصعيد النوعي، سعت إلى تفكيك كل مكوّن من مكوّنات المعطيات، واستثمرت ذلك في توليد موضوعات مركزية انبثقت مباشرة من البيانات الخام، شاملة الملاحظات الصفية، والمقابلات مع المعلمين والطلاب، والوثائق، والمذكرات الميدانية، ويومياتها البحثية الخاصة. أما على الصعيد الكمي، فقد دمجت بين تكييف مقاييس راسخة في الأدبيات وتطوير مقاييس جديدة من ابتكارها. فمن المقاييس المكيَّفة: مقياس الثقة السياسية، ومقياس الفاعلية السياسية، ومقياس الاطمئنان السياسي، ومقياس الاهتمام بالشأن العام. ومن المقاييس التي طوّرتها بنفسها: بنود النشاط السياسي المستقبلي، وبند الخبرة السياسية، ومقياس حرية التعبير، ومقياس التسامح المدني، ومقياس المناخ الصفي. وقد أتاحت هذه الأدوات دراسة دقيقة للمواقف السياسية (الاهتمام، والفاعلية، والثقة، والاطمئنان)، وللسلوكيات السياسية (مثل متابعة الأخبار والمشاركة في النقاشات السياسية)، وللمواقف من حرية التعبير والصحافة بالنسبة إلى الفئات الاجتماعية المختلفة، وللمعتقدات حول المساواة في الحقوق السياسية بين الذكور والإناث، فضلًا عن تصوّرات الطلاب لمناخ صفي محفّز على النقاش والتعبير عن الآراء في المسائل الجدلية (هان 1998، ص 3–4). أما الخلاصة الجوهرية التي توصّلت إليها (هان) بعد عقد كامل من البحث متعدد المناهج والأدوات (ص 17–18)، فقد تمثّلت في أنّ القواسم المشتركة لا تُلغي التنوّعات، بل إنّ التنوعات تتجلّى في قلب المشترك نفسه:

مع أنّ الخطاب الأكاديمي كثيرًا ما يشير إلى الديمقراطيات الغربية بوصفها وحدة متجانسة، فإن الواقع يكشف عن تباينات واسعة في أنظمتها السياسية وثقافاتها. فالهياكل الديمقراطية وطرائق عملها تختلف من بلد إلى آخر اختلافًا ملحوظًا، غير أنّ المواطنين في هذه البلدان تشاركوا جميعًا إرث عصر التنوير الذي رسّخ قيمة الحرية الفردية بوصفها مبدأً مؤسسًا. وعلى الرغم من هذا القاسم المشترك، فقد تطورت في كل نظام تعليمي وطني سمات فريدة من نوعها، غير أنّها تبلورت داخل أفق من الأفكار الموحِّدة بشأن أهداف التعليم وصورته الأساسية.

الحالة الرابعة: دراسة محدودة النطاق شارك فيها عدد من الباحثين، واعتمدت على تحليل كمي ثانوي للبيانات، تناولت تصوّرات الطلاب عن المواطنة في ثلاث دول

قام (كينيدي، وهان، ولي 2008) بإجراء تحليل كمي ثانوي لبيانات دراسة التربية المدنية التي أجرتها الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA) سنة 1999، وشمل التحليل أستراليا وهونغ كونغ والولايات المتحدة الأمريكية. وقد استهدف هذا التحليل المقارنة بين قيم الطلاب ومواقفهم، سواء داخل كل مجتمع أو عبر المجتمعات الثلاثة. وما يميز هذه الدراسة أنّ كل مؤلف من المؤلفين الثلاثة كان قد اضطلع بدور المنسق الوطني للبحث في بلده ضمن دراسة (IEA)، وهو ما منحهم في آن واحد منظورًا داخليًا لفهم خصوصيات مجتمعاتهم، ومنظورًا خارجيًا لفحص المجتمعين الآخرين. واستند الباحثون إلى عينات وطنية ممثلة مأخوذة من الدراسة الدولية، حيث اختاروا 1000 مشارك بطريقة عشوائية من كل عينة موزونة. ثم استخدموا برنامج الحزم الإحصائية للعلوم الاجتماعية (SPSS 12.0) لمعالجة البيانات، وحساب التوزيعات التكرارية لكل بند، وربطوا ذلك بأربعة مقاييس مختارة في كل مجتمع. وانطلقوا من فرضية أنّ أنماط التوزيع عبر فئات الإجابة تمثل الدلالات التي يمنحها الطلاب للبناء الكامن، مما أتاح لهم إجراء مقارنات منهجية بين نتائج المجتمعات المختلفة. وأخيرًا، ربط الباحثون بين هذه النتائج وبين أبعاد الثقافة المدنية والقيم السائدة في كل مجتمع من المجتمعات الثلاثة (ص 60–61).

انتهت هذه الدراسة إلى وضع "خريطة" سياقية دقيقة للمجتمعات الثلاثة التي جرى اختيارها للمقارنة، وقدّمت هذه الخريطة ما يبرّر الحديث عن وجود قواسم مشتركة كافية تسمح بفهم الاختلافات القائمة بوصفها اختلافات ذات مغزى يتجاوز حدود التنوع الشكلي. ومن خلال التحليل الكمي الثانوي، أمكن الكشف عن تباينات في تصوّرات الطلاب، وهي تباينات كان من الممكن أن تضيع أو تُهمل ضمن نتائج التحليل الدولي واسع النطاق الذي أجراه فريق (IEA) للبيانات الأصلية. وفوق ذلك، توصّل المؤلفون إلى نتائج لم تكن في الحسبان (ص 88)، وأبرزوا أنّ بعض أوجه التشابه والاختلاف بين الطلاب لا تخضع لتفسير يسير، بل تكشف عن تعقيدات كامنة في البُنى الثقافية والتعليمية للمجتمعات المدروسة.

تظهر المجتمعات الثلاثة بسمات متفرّدة في أبعادها التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ومع ذلك تنشأ مفارقة لافتة: ففي بعض الحالات نجد أنّ مواقف طلاب هونغ كونغ تقترب من مواقف نظرائهم في الولايات المتحدة، بينما تأتي مواقف الطلاب الأستراليين مختلفة على نحو يكاد يكون قاطعًا عن مواقف أقرانهم الأميركيين. ولا يتيح الوضع الراهن تفسيرًا واضحًا لهذه النتائج المقارنة، غير أنّ أهم ما تكشفه هو أنّ عملية التنشئة السياسية تنطوي على قدر كبير من عدم القدرة على التنبؤ، يفوق ما افترضته النماذج التقليدية السائدة. ومن ثمّ، فإنّ التقدم في هذا المجال يتطلب المزيد من البحث الممنهج الذي يستكشف التفاعلات الدقيقة والمعقدة بين العوامل المحلية المتداخلة، والتي تقود في كثير من الأحيان إلى مخرجات غير متوقعة وغير مرسومة مسبقًا.

تُبرز الحالة السابقة نتيجة متقاربة في بعض المواضع، على الرغم من التباينات والسمات المميّزة التي تتّسم بها تلك المجتمعات.

الفئة (ب): دراسات طولية في تحليل الكتب المدرسية ومضامينها

الحالة الخامسة: دراسة كميّة أنجزها باحث واحد وشملت عددًا من الدول – تحليل طولي لـ 465 كتابًا مدرسيًا في مختلف أنحاء العالم

أجرى (بروملي 2009) تحليلًا طوليًا لمضامين 465 كتابًا مدرسيًا في التاريخ والتربية المدنية والدراسات الاجتماعية صادرة في 69 دولة خلال الفترة الممتدة من 1970 إلى 2008، بهدف رصد الاتجاهات العابرة للدول نحو ترسيخ مجتمع أممي. وقد استندت الغالبية العظمى من هذه الكتب إلى أرشيف معهد (جورج إيكرْت) الألماني للبحوث الدولية في الكتب المدرسية، بعد أن جُمعت أصلًا ضمن مشروع بحثي حول تعليم حقوق الإنسان قاده (جون ماير) و(فرانسيسكو راميريز) (ماير وآخرون 2010). صنّف (بروملي) كل كتاب وفق معايير أُعدّت لقياس مدى تركيزه على قيم الكونية والتنوّع التي تُعدّ من ركائز فكرة المجتمع الأممي. ولمواجهة التحديات الناجمة عن الترجمة، اعتمدت الدراسة على استراتيجيات متعدّدة شملت استخدام أسئلة واقعية، والاستعانة بمترجمين ثنائيي اللغة إلمامًا كاملًا، وضمان اتساق التقييمات بين المقيمين. كما جرى تقسيم الكتب إلى فترتين أساسيتين: 1970–1994 و1995–2008، بهدف رصد التحولات التاريخية في أوروبا الشرقية، وتحقيق توازن في توزيع العينة الكاملة.

خلصت الدراسة إلى أنّ ثمة اتجاهًا عالميًا واضحًا نحو ترسيخ قيم المجتمع الأممي في كتب التربية المدنية، باستثناء منطقة آسيا التي شكّلت استثناءً لافتًا. وقد أقرّ المؤلف بأنّ هذه النتيجة غير المتوقعة تتناقض مع ما أظهرته بحوث معمّقة أخرى في السياق الآسيوي. وأرجع (بروملي) هذا التباين إلى ما يعتري الدراسات الكلية واسعة النطاق من حدود منهجية تجعلها عاجزة عن التقاط التعقيدات الدقيقة والمعاني المتباينة التي لا تكشفها إلا دراسات الحالات الفردية المتعمقة (2009، ص 39). ومن هذا المنطلق، تكتسب الحالة التالية أهميتها، إذ تحمل بدورها طابعًا طوليًا، لكنها توضح في الوقت ذاته ما يمكن أن يتيحه تحليل حالة واحدة عند وضعها في إطار مقارن.

الحالة السادسة: دراسة في سياق دولة واحدة باستخدام نهج بحثية مختلطة – تحليل طولي لكتب التربية المدنية المقررة في التعليم المدرسي

رغم أنّ هذه الدراسة لا تنتمي إلى المقارنات الصريحة عبر الدول، إلّا أنّها تحظى بأهمية خاصة لكونها تُسلّط الضوء على موضوع محوري في ميدان التربية المقارنة، وهو جدلية العلاقة بين البُعد العالمي والبُعد المحلي في عمليات انتشار وتوطين الأفكار التربوية. وقد أنجز (مون وكو 2011) دراسة اعتمدت الطرائق المختلطة لتفحّص التربية المدنية في كوريا الجنوبية، مركّزين على الكيفية التي تتقاطع فيها التوجهات العالمية المتعلقة بالمواطنة مع المعطيات السياقية المحلية. وفي الجانب الكمي من الدراسة، قام الباحثان بتحليل محتوى 62 كتابًا مدرسيًا في التربية المدنية نُشرت بين عامي 1981 و2004، إذ عمدا إلى قراءتها تفصيلًا، صفحةً بعد أخرى، لإحصاء عدد مرات ورود الكلمات المفتاحية المرتبطة بالبُعدين العالمي والوطني، ثم حَسَبا المتوسط العام لورودها في الصفحة الواحدة، وذلك لرصد التغيرات على امتداد الفترة الزمنية. وأعقب هذا التحليل الكمي توظيف معطيات نوعية استُقيت من 28 مقابلة شبه منظّمة مع مجموعة من الفاعلين المحليين، في محاولة لتفسير كيفية تسرّب مفاهيم المواطنة العالمية إلى المناهج الكورية الجنوبية. وأسفر هذا المزج المنهجي عن استنتاجات مهمّة أبرزت التفاعل الجدلي بين المحلي والعالمي في مسار تبنّي مفاهيم المواطنة العالمية في كوريا الجنوبية، حيث خلص الباحثان (ص 595) إلى أنّ:

تداخلت الآليات العالمية بصورة عضوية مع حلقات التطور المحلي التي مهّدت لنجاح عملية إدماج مفاهيم المواطنة العالمية في الكتب المدرسية. واتضح أنّ المنظمات المحلية، إلى جانب القادة السياسيين الوطنيين والمسؤولين الحكوميين، ظلّت على صلة مباشرة بالنماذج العالمية السائدة، الأمر الذي أسهم في انتقال تلك الأفكار وانتشارها، ومن ثمّ ترسّخها واعتمادها في بنية المجتمع الكوري.

الفئة (ج): دراسات حول القيم المتقاربة والمتباينة

الحالة السابعة: دراسة في القيم المتقاربة – مقاربة دلفي لتحليل أدوار صنّاع السياسات والمؤثرين في توجيهها ضمن تسع دول

أجرى (كوغان 2000) بمشاركة فريق من الباحثين دراسة مقارنة معمّقة حول مفهوم المواطنة في تسع دول: إنجلترا وألمانيا واليونان والمجر وهولندا وتايلاند واليابان وكندا والولايات المتحدة الأمريكية، خلال الفترة ما بين 1993 و1997. وقد بُنيت هذه الدراسة على تكييف عابر للثقافات لنموذج بحثي يُعرف باسم المنهج الإثنوغرافي الدلفي المستقبلي، وهو إطار منهجي يُستخدم عادةً لاستشراف الاتجاهات المستقبلية بعيدة المدى، بهدف صياغة سياسات عامة تتسم بقدر أكبر من الدقة والملاءمة. وتكمن أهمية هذا النهج في قدرته على اختزال المعطيات المتعددة المصادر وصياغتها ضمن بيانات توافقية، بما يسمح بتفسيرها من قِبل المشاركين والباحثين على حدّ سواء. واستندت الدراسة إلى استجابات 182 خبيرًا في السياسات، وتمخض عنها إنتاج 900 بيان أولي صيغت وفق نموذج دلفي، ونُظّمت هذه البيانات في ثلاثة محاور رئيسية: اتجاهات، وخصائص، واستراتيجيات/مقاربات/ابتكارات تعليمية. وقد ابتكر الفريق البحثي آلية دقيقة لتحديد الأوزان النسبية الملائمة لتجميع وتصنيف البيانات، بما يضمن موثوقية أعلى في النتائج (كورث–شاي وآخرون 2000).

اتسق المسار الذي طوّره الفريق مع الغاية الأساسية المتمثّلة في الكشف عن أوجه التقارب، وذلك من خلال وضع معايير دقيقة لاختيار الشركاء في البحث والمستجيبين. وقد جرى تحديد أربعة شروط رئيسية لاختيار قادة الفرق البحثية، وهي: امتلاك خبرة راسخة ومُثبتة في مجال التربية على المواطنة أو في منهجيات البحث العلمي، والقدرة على صياغة رؤية مستقبلية واضحة، وإبداء اهتمام فعلي بالمشاركة في الدراسة، فضلًا عن الالتزام بالاستمرار في المشروع حتى استكماله. وعلى نحو موازٍ، جرى تحديد أربعة معايير لاختيار الخبراء الأعضاء في لجان دلفي، تمثّلت في: التوجّه المستقبلي، والريادة في مجال التخصص العلمي أو المهني، والاهتمام العميق بالشؤون المدنية والعامة، إلى جانب المعرفة الجيدة بالاتجاهات والقضايا العالمية المعاصرة.

أفضى المعيار المشترك بين المجموعتين إلى نشوء نمط بحثي تتقاطع فيه الرؤى المستقبلية، بحيث أصبح الباحثون الذين يتبنون منظورًا مستقبليًا يجرون دراساتهم على القادة الذين ينطلقون هم أيضًا من مرجعية مستقبلية. ووفقًا لمفهوم (برغ–شلوشر 2001)، فإنّ هذا يندرج ضمن إطار "الأنظمة المتشابهة التي تُفضي إلى نتائج متشابهة". ونتيجة لذلك، تم تحديد ثمانية مقومات محورية تُعبّر عن سمات المواطنة، كما جرى تطوير مخطط تحليلي يقوم على أربعة أبعاد رئيسية، صيغ انطلاقًا منها نموذج متعدد الأبعاد للمواطنة. وعلى الرغم من التركيز على البيانات التوافقية، لم يتجاهل الفريق البحثي ما برز من بيانات غير توافقية، بل خُصّص لها فصل مستقل في التقرير لبحث طبيعة التصريحات المختلف عليها ودرجة التباين في الآراء حولها. وبصورة عامة، توصّل الفريق إلى ملاحظات مهمة تكشف عن وجود فوارق جوهرية بين الشرق والغرب، حيث أظهر القادة في الشرق مستويات أعلى من التوافق والانسجام، في حين بدت مواقف نظرائهم الغربيين أكثر تباينًا واختلافًا (كارستن وآخرون 2000).

الحالة الثامنة: دراسة القيم المتباينة – دراسة سيغما للقادة في إحدى عشرة دولة، أطلقها (كامينغز وآخرون 1996) حول التوجّه المستقبلي للتربية القيمية في منطقة حافة المحيط الهادئ.

امتدّت هذه الدراسة على مدى ثلاث سنوات كاملة، وغطّت إحدى عشرة دولة مشاركة. وقد بدأت بإطار تحليلي أولي اتسم بالبساطة، يقوم على أربعة أسئلة أساسية شكّلت محور الاهتمام البحثي (كامينغز 1998، ص 1):

ما الأسباب الكامنة وراء تغيّر القيم عبر الأزمنة والسياقات؟ وما القيم التي يتعيّن أن تنال الأسبقية والاهتمام الأكبر ضمن برامج التربية القيمية؟ ومن الجهة أو الفئة التي ينبغي أن تشكّل محور هذه التربية؟ ثم كيف يمكن صياغة هذه القيم وتنميتها، وما السبل الكفيلة بضمان نقلها وترسيخها؟

عند الانطلاقة الأولى للمشروع، كان مقترح الفريق البحثي أن يعتمد على دراسة وفق منهج دلفي، لكونه المنهج الأكثر ملاءمة لتحليل التوجهات القيمية لدى القادة (كامينغز وآخرون 1996). لكن، ومع بدء التنفيذ الفعلي واجتماع ممثلي الدول المشاركة، تراجع أعضاء الفريق عن هذا الخيار. وقد جاء في تقرير عمل أعدّه (كامينغز 1998، ص 1) ما نصّه:

أبدى ممثلو الدول المشاركون في المشروع تقديرًا ملحوظًا للاتجاهات الراهنة في مجال التربية القيمية، وكانوا على إدراك عميق بحقيقة التباينات القائمة في مواقف المنطقة ورؤاها. وفي بادئ الأمر انصرفت جهودهم إلى التفكير في آليات يمكن أن تعزز التوافق الإقليمي. غير أنّ المجموعة ما لبثت أن اتخذت، في تحول فكري لافت، موقفًا مغايرًا، إذ رأت أنّ هذه النزعات المتباينة تمثّل انعكاسًا طبيعيًا للتعقيد المتزايد في الحياة المعاصرة. وبناءً على ذلك، أعادت المجموعة صياغة أولوياتها، واتفقت على التعاون في إعداد منهجية جديدة لتحليل أنماط التباين، قائمة على الدمج بين دراسات الحالة الوطنية والاستقصاء الدولي وفق أسلوب سيغما.

بعد أن توصّل المشروع إلى قناعة راسخة بأنّ التباين يمثّل السمة الجوهرية لدراسة القيم في سياقات متعددة الدول، تخلّى الفريق عن اعتماد دراسة دلفي، واختار بدلًا منها تنفيذ دراسة سيغما. وقد استند هذا التحوّل المنهجي إلى حجّة أساسية، مفادها أنّ المنهجية المناسبة لإبراز أوجه الاختلاف لا يمكن أن تكون مجرد تعديل لأداة قائمة، بل تتطلب ابتكار مقاربة مسحية جديدة حملت اسم "المسح الدولي للنخب – سيغما". وفي التقرير الختامي، شدّد (كامينغز وآخرون 2001ب، ص 14) على ما يلي:

يُستعمل الحرف اليوناني "سيغما" في علم الإحصاء بوصفه الرمز الذي يعبّر عن التباين أو الاختلاف في القيم والنتائج. ومن هذا المنطلق استُخدم المنهج الذي طوّرته هذه الدراسة تحت اسم "منهج سيغما"، ليكون أداة موجهة نحو إبراز أوجه التمايز والاختلاف بين الحالات والبلدان، وتسليط الضوء على طبيعة التباينات القائمة. ويُقارن هذا المنهج بمنهج دلفي الذي يهدف على العكس من ذلك إلى صياغة توافقات عامة، ومن ثم تقليص مساحة التباين وإضعاف حدّته بين مختلف الأطراف.

السمات المميّزة لمسح سيغما وُصفت على النحو الآتي:

* الاختيار المقصود لعينة نخبوية من كل بيئة تمثّل تمايزات مهمّة في الانتماء السياسي أو الأيديولوجي، والمكانة الاجتماعية، والنوع الاجتماعي، والموقع الإقليمي.

* صياغة أسئلة تعكس اهتمامات كل بيئة وتمس شواغلها المباشرة.

* استخدام صيغة للأسئلة تُلزم المشاركين بتوضيح مواقعهم بدقة، مثل ترتيب الخيارات المتعددة ضمن قائمة طويلة بحسب الأولوية.

* توجيه أسئلة متابعة إلى المشاركين الذين يُبدون مواقف استثنائية أو يطرحون إجابات مغايرة بوضوح.

بعد أن حُسِم القرار بألّا ينصبّ اهتمام الدراسة على البحث عن مسارات التقارب، اعتمد المشروع نهجًا مغايرًا يستند إلى تحليل القيم المتباينة ودراسة اختلافها (كمنغز وآخرون 2001ب، ص 8):

تبيّن للباحثين أن محاولة وضع تعريف واحد ومحدد لمفهوم "القيادات" بحيث ينسجم مع تنوّع البلدان والسياقات أمر غير ممكن، ولذلك لم يُسعوا إلى اختيار عينة عشوائية، بل اعتمدوا على أن يقوم كل فريق وطني بانتقاء من يراه الأكثر تمثيلًا لواقعه، في إطار التزام عام بمراعاة التنوع بين الفئات. ووفقًا للمكانة الاجتماعية للمشاركين، توزّعت النسب كالآتي: 6% قادة سياسيون، 17% سلطات تعليمية مركزية، 5% قادة دينيون، 11% ممثلون عن منظمات غير حكومية ذات صلة، 17% قادة فكريون، 12% أكاديميون، 18% مديرو مدارس محلية، 20% مصمّمو مناهج أو معلمو التربية القيمية، و21% نساء. وجاء هذا التوزيع متقاربًا في مختلف البيئات، مع نشر تفاصيل أدقّ عن عينات كل بيئة في الفصول المخصصة لها، بينما بلغ العدد الإجمالي للمستجيبين 834 قائدًا.

ذكر (برغ–شلوسر 2001) أن هذا التصنيف جاء متوافقًا مع منظور "أنظمة مختلفة تؤدي إلى نتائج مختلفة". وأدّى التحليل إلى رصد أنماط متنوّعة من التوجهات القيمية بين الدول المشاركة. ولتحقيق ذلك، طبّق الفريق أسلوب القياس متعدّد الأبعاد على 15 مبررًا للتربية القيمية، فتمّ تحديد مواقع الدول على متصلين مزدوجين: الفردانية في مقابل الجمعية، والتنوّع في مقابل القومية. ثم استخلص الفريق أربعة أنماط رئيسة تمثّل خريطة هذه الدول: الليبراليون الغربيون، والأخلاقيون في جنوب شرق آسيا، والمنهج الكونفوشي الوسطي، ثم الوسطيون من خلفيات اشتراكية سابقة. ومع أنّ هدف المشروع كان دراسة التباينات، فإن (كمنغز) وزملاءه لم يتمكنوا من إغفال بعض مظاهر التقارب، على نحو مماثل لما واجهه (كوغان) وزملاؤه في دراسة دلفي. وأظهرت النتائج أنّ القيم التي نالت أعلى مستويات التأييد كانت الاستقلالية الفردية والقيم الأخلاقية والقيم المدنية والديمقراطية، في حين برزت قيم العمل والبيئة والأسرة والسلام والهوية الوطنية والتنوّع في الدرجة الثانية من التأييد، بينما جاءت قيم المساواة بين الجنسين والوعي العالمي والدين في المرتبة الأخيرة (كمنغز 2001، ص 289–290).

الحالة التاسعة: دراسة التباين داخل القيم المتقاربة – دراسة حول القيم المدنية الآسيوية

انطلق (يونغ وتاي 2013) في دراسة مقارنة عبر الثقافات لتحليل تصوّرات تلامذة الصفوف الثانوية الدنيا في تايوان وهونغ كونغ فيما يتعلّق بالقيم المدنية الآسيوية. واستندا في عملهما إلى بيانات الوحدة الإقليمية الآسيوية في دراسة (ICCS 2009)، حيث قاما بدايةً بتطبيق التحليل العاملي الاستكشافي ثم التحليل العاملي التأكيدي للوصول إلى النموذج الأمثل الذي يفسّر النتائج داخل المجتمعات الثلاثة. ثم لجآ إلى تحليل المتوسطات الكامنة من أجل اختبار أوجه الاختلاف بين تلك المجتمعات. وأوضحت الدراسة أنّ طلاب شرق آسيا يتقاربون بوجه عام في مواقفهم الرافضة للممارسات غير الديمقراطية وغير العادلة، كما يتقاربون في قبول الهوية الآسيوية والقيم الديمقراطية، لكنهم يختلفون من بلد لآخر في درجة تمثّل بعض القيم المدنية. ويؤكّد هذا المثال صلاحية تصنيف (برغ–شلوسر 2001) القائم على منهج «أنظمة متشابهة تقود إلى نتائج متباينة» عند إجراء التحليلات المقارنة بين الحالات.

الفئة (د): مقارنة الحالات في الدراسات النوعية

الحالة العاشرة: بحث في نماذج مدرسية عبر ستة مجتمعات

قام (كوغان وزملاؤه 2002) بمقارنة التربية المدنية في ستة مجتمعات، هي نيو ساوث ويلز الأسترالية، وهونغ كونغ، واليابان، وتايوان، وتايلاند، ومنطقة الغرب الأوسط في الولايات المتحدة، وذلك في الفترة الممتدة بين 1997 و2000. وعلى خلاف البحوث السابقة التي مزجت بين الطرائق الكمية والنوعية، اقتصرت هذه الدراسة على استخدام النهج النوعية، التي شملت استعراضًا تاريخيًا، وتحليلًا للسياسات والوثائق، إضافة إلى دراسات حالة لمدارس في كل مجتمع مشارك. وتراوح عدد الحالات المدرسية المدروسة من حالتين في هونغ كونغ إلى أربع حالات في نيو ساوث ويلز. وقد تمايزت هذه الدراسة عن نظيراتها السابقة في أن المقارنة لم تعتمد على بيانات كمية، وإنما على وصف وتحليل معمقين لكل مجتمع على حدة، بينما جاءت المقارنة الكلية في صورة "مقابلة بين النتائج". واشتمل التقرير النهائي على ثلاث جداول مقارنة تناولت: (1) السياسات الحكومية، (2) المعارف والقيم المراد تعزيزها، (3) القيم المدنية، بما يبرز القضايا التي اعتبرها فريق البحث محورية. وأبرز الفريق في الفصل الافتتاحي مصطلح "التحليل عبر الحالات"، ليؤكد خصوصية منهجه المقارن. كما أن مفهوم "الحالة" اتخذ طابعًا متعدّد الطبقات، إذ مثّلت الدراسة في جوهرها مقارنة بين دراسات حالة مقارنة، أو ما يمكن وصفه بـ "دراسة لحالات ضمن حالات". وقد حدد كل مجتمع مشارك مدارس معيّنة لتكون محل الدراسة، ثم أجرى الفريق مقارنات بين المجتمعات بوصفها وحدات حالة مستقلة، وذهبوا أبعد من ذلك حين أعادوا صياغتها في صورة "حالات ثقافية" مثل "المجتمعات الآسيوية" و"المجتمعات الغربية" (موريس وآخرون 2002).

أظهر التحليل عبر الحالات أنّ هناك قيمًا تتلاقى وأخرى تتباعد فيما بينها. فعلى صعيد القيم المتقاربة، ميّز الباحثون ثمانية عناقيد قيمية تضم: تنمية الذات، والقيم العائلية، والقيم الديمقراطية، ومفهوم الحكم العادل، والجوانب الاقتصادية للحياة، والتماسك الاجتماعي والتنوع، والحياة المدنية والمشاركة المجتمعية، إضافة إلى الهوية الوطنية. ومع ذلك، فقد تبيّن أنّ التباينات تفوق عناصر التقارب، حيث رُصدت أربع منظومات من التوترات تمتد عبر مختلف المجتمعات المشاركة (موريس وآخرون 2002، ص 174):

* حقوق الفرد في مقابل مصالح الجماعة

* الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في مقابل التغيير/إعادة البناء الاجتماعي

* التماسك الاجتماعي في مقابل التنوع الاجتماعي

* تقديم معرفة جاهزة متلقّاة في مقابل التعامل مع المعرفة بوصفها مؤقتة وقابلة للبناء

ومن السمات المميّزة لهذا الجهد المقارن أنّ الباحثين لم يلجأوا إلى وضع محدّدات للمقارنة قبل البدء، بل فضّلوا استخدام ثنائية "المواطنة الدنيا" و"المواطنة العليا" كإطار إرشادي يوجّه عملية تحديد مواقع المجتمعات قيد الدراسة ومقارنتها.

الحالة الحادية عشرة: مقاربات تحليلية ثانوية للحالات النوعية

قدّمت دراسة التربية المدنية للرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي نموذجًا مميّزًا لمقارنة الحالات على نحو نوعي. فقد نُظّمت الدراسة على مرحلتين: أُعدّت الأولى لتكون إطارًا نوعيًا يُرسي الأساس لبناء أدوات الاستبانة الكمية في المرحلة الثانية. ووضع فريق البحث ثمانية عشر سؤالًا تأطيريًا لتوحيد مدخلات المعلومات، بينما التزم ممثلو الدول بقصر تحليلاتهم على موضوعات الديمقراطية، والهوية الوطنية، والتماسك الاجتماعي والتنوّع. وقد أثمرت هذه الجهود عن أربعة وعشرين تقريرًا نوعيًا لدراسات حالة. وبغية تحليل هذه التقارير بما يخدم المرحلة اللاحقة، دعت اللجنة التوجيهية الدولية مجموعة من الباحثين إلى دراستها، فأفضت مقارباتهم المتنوّعة إلى إثراء المقارنات النوعية برؤى جديدة وذات قيمة علمية.

جُمعت هذه التحليلات في كتاب قامت بتحريره (شتاينر–خامسي وآخرون 2002أ)، وقد قدّم المحررون فيه نقاشًا معمّقًا كشف عن تنوّع الطرائق والنهج المقارنة المعتمدة. ومن الملاحظات التي برزت في هذا السياق قضية اختيار الحالات؛ حيث وضع معظم المؤلفين معايير مستندة إلى السياق مكّنتهم من حصر تركيزهم في عدد محدود من الأمثلة. كما عمد الكثير منهم إلى تقليص المحتوى محل الدراسة بالتركيز على المجالات الجوهرية للتربية المدنية مثل الديمقراطية والهوية الوطنية والتماسك/التنوع الاجتماعي، أو بتحديد مستويات معينة للتحليل تشمل السياسة والممارسة والمناهج الدراسية. إضافة إلى ذلك، اتضح أنّ أحد الأساليب لتضييق نطاق التحليل كان الاستناد إلى الخلافات النظرية المتعلقة بمفاهيم المواطنة والتربية المدنية.

استند الباحثون في وضع إطار التفسير إلى منهجين متمايزين. المنهج الأول هو النظرية المؤسَّسة، حيث جرت العملية على مراحل متسلسلة: (1) رصد الكلمات المفتاحية من تقارير الحالات، (2) اختيار موضوعات محدودة للتحليل، (3) استبعاد الموضوعات غير القابلة للمقارنة ثم ترجيح موضوع برز خلال مراحل التحليل، (4) إعادة قراءة هذه الموضوعات على ضوء المفاهيم الواردة في الأدبيات العلمية. أما المنهج الثاني فقد اعتمد على مراجعات الأدبيات لوضع أطر تفسيرية تُختبر من خلالها درجة اتساق الحالات المدروسة مع النماذج النظرية المطروحة. وقد تميّز أحد المؤلفين بطرح مقاربة تحليلية على مستوى ميتا، تناول فيها انعكاسات عملية جمع البيانات النوعية وكيف تمايزت عن غيرها من الدراسات في البحث النوعي أو في التربية المقارنة (شتاينر–خامسي وآخرون 2002ب،
ص 12–14).

عكست المقارنة بين الحالات تنوّعًا في تعريف المؤلفين لما يمثّل "الحالة". فهناك من تعامل مع الدراسات القُطرية باعتبارها وحدات تحليلية تصلح للمقارنة عبر الدول، بينما رأى آخرون أنها أنظمة مغلقة تمثّل نماذج مختلفة من التربية المدنية والمواطنة. وفي اختيارهم للعينة، اعتمد معظم الباحثين معايير واضحة هدفت إلى بناء تصميم تقابلي، من خلال انتقاء حالات اعتُبرت "الأكثر تباينًا" على صعيد النظم السياسية أو التعليمية أو غيرها من المحددات. أما المؤلفون الذين ركّزوا على عينة أصغر، فقد اعتمدوا منهجًا تقابليًا يُعرف بتصميم "الأنظمة الأشد اختلافًا والنتائج المختلفة". ومن الأمثلة البارزة ما قامت به (شتاينر–خامسي) حين اختارت تقارير الولايات المتحدة ورومانيا وألمانيا وهونغ كونغ، لاعتقادها أنّ هذه الحالات تُمثّل تصوّرات متمايزة للمواطنة، وأن المقارنة بينها ستُظهر تباينات جوهرية في مناهج التربية المدنية (2002ب، ص 26).

أكّد المحررون أنّ التحليل النوعي العابر للحدود أتاح فرصة ثمينة للتعامل مع اكتشافات لم تكن متوقعة مسبقًا، إذ إنّ معطيات دراسات الحالة بدت وكأنها "تردّ" على الباحث وتوجّه مسار النقاش. وخلال مراجعة قاعدة البيانات النوعية، توصّل ثلاثة من الباحثين إلى أن الإطار النظري الأصلي لدراسة الرابطة الدولية لتقويم التربية المدنية يظل محدود الأفق. وبالاستناد إلى ما أجروه من تحليلات مستقلة، اقترح هؤلاء توسيع الإطار بحيث يشمل أبعادًا اقتصادية وأخرى تتجاوز حدود الدولة القومية، بما يفتح آفاقًا جديدة لفهم المواطنة.

أشارت (شتاينر–خامسي وآخرون 2002ب، ص 34) إلى أنّ الباحثين النوعيين يواجهون في كثير من الجوانب التحديات المنهجية نفسها التي يواجهها الباحثون الكميون عند تحليل البيانات عبر الدول. فعلى سبيل المثال، يتعيّن على كليهما التعامل مع مشكلات تتعلّق بالعيّنة، وتقليص حجم البيانات، والتحقق من الصدقية والثبات. غير أنّ المقارنين النوعيين، عند مباشرتهم لتحليل بيانات دراسات الحالة في سياقات دولية مختلفة، كان عليهم الحرص على ألّا يُفقد "نسيج" المادة المدروسة أو يُشوَّه. فقد كانت هذه المادة بحاجة إلى معالجة تختلف عن أسلوب التعامل مع الأسئلة المفتوحة في الاستبانات. وانتهت (شتاينر–خامسي وآخرون 2002ب، ص 34) إلى القول بأن:

تعمل دراسات الحالة كسرديات متماسكة مشبّعة بالنظرية، تنقل إلينا ملامح العلاقات السببية داخل نظام مغلق، وتقدّم مستوى من الارتباط بالسياق يتجاوز بكثير ما قد تمنحه الأسئلة المفتوحة في الاستبانات حين تجمَّع. وإنّ عدم التفريط في هذه السمة السياقية يمثّل تحديًا علميًا يظل ميزة خاصة بالباحثين المقارنين نوعيًا.

مناقشة واستنتاجات

تكشف المراجعة السابقة أنّ بحوث القيم المقارنة، على اختلاف منهجياتها بين الكمي والنوعي أو المزج بينهما، وتباين حجمها من حيث عدد الدول أو الحالات، وتنوّع القيم التي تتقصّاها بين المتقاربة والمتباينة، وتعدّد مسالكها التحليلية ما بين الاستقراء القائم على الملاحظة والمعطيات أو الاستنتاج المبني على اختبار النظريات، تلتقي جميعها عند خيط ناظم واحد. إذ ظلّت هذه الدراسات، صراحة أو ضمنًا، تُثير جملة من التساؤلات الجوهرية حول طبيعة القيم وأهميتها، وما تفرضه من أبعاد معرفية وتربوية:

* ما القيم المعتبرة أساسًا في المجتمع والمقدَّمة على غيرها؟

* ما طبيعة العلاقة والتفاعل بين القيم الشخصية للأفراد والقيم العامة للمجتمع؟

* لأيّ أسباب تحظى بعض القيم بتركيز خاص، وغالبًا ما يُعاد تفسيرها في ضوء التقاليد الثقافية أو متطلبات التغيير الاجتماعي؟

* ما الوسائل والأدوات التحليلية التي يمكن توظيفها لفهم هذه الظواهر وتأطيرها نظريًا؟

* بأي آليات يتم إدماج هذه القيم ونقلها من خلال النظام التعليمي؟

هل يظهر تباين بين الخطاب السياسي الرسمي (فيما يتعلّق بالقيم التي يطرحها صانعو السياسات) وبين الممارسات الفعلية (المتجسّدة في القيم التي يعتنقها الأفراد من طلاب ومعلمين ومؤسسات مدرسية)؟

لطالما واجه الباحثون المنخرطون في الدراسات المقارنة معضلات متأصلة تتعلق بخيارات المنهج ومداخل التحليل. وقد بيّن (ليفي–فور 2006) جانبًا من هذه المعضلات، من بينها تحديد حجم العينة الأنسب، والمفاضلة بين اعتماد النهج الكمية أو النوعية، وكذلك الجدل حول جدوى التركيز على البُعد التطبيقي مقابل الانشغال بالمنطلقات الأيديولوجية. وتُظهر الأمثلة الإحدى عشرة التي تناولها هذا الفصل مدى التباين بين النهج المختلفة؛ فمن حيث حجم العينة، نجد دراسات اقتصرت على بلد واحد، وأخرى امتدّت لتشمل 69 بلدًا. وفي معظم الحالات، باستثناء حالتين بارزتين أُجريتا بجهد فردي وشكّلتا دراستين عابرتين للحدود واسعة النطاق (الحالة الثالثة لـ(هان) والخامسة لـ(بروملي))، لجأ الباحثون إلى العمل الجماعي. كما فضّل عدد منهم التعمّق في تناول أبعاد متعددة للظاهرة، وهو ما استدعى تطوير أدوات بحثية معقدة، بينما اتجه آخرون إلى تبسيط هذه الأدوات إلى أبسط صورها بغرض ضمان سهولة المقارنة وإمكانية ضبطها.

الشكل 9.1: تباينات في التركيزات المنهجية ضمن الدراسات المقارنة للقيم

image


بيّنت هذه الحالات اتساع الهوة بين منهجين متباينين في البحث التربوي؛ فمن جهة، لجأت بعض الدراسات إلى النهج الكمية الخالصة، حيث جرى ضبط المتغيرات وتوحيدها بواسطة أساليب رقمية، ومن جهة أخرى، اعتمدت دراسات مقابلة على المنهج النوعي الصرف الذي يروم الكشف عن معاني المواطنة والقيم عبر دراسات الحالة. وفي الدراسات الكمية، وخصوصًا في الحالة الأولى، أُعيد تحديد نطاق البحث بواسطة أدوات إحصائية مثل التحليل العاملي، فاستقرّ التحليل على محاور أساسية شملت: المعرفة بمحتوى التربية المدنية، القدرة على تفسير المعلومات المدنية، فهم مفاهيم الديمقراطية والمواطنة والحكومة، إضافة إلى المواقف تجاه الدولة والحكومة والمهاجرين وحقوق المرأة في المجال السياسي. وقد انبثق ذلك من إطار أولي واسع ثم تطور من خلال استبيانات تفصيلية، وهو الاتجاه ذاته الذي طُبق في الحالتين السابعة والثامنة. في المقابل، اعتمدت النهج النوعية المستخدَمة في الحالتين العاشرة والحادية عشرة على مقابلات المجموعات البؤرية وتحليل محتوى المناهج والكتب المدرسية بوصفها أدوات رئيسية للبحث.

وقد لجأت بعض الدراسات، مثل الدراسة الواردة في الحالة السادسة، إلى توظيف المنهجين معًا، فكانت تقف في منزلة وسطى بين هذين الطرفين المتعارضين. فقد مثّلت هذه الدراسات محاولات جادّة في البحوث المقارنة ضمن العلوم الاجتماعية للجمع بين الأساليب بدلًا من الانقسام الثنائي الصارم بينها. وكما أشار (كوبدج 1997، ص 1)، فإن الدراسات واسعة النطاق (Large N) وتلك محدودة النطاق (Small N) يمكن أن تكون متكاملة، بحيث يُغني أحدهما الآخر ويكمّله في بناء المعرفة المقارنة.

عادةً ما تنتج الدراسات المقارنة ذات العينات الصغيرة (Small N) مفاهيم ونظريات "سميكة"، أي مفاهيم تتسم بالتعقيد، وتحتوي على أبعاد متعددة، وتستمد قوتها من سياقاتها المحددة وغناها التفسيري. وتُعدّ هذه السمات مفيدة في بناء أوصاف دقيقة وفي الكشف عن تفسيرات سببية بسيطة في نطاق محدود من الحالات. غير أنّ هذه "السماكة" البحثية تصبح ثقيلة وصعبة الاستخدام عندما يكون الهدف هو التعميم على نطاق واسع أو إخضاع الفرضيات المركبة لاختبارات دقيقة. وعلى الجانب الآخر، ورغم أنّ التحليل الكمي يتعرض لانتقادات متكررة بسبب اعتماده على مفاهيم ونظريات "رقيقة" أو مبسطة، فإنه يمثل في نظر الكثيرين الوسيلة الأكثر فاعلية لفحص التعميمات، وخاصة تلك التي تتعلق بشبكات السببية المعقدة والمتشابكة.

أوضح (كوبيدج 1997) أنّه بالإمكان ترجمة المفاهيم "السميكة" المليئة بالتفاصيل والسياقات إلى صيغ "رقيقة" تتلاءم مع طبيعة البيانات الكمية، مما يسمح بقياسها ومعالجتها إحصائيًا. وعلى الجانب الآخر، يمكن إعادة بناء المفاهيم "الرقيقة" وإغناؤها بالمعاني والسياقات عبر الاستعانة بالنهج النوعية، بحيث تعمل هذه الأخيرة على موازنة محدودية التبسيط الكمي وإضافة أبعاد تفسيرية تعيد للمفاهيم عمقها النظري.

تُظهر مراجعة الحالات الواردة في هذا الفصل أنّ البحوث المقارنة للقيم غالبًا ما تركّز على التحليل الكيفي، بالرغم من إمكانية التأكيد على الجانب الكمي كذلك، كما هو واضح في إسهام (تورني–بورْتا وأماديو 2013) اللذين أبرزَا القيمة البحثية للتقييمات الدولية واسعة النطاق في ميدان التربية المدنية. فالدراسات الكمية، وبالأخص تلك التي اضطلعت بها الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA)، تتعامل عادة مع الدولة كوحدة أساسية في التحليل، وتدرجها ضمن مجموعات من الدول التي تتقارب نتائجها. غير أنّ هذا النهج لا ينسجم مع ما تسعى إليه معظم الدراسات المقارنة للقيم، إذ يتطلع الباحثون إلى ما يتجاوز مجرد ترتيب الدول، فيسعون إلى تفكيك الدلالات التي تحملها القيم داخل النسيج الاجتماعي للمجتمعات المعنية. ومن هنا يبرز الميل إلى النهج الكيفية والاهتمام بما سماه (ليفي–فور 2006) "أنطولوجيا النوع" في مقابل "منهجية الحجم". وإلى جانب ذلك، أوضحت (هان 2010) أنّ المقارنات داخل الدولة أو بين المجموعات الفرعية – عرقية كانت أو اجتماعية – قد تكون أكثر ثراءً من المقارنات عبر الدول، لأنها تُظهر أصواتًا وديناميات داخلية لا تكشفها الدراسات العابرة للحدود. كما دعت (هان) إلى توسيع دائرة التحليل لملاحظة التفاعل بين القوى العالمية والمحلية في صياغة الاتجاهات القيمية، وهو ما تقدّمه بصورة جلية الحالة السادسة.

تتباين النهج في الدراسات المقارنة بين من يسعى إلى الكشف عن مساحات الالتقاء في القيم وبين من يركّز على إبراز مساحات التباين. ويُدرك أنّ المنطلقات الأساسية للبحث تؤثر في جميع مراحل التصميم البحثي، بدءًا من اختيار المنهج، مرورًا بآلية أخذ العينات، وصولًا إلى استشراف النتائج المحتملة. إلا أنّ استعراض حالتين في هذا الفصل يوضّح أنّ دراسات التقارب لا يمكن أن تُغفل التباين، كما أنّ دراسات التباين لا يسعها تجاهل التقارب. وفي هذا الإطار، أجرى (برغ–شلوصر 2001) دراسة تحليلية لتصاميم البحث الكيفي المقارن، اقترح فيها مصفوفة ثنائية البعد (2×2) تفرّق بين درجة التشابه بين الأنظمة أو الحالات، وبين أنماط التنبؤ بالنتائج أو المتغيرات، وهو ما يعرضه الشكل 9.2.

الشكل 9.2: مخطّط تصميم العيّنات في البحوث المعتمدة على دراسة الحالة

معظم الأنظمة المتشابهة + نتائج متشابهة

معظم الأنظمة المختلفة + نتائج مماثلة

معظم الأنظمة المتشابهة + نتائج مختلفة

معظم الأنظمة المختلفة + نتائج مختلفة

المصدر: (برغ–شلوصر 2001، ص 2430)

وعلى نحو مغاير، بيّن (ليفي–فور 2006) أنّ الدراسات المقارنة المرتكزة على دراسة الحالة يمكن ترتيبها ضمن مصفوفة "الاختلاف–الاتفاق"، التي تسعى إلى إبراز أنماط التباين والتلاقي في آن واحد. وقد جرى عرض هذه المصفوفة في الشكل 9.3.

الشكل 9.3: أربع استراتيجيات استدلالية في البحوث المقارنة المعتمدة على دراسة الحالة


الاتفاق

الاختلاف

تصميم أبحاث النظام الأكثر مماثلة


التعامل مع أوجه التشابه في الحالات المماثلة: تقليل تباين المتغيرات الضابطة والتابعة

التعامل مع الاختلافات في الحالات المتشابهة: تقليل التباين من المتغيرات الضابطة، تعظيم التباين في المتغيرات التابعة

تصميم أبحاث النظام الأكثر اختلافًا

التعامل مع أوجه التشابه في الحالات المختلفة: تعظيم تباين الضبط، والمتغيرات المستقلة، تقليل التباين في المتغيرات التابعة

التعامل مع الاختلافات في الحالات المختلفة: تعظيم التباين بين المتغيرات الضابطة والمتغيرات التابعة

المصدر: مقتبس من ليفي–فور (2006)، ص 59.

تكشف التحليلات النوعية الثانوية لدراسة التربية المدنية للرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA) أنّ معظم الباحثين اتجهوا إلى ما يُسمّى بمنهج الأنظمة المتباينة والنتائج المتباينة. ومن مراجعة الحالات التي استُعرضت في هذا الفصل، يظهر أنّ كلما ازداد الطابع النوعي للدراسة المعتمدة على تحليل الحالة، ارتفعت درجة التباين التي رصدها الباحثون. وقد أظهر التحليل العابر للحالات الذي قام به (موريس وآخرون 2002) تكرار لفظ "التباينات" مرات عديدة في الصفحة الواحدة، مما يشير إلى أنّ التركيز على التفاصيل السياقية يقود عادةً إلى إنتاج "وصف كثيف" يقدّم صورة أكثر عمقًا عن النسيج الداخلي للظواهر المدروسة، وبالتالي يرفع مستوى الاختلافات الملاحظة. وهذا الاتجاه يتوافق مع ما هو متداول في المناهج المعتمدة على دراسة الحالة في العلوم الاجتماعية، والتي يُشار إليها عادة بأنها بحوث "قليلة العيّنة، متعددة المتغيرات" (شتاينر–خامسي وآخرون 2002أ).

يمكن أن تختلف المناهج المتبعة في تحليل الدراسات النوعية. فقد تضمّنت التحليلات النوعية الثانوية للحالات التي عالجتها دراسة التربية المدنية للرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA) كلًا من مناهج النظرية البنائية المرتكزة على الميدان ومقاربات منطلِقة من فرضيات سابقة. فالمقاربات الأولى اعتمدت على نهج متدرّج يضيّق مجال التحليل شيئًا فشيئًا إلى أن يصل الباحث إلى بؤرة مميّزة تتصل بمفاهيم المواطنة، ثم تُقارَن تلك المفاهيم بالسياق النظري القائم بغرض التحقق. أما المناهج الأخرى فانطلقت من نظرية أو فرضية محددة سبقت اختيار الدول محل الدراسة، ثم سعت إمّا إلى التحقق من تلك الفرضية من خلال الحالات المختارة، أو إلى إعادة اختبارها في ضوء النتائج. على سبيل المثال، اختارت (شتاينر–خامسي 2002ب، ص 21) أربع مجتمعات للمقارنة استنادًا إلى نموذج افتراضي صاغته يميّز بين أربع دوائر مختلفة للمواطنة: الدائرة الدستورية، والدائرة الاقتصادية، والدائرة المدنية، والدائرة الأخلاقية. غير أنّ ما توقّعته لم ينعكس في المعطيات التي جرى تحليلها.

تُظهر دراسة المناهج أنّ مناهج التربية المدنية في هونغ كونغ لا تتّسم بصفة أخلاقية مغلّبة، وأنّ المناهج الألمانية والرومانية لا تُبرز البعد الدستوري أكثر مما هو قائم في غيرها من الدول. وفي المقابل، لم تُعطِ البرامج الأمريكية للتربية المدنية أهمية كبرى لتعليم الطلاب حول الاقتصاد، ولم تسعَ إلى دمجهم عمليًا في الممارسات والأنشطة المدنية. ومع ذلك، فإن ما برز بوضوح في الحالات الأربع المدروسة هو أنّ المجالين السياسي والاقتصادي متشابكان بصورة عضوية تجعل من المستحيل النظر إلى أحدهما بمعزل عن الآخر.

تؤكد القراءة التحليلية للدراسات التي استعرضها هذا الفصل أنّ بحوث القيم ذات الطابع المقارن قد أغنت التربية المقارنة بقدر كبير من العمق، إذ لم تقتصر على الكشف عن موقع القيم داخل السياقات الاجتماعية والسياسية المختلفة، بل أوضحت كذلك العلاقة التفاعلية بين التعليم وتلك القيم، وبيّنت إمكانات إعادة التصنيف بحيث تُجمَّع القيم داخل أطر وطنية أو تُجمَّع الدول ضمن أطر قيمية مشتركة، كما أبرزت التفاعل الحيوي بين المحلي والعالمي في حقل القيم. ويبدو التركيز على السياق سمة أصيلة في هذا النوع من الدراسات، الأمر الذي أفضى إلى نتائج غير متوقعة، مثل اكتشاف الاختلاف في قلب التشابه أو التشابه في قلب الاختلاف. كذلك، فإن هذه البحوث تنبني على أسس نظرية ثرية، سواء عبر مقاربات بنائية تستند إلى معطيات ميدانية أو من خلال نماذج تستند إلى الفرضيات، بما يجعل تطوير النظرية والتحقق منها عمليتين متلازمتين. وتعليقات (ليفي–فور 2006) تُجسّد بصورة مثالية الخصائص الجوهرية لهذه الدراسات المقارنة التي تمت مراجعتها في هذا الفصل.

إنّ تكريم البحث المقارن والاحتفاء به يتمثّل في السعي نحو تطوير لغات ومصطلحات جديدة، واعتماد آليات إجرائية وأدوات استدلال مبتكرة، بما يجعل من التجديد سمة أساسية ومن تجاوز المناهج التقليدية شرطًا للتقدّم، مع النظر بعين نقدية إلى سيطرة دراسات الحالة والمقاربات الإحصائية على هذا الحقل. ويعني ذلك أيضًا محاولة جادّة لرأب الصدع بين الاتجاهين: البحث المتمركز حول الحالات من جهة، والبحث المتمركز حول المتغيّرات من جهة أخرى، بما يفتح المجال أمام مقاربات أكثر شمولًا وتكاملًا.

تُظهر الدراسات المقارنة للقيم التي جرت مراجعتها في هذا الفصل نزوعًا واضحًا إلى البحث عن لغات ومفردات جديدة، وصياغة مفاهيمية مبتكرة، واعتماد إجراءات منهجية وأدوات استدلالية مغايرة، بما يعكس روح التجديد التي تسعى إلى تجاوز المألوف. وقد أثرت هذه الدراسات ميدان التربية المقارنة من ناحيتي المضمون والمنهج معًا، إذ فتحت آفاقًا لفهم أكثر عمقًا للقيم، وبيّنت التعدّد الكبير في السبل التي يمكن أن يُتناول من خلالها السؤال الواحد حول القيم وفق مقاربات متمايزة ومتنوعة.


الفصل العاشر

مقارنة السياسات

يشيع استعمال مصطلح السياسات في الوثائق الحكومية والكتابات الأكاديمية وأحاديث الناس اليومية، ويُقدَّم أبسط تعريف لها على أنه "ما تختار الحكومات القيام به أو الامتناع عنه" (داي 1992، ص 7)، وهو ما يكشف عن أن صياغة السياسات شأن حكومي بالدرجة الأولى وأنها تشمل قرارات الفعل وعدم الفعل على حد سواء، لكن التعريفات الأكثر تفصيلًا لمفهوم السياسات تظل محل نزاع وخلاف شديد، إذ يثور الجدل حول طبيعتها والطرائق التي يمكن من خلالها بحثها وفهمها وصياغتها، ويظل الأدب المتعلق بذلك متنوعًا ومجزأً وفي بعض الأحيان غير حاسم، حتى إن (بول 1994، ص 15) وصفه بأنه ينطوي على "لا يقينيات نظرية".

ومع ذلك تبرز أهمية تناول هذه الأسئلة، لا سيما في ظل ما يشهده العالم من احتدام متصاعد في النقاشات المرتبطة بالسياسات التعليمية، حيث أخذت الازدواجية في الظهور بشكل أوضح، فمن جانب تُعَدّ عملية صنع السياسات شديدة الارتباط بسياقاتها الخاصة ويزداد اعتماد تطبيقها على هذه السياقات أكثر فأكثر، ومن جانب آخر تتحرك السياسات عبر الحدود الجغرافية لتؤثر بعمق في بيئات بعيدة عن منطلقاتها الأصلية، ومن ثم صار الحوار حول السياسات التعليمية يتخذ في الغالب طابعًا دوليًا، بما في ذلك الدراسات المقارنة للسياسات التعليمية التي أخذت تحظى بقدر متزايد من الأهمية والاهتمام.

يُناقش هذا الفصل القضايا النظرية والمنهجية المرتبطة بالتحليل المقارن للسياسات التعليمية، مستهلًا باستعراض البيئة الدولية التي تتشكّل فيها السياسات وما تطرحه من إشكالات، ثم متجهًا إلى عرض النقاشات الدائرة حول تعريف مفهوم السياسات، قبل أن يوضّح الكيفية التي يمكن بها إجراء المقارنات بين السياسات التعليمية وبيان أهميتها.

ملامح البيئة الدولية المتحوّلة في مجال السياسات

لا تقوم السياسات بمعزل عن بيئتها المحيطة، فمنذ الحرب العالمية الثانية شهدت البيئة الدولية تحولات بارزة تركت انعكاسات مباشرة على كيفية صياغة السياسات الاجتماعية وآليات تنفيذها وطرائق بحثها، على أن هذه التحولات لم تتخذ صورة واحدة في جميع أنحاء العالم، بل اختلفت باختلاف السياقات الإقليمية، غير أن ما سيرد من ملاحظات ينصرف بالأساس إلى الدول الصناعية التي شكّلت مركزًا لهذه التغيرات.

تمثّل أول هذه التحولات في البعد الاقتصادي، إذ أعقبت الحربَ العالمية الثانية طفرة غير مسبوقة اتسمت بارتفاع معدلات النمو وشعور المجتمعات بازدهار اقتصادي واسع، غير أن هذه الطفرة توقفت في منتصف سبعينيات القرن العشرين، ليحل محلها تباطؤ في النمو وصل أحيانًا إلى حدود الركود، وفي مثل هذه الظروف يصبح المواطنون أكثر تحفظًا إزاء دفع الضرائب، ومنذ أواخر السبعينيات برزت في الولايات المتحدة، ثم امتدت إلى عدد من الدول الناطقة بالإنجليزية، موجات متتالية من الدعوات إلى خفض الضرائب وحركات التمرد الضريبي، وهو ما دفع الساسة في ظل ذلك المناخ إلى محاولة تقليص الإنفاق الموجّه إلى الخدمات العامة.

جاء التحول الثاني ذا طبيعة ديموغرافية، إذ أحدث تغييرات جوهرية في البنية السكانية للمجتمعات الغنية الكبرى، وقد تجلّى ذلك بوضوح في ظاهرة جيل الطفرة السكانية، أي الفئة التي وُلدت بين عامي 1946 و1964، حيث أثّر هذا الجيل بقوة في مجتمعاته منذ أن كان أفراده رُضّعًا، ثم مراهقين، ثم شبانًا بالغين، ومع تقدّمهم في العمر واقترابهم من سن التقاعد أضحى لزامًا على صانعي القرار أن يولوا اهتمامًا متزايدًا بتكاليف الرعاية الصحية، ذلك أن العقود المقبلة ستفرض توجيه مبالغ ضخمة من الأموال العامة والخاصة على حد سواء إلى خدمة الفئات المسنّة، وهو ما سيحدّ من الموارد المتوافرة لدعم خدمات عامة أخرى.

تمثّل التحول الثالث في المجال الأيديولوجي، إذ شهد الربع الأخير من القرن العشرين تحوّلًا جوهريًا في الأفكار السياسية، بدأ أولًا في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ثم انتقل إلى دول أخرى في العالم الناطق بالإنجليزية، ليمتد لاحقًا إلى مناطق متعددة من العالم، وقد اتجهت بوصلة السياسات من التركيز على المساواة الاجتماعية إلى التركيز على الجودة والتميز والمساءلة وتوسيع دائرة الاختيار، وكان لرجال الأعمال دور بارز في تكريس هذه الأفكار داخل النقاشات المتعلقة بالسياسات، حيث لم يميز كثير منهم بين المؤسسات العامة والخاصة، ووجّهوا انتقادات حادة إلى الخدمات العامة متهمين إياها بالقصور وعدم الاستجابة لمتطلبات السوق، كما ساهمت الأيديولوجيات السائدة في أوساط الأعمال وفي جماعات الضغط مثل "اليمين الديني" في الولايات المتحدة في تعزيز حالة التشكيك في المبادرات الحكومية، ولأن الخدمات العامة تعد جزءًا لا يتجزأ من جهاز الدولة، فقد أُدرجت بصورة تلقائية ضمن مكوّنات المشكلة بدل أن تكون جزءًا من الحل.

تمثّل التحول الرابع في إطار الدولة القومية، حيث جاءت العولمة لتقوّض الاعتقاد السائد بقدرة الدول على صياغة سياسات سيادية محصورة داخل حدودها الإقليمية (لينغارد وراوول 2011)، فلم يعد بمقدور الدول القومية أن تمارس سيطرة محكمة على التدفقات العابرة للحدود من أشخاص ومعلومات ورؤوس أموال، وأضحت بعض أنماط الممارسة السياسية التقليدية قابلة للتطبيق فقط في النظام الدولي الكلاسيكي الذي كانت فيه الدول القومية الفاعل الأبرز والأقوى، أما في النظام العالمي الحالي فقد برزت محدودية السياسات الوطنية بجلاء، في مقابل تنامي النفوذ الذي باتت تملكه القوى والجهات العابرة للقوميات.

كان خامس التحولات يتمثل في تنامي النزعة الفردانية، وهي ظاهرة تهدد كيان الوكالات العامة ومجمل الحياة السياسية، ففي الحقبة التي تلت تراجع مركزية الدولة القومية برز اتجاه مزدوج: من جهة انحسرت قوة البنى السياسية المنظمة تحت ضغط الرأسمالية العالمية التي أفسحت المجال أمام اتساع الفردنة، ومن جهة أخرى أدى صعود الفردنة نفسها إلى مزيد من إضعاف القوى السياسية، وبات الواقع المعاصر يفتقر إلى هوية واضحة للأحزاب السياسية والدول القومية على السواء، كما فقد المجتمع الكثير من رصيده من الثقة العامة، وهو ما جعل الهياكل السياسية الحكومية التقليدية عاجزة عن أداء دورها في تحقيق التكامل الاجتماعي والسياسي.

تمثل التحول الأخير في بروز شعور عام باللايقين وضمور الثقة في صانعي القرار السياسيين، ولا سيما في المجتمعات الغربية التي أخذت تتخلى تدريجيًا عن إيمانها العميق بقدرة العقل البشري وعن التصور التقليدي القائل إن المعرفة تجسّد القوة أو مصدر الاقتدار، واتجه الناس عوضًا عن ذلك إلى الإقرار بوجود لا يقينيات متعددة، بل ذهب بعضهم إلى اعتبار المعرفة البشرية ذاتها قوة مدمّرة، وقد أفضى هذا المناخ إلى بروز نزعات شكّية تجاه التكنوقراط وصانعي القرار السياسيين.

فهم السياسات من زاويتين تحليليتين

شهد ميدان السياسات منذ ثمانينيات القرن العشرين توسعًا ملحوظًا أدّى إلى إذكاء النقاش حول مختلف أبعاد التحليل، ويعود أصل مصطلح السياسات إلى علم السياسة، لكنه ظل مفهومًا إشكاليًا معقّدًا، ويرجع ذلك في جانب منه إلى النزاعات الفلسفية المتعلقة بطبيعة الفرد والمجتمع، وهو ما ينعكس في اختلاف الفهم لمعاني القوة وللأدوار التي ينبغي أن تضطلع بها الدولة، ومن ثم تتباين التفسيرات المرتبطة بمفهوم السياسات وبآليات صنعها وتنفيذها (فاولر 2013)، وقد ذهب (كانينغهام 1963) إلى تشبيه السياسات بالفيل الذي يسهل التعرف عليه عند مشاهدته لكن يصعب تعريفه تعريفًا جامعًا، بل قد تُقارب السياسات الفيل الذي وصفته الحكاية الهندية عن العميان، حيث كان لكل واحد منهم تصور مختلف بحسب الجزء الذي لامسه، وبالمثل فإن السياسات تظل عرضة لتفسيرات شديدة التباين تبعًا لزوايا النظر.

يتّسم مفهوم السياسات باتساع شديد يجعله قابلًا للفهم والاستخدام بطرق مختلفة، منها أن يُنظر إليه بوصفه خططًا أو قرارات أو وثائق أو مقترحات. ويشمل هذا المفهوم أيضًا الأفعال والممارسات التي تباشرها الحكومات، بل وحتى مواقف الامتناع عن الفعل. وقد شاع في أوساط الباحثين والجمهور تعريف السياسات باعتبارها وثائق. غير أن توسيع هذا التعريف يكشف عن أشكال متعددة يمكن أن تتخذها الوثائق على مستويات متباينة (باو وآخرون 1992). فقد تكون نصوصًا قانونية رسمية ووثائق سياسية، وقد تتمثل في تعليقات تُنتج بطرق رسمية أو غير رسمية لتفسير النصوص، وقد تظهر في خطب السياسيين وأدائهم العلني، أو في تسجيلات مرئية رسمية تصدرها الدولة.

أوضح (هوغوود وغَن 1984) أن كلمة السياسات يمكن أن تُستعمل في تسعة سياقات مختلفة، فهي قد تعني مجال نشاط، أو تعبيرًا عن غرض عام أو وضع مرغوب فيه، أو مقترحات محددة، أو قرارات حكومية، أو تفويضًا رسميًا، أو نظرية أو نموذجًا، أو برنامجًا، أو ناتجًا، أو نتيجة. واقترحا فئة عاشرة هي السياسات بوصفها عملية (ص 19). وعلى هذا الأساس قدّم (تايلور وزملاؤه 1997) تصنيفًا إضافيًا، إذ قسّموا السياسات إلى: توزيعية أو إعادة توزيعية، رمزية أو مادية، عقلانية أو تراكمية، جوهرية أو إجرائية، تنظيمية أو رفع للتنظيم، ومن أعلى إلى أسفل أو من أسفل إلى أعلى. ويتوقف هذا التصنيف على طبيعة توزيع الموارد والمنافع، وعلى مستوى الالتزام بالتنفيذ، وعلى وجود أو غياب مراحل مقررة لتطوير السياسات. وتُعد هذه التصنيفات أدوات مساعدة لفهم معنى السياسات وتوضيحه، وإن بدا بعضها اعتباطيًا أو غير صارم.

من بين التصنيفات الأخرى للسياسات يبرز التمييز بين العام والخاص، على الرغم من تراجع وضوحه مع مرور الوقت. فالقطاع العام يتكوّن من مؤسسات تُمارس أنشطتها استنادًا إلى سلطة الدولة أو تسعى إلى تبريرها في ضوء هذه السلطة. ويُبنى على مبدأ المساواة في معاملة المواطنين، ويتسم بالمساءلة أمام المجتمع وبخضوعه لتوجيه ورقابة سياسية أشد من نظيره في القطاع الخاص. وقد غاب عن القطاع العام تقليديًا مفهوم ملكية المشروعات والسعي وراء الأرباح، لأنه يقوم على فكرة أن السلطة العامة يجب أن تُوظف حصريًا في خدمة المصلحة العامة. أما القطاع الخاص فيمنح الأفراد والشركات حرية واسعة للقيام بكل ما لا يحرّمه القانون من أجل تعظيم مكاسبهم الذاتية. ومن ثمّ فإن السياسة العامة تُعدّ بطبيعتها سياسة جماعية، ويصعب فصلها إلى أقسام متمايزة مثل الاقتصادية أو البيئية أو التعليمية. وهي في صميم الصراعات السياسية الكبرى بين من يختزلونها في نتائجها العملية والأداتية، وبين من يرون فيها وسيلة لتحقيق تحرر إنساني أشمل.

بيّن (دارندورف 1959) أن للمجتمع وجهين أساسيين: أحدهما يقوم على الصراع وما ينطوي عليه من تضارب المصالح، والآخر يقوم على التوافق وما يعبّر عنه من تكامل للقيم داخل المجتمع. وعلى هذا الأساس أمكن تصنيف النظريات السوسيولوجية إلى اتجاهين رئيسيين هما منظور التوافق ومنظور الصراع (جاري وجاري 2000). وبالطريقة ذاتها يتعامل الباحثون مع السياسات من خلال منظور عقلاني يركّز على التنظيم والاتساق، أو من خلال منظور صراعي يبرز التناقضات والاختلافات.

الاتجاه العقلاني في تفسير السياسات

يمثل المنظور العقلاني، أو ما يُسمى بالنموذج التقليدي لتطوير السياسات وتحليلها، اتجاهًا يقوم على البحث عن أفضل مسار تقني يمكن اتباعه لتنفيذ قرار أو تحقيق غاية محددة. ويُنظر إلى هذا المدخل على أنه يساعد الحكومات على اتخاذ قرارات تتميّز بالكفاءة الاقتصادية والفعالية. ويعكس هذا التصور نزعة وضعية ترى أن دراسة السياسات ينبغي أن تكون محايدة قيميًا، بما يسمح بتقليص التعقيدات السياسية أو تجاوزها. غير أن هذا المنظور يغفل بدرجة ملحوظة مسألة السلطة والكيفية التي تمارس بها الدولة نفوذها. وتعود جذوره النظرية إلى (أوغست كونت 1798–1857) الذي صاغ علم الاجتماع باعتباره «الفيزياء الاجتماعية» ودعا إلى تطبيق أساليب العلوم الطبيعية، من ملاحظة وتجربة ومقارنة، في دراسة الظواهر الاجتماعية.

أوضح (سيمون 1960)، في تحليله لعمليات صنع القرار، نظرية عقلانية لإنتاج السياسات تتصل اتصالًا وثيقًا بمراحل حل المشكلات التي سبق أن صاغها (ديوي 1910، ص 3) على هيئة تساؤلات متتابعة: ما المشكلة المطروحة؟ ما البدائل الممكنة؟ أي هذه البدائل هو الأنسب؟ ويقوم هذا المنهج على مبدأ أن اتخاذ القرار يستلزم انتقاء البديل الذي يحقق الأهداف بأكبر قدر من الاكتمال (سيمون 1945، ص 240). ومن ثم فإن العملية تقوم على اختيار المسار الأمثل من بين جميع البدائل المتاحة، عبر خطوات منهجية متسلسلة ومنظمة.

يُصوّر المنظور العقلاني عملية السياسات باعتبارها سلسلة متتابعة من الخطوات، تبدأ حين يواجه النظام السياسي قضايا عامة ويبحث لها عن بدائل مختلفة، ثم يختار أحد هذه البدائل، ويضعه موضع التطبيق، ويخضعه للتقويم. ويقدّم هذا المنظور تصورًا للعملية السياسية على أنها منظمة ومحكومة بالعقلانية. وهو يعكس افتراضات المدرسة الوظيفية التي ترى أن المجتمع يستند إلى توافق في القيم، وأن مؤسساته تسهم مجتمعة في تحقيق الاستقرار والحفاظ على تماسك الكل الاجتماعي.

قدّم (أندرسون 1984) تصورًا للنموذج العقلاني في إطار العلوم السياسية، ورأى أن عملية السياسات تمر بسلسلة من المراحل المتتابعة. تبدأ المرحلة الأولى بصياغة المشكلة، أي تعريف طبيعتها، وتحديد العوامل التي تجعلها قضية عامة، وبيان الكيفية التي تُدرج بها على جدول أعمال الحكومة. وتليها مرحلة صياغة البدائل، حيث تُطوَّر الخيارات الممكنة لمعالجة المشكلة، ويُحدد من يشارك في هذه العملية. ثم تأتي مرحلة التبني، التي تشمل كيفية اعتماد أحد البدائل أو إقراره، والشروط الواجب استيفاؤها، والجهات المسؤولة عن اتخاذ القرار. وفي المرحلة الرابعة، أي التنفيذ، يُنظر إلى ما يُنجز من إجراءات فعلية لوضع السياسة موضع التطبيق، وتأثير ذلك في مضمونها. وتُختتم العملية بمرحلة التقييم، حيث يجري قياس فعالية السياسة وآثارها، وتحديد الجهات القائمة بالتقييم، ورصد النتائج وما قد تثيره من مطالب بالتغيير أو الإلغاء.

أوضح (هوغوود وغَن 1984) أنهما عند تفضيل تعريف السياسات بوصفها عملية، شبّها الاستخدامات التسعة التي وضعاها سابقًا بالصور الثابتة، مثل لحظة اتخاذ قرار أو تحوّل مشروع قانون إلى قانون نافذ، في حين أن الأنسب هو ما يشبه الفيلم الذي يسمح بمتابعة تعقيدات صنع السياسات وهي تتكشف عبر الزمن. ومن هنا قدّما إطارًا تحليليًا لصنع السياسات يتكون من تسع مراحل مترابطة: البدء بقرار الانخراط في عملية صنع القرار من خلال البحث عن القضايا أو وضعها على جدول الأعمال، ثم تحديد الكيفية التي ستُتخذ بها القرارات أو ما يُعرف بترشيح القضايا، يلي ذلك تعريف المشكلة، ثم التنبؤ بمساراتها، وتحديد الأهداف والأولويات، وتحليل البدائل المطروحة، ثم مرحلة التنفيذ بما يصاحبها من متابعة ورقابة، يعقبها التقييم والمراجعة، وتنتهي العملية إما بصيانة السياسة واستمرارها أو بانتقالها إلى سياسة بديلة أو بإنهائها.

وعلى الرغم من أن هذا التصور يقدم إطارًا يبدو منسقًا لفهم عملية السياسات وكيف تُصنع، إلا أن النموذج العقلاني وُوجه بانتقادات حادة، لأنه يوحي بأن العملية السياسية أكثر انتظامًا، وبأن مراحلها محددة بدقة، وأنها تتسم بعقلانية أكبر مما هي عليه في الواقع (رضوي ولنغارد 2010). والحقيقة أن كل مرحلة من مراحل صنع السياسات تنطوي على تفاعلات معقدة. ففي المرحلة الأولى مثلًا، أي مرحلة إدراج القضايا على جدول الأعمال، يبرز اختلاف واضح بين الفاعلين الذين تتباين قيمهم ومصالحهم ورؤاهم بشأن ما ينبغي أن يُدرج، وما المنطق الذي يجب أن يحكم ترتيب الأولويات، ومن يملك سلطة الحسم، وما الأسباب التي تبرر القرار. ومن ثمّ فإن صانعي القرار لا يتعاملون مع مشكلات محددة بدقة، إذ إن النموذج العقلاني يغفل البعد السياسي الجوهري في عملية صنع القرار.

يذهب النقاد إلى أن افتراض إمكانية استعراض جميع البدائل ثم الحسم في اختيار الأنسب بينها أمر غير واقعي، إذ تظل إمكانات التطوير قائمة على الدوام. وتجدر الإشارة إلى أن بعض القرارات قد تُعتمد بآليات اعتباطية تفتقر إلى المنطق. وتبيّن مراجعة المرحلتين الأوليين أن العلاقة بينهما وثيقة لدرجة تجعل من الصعب التمييز بينهما، كما أن الخلافات بين الفاعلين الذين يحملون قيمًا ومصالح متباينة تجعل الوصول إلى توافق أمرًا معقدًا للغاية. وبسبب كثرة أوجه عدم اليقين وتشابك العوامل، فإن الفصل بين هاتين المرحلتين يبدو أقرب إلى الاستحالة.

فيما يتعلق بالمرحلة الأخيرة من دورة السياسات، فإن بعض السياسات قد تُنهى عن قصد إما بقرارات جديدة أو بسياسات بديلة، غير أن إنهاءها لا يعني بالضرورة اختفاء آثارها أو توقف نفوذها بشكل مفاجئ. فكثيرًا ما تستمر هذه الآثار فترة طويلة، بل قد يصعب التراجع عن بعض النتائج بعد أن تترسخ. بل إن السياسات المستحدثة قد تحمل في طياتها تأثيرات السياسات القديمة أو تُشتق منها. وفي المقابل، قد تتلاشى آثار سياسات معينة بفعل عوامل مختلفة، حتى وإن تردد واضعوها في الاعتراف بانحسارها. سعى (ليندبلوم 1959) إلى تجاوز المآخذ المرتبطة بالنموذج العقلاني فاقترح منهجًا تدرجيًا في اتخاذ القرارات. واختلف هذا المنهج عن النموذج العقلاني في أن صانع القرار لا يستعرض جميع البدائل الممكنة، بل يقتصر على بعضها ويقيّم عددًا محدودًا من النتائج ذات الأهمية لكل بديل. ورأى (ليندبلوم) أن التدرجية تمثل وصفًا أقرب للواقع في الطريقة التي تُصنع بها القرارات والسياسات بالفعل. واعتبر أن أبرز مزايا ما سماه «التقدّم عبر التدرج» يكمن في تقليل احتمالات الوقوع في أخطاء فادحة، ما دامت التغييرات جزئية، وفي تسهيل الوصول إلى اتفاق بين الجماعات المختلفة. وبدت التدرجية أكثر واقعية من النموذج العقلاني لأنها أخذت في الاعتبار حدود الزمن والعقلانية والموارد المتاحة في عملية صنع السياسات.

تعرّض المنهج التدرجي لانتقادات بسبب طابعه المحافظ المفرط وعجزه عن التعامل مع المواقف الطارئة، مما جعله حاجزًا أمام الابتكار والتغيير. وسعى (إتزيوني 1967، ص 389) إلى تجنب هذه الثغرات من خلال تطوير مقاربة المسح المختلط التي جمعت بين عناصر القوة في كل من النموذج العقلاني والنموذج التدرجي. واعتمد في صياغتها على استعارة بصرية تقوم على كاميرتين: الأولى ذات عدسة واسعة تغطي المشهد العام بأكمله وإن دون تفاصيل دقيقة، والثانية مركزة على الأجزاء التي تكشفها الكاميرا الأولى باعتبارها بحاجة إلى تحليل أعمق. ووصف (سميث وماي 1980) هذه المقاربة بأنها النهج الثالث الذي يزوّد صانعي القرار بإمكانية اختيار ما بين العقلانية والتدرجية تبعًا لمتطلبات الموقف. ويبدو هذا التوجه أكثر اتساقًا مع الواقع العملي، حيث يصعب الجزم مسبقًا بمدى ملاءمة المنهج العقلاني أو المنهج التدرجي لكل حالة بعينها.

رأى بعض الدارسين أن السياسة ينبغي النظر إليها في آن واحد بوصفها منتجًا وعملاً متواصلاً، بما يجعلها عملية ديناميكية مفتوحة، أكثر تركيبًا وتفاعلية وتعددًا في مستوياتها من التصورات التي تقدّمها النماذج العقلانية (وايلدافسكي 1979؛ تايلور وآخرون 1997). وأكد هؤلاء أن المسارات السياسية تتشكل قبل صياغة النصوص الرسمية للسياسة وبعدها على السواء، وذلك عبر مراحل التنفيذ وإعادة التأويل. وبناءً على ذلك فإن النص السياسي، الذي يتخذ غالبًا صورة وثائق مكتوبة، لا يُعد نهاية لمسار صنع السياسة. وحتى إنتاج النص النهائي يظل عملية معقدة ومليئة بالتحديات، حيث يصعب في كثير من الأحيان تحديد الأسباب أو المقاصد الدقيقة التي تقف وراء إطلاق سياسة معينة، وحتى إذا تم التصريح بهذه الأسباب بصورة جلية فقد لا تعكس الدوافع الحقيقية.

بيّن (بو وآخرون 1992) أن السياسة لا تحمل معنى واحدًا، بل تتحدد ملامحها بحسب السياق. ففي سياق التأثير تُفهم السياسة بوصفها نوايا وأفكارًا ومقاصد وخططًا واستراتيجيات، وفي سياق إنتاج النصوص السياسية تُترجم إلى وثائق مكتوبة أو مقالات أو منتجات رسمية، وفي سياق الممارسة تتجسد في أنشطة عملية وأداءات وسلوكيات. ومع ذلك فإن السياسة لا تقتصر على هذه الأبعاد الثلاثة، بل تنطوي على عمليات وأفعال متشابكة تتفاعل في ما بينها بصورة مستمرة. ويعني اعتبار السياسة عملية حيوية أنها تتوزع بين سياقات متداخلة تتأثر ببعضها البعض على نحو متبادل، وهو ما يفرض تضمينها جميعًا في أي مقاربة لصنع السياسات أو تحليلها. وتُعد السياسة محصلة تراكمية لهذه السياقات مجتمعة، وإن كان أثرها في الواقع متفاوتًا وغير متكافئ. ويرجع هذا التفاوت إلى جوهر السياسة ذاته بوصفها ممارسة سلطوية وصراعًا على القوة، وهو ما فسّره المنظور الصراعي بوضوح عند تناوله للسياسة.

منظور الصراع في تفسير السياسات

انطلق المنظرون النقديون من رؤية صراعية، إذ اعتبروا المجتمع فضاءً تتنافس فيه جماعات مختلفة تتباين في منظوماتها القيمية وفي مستويات وصولها إلى القوة. ولم تُصَغ السياسات في معزل عن هذا الواقع، بل جاءت نتيجة تسويات وصيغ توافقية بين مصالح متنازعة. وبذلك بدت قضايا السياسات أعقد من أن تُختزل في مقاربات تقنية مبسطة، لأن عملياتها ذات طبيعة تفاعلية متشابكة ومتعددة المستويات (رزفي ولينغارد 2010). وأبرز المنظرون النقديون أن العلاقة بين السياسة والسياسات علاقة جوهرية تنكشف حتى في اللغة، إذ يتقاسمان الجذر ذاته، ما يعني أن كل سياسة هي فعل سياسي بالضرورة، حيث تشير السياسة هنا إلى عملية فرض إرادة أو مصلحة جماعة على أخرى، وليس إلى النشاط الحزبي الضيق فحسب.

شدّد المنظور الصراعي على أن السلطة تشكّل العامل المحدِّد في بروز الصراعات الاجتماعية المنتظمة (دارندورف 1959، ص 165). ورأى المنظّرون الصراعيون أن القوة تضطلع بدور أساسي في الحفاظ على النظام الاجتماعي وضبطه. وتوزَّع مواقع الأفراد داخل المجتمع على نحو غير متكافئ من حيث السلطة، فيملك بعضهم سلطة ونفوذًا أكبر من سواهم، ومع ذلك فإن من يتبوأ موقعًا سلطويًا في سياق معين قد لا يتمتع بالسلطة نفسها في سياق آخر. ويظل الصراع الكامن حاضرًا باستمرار، فيما تبقى شرعية السلطة عرضة للاهتزاز والشكوك (دارندورف 1959، ص 268). ومن هذا المنطلق يظهر المجتمع في صورة ساحة لصراع اجتماعي دائم، حيث تتقاطع مصالح الأفراد والجماعات والمؤسسات وتتعارض. وتتحرك السلطة وتتحول بين مواقع وسياقات متعددة، الأمر الذي يجعل السياسات بطبيعتها غير ثابتة أو نهائية، بل صالحة في سياقات محددة ولأزمنة معينة.

أوضح (فاولر 2013) أن ثمة وجوه شبه لافتة بين عملية السياسة والألعاب، إذ يتشارك الاثنان في وجود قواعد تحكم الأداء ولاعبين يتنافسون ضمنها، كما يشتركان في طابع معقد يميل إلى الاضطراب أحيانًا، وفي تعدد الساحات التي تجري فيها الأحداث، وفي اعتماد واضح على القوة، فضلًا عن النتيجة التي تفرز في النهاية فائزين وخاسرين. وكما هو الحال في الألعاب الواقعية، فإن مفهوم العدالة في لعبة السياسة ليس نتاج اتفاق جماعي دائمًا، إذ قد يُنظر إلى ما يُعد منصفًا لفئة معينة على أنه مجحف بحق فئة أخرى. ومن هنا اعتُبرت السياسة تعبيرًا عن "قواعد اللعبة" (أوفي 1985، ص 106). غير أن هذه الاستعارة تفتح المجال أمام أسئلة أعمق تتعلق بمن يسنّ القواعد، وبالآليات التي تُصاغ بها، وبالأسباب الكامنة وراء اختيار هذا النمط دون غيره، وبما إذا كانت هذه القواعد قد صُممت على نحو عادل فعلًا، وهي كلها قضايا تحيل في جوهرها إلى منظومات القيم الفردية وإلى تضارب المصالح وترتيب الأولويات.

أشار (تومبسون 1984، ص 132) إلى أن علاقات القوة التي تحكم تسويات السياسات على المستوى المؤسسي تتسم بخلل بنيوي منتظم، إذ يمتلك بعض الأفراد أو الفئات قدرة مميزة على فرض معانيهم وترسيخها، بينما تُستبعد فئات أخرى أو تظل عاجزة عن النفاذ إلى دوائر القرار. ويؤكد ذلك أن السياسة، بما هي فعل سياسي في جوهرها، لا تتيح إلا لبعض التأثيرات والأجندات أن تُعترف بها باعتبارها مشروعة، ولا تُسمع إلا أصوات بعينها (بال 1994، ص 16). وهكذا تظهر السياسات كمحصلة للصراع والتجاذب بين قوى ومصالح متعارضة، حيث يحدد السياق بدوره طبيعة هذا الصراع وأبعاده.

قدّمت السياسة قيم الجماعة ذات النفوذ التي تمتلك سلطة التوجيه في عملية صنع القرار، حتى وإن ارتدت غطاء العمومية أو ظهرت في صورة شاملة وبديهية. ومع ذلك فإن هذه القيم والمصالح لا تكون سوى جزئية وانتقائية (غايل ودينسمور 2003). ومن هذا المنطلق يصبح من المشروع توصيف السياسة بأنها توزيع سلطوي للقيم. ورأى (برنتي 1985، ص 136) أن هذا المنظور يوجّه النظر إلى محورية القوة والسيطرة في مفهوم السياسة، ويدفع إلى التفكير في القيم التي تجسدها السياسات، وفي الكيفية التي تُرسَّخ بها تلك القيم داخل البنى المؤسسية لتصبح جزءًا من النظام القائم.

أوضح (بال 1990) في إطار تبنيه الرؤية الصراعية أن السياسة لا يمكن أن تُعد انعكاسًا لرأي توافقي يشمل جميع مكوّنات المجتمع. ورأى أن عملية صنع السياسات بعيدة عن أن تسير في خط عقلاني أو منطقي متسلسل، بل هي نتاج صراعات لا تهدأ وتسويات مستمرة بين جماعات المصالح، لتتحول في النهاية إلى رمز للقيم السائدة التي تفرضها الجماعة المهيمنة. وهذه القيم بدورها لا تُفهم إلا ضمن سياقها الاجتماعي. ومن هنا يطرح سؤال محوري: قيم مَن التي تُشرعنها السياسات، وقيم مَن التي تُقصى من دائرة الاعتراف؟ وقد شدّد (غايل 2003) على أن الاعتقاد بأن العملية السياسية ديمقراطية وأن السياسات وليدة اتفاق متبادل بين ممثلين منتخبين ليس إلا طرحًا ساذجًا نظريًا ومستهجنًا سياسيًا. ومن هذا المنطلق يتضح أن الصراع بين جماعات المصالح المختلفة يمثل الدينامية الدائمة التي تقود إلى التغيير الاجتماعي، في حين يواجه صانع القرار العمومي عادة وضعًا يتسم بتضارب القيم أكثر مما يتسم بتوافقها.

تحوّل تفسير السياسات إلى ميدان صراع، إذ يقوم الممارسون بقراءتها من منظور خبراتهم وتجاربهم السابقة وقيمهم وأهدافهم. وتُبنى استجاباتهم للنصوص السياسية في كثير من الأحيان على "تفسيرات للتفسيرات" (رزفي وكيمس 1987، ص 14). ويصعب ضبط مخرجات السياسات أو التنبؤ بآثارها على نحو دقيق. وتختلف سلطة الممارسين باختلاف السياقات، فقد يملك المشرّعون سلطة قوية في إطار التأثير، غير أنهم قد يفقدون جزءًا من تلك السلطة عند الانتقال إلى سياق الممارسة. وهكذا تنتقل السلطة من سياق إلى آخر، الأمر الذي يجعل آثار السياسات كثيرًا ما تأتي غير متوقعة أو بعيدة عن النوايا الأصلية. وتتيح سلطة الممارسين لهم أن يفسروا السياسات وفقًا لتصوراتهم الذاتية، التي قد تختلف جذريًا بل وتتناقض مع ما قصده صانعوها.

أوضح المنظور الصراعي أن عملية صنع السياسات في المجتمعات الحديثة والمعقدة تُمارَس غالبًا من دون سند تجريبي واضح أو منطق متماسك، على الرغم من إصرار صانعي السياسات على الادعاء بخلاف ذلك. ووجد هذا الطرح امتداده في التحليل النقدي للسياسات، الذي يسعى إلى تقصّي المستفيدين الحقيقيين والمتضررين من الترتيبات الجديدة، وإلى فضح علاقات القوة التي تحدد مكاسب طرف وخسارة آخر. ومن هذا المنطلق تبرز ضرورة جوهرية لفحص القيم والافتراضات العميقة التي يستند إليها بناء السياسات التعليمية، وذلك بطرح أسئلة مركزية مثل: من الرابح ومن الخاسر؟ وبأي آليات تُحوَّل قيمهم إلى أعراف مؤسسية راسخة؟ (تايلور وآخرون 1997).

إدراك أبعاد المقارنة في سياسات التعليم: مجالات توظيفها ومواطن انحرافها

شدّد (هالاك 1991، ص 1) منذ أكثر من عشرين عامًا على أن الدراسات المقارنة، متى وُضعت في تصميم دقيق ونُفذت وفق منهجية محكمة واستُخدمت على نحو سليم، تمثل أداة لا غنى عنها لتحسين السياسات التعليمية وتطوير عملية اتخاذ القرار. وأضحى مفهوم الاستعارة السياسية أحد المفاهيم المركزية في أدبيات التربية المقارنة (فيليبس وأوكس 2007؛ شتاينر–خامسي ووالدو 2012). ومع تنامي الأجندات العالمية التي توجه بحوث التعليم ليكون لها دور في تشكيل مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل الدول، توسعت الأدبيات في بحث ظاهرة الانتقال المتزايد للسياسات التعليمية عبر الحدود الوطنية. واهتمت هذه الأدبيات بتقصي الكيفية التي تُستثمر بها المعارف حول السياسات والترتيبات الإدارية والمؤسسات والأفكار في سياق سياسي معيّن لتُستخدم في تطوير سياسات وترتيبات ومؤسسات وأفكار داخل سياقات سياسية أخرى.

أشار (كروسلي وواتسون 2003) إلى أن التحولات الراهنة في العلاقات الجيوسياسية، والمقترنة بتأثيرات تسارع العولمة، عمّقت من أهمية الروابط بين السياقات إلى حد فرض إعادة نظر جذرية في الكيفية التي تُصاغ بها إشكاليات البحث المقارن. وأضحت العولمة، من هذا المنظور، تمثل تحديًا تجريبيًا ماثلًا بقدر ما تقدم إطارًا نظريًا جديدًا للتربية المقارنة. ومع ذلك، بقيت السياقات الوطنية حاضرة بأهمية لا يمكن تجاوزها. ومن ثمّ يُعد بالغ الخطورة اللجوء إلى استنتاجات متعجلة أو مبسطة تستند إلى مقارنات سطحية بين سياسات التعليم في الدول، لما لذلك من أثر في تشويه الفهم العلمي وتقويض صدقية التحليل المقارن.

استمر شيوع الدراسات المتعلقة بسياسات التعليم التي تُفصل عن سياقاتها، مما جعلها ميدانًا تتجاور فيه الاستخدامات السليمة والإساءات المنهجية. ولا يمكن في الغالب رسم خط فاصل حاد بين هذين الوجهين، إذ يمثل أفضل الاستخدامات وأسوأ الانحرافات طرفين على متصل واحد. وتقتضي الاستفادة المثلى من المقارنة في سياسات التعليم استيفاء شروط أساسية مسبقة، وإلا تحولت تلك المقاربات إلى صور من الإساءة أو الانحراف البحثي، وهو ما تكشف عنه بجلاء العديد من الدراسات المعاصرة في التربية المقارنة.

السياق ودوره الجوهري

أجمع كبار علماء التربية المقارنة على أنّ مكمن الخطر يتمثّل في كل مسعى يبتغي نقل السياسات والممارسات التعليمية نقلاً مبسّطًا من بيئة اجتماعية–ثقافية إلى أخرى، وهو ما شدّد عليه (سادلر) في محاضرته المفصلية عام 1900 (ص 310):

لا يجوز أن نتعامل مع أنظمة التعليم في العالم كما لو كنّا أطفالًا يتنزّهون في حديقة، ينتزعون زهرة من غصن هنا وورقة من غصن هناك، ثم يظنون أنّ جمع تلك الأجزاء وتثبيتها في تربة الوطن كفيل بأن ينشئ نباتًا حيًّا قادرًا على النمو والبقاء.

يُنظر إلى هذا الاقتباس الشهير لـ(سادلر) باعتباره العلامة الفارقة التي دشّنت المرحلة الحديثة للتربية المقارنة. وقد ظلّ هذا الميدان منذ نشأته مشدودًا إلى تحليل السياقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية المحيطة بالظواهر التعليمية. وعند استشراف ما ينتظر المستقبل، يتبيّن أنّ الطابع التعددي والغنى البين–تخصّصي الذي يميّز التربية المقارنة يمنحها موقعًا متقدّمًا في مواجهة قضايا القرن الحادي والعشرين ذات الطابع العالمي والثقافي المتداخل والمتزايد تعقيدًا. ومنذ وقت طويل، تنبّه الباحثون في هذا الميدان إلى الدور المحوري للقوى العالمية في البحث والتطوير التربوي، وكرّسوا جهودهم لمساءلة التحديات والمعضلات الملازمة لعمليات نقل السياسات والممارسات التعليمية بين البيئات الثقافية المتباينة.

مثّلت العولمة تحديًا جذريًا للمقاربات التقليدية في دراسة السياسات التعليمية (لينغارد وروول 2011)، إذ إنّها أعادت بناء معادلات السلطة ووظائف الدولة وأدوارها (وايزمان 2010). ومع تغيّر النظام الدولي، وجدت الدول الوطنية نفسها أمام ضرورة إعادة مواءمة بنيتها ووظائفها لتطوير استراتيجيات متماسكة تتيح لها التفاعل مع عالم يتزايد انفتاحًا وتشابكًا. ولم يعد بإمكان الحكومات الانغلاق، بل اتجهت نحو سياسات تعاون خارجية، غير أنّ نفاذ الأجندات العالمية لا يتحقق إلّا من خلال إدماجها في عمليات الحوكمة وصنع القرار داخل الدول. وهنا تبرز الجدلية التي أشار إليها (أرنوف 2013)، حيث تتفاعل القوى العالمية مع الفاعلين المحليين والوطنيين في عملية أخذ ورد تؤدّي إلى إعادة تشكيل هذه التوجهات وصبغها بغايات محلية. وهكذا تتحول العولمة من قوة مفروضة من الخارج إلى عملية معقّدة يعاد إنتاجها داخل السياقات الوطنية.

إنّ التفاعل الجدلي بين الأبعاد العالمية والمحلية، والذي صاغه (روبرتسون 1992، ص 100) في مفهوم "الترابط العالمي–المحلي"، يكشف بوضوح أنّ السياق يشكّل عنصرًا مركزيًا لا غنى عنه في دراسات سياسات التربية المقارنة. فكل سياسة تظل مشروطة بظروف سياقية بعينها، ولا يمكن الإحاطة بها أو صياغتها أو إخضاعها للتحليل العلمي إلّا في ضوء تلك الظروف. ويترتّب على ذلك أنّ تحليل السياسة لا ينفصل عن تحليل السياق، بل يتكافأ معه في الأهمية، إذ يصبح فهم السياق بمثابة المفتاح لفهم السياسة نفسها ومساراتها التطبيقية.

أفضى تزايد نفوذ شبكات السياسات وتوسّع عبور النخب لصنّاع القرار التعليمي عبر الحدود الجغرافية والمفهومية إلى تشكّل خطاب عالمي مشترك حول قضايا السياسات التعليمية. ومع ذلك، فإن هذا التشابك لا يُفضي بالضرورة إلى اندماج عابر للقوميات في السياسات والممارسات المؤسسية، بل إنّ ما يحدث عند تلاقي الاتجاهات العالمية مع الخصوصيات المحلية هو ظهور عملية تهجين تُدمج فيها عناصر مختلفة لتكوين الحزمة النهائية لانتقال السياسات (ويل 2005). ومن هنا يصبح التقارب أو التباعد التعليمي نتاجًا للتكيّف الواعي حينًا، وللتقليد الأعمى حينًا آخر، ولضغوط الامتثال للمعايير العالمية في أحيان كثيرة (سترومكويست 2002). وبحلول السياسات إلى المؤسسات التعليمية المحلية، تكون قد خضعت لتحولات متكرّرة تجعل العناصر الجوهرية لبرنامج ما، وإن أثبت نجاحه في بيئة معينة، بحاجة إلى آليات مغايرة جوهريًا لتحقيق الفاعلية في بيئة أخرى. وغالبًا ما يتم تعويض هذا "الجزء المفقود" عبر الاستعارة أو المحاكاة من تجارب في مواقع أخرى، مما يجعل العملية برمتها مركّبة ومتعددة المستويات.

يمثّل اختزال تصاعد انتقال السياسات الدولية في ميدان التعليم على أنّه اندماج عالمي للسياسات والممارسات التعليمية خطأً تحليليًا واضحًا. ومع تفاقم ظاهرة الاستعارة غير النقدية للسياسات عبر الحدود، تبرز الحاجة الملحّة إلى عدم إغفال التعقيدات والتناقضات الملازمة للوساطات الوطنية والمحلية في تفاعلها مع التوجهات العالمية. ومن هنا تنشأ أهمية الموازنة المستمرة بين المحلي والعالمي في مسار تطوّر السياسات. ولا تخفى حقيقة أنّ العولمة عملية معقدة، متنازع عليها، ومتعددة الأوجه. وحين يُختزل مفهوم العولمة في فكرة التجانس السياسي، فإنّه يتحوّل إلى أداة بالغة التبسيط وغير صالحة لتحليل إصلاح التعليم نقديًا. واللافت أنّ عددًا ضئيلًا من الدراسات التي تناولت العولمة ارتكز بالفعل على فحص معمّق لظروف تاريخية وجغرافية بعينها (أوكي 2009).

أفضى الدور الحاسم للسياق إلى تقويض هيمنة الدولة القومية باعتبارها الوحدة المهيمنة للتحليل في الدراسات المقارنة لسياسات التعليم، ذلك أنّ القوى العالمية أعادت رسم وظيفة الدولة التعليمية ودفعت إلى توجيه الانتباه بدرجة أكبر نحو العوامل المؤثرة في المستويات فوق الوطنية ودون الوطنية. ومع أنّ الثقافات الوطنية ما تزال تضطلع بدور مهم في التوسّط بين المؤثرات العالمية، فإنّ الاعتراف الأكاديمي يتزايد اليوم بجدوى وحدات تحليل أخرى (براي وتوماس 1995؛ براي 2003)، على رأسها الوحدات التي تولي الأولوية لتقصّي الانعكاسات المحلية لعمليات التوطين وما تخلّفه من نتائج ملموسة في البيئات التعليمية المختلفة.

يمثّل اعتبار الصين وحدة واحدة في الدراسات المقارنة للتعليم العالي مضلّل إلى حد كبير، لأنّ واقعها الداخلي يكشف عن فجوات تاريخية عميقة بين المناطق الحضرية والريفية، وبين الطبقات الثرية والفقيرة. وتتجلّى الفوارق بوضوح في فرص الحصول على التعليم عبر الأقاليم الجغرافية والشرائح الاجتماعية المختلفة، وهي فجوات ازدادت اتساعًا منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي مع انفتاح الصين على الاقتصاد العالمي وتركيزها على استغلال سواحلها الشرقية. وغالبًا ما تمتلك الحكومات المحلية في المناطق الغنية موارد مالية تمكّنها من دعم التعليم العالي بقدرات تفوق بأضعاف إمكانات الأقاليم الداخلية، مما أدى إلى نمو التعليم العالي على نحو أكثر حيوية واندفاعًا في المناطق الساحلية الموجّهة نحو التصدير مقارنة بالمناطق الداخلية (لي ويانغ 2013).

الهيمنة المستمرة للمنح الدراسية الأنجلو–أمريكية

أفضى النظام المعرفي العالمي، المؤلف من الأشخاص والمؤسسات المنتجة للمعرفة ومن الهياكل الناقلة لها، إلى تقسيم الدول إلى مركز وأنصاف مراكز وأطراف (ألتباخ 1998). وقد ازدادت قوة هذا النظام مع النمو المتسارع لشبكة الإنترنت (دينارديس 2009)، ومع تحوّل الإنجليزية إلى لغة عالمية مهيمنة (كريستال 1997؛ كايمان 2004). وباتت المعارف التي تقع خارج نطاق الشبكات الغربية في الدوريات المعتبرة والكتب ومؤشرات الإنتاج العلمي الأخرى تُقصى ولا تُعدّ معرفة حقيقية. كما أنّ أحدث ما أُنجز من ابتكارات في مجال الاتصالات العلمية وقواعد البيانات وشبكات المعلومات لا يزال متركّزًا في الدول الصناعية، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة. وهكذا يغدو النظام العالمي للاتصالات العلمية نظامًا مركزيًا تهيمن عليه الدول المنتجة للبحث. وقد انعكس هذا التفاوت بوضوح في دراسات التربية المقارنة للسياسات، إذ يُثير المفارقة أن يبقى هذا الميدان، الذي يقدَّم بوصفه مجالًا عابرًا للثقافات في تعريفه الذاتي، منغلقًا انغلاقًا ملحوظًا على الأطر المحلية والضيّقة (ولش 2003).

نظرًا لاختلاف آثار العولمة من مكان إلى آخر، تبرز الحاجة إلى إعادة التركيز على طبيعة هذه الآثار وتداعياتها التفاضلية، حتى على المستوى الوطني. ومع ذلك، فإن الدراسات التجريبية التي قارنت هذه الفروق بصورة منتظمة قليلة للغاية، وما أُنجز منها انصرف في معظمه إلى المجتمعات الغربية الصناعية. أما تأثير العولمة في المجتمعات الفقيرة وما بعد الاستعمارية في "الجنوب"، فقد حظي باهتمام أقل بكثير، رغم ما ينطوي عليه من تداعيات حاسمة على مسارات التنمية في تلك السياقات. فعلى سبيل المثال، يفرض عالم اليوم المترابط عبر الشبكات على الجامعات، بحكم التزامها بتطوير المعرفة الإنسانية، الانخراط في تعاون دولي أوسع. كما أنّ البحث العلمي والتدريس يتطلّبان مقاربة دولية لتجنّب الانغلاق وضمان تحفيز التفكير النقدي والاستقصاء حول القضايا والمصالح المعقّدة التي تؤثر في العلاقات بين الدول والمناطق والفواعل المختلفة.

وعلى الرغم من استمرار هيمنة المعرفة الأنجلو–أمريكية وترسّخ الإنجليزية بوصفها الوسيلة المركزية للتواصل العلمي، فإنّ دولًا آسيوية مثل الصين دخلت في سباق على الريادة داخل اقتصاد المعرفة العالمي المرتكز إلى التكنولوجيا. وقد أخذت في الظهور ضمن حقل التربية المقارنة كتلة بحثية غير غربية تزداد قوةً وتأثيرًا، وتفرض إعادة التفكير في كثير من المفاهيم والنظريات التي طالما هيمنت على الحقل (براي وغوي 2007؛ مانزون 2011). ومع تزايد هذا الحراك، لم يعد إنتاج المعرفة حكرًا على المراكز الغربية، بل غدا موزّعًا على مراكز علمية متعددة تنتج بحوثًا أساسية وذات أثر ملموس، الأمر الذي يساهم في موازنة التفوق الأوروبي والأمريكي الشمالي ويعيد رسم خريطة القوى المعرفية عالميًا (أرنوف 2013).

تتضح قيمة دراسة سياسات التعليم العالي في بلدان العالم، ولا سيما في آسيا، لما توفره من إمكانات لفهم التحوّلات الجارية في مشهد التعليم العالي العالمي. فقد ارتبط النجاح الاقتصادي المدهش لبلدان شرق آسيا بتركيز جوهري على قطاع التعليم، وخاصة في ما يتعلّق بمشروعات تطوير جامعات عالمية المستوى (ليو وآخرون 2011). ويُحتمل أن يغيّر صعود الجامعات الآسيوية ملامح التعليم العالي عالميًا على نحو عميق. بيد أنّ هيمنة المعرفة الأنجلو–أمريكية ما تزال تفرض نفسها، إذ غالبًا ما يتوجّه الباحثون في شرق آسيا إلى نظرائهم في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لاستلهام الأفكار والسياسات. وقد أظهرت دراسة تحليلية شملت 114 مقالًا بحثيًا في سياسات التعليم نُشرت خلال 2003–2004 في قسم التعليم في مركز المعلومات للعلوم الاجتماعية بجامعة الصين (رِنْدا) أنّ نسبة المراجع المكتوبة بالإنجليزية قد شهدت ارتفاعًا حادًا بين المواد الأجنبية المستشهد بها (يانغ 2006).

دفعت هيمنة البحوث الغربية، وبالأخص الأمريكية، الدراسات الصينية في السياسات التعليمية نحو آفاق جديدة، غير أنّ غياب دراسات متعمقة تعالج تلك النظريات والأساليب المستوردة بصرامة منهجية أدّى إلى نشوء فهم هش ومجزأ لها. وحين انتقلت هذه النماذج إلى التطبيق، انكشفت محدوديتها، إذ انتهت محاولات استدعائها – وهي التي وُصفت في الأدبيات بـ"المتقدمة" – إلى نتائج متعثرة. فالاستخدام غير النقدي لهذه الأطر، في ظل غياب إدراك دقيق للبيئات المحلية، لم يوفّر للصين القدرة على تشخيص المشكلات السياساتية أو صياغتها أو تقديم حلول عملية لها. وقد شكّل إصلاح المناهج الذي أطلقته وزارة التعليم عام 2001 مثالًا صارخًا على ذلك، إذ طغت عليه التناقضات ولم يُفضِ إلى نتائج إيجابية تُذكر (ما وتشنغ 2011). ويُعزى فشله بدرجة كبيرة إلى استنساخ سياسات مناهج غربية استنساخًا أعمى من دون تكييف مع الواقع المحلي.

التباينات والاتجاهات المتعارضة في أدبيات السياسات

أظهرت المناقشات السابقة أن العالم الأكاديمي يعاني انقسامات متعدّدة الأوجه، ويُعدّ الانقسام الداخلي في العالم الصناعي الغربي أحد أبرزها وأكثرها إهمالًا. ولم تكن دراسات سياسات التعليم بمنأى عن هذا الواقع، إذ تتجسد إحدى صور هذا الانقسام في البحوث المنتَجة ضمن البيئات اللغوية الكبرى. فالناطقون بالإسبانية، على سبيل المثال، أسّسوا مجلات علمية مرموقة يهيمن على محتواها الاستشهاد بأعمال مكتوبة بالإسبانية، مع تركيز أساسي على قضايا مجتمعاتهم المحلية. وبرغم استمرار بعض قنوات التفاعل بينهم وبين غيرهم، فإن الاعتماد الحصري للباحثين الاجتماعيين على الأدبيات الإنجليزية جعلهم يغفلون بدرجة كبيرة عن النتاج البحثي الضخم المكتوب بالإسبانية والمتعلق بسياسات التعليم. والمشهد ذاته يتكرر في الدوائر البحثية الناطقة بالروسية والصينية وغيرها من اللغات.

يُعَدّ الانقسام الداخلي في الدوائر الأكاديمية الناطقة بالإنجليزية أكثر المفارقات إثارة للانتباه، رغم قلّة ما حظي به من معالجة جادّة. ويتضح هذا الانقسام بجلاء بين الدائرة التي تقودها الولايات المتحدة في أمريكا الشمالية، ونظيرتها التي تتمحور حول المملكة المتحدة وتشمل بصورة رئيسة المستعمرات السابقة مثل أستراليا ونيوزيلندا وجنوب إفريقيا. وتكشف الممارسات البحثية في هذه البيئات عن نزعة إلى الانغلاق على الذات؛ إذ يميل باحثو السياسات التعليمية في الولايات المتحدة إلى تجاهل الكمّ الكبير من الأدبيات المنتَجة في أماكن أخرى، حتى في الدول الناطقة بالإنجليزية، بينما يُكثِر الباحثون الأستراليون والنيوزيلنديون من الاستشهاد حصريًا بالأدبيات البريطانية، دون أن يقابل ذلك حضور موازٍ لأعمالهم في الساحة البريطانية. ويكتسب هذا الانقسام أبعادًا أعمق عند النظر في نتائجه الممتدة، حيث إن الطلبة الدوليين الذين يتلقون تعليمهم داخل أحد هذين المعسكرين يكتسبون شعورًا بالانتماء إليه، وينقلون هذا الشعور إلى مجتمعاتهم الأصلية، كما أن الأكاديميين القادمين من مجتمعات غير غربية أو أقل تطورًا أكاديميًا يتأثرون بدورهم بما يَرونه في هذه المعسكرات، ويعودون بصورة مجتزأة يتعاملون معها كما لو كانت المشهد الكامل للواقع الأكاديمي العالمي.

يتجلّى التمركز الأمريكي في بعض المؤلفات المرجعية، مثل كتاب تشكيل السياسة التعليمية: السلطة والعملية (ميتشيل وآخرون 2011)، الذي يضم ثلاثة عشر فصلًا لعشرين باحثًا جميعهم ينتمون إلى مؤسسات أمريكية، وقد اعتمدوا بصورة شبه مطلقة على الأدبيات المنتَجة داخل الولايات المتحدة. ورغم أنّ هذا التركيز قد يبدو مبرَّرًا في سياقه، إلا أنّه يضيّق من تنوّع الإسهامات المرجعية ويثير تساؤلات حول أفق المقاربات التحليلية. ويتكرر المشهد في كتاب دراسات السياسات لقادة التعليم (فاولر)، الذي لقي استحسانًا واسعًا في أمريكا الشمالية، غير أنّ طبعاته الثلاث الأولى أغفلت بصورة لافتة الاستشهاد بأعمال لباحثين من خارج الولايات المتحدة. ولم يرد اسم عالم الاجتماع البريطاني المعروف في السياسات التعليمية (ستيفن ج. بول) إلا إشارة عابرة في الطبعة الرابعة (2013)، دون أن يُدرج ضمن قائمة التعريفات الأساسية لمفهوم السياسة (فاولر 2013، ص 5–4).

باتت هذه الانقسامات في غير انسجام مع روح العصر، إذ تهدد بفرض حدود ضيقة تقلّل من تنوع الرؤى البحثية وإثراء النقاش الأكاديمي. وفي المقابل، يتبدّى حضور (بول) واضحًا في أدبيات سياسات التعليم الصادرة في المملكة المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا، سواء في أعمال الأكاديميين البارزين أو في كتابات طلبة الدراسات العليا. ويُعدّ خطاب (غايل) الرئاسي أمام الجمعية الأسترالية للبحث في التربية عام 2005 مثالًا دالًا، حيث استند فيه إلى سبعة وثلاثين مرجعًا، ارتبط أربعة وعشرون منها مباشرة بالسياسات الاجتماعية والتعليمية. ومن بين هذه المراجع، كان خمسة عشر لكتّاب أستراليين، وثمانية لباحثين بريطانيين، بينما لم يُستشهد سوى بعمل واحد لباحث أمريكي هو (شون 1979). وعلى النقيض، وردت أربعة مراجع لـ(بول)، ثلاثة منها مؤلفات فردية وواحد بالتأليف المشترك، الأمر الذي يبرهن على قوة تأثيره في هذا التيار البحثي.

يتكرر المشهد ذاته في بحوث طلبة الدراسات العليا، كما يتضح في أطروحة الدكتوراه التي أنجزها (تشانغ) عام 2012 في جامعة موناش الأسترالية حول قضايا العدالة في سياسة التعليم العالي بالصين، عبر دراسة لسياسة التوسّع في القبول منذ أواخر التسعينيات. فقد بُنيت الأطروحة بأكملها على إطار الدورة السياسية لـ(بول)، الذي يشتمل على سياق التأثير وسياق إنتاج النصوص السياسية وسياق الممارسة. ورأى (تشانغ) أنّ هذا الإطار شديد الإثمار من الناحية النظرية، لأنه وفّر له أدوات تحليلية قادرة على استيعاب التعقيد وفهمه بشكل متكامل. وأشار في الصفحة الخامسة إلى أنّه "على الرغم من أنّ نظرية (بول) قد نشأت في سياق المملكة المتحدة، إلا أنّ مفهوم الدورة السياسية أثبت صلاحية مماثلة في تفسير السياسات في الصين وسواها من الدول". ومع ذلك، فإن الأطروحة لم تُعر كبير اهتمام إلى إسهامات الباحثين الأمريكيين، كما أغفلت الأدبيات التي أنتجها الباحثون الصينيون أنفسهم في هذا المجال، الأمر الذي جعل بنيتها المرجعية محدودة وضيقة الأفق.

العوامل الثقافية المهمَّشة

ينبغي النظر إلى السلوك البشري بوصفه نتاجًا لظروف اجتماعية وثقافية متداخلة، حيث يحتل الأفراد مواقع متفاوتة في المجتمع تعكس مصالحهم وتحدد رؤاهم، فينظر كل منهم إلى القضايا من زاوية موقعه الاجتماعي والاقتصادي. ويزداد وضوح ذلك عند تناول السياسات، لكونها تمثل جوهر تنظيم المجتمع وتحدد أنماط الحكم التي يراها الناس أكثر ملاءمة. وتتعقد الصورة بصورة لافتة عندما تعبر السياسات الحدود الثقافية، إذ تميل الشعوب المختلفة، بحكم أنماط تفكيرها الثقافي، إلى تفضيل أنماط حكم متباينة. وما يلقى قبولًا واسعًا في مجتمع ما قد يواجه رفضًا في مجتمع آخر. ويبرز هذا الأثر الثقافي في كل مراحل السياسات التعليمية، بدءًا من صياغة الأجندات ومرورًا باتخاذ القرارات وانتهاءً بالتنفيذ. ومع ذلك، ورغم مركزية هذا البعد، فإن الأدبيات البحثية أغفلته إلى حد يثير الدهشة، فظل الحضور الثقافي في الدراسات النظرية محدودًا.

تكشف الدراسات المقارنة في سياسات التعليم عن مفارقة لافتة، إذ غالبًا ما عجزت عن معالجة التنوّع الثقافي الفعلي في المجتمعات. فعندما تُهمل العوامل الثقافية، تصبح التحليلات سطحية من الناحية النظرية، محدودة الجدوى في الممارسة، بل وقد تُفضي إلى نتائج مضللة. ويظهر ذلك جليًا عند مقارنة المواقف في الصين بما هو قائم في مجتمعات غربية كثيرة؛ إذ يُظهر الصينيون استعدادًا أكبر لتقبّل السياسات الحكومية والامتثال لها، حيث تقترب تعريفاتهم للسياسة من التعريفات الرسمية التي تعتمدها الحكومات على مستوياتها المختلفة (يوان 1998؛ تشانغ 2002). ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن فجوة التنفيذ بين ما يُراد بالسياسة وما يتحقق فعليًا أضيق في الحالة الصينية، إذ يمتلك الصينيون أساليب مميزة قد تؤدي إلى تحريف تطبيق السياسات أو إعادة تشكيلها بطرائق خاصة (دينغ ودينغ 2004؛ دينغ 2011).

تُجسّد فكرة الجامعة الغربية واحدة من أبرز الأمثلة على التصدير الثقافي الذي ارتبط بالإمبريالية والاستعمار. فقد وُلدت الجامعات الحديثة في أوروبا، ثم انتشرت إلى مختلف أنحاء العالم في سياقات السيطرة الاستعمارية، حتى إن المجتمعات التي لم تخضع للاستعمار المباشر تبنّت بدورها النموذج الغربي (ألتباخ 2001). وليس من المبالغة القول إن مفهوم الجامعة يُعدّ أنجح ما صدّره الغرب إلى بقية العالم، حيث أثّرت تقاليدها الممتدة عبر القرون في أنماط التعليم العالي عالميًا وفي صلات المؤسسات الأكاديمية عبر الحدود. ويقوم النموذج الأوروبي على منظومة قيمية لم تتح في تاريخها مجالًا واسعًا للبدائل الثقافية، بل تركت مساحات محدودة جدًا أمام النماذج غير الأوروبية. وقد ساهم انتشار هذا النموذج، مدفوعًا بسطوة اللغة الإنجليزية، في تكريس هيمنة الغرب على ميادين المعرفة والتنمية الثقافية، الأمر الذي انعكس في ضعف أداء الجامعات في السياقات غير الغربية. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال الجامعات في العالم غير الغربي تنظر إلى نظيراتها الغربية العريقة – وبخاصة الأمريكية منها – باعتبارها مرجعًا رئيسًا للمعايير الأكاديمية وللاستراتيجيات والسياسات والابتكارات وحلول قضايا التنمية (تايشلر 2009؛ يانغ 2013).

الاستنتاجات

تجدر الإشارة إلى ما أوضحه (بول 1994) من أنّ الدلالات التي تُعطى للسياسة تحدد بصورة مباشرة الكيفية التي ينهجها الباحثون في دراساتهم، والطريقة التي يفسرون بها ما يتوصلون إليه من نتائج. ومع ذلك، يظل مفهوم السياسة عصيًّا على تعريف جامع، حتى إنّ (كينواي 1990، ص 6) ذهب إلى أنّ الأنسب هو التفكير في "العملية السياسية" بما تتضمنه من تسويات مركّبة يغلب عليها الطابع السياسي، لكنها تمتد لتشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، وما تحمله من تباينات في المنطلقات القيمية واختلال في موازين القوى. ومن ثمّ، فالسياسة لا تمثل كيانًا ثابتًا بقدر ما هي مسار متشابك من الخيارات، تُعتمد فيه اتجاهات محددة وتُستبعد أخرى، وهي نتاج مساومات مستمرة بين أجندات متعددة وصراعات مصالح متنافسة في سياقات متغيرة. وغالبًا ما تُدار هذه الصراعات في فضاء الخطاب، حيث تُسمع بعض الأصوات بينما يُقصى غيرها عن طاولة صانعي القرار.

تتبدل النصوص السياسية على نحو ملحوظ خلال عملية صياغتها، إذ كثيرًا ما تبتعد الصيغة النهائية عمّا تضمنته المسودة الأولى نتيجة للتسويات والمساومات والأنشطة الملازمة لتطوير السياسات. وقد عبّر (راب 1994، ص 24) عن هذه الفكرة استعاريًا بقوله إنّ "ما يُتذوَّق في النهاية يختلف اختلافًا كبيرًا عن الوصفة الأصلية". وتزداد هذه التحولات وضوحًا في ظل الواقع العالمي المعاصر، حيث تؤدي التشابكات بين الدول وظهور القضايا العابرة للحدود ونمو دور المنظمات الدولية إلى جعل تبادل الخبرات السياسية والمقارنة بين السياسات أمرًا لا غنى عنه وحتميًا لإيجاد حلول للمشكلات المحلية. وعندما تصل السياسات في نهاية المطاف إلى المؤسسات التعليمية، تكون قد مرت بسلسلة طويلة من التحولات، بحيث تفقد صلتها بشكلها الأولي وتكتسب سمات جديدة.

تشكّل لعبة الطفولة الشهيرة "التليفون" – والمعروفة باسم "لعبة همسة" في العالم العربي – استعارة لافتة لفهم تحوّل السياسات عند انتقالها. ففي هذه اللعبة يبدأ أحد المشاركين بالهمس برسالة في أذن جاره، ثم تنتقل الرسالة من شخص إلى آخر، حتى تصل إلى اللاعب الأخير الذي يعلنها بصوت مسموع. وغالبًا ما تصل الرسالة وقد تغيّر مضمونها تغيرًا كبيرًا، خصوصًا إذا كانت عبارتها الأصلية معقدة. وبالقياس إلى ذلك، تخضع السياسات التعليمية التي تُصاغ ضمن شبكات عالمية أو عابرة للقوميات لسلسلة مماثلة من التحولات عند انتقالها من المستوى العالمي إلى الإقليمي ثم الوطني وأخيرًا المحلي، لتصل في صورة قد تختلف جذريًا عن صياغتها الأولى (ويل 2005).

غير أنّ دراسات التربية المقارنة والدولية في مجال السياسات لا تزال تعكس العديد من حالات الفرض القسري لنموذج تنموي موحّد، وتطبيقات غير مناسبة لمعايير تُصوَّر باعتبارها عالمية. ويظل التحدّي قائمًا في إقناع بعض المستشارين الأجانب، ولا سيما أولئك الذين يعملون في مشاريع تموَّل من مانحين دوليين، بأن أدوات الإصلاح التي قد تحقق نجاحًا في سياقات محددة لا يمكن بالضرورة أن تُستنسخ أو تعمل بالفاعلية نفسها في سياقات أخرى مغايرة.

يُظهر الواقع أنّ الخطاب العالمي في السياسات يستدعي قراءة نقدية دقيقة على كل مستوى من مستويات صناعة القرار. غير أنّ اختيار الأدوات البحثية والمنهجيات المناسبة لإجراء هذا النوع من التحليل يظل رهينًا بمجموعة من العوامل، منها الغايات التي يُراد بلوغها من التحليل، وطبيعة السياسات ذاتها، والمسارات المعرفية التي ينطلق منها الباحثون، فضلًا عن الخصوصيات السياقية التي تُمارَس فيها هذه السياسات. ويتحدد نمط الأسئلة التي تُطرح أثناء التحليل وفقًا لغايته، والموقع الذي يتبناه المحلّل، وما يواجهه من محددات أو قيود (تايلور وآخرون 1997). وعليه، يصبح من غير الواقعي بل ومن غير المنهجي إصدار أحكام معيارية موحّدة تطبَّق على جميع السياسات، في ظل التباينات الأيديولوجية العميقة بين المحلّلين. وبالرغم من أنّ الالتزام بالمقدّمات السابقة لا يضمن الوصول إلى الاستخدام الأمثل للبحوث المقارنة والدولية في سياسات التعليم، فإنّ تجاهل أي منها يقود حتمًا إلى الانزلاق نحو ممارسات مشوَّهة أو مضللة.


الفصل الحادي عشر

مقارنة المناهج الدراسية

يدأب عديد من الأطراف المعنيين بالتعليم على إجراء مقارنات شتى للمناهج الدراسية، إذ لا تكاد تخلو جهة من مصلحة أو هدف في هذه العملية، فالحكومات تنشغل بمقارنة مناهجها الوطنية بما هو قائم في الخارج سعيًا وراء استحداث مبادرات إصلاحية جديدة وتعزيزًا لمكانتها التنافسية في المحافل الدولية، والآباء يعكفون على الموازنة بين ما تعرضه المدارس المختلفة من برامج ومقررات حتى يطمئنوا إلى اختيار المؤسسة التي تلبي احتياجات أبنائهم على الوجه الأكمل، والطلاب يتطلعون إلى تنويع خبراتهم حين يتفحصون ما يُتاح لهم من مقررات لاختيار المواد الاختيارية، والأكاديميون يتقصّون بعمق ديناميات بناء المنهج وطرائق تطبيقه قصدًا إلى إثراء المعرفة وتقديم ما يعين صانعي القرار على رسم السياسات، غير أن معظم هؤلاء ـ باستثناء الطلاب عادة ـ يوسّعون دائرة المقارنة لتشمل أيضًا المفاضلة بين المناهج الراهنة وتلك التي كان معمولًا بها في فترات تاريخية مضت.

يوفّر مجال دراسات المناهج أدوات نظرية ومنهجية عديدة تُستخدم في المقارنات بين المناهج، بل يمكن القول إنّ كل بحث في هذا المجال يتضمن بُعدًا مقارنًا بشكل أو بآخر، إذ إنّ الباحث وهو يحلّل ظاهرة معينة يَستحضر ـ ولو ضمنًا ـ نموذجًا آخر يُقابله. فإزاء كل سؤال من قبيل "ما هو؟" يبرز في الخلفية سؤال مقابل هو "ما ليس هو؟". ومن ذلك أنّ دراسة طرائق تقويم المحتوى في سياق محدد يمكن أن تُفهم باعتبارها مقارنة ضمنية مع بدائل أخرى في طرائق التقويم، كما تنشأ مقارنة أخرى بين "ما هو واقع فعلي" و"ما هو مقصود أو مأمول". وعليه فإن دراسة ممارسات المعلمين في تطبيق مقرر معين تستبطن مقارنة بين النتائج الفعلية والمخرجات المرجوّة. ومع ذلك فإن المقارنة الصريحة تكشف بصورة أوضح عن الفوارق وأوجه التشابه، إذ تجعل المألوف غريبًا وتجعل الغريب مألوفًا (انظر سبيندلر وسبيندلر 1982، ص 43؛ براي 2004، ص 250). ومن هنا يتركز اهتمام هذا الفصل على الدراسات القائمة على المقارنات الصريحة للمناهج، سواء بين ثقافات متعددة أو بين مواد دراسية مختلفة.

تتخذ المقارنات بين المناهج أشكالًا متباينة تعود أسبابها إلى عاملين رئيسيين: اختلاف المقاصد التي يسعى إليها أصحاب المصلحة، وتباين التصوّرات الأساسية حول ما يُعدّ في جوهره منهجًا دراسيًا. ورغم أنّ هذا الفصل لا يعتمد أوسع التصوّرات المطروحة للمنهج، فإنّه يقبل بأنّ المنهج بنية معقّدة ومتعددة الأبعاد، يتجسّد في بؤر متنوّعة ويظهر في صيغ متعدّدة. وهذا التعقيد يُثير إشكالية جوهرية تتعلّق بحدود التحليل الشامل والمقارنة الشاملة، غير أنّ هذه الإشكالية لا تُثير قلقًا كبيرًا عند الأطراف الذين ينشدون إجابات مركّزة لأسئلة ضيّقة النطاق، كما هو حال الطلاب عند مقارنتهم بين المقررات الاختيارية. وتظل هذه التعقيدات وما يصاحبها من تنوع سببًا في الحدّ من قدرة الباحثين على الإحاطة بالصورة الكاملة، فلا يجدون بدًا من الاكتفاء بلقطات جزئية، حتى في الدراسات التي تتوسّل بالتحليلات المتعددة المستويات. ومع ذلك فإنّ هذه القيود نفسها تُسهم في إغناء قيمة الرؤى المستخلصة، إذ تُبقي عملية مقارنة المناهج مفتوحة على الدوام، باعتبارها دراسة لكيان متغيّر ومعقّد، وتظل النتائج التي تتمخّض عنها قادرة على مساءلة المعتقدات وإعادة تشكيل التصوّرات التي تصوغها المناهج وتتأثر بها في الوقت ذاته.

يستهل هذا الفصل بتناول التصوّرات المختلفة لمفهوم المنهج كما عُرضت في الأدبيات، ثم يقدّم إطارًا ثلاثي الأبعاد يُعين على نهج المقارنات بين المناهج، وهو إطار يصلح للدراسات التي تعتمد تحليلات متعدّدة المستويات أو تلك التي تقتصر على نطاق أضيق. ويعرض الفصل أيضًا أمثلة من بحوث قارنت بين المناهج، لإبراز ما يكتنف هذا المسعى من تعقيد ولإيضاح بعض السبل الممكنة للتعامل معه.

طبيعة المناهج الدراسية

يعود أصل مصطلح المنهج الدراسي (باللغة الإنجليزية) إلى الكلمة اللاتينية التي كانت تعني المضمار القصير للعدْو، غير أنّ هذه الاستعارة على جاذبيتها لا تقدّم تحديدًا دقيقًا، بل تبقى في جوهرها غامضة. وحتى حين يُطبّق هذا المعنى في مساواة المنهج بـ"مسار" دراسي، فإن ذلك لا يعين كثيرًا على إدراك مقصوده الحقيقي. وقد جرى توظيف المصطلح عبر مساحات واسعة من الممارسات التعليمية: فهو يُطلق على التخصّصات الأكاديمية، وعلى المواد والمقرّرات الدراسية، وعلى التدريس نفسه، وعلى الخبرات التعليمية الرسمية وغير الرسمية، بل وعلى أساليب التقويم أيضًا. وقد قام مارش وويلِس (1995) بتصنيف سبعة تصوّرات رئيسية للمناهج، يشكّل كل واحد منها إطارًا صالحًا للدراسة المقارنة:

* التراث الكلاسيكي: يُحيل هذا المنظور للمنهج إلى مضامين ومقررات عريقة حظيت بمكانة راسخة عبر الزمن، مثل النحو والقراءة والمنطق والبلاغة والرياضيات، إضافة إلى أمهات الكتب التي يُنظر إليها في الغرب باعتبارها حاملة للمعرفة الجوهرية. ومن هذا المنطلق يتسم مفهوم المنهج بالضيق والتقيّد بالثقافة المنتِجة له، كما يغلب عليه الطابع المحافظ والجمود ويفتقر إلى المرونة، الأمر الذي يجعله غير قابل للانتقال إلى سياقات ثقافية أخرى إلا بحدود ضيقة. ولعلّ مثال ذلك ما كان عليه التعليم في الصين الإمبراطورية حين انحصر في عدد محدود من النصوص الأدبية الكلاسيكية المقرّرة. ومن هنا يثور التساؤل حول مَن الذي يملك تحديد المعرفة أو المهارات التي تُعتبر أساسية، وكيف يمكن الوصول إليها وإتقانها.

* المعارف الراسخة: يُعرّف هذا التصوّر المنهج بوصفه مجموعة من المواد والمضامين، ويستند في جوهره إلى التخصّصات الأكاديمية التي ترسّخت عبر التاريخ، لتصبح اللبنات التي تنتظم حولها المؤسسات التعليمية. وتُبنى على هذه التخصّصات عملية اختيار المواد التي تُقدّم للطلاب، مثل الفنون والعلوم والدراسات الإنسانية واللغات، إذ يضع كل مجال منها حدودًا واضحة لما يُعدّ معرفة أساسية وما يُعتبر مهارة محورية ينبغي للمتعلمين أن يتقنوها.

* المنفعة الاجتماعية: يُقارب هذا التصوّر المنهج من خلال المواد الدراسية، لكنه يركّز على تلك التي تُعتبر أكثر ارتباطًا بحاجات المجتمع الحديث وأكثر فائدة للحياة العملية فيه. وينطوي هذا المنظور على افتراض قيمي يرى في الحداثة مرتبة أعلى من التقاليد، ويدعو إلى أن يتضمن المنهج المهارات والمعارف التي تم انتقاؤها بعناية، لأنّها ستخدم التلاميذ مباشرة عند انتقالهم إلى الحياة خارج المدرسة.

* التعلّم المخطَّط: يتبنّى هذا المنظور رؤية أوسع للمنهج، إذ لا يقتصر على المواد الدراسية المقرّرة، بل يمتد ليشمل النتائج التعليمية التي يُخطَّط لها صراحةً وتُعدّ المدرسة مسؤولة عن تحقيقها، مثل ترسيخ ملكة التفكير النقدي وتنمية روح التسامح. ويتضمن هذا كذلك الأنشطة الموازية خارج الصفوف والبرامج التعليمية التي تنظمها المدرسة بصورة منهجية. ومع ذلك، فإن هذا التعريف ـ شأنه شأن التصوّرات السابقة ـ ينطوي على إشكالية كبرى تتمثل في افتراض مساواة التعلّم المخطَّط بالتعلّم الفعلي، إذ يستبعد ما قد يكتسبه الطلاب من خبرات غير مقصودة، ويُركّز على النتائج دون الالتفات إلى سيرورات التعلّم ومراحله.

* التعلّم المكتسَب بالخبرة: يتّسع هذا التصوّر للمنهج ليشمل كل ما يعيشه المتعلم من خبرات داخل المؤسسة التعليمية، بغض النظر عن كونها مبرمجة أو عفوية، مرغوبة أو غير مرغوبة. وإلى جانب التعلّم المخطَّط، يتضمن هذا التصوّر ما يُسمّى بالمنهج الخفي، أي منظومة القيم الاجتماعية التي يُعاد إنتاجها وتثبيتها عن قصد أو بغير قصد عبر بناء التعلّم الرسمي وما يرافقه من قنوات تواصل مؤسسية، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية أو سلبية في تشكيل وعي المتعلمين.

* التحوّل الذاتي: يقوم هذا المنظور على مقاربة قريبة من التعلّم المعيَش، لكنه يتوسّع ليشمل ما يطرأ على المعلّم من تغيّر أثناء انخراطه في عملية التدريس والتعلّم، بحيث يصبح المعلّم والمتعلّم معًا طرفين يختبران أشكالًا متباينة من التحوّل داخل التجربة التعليمية.

* خبرات الحياة: يُمثّل هذا التصوّر أوسع الرؤى للمنهج، إذ يعدّ جميع ما يمرّ به الفرد من خبرات حياتية جزءًا من المنهج، من غير تمييز بين ما هو تعلّم مخطَّط أو مُعاش داخل المؤسسات التعليمية وبين ما يُكتسَب في السياقات الواقعية خارجها.

تعكس هذه التصوّرات المختلفة للمنهج تنوّعًا في بؤر التركيز؛ إذ ينصرف الأول والثاني إلى محتوى ما يُدرَّس، بينما يركّز الثالث والرابع على أهداف التعليم، أما الثلاثة الأخيرة فتهتم بالعمليات التحوّلية التي يخوضها المشاركون في التجربة التعليمية. ويذهب أحد المنظورات، المرتبط بفكرة التعلّم المعيَش، إلى النظر إلى المنهج بوصفه نصًا. وقد شدّد (بينار) و(رينولدز) (1992، ص 7) على قيمة تصور المناهج باعتبارها نصوصًا ظاهراتية ومفكّكة، تُقدَّم من خلالها التعدّدية الصوتية وتنوّع المنظورات والجوانب المعيَشة للكتب المدرسية والفصول الدراسية. ولأغراض هذا الفصل، فإن التصوّرين الأخيرين (التحوّل الشخصي وخبرات الحياة) يُعدّان فضفاضين وشاملين بدرجة زائدة، ومن ثم يركّز الفصل على المنهج في إطار البيئات التعليمية، بما يشمل التعلّم المخطَّط والتعلّم المجرَّب للتلاميذ. ويُستثنى من هذا المنظور الدراسات التي تركّز على قياس نواتج تعلّم التلاميذ، إذ يُخصَّص لهذا الموضوع نقاش لاحق في هذا الكتاب، وبخاصة في الفصل الرابع عشر.

إنّ التصوّرات المتنوعة للمنهج تُبنى في جوهرها على أيديولوجيات اجتماعية تتأسس على منظومات من الرؤى والقناعات المعيارية بشأن وظيفة المدرسة في المجتمع، وطبيعة المعرفة وطرائق التعلّم، فضلًا عن الأدوار المتوقعة لكلٍّ من المعلّم والمتعلّم. ويمكن تحديد ما لا يقل عن ستة اتجاهات أيديولوجية رئيسية (انظر الجدول 11.1)، وقد يتعارض بعضها أو يتنافس مع الآخر في إطار النقاش التربوي:

* العقلانية الأكاديمية: يُعبّر هذا التوجّه عن رؤية تربوية تجعل من التخصّصات الأكاديمية المكرَّسة محورًا رئيسًا للمنهج، معتبرة أنّ مهمة التعليم تكمن في إدخال التلاميذ إلى هذه الحقول مثل الفيزياء والرياضيات، وتزويدهم بالمفاهيم والصرامة الذهنية الملازمة لها. وتقوم هذه الأيديولوجيا على نزعة محافظة تسعى إلى حفظ المعرفة الراسخة ونقلها بوسائل تلقينية تقليدية، وهي تُبرز الفوارق بين مجالات المنهج أكثر مما تسعى إلى مدّ جسور تكاملية فيما بينها. وضمن هذا الإطار يُسند إلى المتعلّم غالبًا دور محدود يقتصر على التلقي، لا المشاركة الفاعلة.

الجدول 11.1: أيديولوجيات المناهج ومكوناتها

الأيدلوجية

المكون

المقصد/ الغرض

المحتوى

طرائق التدريس/ التعلم

التقييم

العقلانية الأكاديمية

لتعزيز القدرات الفكرية والمهارات المعرفية للمتعلمين، ولتعليمهم كيفية التعلم

التركيز على المعرفة، والمهارات والقيم المستمدة من التخصصات الأكاديمية

التركيز على العرض والتعليم الإرشادي، وعلى تعزيز مهارات الاستقصاء

التأكيد على اختبار معرفة المتعلمين ومهاراتهم، وعلى الصرامة الأكاديمية.

الكفاءة الاجتماعية والاقتصادية

لتلبية احتياجات المجتمع الحالية والمستقبلية من رأس المال البشري

التركيز على المعرفة والمهارات التي تتعلق بالتوظيف المستقبلي

التأكيد على التطبيق وإتقان المهارات

التأكيد على تقييم قدرة المتعلمين على تطبيق المعرفة والمهارات

إعادة البناء الاجتماعي

يعمل المنهج الدراسي كوكيل للإصلاح الاجتماعي، والتغييرات والنقد

التركيز على الاحتياجات الاجتماعية، والقضايا والمثل العليا

التركيز على التفاعل، والعمل الجماعي، ومشاركة المتعلمين في الأنشطة المجتمعية

التركيز على الحاجة إلى إشراك المتعلمين في تقييم أنفسهم

المعتقد

لإدخال المتعلمين في عقيدة دينية أو سياسية معينة


التركيز على المعتقدات والممارسات لأولئك الذين يتبنون عقيدة معينة

التركيز على التعليم الإرشادي، وعلى تعزيز المعتقدات والممارسات اللازمة

التركيز على التزام المتعلمين في الاعتقاد بالنظام والممارسات ذات الصلة

التقدمية

لتزويد المتعلمين بفرص لتعزيز تطويرهم الشخصي والفكري

التركيز على المعرفة ككيان متكامل وشامل وعلى عملية التعلم

التأكيد على نشاط المتعلمين وتعلمهم الذاتي، وعلى المعلم كميسر

التركيز على المقاييس النوعية التي تحاول تحليل عملية التعلم.

التعددية المعرفية

لتوفير مجموعة واسعة من الكفاءات والمواقف


المحتوى المتفاوض عليه وتنوع المدخلات والنتائج

يؤكد على نشاط المتعلمين وتعلمهم الذاتي، وعلى المعلم كميسر

التركيز على المقاييس النوعية التي تحاول أن تلتقط تنوع التعلم.

* الكفاءة الاجتماعية والاقتصادية: يُنظر في هذا التصوّر إلى التعليم من زاوية تنمية الموارد البشرية، بحيث يُصمَّم المنهج انطلاقًا من حاجات المجتمع وتطلعاته، ويُراد منه إعداد مواطنين مسؤولين مزوّدين بالخصائص والمعارف والمهارات التي تمكّنهم من دعم رفاه المجتمع وتعزيز نمو اقتصاده. ويشمل ذلك تدريب المتعلمين على إتقان المعارف والمهارات المرتبطة بالتوظيف في المستقبل، إضافة إلى ترسيخ الاتجاهات والقيم المدنية التي تُعدّ ضرورية للحياة العامة. وتُمارَس عملية التعليم والتعلّم هنا على نحو يُشبه عملية التشكيل أو القولبة، بما يترك مجالًا محدودًا للغاية أمام استقلالية المتعلم أو مبادرته الذاتية.

* إعادة البناء الاجتماعي: يُعبّر هذا المنظور عن توجه تربوي يجعل من التعليم وسيلة للتغيير الاجتماعي والإصلاح، إذ يفترض أنّ المجتمع يحمل في بنيته إشكالات عميقة تتجلى في صور متعددة من اللاعدالة، والظلم الاجتماعي، والفوارق البنيوية. وينطلق هذا التوجّه من جعل هذه القضايا محورًا أساسيًا للمنهج، حيث يُدرّب المتعلمون على الوعي النقدي بها، ثم يُمكَّنون من اتخاذ إجراءات عملية لمواجهتها والسعي لبناء مجتمع أفضل. ويُسند للمتعلمين دور مركزي نشط يتمثل في التحقيق في هذه القضايا واستكشاف حلول ممكنة لها ضمن سياق المنهج نفسه.

* العقائدية: يُجسّد هذا التوجّه رؤية تجعل من المدرسة أداة لترسيخ عقيدة واحدة ونشرها، إذ يَعتبر أنّ غاية التعليم إدخال المتعلمين في منظومة إيمانية أو فكرية راسخة، سواء كانت دينية كالمسيحية أو الإسلام، أو سياسية كالشيوعية أو الفاشية أو القومية. ويُتوقع من المتعلمين أن يتّسموا بالخضوع والسلبيّة وأن يتجنّبوا التفكير النقدي، ويُنظر إلى التعلّم على أنّه ناجح إذا ما أظهروا ولاءً للمعتقدات والممارسات المطروحة. وبطبيعته لا يعترف هذا الاتجاه بحاجة إلى التغيير ولا يُقرّ بقيمة التنوع أو التعدد.

* التوجّه التقدّمي: يُنظر في هذا التصوّر إلى المنهج من خلال موقع المتعلم، بحيث تُعطى الأولوية لحاجاته واهتماماته وما يمتلكه من قدرات، ويُبنى التصميم التعليمي وفق ذلك. ويرتبط هذا الاتجاه غالبًا بالنظريات البنائية في التعلّم، حيث يُشجَّع المتعلمون على البحث والاكتشاف والتطور الذاتي، ويُنظر إليهم بوصفهم بناة نشطين لخبراتهم ومعارفهم، لا مجرد متلقّين سلبيين.

* التعدّدية المعرفية: يُقدّم هذا التصوّر رؤية تجعل من المنهج أداة قادرة على تلبية صور متعددة من الذكاء الإنساني، على نحو ما أوضحه (غاردنر 1985)، إلى جانب استيعاب طيف واسع من الكفاءات والاتجاهات. ويرتبط هذا المنظور في كثير من الأحيان بالاعتراض على الاقتصار على التدريب المهني المحدود، إذ تزداد حاجة المجتمعات إلى مقاربات أوسع مع تراجع القدرة على التنبؤ بمتطلبات رأس المال البشري في سياق يشهد تغيرًا اجتماعيًا متسارعًا وتجديدًا تقنيًا متواصلًا. ويُنظر إلى المتعلمين في هذا الإطار بوصفهم أفرادًا يتعلّمون بطرق متنوّعة، ويطوّرون مهارات متجدّدة تتيح لهم التكيّف مع البيئات المتغيرة بلا انقطاع.

يتّضح أنّ هذه الأيديولوجيات قد تكون بطبيعتها إقصائية في الفكر والممارسة، إذ يمكن للمنهج أن يُبنى انطلاقًا من أيديولوجيا واحدة مهيمنة مثل الفاشية. غير أنّ واقع المجتمعات والمؤسسات التعددية يجعل المناهج نتاجًا لتداخل أيديولوجيات متنوّعة، قد تتعارض فيما بينها بدل أن تكون منسجمة. وتُظهر التجربة أنّ المناهج تميل إلى الحفاظ على صلات مع التقاليد، حتى عند السعي إلى إدخال إصلاحات جذرية، وهو ما يجعل المنهج في كثير من الأحيان بنية معقّدة تتخللها توترات وتناقضات تتأثر بالقوى الأيديولوجية والتاريخية والتربوية (لوك 2008). وفي هذا السياق، تعترف الجمعية الأسترالية لدراسات المناهج (ACSA) بطبيعة المنهج المعقدة، وتضعه ضمن سياقه الاجتماعي والسياسي، مقدّمة إيّاه بوصفه ظاهرة بنائية تفاعلية ذات أبعاد صريحة وأخرى ضمنية يختبرها الأفراد والجماعات على حدّ سواء (ACSA 2005). كما تصفه بأنه بناء اجتماعي وتاريخي يشتمل على مفاهيم التغيير الاجتماعي ودور التعليم في إعادة إنتاج المجتمع وفي دفعه نحو التحوّل.

إنّ التنوّع الكبير في تعريفات المنهج، مقرونًا بغياب الصياغة الموجزة، يُمكن فهمه على أنّه انعكاس لإشكالات التعليم المستمرة، ولتعاظم الأدوار التي باتت المؤسسات التعليمية ومناهجها مطالبة بها في المجتمعات ما بعد الصناعية، حيث تزداد التعددية ويتسع نطاق التوقعات. وينبني على ذلك أنّ أي محاولة لإجراء مقارنة شاملة للمناهج ستُشكّل تحديًا واسع النطاق، يتطلب معالجة متوازية لثلاثة مستويات: ما يُخطَّط له، وما يُتعلَّم بالفعل في إطار هذا التخطيط، وما يُكتسب من معارف وخبرات خارج التخطيط. ومع ذلك، فإنّ الدراسات التي حاولت تناول هذه المهمة قليلة للغاية، حتى بين البحوث التي لجأت إلى التحليلات متعدّدة المستويات.

تُظهر الدراسات المقارنة بين الدول أن تركيزها ينصرف في الغالب إلى المستويين الأولين، كما هو الحال في مجموعة (بنافوت) و(براسلافسكي) (2006) التي اهتمت بالمواد الدراسية، ودراسة (وولمان) (2001) التي تناولت أنظمة تطوير المناهج. كما قام (ألكسندر) (2000) بدراسة مقارنة بين دول، غير أنّ اهتمامه انصبّ على البيداغوجيا المطبَّقة في المدارس وعلاقتها بالثقافات الوطنية. وفي المقابل، تناولت الدراسات التي أجراها (كوغان وآخرون) (2002) في مجال التربية المدنية تحليلًا ومقارنة شاملة لمختلف هذه المستويات، بينما عرضت الدراسات الوطنية التي جمعها (مويلز) و(هارغريفز) (1998) مقارنات تناولت خبرات الطفولة الواسعة إلى جانب كلٍّ من المنهج المخطَّط والبيداغوجيا الممارسة.

النهج المتّبعة في دراسة المقارنات بين المناهج الدراسية

يُبيّن الشكل 11.1 إطارًا مرجعيًا لبناء البحث المقارن في المناهج، يقوم على ثلاثة أبعاد متشابكة: الغاية والمنظور، وبؤرة التركيز في المنهج، ومظاهره. ويستند هذا الإطار إلى فكرة أنّ أي باحث لا يدخل مجال البحث من فراغ، بل بدافع غاية محدّدة، قد تكون عملية مباشرة مثل المساهمة في صنع السياسات، أو معرفية تسعى إلى بلورة فهم جديد. ومن ثمّ، فإنّ الغاية تحدّد المنظور الذي يتبناه الباحث، وتوجّه طبيعة الأسئلة المطروحة، وهذه الأسئلة بدورها ترسم ميدان التركيز، أي العنصر أو المكوّن الذي يشكّل محور البحث في المنهج. وبناءً على ذلك، يجري جمع البيانات من مظاهر المنهج ذات الصلة، التي قد تكون في صورة وثائق مكتوبة أو ممارسات سلوكية داخل البيئة التعليمية. وسوف يتناول النقاش في الأقسام التالية تحليل كل بعد من هذه الأبعاد الثلاثة بشكل تفصيلي.

الشكل 11.1: إطار منهجي لمقارنة المناهج

image

الغرض والمنظور

كما سبقت الإشارة، فإنّ أصحاب المصلحة يقومون بإجراء مقارنات للمناهج لأسباب متعدّدة. وقد حدّد (شورت 1991) على سبيل المثال سبعة عشر شكلًا من أشكال البحث في المناهج، جميعها لها تطبيقات مقارنة، ويمكن أن تستفيد من إدراج البعد المقارن:

* بحث تحليلي،

* بحث توسّعي (أي يهدف إلى تحدّي الافتراضات الضمنية والبحث عن بدائل صالحة ومقبولة)،

* بحث افتراضي/تخميني (أي يجمع الأدلة من أجل تقديم تحذيرات أو إرشادات عملية)،

* بحث تاريخي،

* بحث علمي (أي موجّه نحو المناهج الكمية وأساليب القياس) ،

* بحث إثنوغرافي،

* بحث سردي (أي يأخذ طابعًا بيوغرافيًا أو قصصيًا)،

* بحث جمالي (أي يركّز على المناهج الكيفية ونوعية الخبرات)،

* بحث ظاهراتي (أي يدرس تصوّرات أصحاب المصلحة وانعكاساتهم)،

* بحث تأويلي (أي يركّز على استكشاف المعاني الأعمق والخلفيات الدلالية)،

* بحث نظري (أي يسعى إلى صياغة مفاهيم راسخة وصالحة)،

* بحث معياري (أي ينطلق من وضع المبرّرات والأسس المعيارية)،

* بحث نقدي،

* بحث تقويمي،

* بحث تكاملي (أي يسعى إلى استكشاف موضوعات وأفهام أو فرضيات جديدة ناشئة)،

* بحث تداولي/تشاوري (أي يركّز على معالجة مسألة محدّدة والتوصل إلى قرار بشأنها)،

* بحث عملي/إجرائي (أي يسعى إلى مواءمة الأفعال مع الأهداف المرسومة).

تتوزّع هذه الأشكال البحثية على ثلاث منظورات كبرى يمكن اعتمادها إطارًا لتفسير الأدبيات المعنية بمقارنة المناهج، وهي: المنظور التقويمي الذي يهدف إلى الحكم على القيمة والجدوى، والمنظور التأويلي الذي يسعى إلى الكشف عن المعاني وفهم السياقات، والمنظور النقدي الذي يركّز على تحليل مواطن الخلل والسلطة. وسيجري تناول هذه المنظورات مع أمثلة تفصيلية في الصفحات التالية.

المنظور التقويمي

يُتَّبع المنظور التقويمي عندما يكون الغرض الأساسي هو الاستناد إلى الأدلة لاتخاذ قرارات واعية بشأن المنهج، أيًّا كان الشكل الذي يتجلّى فيه. فالحكومة التي تضع جداول تصنيف للمدارس اعتمادًا على نتائج أدائها بهدف توجيه الموارد، والأسرة التي تبحث عن المدرسة الأنسب لأبنائها، والمعلّم الذي يختار المقرّر من بين مجموعة من الكتب الدراسية، والطلاب الذين يرشّحون أحد الأساتذة لنيل جائزة "معلّم العام"، جميعهم ينخرطون في ممارسة مقارنات تقويمية تستند إلى تحليل جانب من جوانب المنهج والحكم عليه.

تُبرز نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) دور المنظور التقويمي، إذ تُوظَّف البيانات المستخلصة من اختبارات الأداء للتأثير في السياسات التعليمية وصياغة القرارات المتعلقة بمكوّنات المنهج (انظر: أنديري 2008). وقد أظهرت هذه الدراسات تدني مستويات أداء التلاميذ في المجتمعات الغربية بالمقارنة مع التلاميذ في المجتمعات الآسيوية، وهو ما أدّى إلى دفع الدول الغربية نحو تنفيذ إصلاحات واسعة في المناهج التعليمية، كثير منها كان مستعارًا أو مقتبسًا من خبرات الدول الآسيوية، بهدف معالجة أوجه القصور القائمة (موريس 2012).

لقد أدّى التوجّه المتزايد نحو استعارة أو تعلّم أو توظيف الممارسات المنهجية من أماكن أخرى منذ ظهور الاختبارات الدولية لقياس تحصيل التلاميذ إلى نشوء أجندة إصلاح عالمية موحّدة، حلّت محلّ الارتكان إلى الأيديولوجيا أو التاريخ بوصفها المبرّر العلني لتحديد أو إطلاق أو إضفاء الشرعية على إصلاح المناهج. ولم يقتصر مصدر السياسات "المستعارة" على أنظمة تعليمية أخرى، بل ظهر أيضًا شبكة من الوكالات الوسيطة التي تتولى تفسير السياسات والممارسات التعليمية، وترويج أجندات إصلاحية لصنّاع القرار. وتشمل هذه الشبكة وكالات دولية (مثل البنك الدولي واليونسكو)، وشركات متعددة أو عابرة للحدود (مثل بيرسون)، واستشاريين (مثل المجموعات الاستشارية المكوّنة من أكاديميين وأصحاب مصلحة)، ومراكز تفكير سياسية، مثل (ماكنزي) و(برايس ووترهاوس كوبرز).

عندما يجري استعارة السياسات من نظام تعليمي إلى آخر، فإن هذه السياسات قد تتعرض للتعديل أو الإغفال في التنفيذ، أو تظلّ مجرّد إشارات رمزية داخل الخطاب السياسي. وتتعدد السيناريوهات في هذا المجال: فقد تنجذب المنظومة (أ) إلى النتائج المرتفعة التي يحققها التلاميذ في المنظومة (ب)، فتعمد إلى استعارة الخطاب الوارد في وثائق السياسة التعليمية لدى (ب) لتبنّيه في خطابها الرسمي، من غير أن تعير اهتمامًا لواقع التطبيق في كلا النظامين، وهو ما يعني أن الاستعارة تتم على مستوى الخطاب فحسب. وفي مقابل ذلك، قد تختار المنظومة (أ) التعمق في دراسة العوامل السياقية التي أسهمت في نجاح المنظومة (ب)، فتستخلص منها ما يتلاءم مع أوضاعها الخاصة، بما يتيح نقل الاستعارة إلى مستوى التنفيذ العملي للسياسات. وتوجد بين هذين الحدّين طيف واسع من أشكال التفاعل بين النظم التعليمية. وفي كل إصلاح منهجي يظهر عادةً قدر من التباين بين ما يُطرح في خطاب السياسة وبين ما يُنفّذ على أرض الواقع، ويزداد هذا التباين حدّة عندما يُستعار نموذج من خارج السياق الثقافي المحلي من دون فحص لمدى صلاحيته وملاءمته (هانترايس 2008).

قدّم (فيليبس) و(أوكس) (2007) نموذجًا تفسيريًا مكوّنًا من أربع مراحل لفهم كيفية استعارة السياسات التعليمية عبر الأنظمة. تبدأ المرحلة الأولى بانجذاب صانعي السياسات إلى فكرة الاستعارة من أنظمة أخرى، يليها اتخاذ قرار رسمي بالاستعارة، ثم تأتي مرحلة التنفيذ الفعلي للسياسة المستعارة، لتصل في النهاية إلى مرحلة التركيب أو التوطين حيث تتفاعل السياسة مع الخصائص والسياقات المحلية القائمة. وفي مقابل ذلك، يقترح (آدمسون 2011) مقاربة بديلة تمنح للسياق المحلي أولوية أكبر؛ إذ يبدأ صانعو القرار بتحديد السمات التي يجدونها جاذبة في السياسة المراد استعارتها، ثم ينسّقون بين هذه السمات المتوافقة وبين مكوّنات السياق المحلي، وبعدها يباشرون التعديلات النظامية الضرورية، وتخصيص الموارد، وصياغة تفاصيل السياسة.

المنظور التفسيري

يشير المنظور التأويلي، المعروف أيضًا بالمنظور التأويلي، إلى محاولة تحليل الظواهر وشرحها. ومن أمثلة المقارنات التي يندرج فيها هذا المنظور: دراسة تاريخ منهج دراسي عبر فترات زمنية مختلفة، أو تحليل الظواهر المنهجية بوصفها نتاجات اجتماعية–ثقافية. ومن أبرز الأمثلة الكلاسيكية دراسة (ألكسندر 2000) حول البيداغوجيا في ثقافات مختلفة، التي يناقَشَت بتفصيل أكبر في الفصل الثاني عشر. فقد قارن (ألكسندر) التعليم الابتدائي في فرنسا وروسيا والهند والولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا. واعتمدت الدراسة أساسًا على ملاحظات صفّية شبه منهجية وُثِّقت بالفيديو والصوت، ودُعّمت بالمقابلات والوثائق والسياسات التعليمية والصور الفوتوغرافية والمذكرات. وقد تناولت المقارنة جوانب مثل: توفير التعليم من قبل الدولة، والتنظيم المادي واللوجستي للمدارس، وعلاقات المدرسة بالمجتمع، والبيداغوجيا (من حيث بنية الدرس وتنظيمه وطبيعة أنشطة التعلّم، والإجراءات الروتينية، وأنماط التفاعل والخطاب التعليمي). وقد أفرزت الدراسة دلالات مهمة لصانعي السياسات، وركّز (ألكسندر) بوجه خاص على قضايا تتعلق ببلده، إنجلترا. غير أنّ الغاية الأساسية للدراسة كانت تحسين الفهم لمقاربات التدريس وكيف تعكس ثقافات المجتمعات المعنية.

تتمثل إحدى المعضلات الرئيسة أمام الباحثين الذين ينهجون المنظور التفسيري في الطبيعة الذاتية للتفسير (أندرايده 2009). فالمقارنات التي تتناول المناهج باعتبارها خبرات معيشة تستند إلى إقامة حجج يكون معيارها الإقناع لا الإثبات القطعي (غوبا ولينكولن 1994)، انطلاقًا من أنّ الواقع بطبيعته معقّد ومتعدد الأوجه ومحاط بالالتباس. وعلى الباحث أن يسعى إلى إقامة حجّة تتجاوز ما يُعرف بـ "الشك المعقول" وفق التعبير القانوني الإنجليزي. ولضمان المصداقية، إضافة إلى إمكان النقل والاعتمادية وقابلية التثبّت، يُستحسن أن يعتمد الباحث في تصميمه المنهجي آليات دقيقة، منها التثليث المنهجي، والوصف الكثيف، والارتباط الطويل المدى بموضوع الدراسة، ووجود مسار توثيقي يُمكّن من مراجعة خطوات البحث (كراثوول 2009).

المنظور النقدي

يتطلّب المنظور النقدي مساءلة المناهج في ضوء إطار نظري محدَّد مسبقًا، مثل المنظور ما بعد الاستعمار أو المنظور النسوي أو منظور العدالة الاجتماعية. ويُعَدّ هذا التوجّه مناسبًا للباحثين الذين يهتمون بقضايا المساواة والإنصاف أو بإعادة البناء الاجتماعي. والغاية من هذا النمط من الدراسات هي الكشف عن السمات التي تشتمل عليها المناهج، سواء أُدرجت فيها عمدًا أو ظهرت على نحو عَرَضي، والتي قد تُصنَّف بوصفها محمودة أو سلبية. وتكمن قيمة اعتماد المقارنة في دراسة المناهج من زاوية المنظور النقدي في قدرتها على إبراز تلك السمات بوضوح وجلاء، وإظهارها في صورة أكثر حدّة تسمح بتفكيكها وتحليلها.

ضمن إطار المنهاج الدراسي، تُعَدّ الكتب المدرسية مجالًا بارزًا يتركّز عليه الاهتمام. وقد أكّد (آبل وكريستيان-سميث 1991، ص 1–2) أنّ الكتب المدرسية تكشف عن:

تُظهر الكتب المدرسية أنّها حصيلة عمليات سياسية واقتصادية وثقافية وما نتج عنها من معارك وتسويات، وهي من إنتاج مؤلفين ومصممين يرتبطون بمصالح واقعية، وتخضع لقيود السوق والموارد والسلطة عند نشرها. أما معاني النصوص وطرق توظيفها، فهي مجال تنازع بين جماعات مختلفة التوجهات، كما تُناقَش وتُعاد صياغتها في تفاعل المعلمين مع طلابهم.

قام (سليتر وغرانت 1991) بدراسة تحليلية لتمثلات العِرق والطبقة الاجتماعية والنوع الاجتماعي والإعاقة في سبعة وأربعين كتابًا مدرسيًا تغطي مجالات الدراسات الاجتماعية والقراءة وفنون اللغة والعلوم والرياضيات في الولايات المتحدة. وقد طوّرا إطارًا يتألف من ستة محاور للتحليل: تحليل الصور، وتحليل المختارات النصية، وتحليل الشخصيات التي يُفترَض دراستها، وتحليل اللغة، وتحليل البنية السردية، فضلًا عن محور عام للفئات المتفرقة. واعتمدا في ذلك على أسلوبي العدّ الكمي والتحليل الخطابي لرصد الكيفية التي تُعالج بها الكتب المدرسية قضايا المجموعات العِرقية والأنواع الاجتماعية والطبقات المختلفة وذوي الإعاقة. وأظهرت النتائج افتقار هذه الكتب إلى التنوّع، واتجاهها نحو انحياز مشترك يمنح الأفضلية للبيض والذكور، في مقابل تهميش الأمريكيين من أصول ملوّنة، والنساء، والفئات الفقيرة، وذوي الإعاقة. واعتبر الباحثان أنّ الكتب المدرسية، بما تمثّله من أدوات للضبط الاجتماعي، يتوجّب أن تُجسّد التنوّع وتعكس إنجازات مختلف المجموعات واهتماماتها.

ينطوي المنظور النقدي على قدر من المجازفة، ويعتمد على إقرار الباحث منذ البداية بتموضع أيديولوجي يمثّل مصالح محددة (فولي وفالينزويلا 2005). ومن هنا ينشأ توتر بين سعي الباحث إلى إحداث تغيير اجتماعي، وهو سعي يستلزم في كثير من الأحيان تبنّي مواقف سياسية مثيرة للجدل، وبين رغبته في الحفاظ على أمنه الأكاديمي واستقراره المهني (بيلي 2010). كما أنّ ضعف الأدلة أو هشاشة التنظير قد يهددان أي مقاربة بحثية، غير أنّ هذا الضعف يتجلّى بوضوح أشد في البحوث النقدية.

الجدول 11.2: مظاهر المناهج وطرائق البحث النموذجية

جوانب المنهج

المظاهر النموذجية

طرائق البحث النموذجية

أمثلة

الأيدلوجية

الكتب، الأوراق الأكاديمية، وثائق السياسات والمناهج الدراسية

تحليل الخطاب

ميلي (2011)

المخططة/ المقصودة

وثائق السياسات والمناهج، النشرات، المواد التعليمية، خطط الدروس، مواد التقييم، محاضر الاجتماعات، الإشعارات

تحليل الخطاب والمقابلات

غروسمان، لي وكينيدي (2008)

مفعلة أو منفذة

عمل المعلم والطالب (مثل استخدام الوقت والموارد)، أدوار المعلمين والطلاب، اهتمام الطلاب ومشاركتهم، التفاعل في الفصل الدراسي (مثل أنماط الاستجواب، استخدام العمل الجماعي)، التفاعل المدرسي، مخرجات الطلاب

ملاحظات الدرس، سجل المعلم، المقابلات، الإثنوغرافيا، سجلات النشاط

ألكسندر (2000)

ذوي الخبرة

تغيير في موقف و/أو سلوك الطالب، تغيير في موقف و/أو سلوك المعلم، العمليات المعرفية للطالب

استبيانات، مقابلات، سرديات ذاتية، تأملات، اختبارات نفسية مقياسية

مضمنة في كوغان وآخرون. (2002) ومويلز وهارغريفز (1998)

محاور التركيز في المناهج الدراسية ومظاهرها

نظرًا لكون المناهج قد تتسم بالسيولة وتمتد لتشمل خبرات مخططة وغير مخططة على السواء، يصبح من الضروري في إطار البحث المقارن تحديد محاور دقيقة يمكن الارتكاز عليها. ومن أبرز هذه المحاور:

  1. الأيديولوجيات والبنى الثقافية السائدة في المجتمع التي تترك بصمتها على صياغة المناهج الدراسية.

  2. نظم تطوير المناهج وآليات التخطيط، من حيث العمليات التي تُبنى عليها والنتائج التي تتمخض عنها

  3. تطبيق المناهج ميدانيًا، أي الكيفية التي تُقدَّم بها خبرات التعليم والتعلّم

  4. الخبرات التي يعيشها المتعلم، وتشمل ما هو مقصود وما هو غير مقصود، من قيم ورسائل وأحداث

تتخذ كلٌّ من هذه العناصر المرتبطة بالمنهج صورًا متجسّدة وأخرى غير ملموسة، ويُبيَّن جانب منها في الجدول 11.2 يُضاف إلى الأبعاد الأربعة السابقة بعدٌ آخر يُعرَف بـ المنهج الصفري (بوسنر 2004)، ويُقصد به ما يُحذَف من المنهج، عن وعي أو من غير قصد. وتُعدّ التجليات المادية في هذا السياق أكثر يسراً أمام الباحثين، إذ يمكن مثلًا الحصول على الوثائق السياسية من جهات حكومية أو مؤسسات تعليمية أو من المؤلفين أنفسهم أو عبر الإنترنت. وبالمثل، فإنّ المواد التعليمية المستعملة في بيئات معينة غالبًا ما يسهل جمعها. أما خبرات التعليم والتعلّم فتظل أكثر تعقيدًا في الوصول والتحليل؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بالتحديات اللوجستية المرتبطة بدخول الفصول أو المواقع التعليمية، بل تتصل كذلك بطبيعة هذه الخبرات التي تفتقر إلى التجسد المادي الواضح، ولا تظهر للباحث إلا من خلال مؤشرات ذاتية وغير مباشرة، مثل ردود الأفعال السلوكية أو التأملات التي تلي الحصة الدراسية.

طرائق البحث في مقارنة المناهج

على غرار سائر المجالات البحثية، تتنوّع الطرائق الممكنة في مقارنة المناهج بين الكيفية والكمية. ويُبنى اختيار المنهجية على المنظور المتَّبع (سواء كان تقويميًا أو تأويليًا أو نقديًا)، وعلى محور تركيز المنهج، وكذلك مظاهر المنهج المتاحة. وغالبًا ما تُوظَّف أساليب مختلطة لالتقاط ثراء المناهج في سياقاتها الواقعية. فمثلًا، اعتمدت دراسة (ألكسندر 2000) على مقاربة إثنوغرافية واسعة النطاق، ودمجتها مع تحليل تفصيلي لعناصر بعينها في البيداغوجيا، من أجل تكوين صورة متعددة الأبعاد للأنشطة الصفية. بينما تركز بعض الدراسات الأخرى على تفاصيل دقيقة، مثل بحث نقدي يرصد الفروق بين عدد الأسئلة التي يطرحها المعلمون على الطلاب الذكور وتلك الموجهة إلى الطالبات. وفي مثل هذا السياق، قد تكون أداة الملاحظة الكمية هي الوسيلة الرئيسة لجمع البيانات، مع إرفاق بعض المؤشرات الإثنوغرافية أو الفينومينولوجية، خصوصًا إذا كان المنظور البحثي يتبنّى الطابع التأويلي.

انطلاقًا من المنظورات الثلاثة العامة المشار إليها سابقًا، وهي المنظور التقويمي والتفسيري والنقدي، نجد أنّ البحوث المقارنة في مجال المناهج قد استعانت بأساليب منهجية متنوّعة. وقد أُدرجت الأمثلة الواردة في هذا الفصل بغرض إيضاح آليات البحث أثناء التطبيق العملي، ولتسليط الضوء على جملة من التحديات والقضايا التي يتوجّب على الباحثين معالجتها.

دراسة ذات طابع تقويمي

يُعدّ من الأمثلة البارزة على هذا النمط من الدراسات تقويم نماذج التعليم الثلاثي اللغة في المدارس الابتدائية بالمناطق التي تقطنها الأقليات العِرقية في الصين (آدمسون وفنغ ويي 2013). وقد انصب هدف الدراسة على الكشف عن العوامل التي تسهم في تشكيل تلك النماذج وإدامتها، إلى جانب تقويم مواطن القوة والقصور في قدرتها على ترسيخ التعدد اللغوي لدى التلاميذ، من خلال إتقان لغتهم الأم إلى جانب الصينية والإنجليزية. وشمل التقويم مراحل التخطيط والتطبيق والخبرة التعليمية التي توفّرها تلك النماذج، مع تركيز أساسي على تصميم المنهج الدراسي.

اختيرت عينة ممثّلة تضم تسع مدارس من كل منطقة من مناطق الأقليات العِرقية التي شملها المشروع. وقد تضمنت الدراسة المفصّلة لكل مدرسة ما يلي:

  • إجراء مقابلات جماعية مركزة مع قيادات المجتمع المحلي والمسؤولين التعليميين.

  • مقابلات مع مديري المدارس والمعلمين والطلاب والخريجين السابقين وأولياء الأمور لرصد وجهات نظر متنوعة.

  • تحليل وثائق السياسات والمناهج الدراسية والجداول والموارد التعليمية والمواد ذات الصلة بالمنهج.

  • ملاحظة مباشرة للحصص الدراسية والأنشطة التعليمية.

  • استبيانات تقيس اتجاهات الطلاب والمعلمين وقادة المدارس تجاه التعليم الثلاثي اللغة.

  • تدوين ملاحظات ميدانية، تشمل مثلًا ملاحظة مباني المدرسة وزخارف الجدران، واللغات المستخدمة خارج قاعات الدراسة، وأنماط توظيف اللغة في المجتمع المحيط.

استند الباحثون في توجيه الدراسة إلى صياغة أسئلة بحثية منسجمة، وذلك عبر تكييف الأبعاد الأربعة الأساسية في صنع السياسات التي عرضها (إلمور وسايكس 1992)، وتشمل: طبيعة السياسة، ومصادرها أو أصولها، والأشكال العملية التي تترتب عليها، والآثار المترتبة عنها، كما هو موضَّح في الشكل 11.2.


الشكل 11.2: تقييم نماذج التعليم ثلاثي اللغات في الصين


image

المصدر: مقتبس من أدامسون وفينغ ويي (2013، ص 6)


سعت الدراسة إلى دمج البعُدين الأولين، مركزةً على التحقق مما إذا كانت النماذج المطبقة تعكس فعلياً الأهداف الكلية لسياسة التعليم الثلاثي اللغات، وإن تحقق ذلك، فهل صيغت بطريقة قابلة للتنفيذ ضمن ما يفرضه الزمن والموارد من قيود. وجرت معالجة بعُد أشكال الفعل بوصفه متضمِّناً لآليات تنفيذ المنهاج وطرق إدارته معًا. أما بعُد الأثر، فقد انقسم إلى محورين: النتائج المترتبة على نموذج التعليم الثلاثي، وفرص استمراره على المدى البعيد. وأتاح المنظور المقارن الشامل إبراز جوانب الفاعلية، وكشف المشكلات المشتركة بين أكثر من سياق.

قد يوحي الإطار التقييمي في مظهره الخارجي بوجود نهج منطقي يتسم بالخطية والوضوح في عمليات وضع سياسات المناهج وتنفيذها. لكن واقع الحال يؤكد أنّ معظم عمليات السياسة معقدة، متداخلة، وغير منتظمة. ولذلك يهدف الإطار إلى تقويم درجة الاتساق في التسويات والاتفاقات التي تمت خلال مراحل التصميم والتنفيذ وضمان ديمومة النتائج الإيجابية، بدلًا من فرض نسق خطي جامد على سير العملية.

دراسات تفسيرية

قدّم (تونغ وآخرون 2000) مثالًا بارزًا على الدراسات التفسيرية من خلال مشروع بحثي تناول تخطيط وتنفيذ وخوض تجربة التعلّم القائم على المهام في مادّتين مختلفتين من مناهج مدارس هونغ كونغ، هما اللغة الصينية واللغة الإنجليزية، محاولًا الوقوف على الأسباب الكامنة وراء تلك الممارسات. وانطوت الدراسة على مقارنة بين المادتين في ضوء ثلاثة مظاهر، أُقيمت من خلالها مقارنة أفقية تربط بينهما، وأخرى عمودية تبحث في خصوصية كل مادة. وهذه المظاهر شملت وثائق السياسات التعليمية، والكتب المدرسية المنشورة تجاريًا، والدروس المقدمة داخل الصفوف.

اعتمد الباحثون في تحليلهم لوصف المهام في وثائق السياسات على إطار مفاهيمي صيغ استنادًا إلى متصل يتدرج من التركيز على القواعد النحوية الجزئية إلى التركيز على اللغة الواقعية المستعملة في سياقاتها، وهو إطار استُمد من مراجعة الأدبيات المتعلقة بتعريفات التعلّم القائم على المهام في ميدان تعليم اللغات. وقد استُخدم الإطار ذاته لتحليل المهام المنشورة في مجموعات متنوّعة من الكتب المدرسية والموارد التعليمية في المادتين موضوع الدراسة. ولرصد تجليات هذا النمط من التعلّم في الممارسة الصفية، اعتمد الباحثون على الملاحظات المباشرة داخل الفصول الدراسية، حيث سجّلوا بصورة منتظمة ما يتعلّق بطبيعة الأنشطة التعليمية وأهدافها، والأدوار التي اضطلع بها كل من المعلّمين والمتعلمين، وأنماط التفاعل التي دارت بينهم. كما استُكملت هذه البيانات بمقابلات شبه منظّمة أجريت مع الناشرين ومؤلفي الكتب المدرسية والمعلمين، واشتملت على أسئلة تناولت تصورات المشاركين عن مفهوم التعلّم القائم على المهام، والآليات التي اتّبعوها في إعداد الموارد أو تنظيم الدروس، والمبادئ التي وجّهت عملهم، إضافة إلى ما اكتسبوه من خبرات خلال العملية.

الشكل 11.3: قراءات تفسيرية للتعلّم القائم على المهام ابتداءً من نوايا السياسات وانتهاءً بمرحلة التنفيذ


image

المصدر: تونغ وآخرون. (2000، ص 167).

بيّنت الدراسة أنّ المهام خضعت لتفسيرات متباينة، سواء بين المادتين أو بين التجليات المختلفة داخل كل منهما (الشكل 11.3). وقد استند هذا التباين إلى خلفيات بيداغوجية شديدة التباين؛ فاللغة الصينية بُنيت على نظام رمزي يقوم على الحروف الصورية، بينما تقوم الإنجليزية على الأبجدية الصوتية، وهو اختلاف يعكس في الوقت ذاته الدورين الاجتماعيين للغتين داخل هونغ كونغ: الصينية لغة الأم الغالبة، والإنجليزية لغة رسمية وأداة للتواصل الدولي والتجارة. وأدّى هذا الاختلاف في التقاليد إلى تعدّدٍ في مقاربات التعلّم القائم على المهام في النصوص الرسمية وفي الممارسة الصفية. ومع ذلك، فإن مؤلفي الكتب المدرسية والناشرين كانوا محكومين بواقع السوق وضغوطه التجارية، مما جعلهم يميلون إلى تلبية تطلعات المعلمين ومتطلباتهم، لكونهم الطرف الأبرز في عملية اختيار الكتب والموارد التعليمية في كل مدرسة. وهكذا تشابكت العوامل التاريخية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتربوية لتفرز فسيفساء من التفسيرات المتباينة لما يُقدَّم بوصفه تعريفًا رسميًا للتعلّم القائم على المهام.

أوضحت النتائج التفسيرية للدراسة أنّ لها بُعدًا تقويميًا أيضًا، حيث كشفت المشكلات التي تواجه مخططي المناهج في سعيهم إلى تحقيق الاتساق والانسجام خلال مسار الإصلاح من مستوى النوايا إلى مستوى التنفيذ العملي. وأظهرت هذه النتائج ضرورة أخذ الأبعاد التاريخية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والبيداغوجية في الاعتبار عند صياغة المناهج. كما أكدت أن أي محاولة لتصميم منهج "مثالي" اعتمادًا على نظرية مجردة من سياقها الواقعي لا تسفر إلا عن منهج "افتراضي" سرعان ما ينكشف وهمه عندما تفشل المخرجات المتوقعة في التحقق.

الدراسات النقدية

أجرى (هيكلينغ-هادسون) و(أهلكويست) سنة 2003 دراسة نقدية تناولت الخطابات المرتبطة بالعرقية في المناهج الدراسية المقدَّمة للأطفال الأصليين ضمن أربع مدارس ابتدائية، اثنتان منها في أستراليا واثنتان في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ركّز الجانب النقدي في هذه الدراسة على إثارة تساؤلات جوهرية حول الجهة التي تحدّد المناهج والجهات التي تخدمها، وذلك في إطار السعي إلى إصلاح هذا الخلل ومعالجته (هيكلينغ-هادسون و أهلكويست 2003، ص 65).

ركز الباحثون على تساؤلين أساسيين: كيف يمكن للتعليم المدرسي أن يعين الأطفال المنتمين إلى الجماعات الملوّنة على تنمية هويات سليمة بعيدة عن التشويه الذي تفرضه الهوية الاستعمارية ذات الطابع الأوروبي-المركزي، وكيف يمكن للمعلّمين أن يكتسبوا القدرة على تحدي المناهج التي تقوم على الاستيعاب القسري، وأن يوجّهوا تعليمهم نحو إبراز التواريخ والعلوم والفنون المتعددة التي أنجزتها شعوب ملوّنة في مختلف أنحاء العالم.

قام الباحثون بتحديد مدرسة في أستراليا وأخرى في الولايات المتحدة تَجسّد مناهجها ممارسات وصفوها بالضعيفة، إلى جانب مدرسة أخرى في كل بلد تمثّل ممارسات إيجابية، وهو ما أتاح لهم إجراء مقارنات دولية بين البلدين وأخرى داخلية ضمن كل بلد. وخلال الزيارات الميدانية لهذه المدارس، تابع الباحثون الحصص الدراسية مباشرة، وأجروا مقابلات مع الطاقم التعليمي والتلاميذ، كما سجّلوا ملاحظات حول المكتبات والملصقات الجدارية وسائر العناصر المعبّرة عن المناهج. وقد كشف تحليل المدارس التي صُنّفت بضعف الممارسات أنّ المناهج فيها متأصلة في الثقافة البيضاء؛ حيث لوحظ في المدرسة الأسترالية أن الأطفال الأصليين يشاركون في تزيين أشجار عيد الميلاد ويُشجَّعون على قراءة الحكايات الأوروبية، بينما كانت جدران الصفوف مزيّنة بشخصيات ديزني. وفي المدرسة الأمريكية ظهرت الممرات مزيّنة بصور تمثل تاريخ البيض، فيما ركّزت دروس القراءة والكتابة على متطلبات الاختبارات الرسمية. ورأى الباحثون أنّ مثل هذه المدارس تكرّس نموذجًا أوروبيًا صناعيًا في التعليم يُخضع المتعلمين لنظام صارم ويهمل اهتماماتهم وخلفياتهم الثقافية (هيكلينغ-هادسون و أهلكويست 2003، ص 80). وعلى النقيض من ذلك، أظهرت مدرسة في كل من البلدين توجّهًا مناهضًا للمركزية الأوروبية، من خلال موارد مكتبية وملصقات تحتفي بالثقافة الأصلية، ومناهج دراسية تنطلق من خبرات الطلاب الحياتية، إضافة إلى تميّزها بدعم مجتمعي واسع ومشاركة فاعلة من الأسر والمجتمع.

الاستنتاجات

سعى هذا الفصل إلى إرشاد الباحث الذي يشرع في بحث مقارن للمناهج، من خلال كشف المزالق التي قد تعترضه، وتوضيح الاتجاهات التي يمكن أن يسلكها. وقد طرح ثلاث قضايا مترابطة ينبغي أخذها في الاعتبار عند القيام بالمهمة: تحديد الهدف والمنظور الذي تنطلق منه الدراسة، وانتقاء نقاط تركيز مناسبة داخل المناهج، والتعرف على التجليات المرتبطة بها.

يتسم المنهج بكونه مفهومًا مركّبًا ومتعدد الجوانب وذا طبيعة متغيرة، إذ يشمل نطاقًا واسعًا من الأطراف الفاعلة والرؤى والعمليات والتجليات، الأمر الذي يجعل من الصعب الإحاطة بجميع مكوّناته ضمن مشروع واحد بصورة شاملة. وغالبًا ما تُجرى بعض المقارنات بدوافع نفعية بحتة، فتقتصر على الإجابة عن أسئلة محدودة التركيز دون أن تسعى إلى الشمول. ومع ذلك، فإن معالجة قضايا أكثر اتساعًا تقتضي التنبيه إلى حدود النطاق والحرص على تقديم التحذيرات الكفيلة بمنع التعميم غير الدقيق للنتائج. فنتائج دراسة تفسيرية مقارنة لعمليات تخطيط المناهج، على سبيل المثال، لا يمكن إسقاطها تلقائيًا على ممارسات التنفيذ في الفصول الدراسية، إذ تدخل عوامل وضغوط أخرى على الخط، وهو ما تجلّى بوضوح في مثال التعلّم القائم على المهام في مادتي اللغة الصينية واللغة الإنجليزية بهونغ كونغ. وتتعاظم التحديات أيضًا بفعل تنوّع السياقات الزمنية والمكانية، إذ يصبح إصدار تعميمات واسعة حول المناهج ضربًا من المجازفة ما لم تُراعَ هذه السياقات بصورة دقيقة. ولهذا فإن المقارنات الدولية حول الاتجاهات العامة في المناهج المدرسية لا تكتسب معناها الحقيقي إلا إذا كانت تفسيرات المواد متماثلة نسبيًا في السياقات المختلفة؛ فقد تحمل مادة "التاريخ" الاسم نفسه في دولتين، بينما يختلف محتواها اختلافًا جوهريًا يجعل المقارنة عديمة الفائدة.

أظهرت الطبيعة المتغيرة للمناهج، الناتجة عن التفاعلات الإنسانية التي تحدث في نقاطها المحورية من تخطيط وتنفيذ وخبرة، فضلًا عن وتيرة الإصلاحات المتكررة، أنّ أي مقارنة للمناهج ستظل عملية مفتوحة غير مكتملة. ومع ذلك، فإن قيمة هذه المقارنات لا تزول، إذ إن توظيفها بحذر وتمحيص يمكّن من نقل الممارسات التربوية الناجحة، ويعزّز القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على معرفة، ويوسّع دائرة الفهم لطبيعة التفاعلات التي تربط التعليم بسياقاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.


الفصل الثاني عشر

مقارنة الابتكارات التربوية

تغدو الابتكارات موضوعًا ملازمًا وضروريًا للتربية، إذ يرتكز منطقها الجوهري على أن التحولات التي يشهدها التعليم بمستوياته كافة وأنواعه المختلفة تُعِدّ الأفراد للاندماج في مجتمع المعرفة. وتتمثل السياقات المحيطة بذلك في تفاقم العولمة، وتناقص الأعمار النصفية للمعرفة، إضافة إلى اشتداد حدة التنافسية الاقتصادية التي تستلزم تعاونًا أكبر وطرائق عمل جديدة (هيرشوك وآخرون 2007؛ (سكارداماليا) و(بيريتر) 2010). وحيث يُنظر إلى عملية إنتاج المعرفة ونقلها على أنها في غاية الأهمية، فإن التربية تصبح مطالبة بأهداف مستحدثة وإجراءات متطورة. ويشمل هذا الفهم البلدان المتقدمة اقتصاديًا (مثل: الطاولة المستديرة الأوروبية للصناعيين 1997؛ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2004)، كما يشمل أيضًا الدول الأقل تطورًا (مثل: اليونسكو 2003؛ (كوزما) 2008).

شهدت سياسات التعليم في مختلف أنحاء العالم تغييرات ارتبطت بعمق بتنامي أهمية تكنولوجيا المعلومات والاتصال وتحوّل طرق النظر إليها. ففي أوائل ثمانينيات القرن الماضي جرى إدخال الحواسيب إلى الصفوف المدرسية لتمكين الطلبة من التعلّم عن هذه التكنولوجيا ضمن المناهج . ثم برز لاحقًا هدف موازٍ يركّز على تحقيق تعلّم أكثر فاعلية بوساطتها، بما في ذلك الوسائط المتعددة والإنترنت والشبكة العالمية. ومع حلول تسعينيات القرن العشرين تحوّلت الأولوية في السياسات التعليمية نحو التعلّم من خلال هذه التكنولوجيا، الأمر الذي استوجب دمجها أداة جوهرية في المناهج بغية إدخال أنشطة تعليمية لم يكن من الممكن تنفيذها في غيابها. ومع نهاية ذلك العقد، بدأ يُنظر إلى دورها التعليمي بوصفه ضرورة لتكوين مهارات جديدة ملائمة للقرن الحادي والعشرين، وقد تجلّى ذلك في خطط وطنية رئيسة للتكنولوجيا في بلدان عدّة مثل (الدانمارك 1997؛ سنغافورة 1997؛ هونغ كونغ 1998؛ فنلندا 2000؛ كوريا 2000؛ سنغافورة 2008؛ وزارة التعليم في الولايات المتحدة 2010).

تسارع نموّ البحوث المقارنة حول الابتكارات التربوية تبعًا لتلك الخلفية. ويشرع هذا الفصل بمراجعة الدراسات التي تناولت التغيير والإصلاح والابتكار التعليمي، ثم يعرض البحوث التي تناولت مقارنة الممارسات التربوية، قبل أن يقدّم ثلاث دراسات مختلفة المناهج: الأولى استخدمت تسجيلات فيديو لحصص دراسية بغية المقارنة بين الممارسات التربوية في ثلاث دول، والثانية اعتمدت مقاربات متعددة لمقارنتها في خمس دول، أما الثالثة فارتكزت على تسجيلات فيديو داخل نظام تعليمي واحد.

يتحوّل التركيز من بحوث الممارسات التربوية إلى ما ارتبط على وجه الخصوص بالابتكارات التربوية، حيث يقدّم القسم التالي ثلاث دراسات إضافية. وقد وقع الاختيار على هذه الدراسات لما تمثّله من تنوّع منهجي، ولما تطرحه من أسئلة بحثية مختلفة، ولما تستهدفه من غايات متعددة، وهي:

* الدراسة الثانية حول تكنولوجيا المعلومات في التعليم (SITES)، والتي تولّت تنفيذها الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA) في 28 بلدًا؛

* دراسة (SCALE CCR) المعروفة بـ"قابلية التوسعة في الفصول الإبداعية"، التي أجراها معهد الدراسات التكنولوجية الاستشرافية التابع للمركز المشترك للأبحاث في المفوضية الأوروبية (JRC-IPTS)، والتي قارنت بين سبع دراسات عن الابتكارات في أوروبا وآسيا؛

* دراسة (ITL) حول "التعليم والتعلّم المبتكر"، المموّلة من برنامج الشراكة في التعلّم التابع لمايكروسوفت، والمنجزة بالتعاون مع معلمين في سبع دول.

استندت الدراسات المعروضة في هذا الفصل إلى تحليلات متعددة المستويات ترتبط بمكعّب التحليل المقارن (براي وتوماس 1995) الذي جرى عرضه في مقدمة هذا الكتاب. وقد برهنت هذه الدراسات على أهمية المقاربات متعددة المستويات، وأظهرت كذلك إمكان تقنين المفاهيم وجعلها قابلة للقياس. وينتهي الفصل بحوار حول المساهمات المنهجية التي قدّمتها المجموعتان من الدراسات، سواء في مجال بحوث الابتكارات التربوية المقارنة أو في نطاق أوسع يشمل السياسات والممارسات التربوية.

بحوث التغيير والإصلاح والابتكار في التعليم

تطرأ تغييرات على المؤسسات لأسباب مختلفة، وقد تكون في بعض الأحيان رد فعل أكثر من كونها موجهة لغرض محدد (ديل وفريدمان 1979). ويُصنَّف الابتكار بوصفه جزءًا خاصًا من هذا التغيير، ويُعرّف بأنه منتج ملموس أو إجراء جديد، مقصود بطبيعته، ويستهدف إحداث فائدة (بارنيت 1953؛ (كينغ) و(أندرسون) 1995). وغالبًا ما تُستخدم كلمة إصلاحات للدلالة على ابتكارات يُشرع فيها من قِبل القيادات العليا للمؤسسات أو من أطراف خارجية (كيزار 2001).

يتأسس فهم الابتكار في هذا السياق العام على اعتباره تغييرًا متعمدًا موجّهًا نحو أهداف بعينها، وقد استُخدمت في هذا المجال تعريفات تشغيلية متباينة. فقد فرّقت البحوث بين تغييرات من الدرجة الأولى، تشمل تعديلات محدودة في بعد أو أكثر من أبعاد المؤسسة، وتغييرات من الدرجة الثانية ذات طبيعة تحويلية تطال رسالة المؤسسة وثقافتها وآليات عملها وبنيتها التنظيمية (غودمان 1982؛ (ليفي) و(ميري) 1986). واتجهت نهج بحثية أخرى إلى دراسة الابتكار باعتباره عملية متتابعة، من خلال تحليل السلوكيات والأحداث الممتدة عبر الزمن. وركّز بعض الدارسين على مراحل تبنّي الابتكار على المستوى الفردي (هول ولوكس 1978؛ (هول) وآخرون 1979)، في حين صاغ آخرون نماذج توضّح آليات انتشار الابتكار داخل المؤسسات (روجرز 1995) وعلى مستوى النظم (ريغلوس وغارفينكل 1994).

توجّهت بحوث التغيير التعليمي حتى عقد التسعينيات نحو الإصلاح أكثر من الابتكار. وقد مثّل تقرير CERI/منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الصادر عام 1999، نتيجة ورشة عمل بعنوان التعليم من أجل الغد، منعطفًا مهمًا في مجال السياسات التعليمية والبحث التربوي. وعلى امتداد القرن العشرين، انصبت إصلاحات النظم التعليمية على تعديل الإجراءات واللوائح والمواصفات الرسمية للمناهج، بينما ظل إدخال تغييرات على ممارسات المعلمين تحديًا أعقد بكثير (كروس 1999). وتحتاج الإصلاحات إلى مشاركة فعلية وانخراط مبدع من المستويات القاعدية كي تؤدي إلى تغييرات حقيقية في طرائق التعليم والتعلّم. كما يظهر توتر بين محاولات الإصلاح على مستوى السياسات العامة والابتكارات المنطلقة من المعلمين أو المدارس، مع أنّ هذين المسارين لا يلزمان أن يكونا في تضاد (هارغريفز 1999).

طرائق مقارنة الممارسات التربوية

عرضت المؤلفات التربوية عددًا من الابتكارات التي ارتبطت بتحولات في الممارسات البيداغوجية، إذ تناولت بعض الدراسات ابتكارات تتشابه في الفلسفة التربوية أو الطرائق أو السياقات، وظهرت في كتابات تعالج نظريات التعلّم والبيداغوجيا. غير أنّ الدراسات المقارنة التي سعت إلى تحليل الخصائص البيداغوجية لهذه الابتكارات، مع إدماج مقاربات وفلسفات متباينة، لم تصبح ملموسة إلا مع بدايات الألفية الثالثة.

أوضح (ألكسندر 2000، ص 510) أنّ قلّة البحوث المقارنة في أُصول التعليم تعود إلى عاملين أساسيين؛ أولهما أنّ المقارنة في هذا المجال تتطلّب خبرات ومهارات تتجاوز حدود المعرفة بالدول المعنية وثقافاتها وأنظمتها وسياساتها، وثانيهما أنّ أُصول التعليم نفسها تمثّل ميدانًا واسعًا ومعقّدًا يستحقّ الدراسة المستقلة. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه الفقرة ثلاث دراسات مقارنة في أُصول التعليم، تختلف اختلافًا جوهريًا من حيث الحجم والهدف والنموذج البحثي والطريقة، لتبيّن مدى التنوّع القائم في الأدبيات المتخصصة.

دراسات مصوَّرة لعملية التدريس بوصفها أداة لرصد الممارسات التعليمية

تُعَدّ الدراسات المصوَّرة لعملية التدريس في إطار الدراسة الدولية الثالثة للرياضيات والعلوم (TIMSS) من أبرز الأمثلة المعروفة على البحوث المقارنة في أُصول التعليم على مستوى التفاعلات الصفّية، كما ورد في أعمال (ستيجلر وآخرون 1999؛ ستيجلر وهيبرت 1999؛ هيبرت وآخرون 2003). وقد وُصفت هذه الدراسات بأنّها دراسات مصوَّرة لعملية التدريس بوصفها أداة لرصد الممارسات التعليمية، إذ اعتمدت على عينات عشوائية من دروس الرياضيات في الصف الثامن لرصد أساليب تدريس الرياضيات. كما اشتملت على مؤشّرات للأخطاء الإحصائية في المعايير الوصفية، ومستويات الثقة المتعلقة بالافتراضات في المقارنات بين الدول.

قدّمت الدراسة المصوَّرة لعملية التدريس ضمن دراسة (TIMSS 1995) بيانات مستخلصة من 231 درسًا في الرياضيات بالصف الثامن في ألمانيا واليابان والولايات المتحدة. وقد جرى أولًا اختيار عينات وطنية مُمثِّلة من المعلّمين بطريقة عشوائية، ثم اختيار درس واحد عشوائي لكل معلّم ضمن العينة لإنتاج أوصاف على المستوى الوطني وإتاحة المقارنات بين الدروس الفردية. جرى تفريغ جميع الدروس نصيًا، ثم تحليلها وفق عدد من الأبعاد البحثية بواسطة فرق من المحللين الناطقين الأصليين باللغات المعنية، مع اعتماد بيانات موزونة كأساس للتحليل. وتركّزت التحليلات على محتوى الدروس وبنيتها التنظيمية، وعلى الممارسات التعليمية التي استخدمها المعلّمون أثناء الدروس. وقد ناقش كل من (ستيجلر وآخرون 1999) و(هيبرت وآخرون 2003) قضايا التقييس في جمع البيانات النوعية وتخزينها ومعالجتها وتحليلها بهدف الحصول على نتائج إحصائية مماثلة لتلك التي تُستخلص عادة من المسوح. وكان الهدف هو الوصول إلى أوصاف معيارية للممارسات التعليمية على المستوى الوطني.

الربط بين أُصول التربية وخصائص المدرسة والنظام التعليمي

انتهجت دراسة "الثقافات الخمس" التي أجراها (ألكسندر 2000) مسارًا مغايرًا بالكامل، إذ اعترض (ألكسندر) على الفكرة القائلة إنّ السمات المميِّزة للممارسات في أُصول التعليم يمكن استنتاجها من عدد محدود من الملاحظات الصفّية عبر تخصّصات مختلفة واعتبارها انعكاسًا لثقافة بأكملها. وقد أُجريت هذه الدراسة خلال الفترة ما بين 1994 و1998 في إنجلترا وفرنسا والهند وروسيا والولايات المتحدة، وهدفت إلى توصيف أوجه التشابه والاختلاف في مناهج التعليم الابتدائي وتحليلها وشرحها، بالاعتماد على فحص البيانات وإجراء المقارنات المتقاطعة على مستوى الأنظمة التعليمية والمدارس والفصول الدراسية.

استند عمل (ألكسندر) إلى قناعة راسخة بأنّ ما يقوم به المعلّمون والتلاميذ داخل الصفوف يعكس في الوقت نفسه قيم المجتمع الأوسع ويُسهم في تشكيلها. ومن هذا المنطلق برزت الفكرة القائلة إنّ الدراسات المقارنة في أُصول التعليم لا ينبغي أن تنحصر في ما يجري داخل الصفوف الدراسية، بل يجب أن تُفهَم باعتبارها ممارسات تتجلى في سياقات المدرسة والمستوى المحلي والوطني. فعلى مستوى النظام التعليمي، تناولت المقارنات التاريخ والسياسات والتشريعات وأساليب الحوكمة والرقابة والمناهج والتقويم والتفتيش في كل بلد، لكونها عناصر يُتوقّع أن تمارس ضغوطًا قويّة باتجاه خلق تشابه في أُصول التعليم داخل كل دولة. وعلى مستوى المدرسة، حدّد (ألكسندر) السمات عبر أربعة أبعاد تنظيمية هي: الفضاء، والزمن المدرسي، والأشخاص، والعلاقات الخارجية، بالإضافة إلى بُعد مفاهيمي يتعلّق بالقيم والوظائف التي يدركها المعلّمون للمدرسة. أمّا على مستوى الصف الدراسي، فقد شملت الخصائص التعليمية بنية الدروس وصيغها، وتنظيم الصف، والمهام والأنشطة، وأساليب التفريق والتقويم، إلى جانب الروتين والقواعد والشعائر، وتنظيم التفاعلات، وضبط التوقيت والإيقاع، والكيفية التي يُدعَم بها التعلّم من خلال الخطاب التعليمي. ويُبرز عمل (ألكسندر) الكيفية التي يمكن أن تنتقل بها دراسات أُصول التعليم بين المستويات المختلفة للسياقات المتداخلة من الصف الدراسي وصولًا إلى النظام التعليمي.

كشف التنوع في علم التربية وعلاقته بالعوامل المدرسية

يشكّل التعمّق في دراسة الظواهر التربوية ضمن إطار وطني أو ثقافي محدّد أحد المحاور الرئيسة في بحوث التربية المقارنة. ويُعتبر بحث (لو وآخرون 2000) عن الممارسات الجيدة في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال في هونغ كونغ نموذجًا لدراسة جمعت بين المقارنة في أُصول التعليم على مستوى الصفوف والمدارس. وكما هو الحال في عمل (ألكسندر 2000)، انطلق هذا البحث من إيمان بأنّ الممارسات التعليمية تتأثّر بصورة مباشرة بعوامل مرتبطة بالمدرسة وبالنظام التعليمي الأوسع، ولا يمكن تفسيرها على نحو دقيق إلا في ضوء تلك العوامل وخصائصها. ومع ذلك، فقد تمايز عن دراسة "الثقافات الخمس" ودراسات الفيديو لـ(TIMSS) التي هدفت إلى رسم سمات عامة للممارسات التعليمية على مستوى الثقافة الكلية، حيث سعى إلى فهم التنوّعات التي ظهرت في أُصول التعليم أثناء فترة تحوّل اتجهت فيها غايات التعليم نحو تعزيز القدرة على التعلّم مدى الحياة، بالتوازي مع توسّع إتاحة تكنولوجيا المعلومات والاتصال داخل الصفوف لدعم التعليم والتعلّم.

أظهرت الدراسة وجود تنوّع كبير في ممارسات أُصول التعليم، وركّزت على تتبّع الروابط الممكنة بين الاختلافات في هذه الممارسات وبين العوامل المدرسية السياقية مثل القيادة والثقافة التنظيمية للمدرسة. ونظرًا إلى أنّ تكنولوجيا المعلومات والاتصال شكّلت محورًا رئيسيًا في الممارسات المدروسة، لم يكن الاختيار العشوائي للدروس وسيلة مناسبة للملاحظة الصفية، فاعتمدت الدراسة بدلاً من ذلك على أسلوب المعاينة القَصْدية، استنادًا إلى السمات الأولية للحالات التي جُمعت بواسطة شبكة من الملمين بأوضاع اعتماد تكنولوجيا المعلومات والاتصال في مدارس هونغ كونغ.

بدأ (لو وآخرون 2000) التحليل على مستوى الصف بتحديد أنماط في أُصول التعليم من خلال ترميز الدروس المصوَّرة وفق ستة محاور رئيسة: أدوار المعلّمين، وأدوار التلاميذ، وأدوار التكنولوجيا، والتفاعلات بين المعلّمين والتلاميذ والتكنولوجيا، والتفاعلات بين التلاميذ، والكفايات التي أظهرها التلاميذ. واعتمد الفريق منهج النظرية المؤسَّسة (ستروس وكوربن 1990)، فاستخلص من تحليل 46 درسًا خمسة أنماط أو مقاربات تعليمية. وحلّلت الدراسة على مستوى المدرسة السمات الفارقة للنماذج المختلفة للتغيير المدرسي، لتبيّن أنّ دمج تكنولوجيا المعلومات والاتصال في الممارسات التعليمية ارتبط بالدور المتصوَّر لها داخل المدرسة، إضافة إلى الرؤية والقيم وثقافة المؤسسة وتاريخها الإصلاحي.

برهنت الدراسات الثلاث السابقة على أنّ اختيار النهج المناسب لمقارنة الممارسات التعليمية يرتبط ارتباطًا مباشرًا بأسئلة البحث ووحدات التحليل وبهدف الدراسة وحجمها. ومع أنّ غالبية البيانات المستخدَمة كانت نوعية، فإن المعالجة التحليلية أمكن أن تتخذ منحًى كميًا ذا طابع وضعي، أو منحًى تفسيريًا. وقد ترمي التحليلات إلى صياغة توصيفات عامة تعتبر نموذجية أو مُمثِّلة، على افتراض استقرار النظام المدروس، أو تكشف في المقابل عن تنوّع يتيح توصيفات تضيء نماذج التغيير والنتائج المصاحبة لها.

مقارنة الابتكارات التربوية على المستوى الدولي

ركّز هذا القسم على البحوث المخصّصة لدراسة الابتكارات التربوية، بعد أن تناول القسم السابق البحوث المعنية بالممارسات التعليمية. وقد استعرض ثلاث دراسات بعمق أكبر من سابقه، لأنّ جوهر هذا الفصل يدور حول الابتكارات التربوية. وتزايد الاهتمام بالابتكارات بدافع فهم السمات التي تنشأ من التفاعل المعقّد بين العوامل السياقية المحلية والعوامل الأوسع، بدلًا من النظر إليها كظاهرة تُفسَّر عند مستوى المعلّم وحده. وفي ضوء ذلك، شدّدت الدراسات الثلاث المختارة على أهمية البيانات الممتدة إلى ما يتجاوز الصف الدراسي، لإلقاء الضوء على العوامل السياقية، والسياسات، والاستراتيجيات القائمة على المستويات المدرسية، والإقليمية، والوطنية، والعابرة للحدود، التي تؤثّر في ظهور الابتكارات وضمان استمراريتها وإمكانية توسيع نطاقها. كما جُمعت في دراستين من هذه الدراسات بيانات الحالات على مدى فترات زمنية طويلة.

تتضمّن كل دراسة توصيف العناصر الآتية في المنهجية وتصميم البحث:

  • سياق البحث والأسئلة المطروحة

  • تعريف حالات الابتكار وآليات اختيارها

  • المنهجية المتّبعة في البحث وتصميمه وآليات جمع البيانات

  • الأساليب التحليلية والنتائج الرئيسة

  • المساهمات التي قدّمتها الدراسة والقيود التي واجهتها

مشروع SITES M2 — توصيف أنماط التعليم المُمكَّنة بتكنولوجيا المعلومات والاتصال على مستوى الصف والمدرسة

جاءت الدراسة الثانية لتكنولوجيا المعلومات في التعليم في إطار ثلاثة محاور، خُصِّص المحور الثاني منها، أي (SITES M2)، لمقارنة حالات الممارسات التربوية المبتكرة القائمة على التكنولوجيا (كوزما 2003أ). وسبقتها دراسة (SITES) الأولى في عام 1998، التي شملت مسحًا لمديري المدارس ومنسّقي التكنولوجيا في 26 دولة، وسعت إلى رصد مدى إدماج المدارس لتكنولوجيا المعلومات والاتصال في أنشطة التعليم والتعلّم (بيلغروم وأندرسون 2001). وأظهرت نتائجها اختلافات دولية في مستويات البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصال، وفي طبيعة الأنشطة التعليمية والتعلّمية التي وظّفتها، وفي العقبات التي اعترضت سبيلها. وكشفت استجابات سؤال مفتوح في استبيان المديرين أنّ إدخال هذه التكنولوجيا أسهم في نشوء مناهج دراسية جديدة، وأدوار متحوّلة للمعلّمين، وأنشطة تعلّم منتجة للطلاب.

سياق البحث والأسئلة المطروحة

لم يتحقق أثر تكنولوجيا المعلومات والاتصال الإيجابي بمجرد اعتمادها في الفصول الدراسية، بل استدعى تغييرات عميقة في الممارسات التربوية، لا سيما في أدوار المعلّمين والطلاب (برانسفورد وآخرون 2000). وقد قدّمت دراسة (SITES) مفهوم "النموذج البيداغوجي الناشئ" (بيلغروم وأندرسون 2001) لإبراز أنّ دمج التكنولوجيا في التعليم والتعلّم يقتضي ظهور ممارسات جديدة في التعليم لتحقيق الأهداف المستحدثة. ومن هذا المنطلق، وُضِع مشروع (SITES M2) لدراسة التحوّلات الجوهرية التي أحدثتها التكنولوجيا داخل الصفوف لإعداد الطلاب لمتطلبات المستقبل، واستقصاء الظروف المدرسية التي تدعمها. وركّزت الدراسة كذلك على استكشاف الشروط الضرورية لاستدامة الابتكار التعليمي المدعوم بالتكنولوجيا وقابليته للتوسّع، عبر دراسات حالة أُجريت في دول متعدّدة عبر العالم.

تعريف حالات الابتكار وآليات اختيارها

قامت عملية اختيار حالات الابتكار في كل بلد على التزام بشَرطين. أولهما أن ينهض بها فريق وطني يضم مسؤولين تربويين من موظفي الحكومة ومديري المدارس ومنسّقي تكنولوجيا المعلومات ومعلّمين ذوي خبرة وباحثين جامعيين. وثانيهما أن تستوفي الحالات المختارة أربعة معايير دولية جرى الاتفاق عليها: (1) تقديم أدلة على تغييرات كبيرة في أدوار المعلّمين والطلاب أو في أهداف المناهج وممارسات التقييم أو في المواد التعليمية والبنى التحتية، (2) أن تؤدي التكنولوجيا دورًا جوهريًا في تلك الممارسات، (3) إظهار نتائج إيجابية قابلة للقياس لدى الطلاب، (4) التمتّع بإمكانات الاستدامة وقابلية الانتقال. وإضافة إلى ذلك، توجّب أن تُعترف هذه الحالات مبتكرة وفق معايير وطنية صيغت بما ينسجم مع السياقات الثقافية والتاريخية والتنموية. اعتمد اتحاد الدراسة الدولية مجموعة من المعايير للحكم على الابتكار، تمثّلت في تزويد الطلاب بمهارات المعلومات والإعلام، وتحفيزهم على التعلّم الذاتي المستقل والنشط، وإشراكهم في معالجة مشكلات معقّدة من واقع الحياة بأسلوب تشاركي، وتجاوز الجدران الصفّية في أنماط التعلّم، وتعزيز التعلّم العابر للمواد الدراسية، والتعامل مع اختلافات المتعلمين الفردية، وإتاحة فرص تعلّم فردية تمكّن الطلاب من الوصول إليها ذاتيًا، والتصدّي لقضايا العدالة، والعمل على تعزيز التماسك الاجتماعي وتنمية الفهم المتبادل.

لم تضع معايير اختيار الحالات قيودًا على أصول الابتكارات، فكانت الحالات المختارة قد نتجت إمّا عن مبادرات موجَّهة من الأعلى على المستويين الوطني أو الإقليمي، وإمّا عن ابتكارات انطلقت من الصفوف بمبادرة من المعلّمين. واشتملت الدراسات على كلا الشكلين من الابتكار، حيث وثّقت الفرق الوطنية في 28 دولة ما مجموعه 174 حالة.

المنهجية المتّبعة في البحث وتصميمه وآليات جمع البيانات

استند مشروع (SITES M2) إلى دراسات حالة متعمّقة، أي توصيفات وتحليلات مكثّفة لأنظمة أو وحدات محدودة النطاق، بهدف الوصول إلى فهم معمّق للأوضاع والمعاني المرتبطة بالمشاركين فيها. وتُعدّ دراسات الحالة ملائمة بصورة خاصة عندما ينصبّ الاهتمام البحثي على دراسة العمليات، ووصف السياق وتحليله بدلًا من التركيز على متغيرات منفصلة، وعلى الاكتشاف أكثر من التأكيد (ميريام 1998). ويُفيد هذا المدخل بوجه خاص في كشف التفاعلات بين العوامل الجوهرية المميّزة للظواهر التي يتعذّر فيها فصل المتغيرات عن سياقاتها (يين 2009). وقد صُمِّمت دراسات الحالة في (SITES M2) وحُلِّلت وفق مدخل إجرائي يهدف إلى تجاوز الحالات الفردية وتسليط الضوء على القضايا والعلاقات والأسباب الكامنة للإجابة عن أسئلة البحث (كوزما 2003ب).

اعتمدت بحوث دراسة الحالة في جانب كبير من تحليلها على كتابة تقارير الحالات ذاتها (مايلز وهوبرمان 1994). ونظرًا لقيود اللغة والموارد، شكّلت هذه التقارير المصدر الأساسي الوحيد للتحليلات الدولية في (SITES M2). وقد صِيغ كل تقرير في نسختين: سردية ومصفوفة بيانات. وتُستخدم الصيغة السردية غالبًا في مثل هذه البحوث، حيث تجمع بين الوصف والتحليل، غير أنّ تصميم (SITES M2) أولى الأولوية للوصف. أما المصفوفة فقد بُنيت على نهج "ملء الخانات"، إذ ضمّت إجابات مختصرة عن مجموعة أسئلة منظمة ضمن الإطار المفاهيمي، مدعومة بأدلة على الممارسات الصفّية. وقد نُشرت جميع التقارير البالغ عددها 174 على الموقع الإلكتروني لدراسة (SITES M2: http://sitesm2.org/sitesm2_search).

الأساليب التحليلية والنتائج الرئيسة

أضاف هذا القسم إلى التحليلات التي تضمّنها التقرير الدولي لـ(SITES M2) (كوزما 2003أ) وصفًا مختصرًا للتحليلات الوطنية والدولية المعمّقة التي أصدرتها الفرق البحثية في إسرائيل وهونغ كونغ.

ركّز المركز الدولي لـ(SITES M2) بوصفه دراسة حالة إجرائية على تصنيف الابتكارات عبر جميع الحالات الــ174 باستخدام أسلوب التحليل الإحصائي العنقودي. ويُعدّ هذا الأسلوب أداة استكشافية لتحديد مجموعات شبه متجانسة من الحالات أو المتغيرات وفق خصائص محددة (ألديندرفر وبلاشفيلد 1984؛ SPSS 1999). واستعان (كوزما وماكغي 2003) بتحليل (K-means) لتقصّي الأنماط المميّزة في أُصول التعليم، عبر تحليل 38 سمة وُزّعت على أربعة محاور: ممارسات المعلّمين (تسع سمات تشمل الأساليب والأدوار والتعاون)، ممارسات الطلاب (عشر سمات تشمل الأنشطة والأدوار)، ممارسات التكنولوجيا (ثماني سمات توضّح دور التكنولوجيا ووظائفها في الحالات)، وأنواع التكنولوجيا المستخدَمة في المدارس (إحدى عشرة سمة تشمل الأجهزة والبرمجيات). ويُعتبر (K-means) إجراءً تفسيريًا كمّيًا يقوم على عمليات حسابية متكررة بعد تحديد عدد المجموعات المفترضة (N)، لينتج في الختام متوسطات لهذه المجموعات وأعضائها، بحيث يُخفَّض مجموع المسافات المربّعة للحالات عن متوسط مجموعاتها.

قرّر (كوزما وماكغي 2003) تقسيم البيانات إلى ثماني مجموعات، واختارا أبرز السمات في كل مجموعة لتكون عنوانًا لها، مثل توظيف الأدوات، والبحث التعاوني بين الطلاب، وإدارة المعلومات، والتعاون بين المعلّمين. ومع ذلك، ظلّت 31 حالة، أي ما نسبته 18% من المجموع الكلي، من دون توصيف ذي معنى. فضلًا عن ذلك، لم يقدّم هذا التحليل توصيفات معمّقة تتجاوز الوصف السطحي للممارسات التربوية المبتكرة.

اعتمد (لو وآخرون 2003) مقاربة أكثر تروّيًا في تطبيق التحليل العنقودي على بيانات دراسات الحالة ضمن (SITES M2). فلم يدمجوا جميع السمات المرمّزة الخاصة بالممارسات التعليمية في تحليل واحد، بل قسّموا التحليل إلى مجموعتين منفصلتين: مجموعة أدوار المعلّمين (13 سمة)، ومجموعة أدوار الطلاب (17 سمة). وانطلق هذا التوجّه من قناعة بأنّ جوهر الابتكار في أُصول التعليم يكمن في تغيّر الأدوار، وأنّ التغيّر في أحد الطرفين لا يستلزم بالضرورة حدوث تغيّر في الطرف الآخر (لو 2004).

أسفر هذا التحليل عن خمس مجموعات لأدوار المعلّمين: التدريس والعرض والتقييم؛ تزويد الطلاب بموارد تعليمية؛ إدارة المهمات الدراسية؛ توجيه البحث الجماعي التعاوني؛ وتسهيل التعلّم القائم على الاستكشاف. كما نتجت عنه خمس مجموعات لأدوار الطلاب: الاستماع والامتثال للتعليمات؛ تنفيذ مشروعات بسيطة تركّز على إنجاز مهمات تعليمية واضحة المعالم والبحث عن المعلومات وتقديمها؛ المساهمة في تعلّم منتج يتطلّب تصميم وإبداع منتجات إعلامية أو تقارير؛ المشاركة في بحوث عبر الإنترنت مع زملاء في مواقع أخرى؛ والمشاركة في بحوث عامة.

برهنت نتائج هذين التحليلين على أنّ بعض الأدوار، مثل دور المعلّم في التدريس المباشر ودور الطالب في تلقي التعليمات، ظلّت تقليدية في جوهرها. غير أنّها قدّمت في الوقت ذاته دلائل قوية على ظهور أدوار جديدة، مثل تيسير المعلّم للتعلّم الاستكشافي ومشاركة الطلاب في بحوث عبر الإنترنت مع زملاء بعيدين. كما كشفت النتائج أنّه في بعض الحالات، ورغم اقتصار دور المعلّم على وظائف تقليدية كإمداد الطلاب بالموارد، فإنهم منحوا الطلاب فرصًا لتجربة أدوار مبتكرة كإنتاج منتجات إعلامية ومواد تعليمية ملموسة (لو وآخرون 2011).

وضع (ميدوسِر وآخرون 2003) مخطّطًا تحليليًا لمقارنة حجم التحوّل التربوي الذي أحدثه توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصال في عشر حالات ابتكارية وُثّقت في إسرائيل. واستند التحليل إلى فرضية أنّ اعتماد التكنولوجيا يُفضي إلى مسار تصاعدي يبدأ بتعديلات أولية في الروتين المدرسي لتحقيق استيعاب مبدئي لها، ثم يمر بمستوى انتقالي، لينتهي بتحوّلات جذرية في الممارسات التعليمية وعمليات التعلّم. ولتحقيق ذلك، صاغ الباحثون سلّمًا وصفيًا يتألّف من تسعة عناصر، جُمعت في أربعة مجالات ابتكارية هي: تنظيم الزمان والمكان، وأدوار الطلاب، وأدوار المعلّمين، وتأثير التكنولوجيا في المنهج الدراسي. وقُسِّمت مستويات الابتكار إلى ثلاثة: الاستيعاب، والانتقال، والتحوّل، لتوضيح مدى قدرة التكنولوجيا على إحداث ابتعاد تدريجي عن الأنماط التقليدية.

قام (توبيـن وآخرون 2003) بتحليل الحالات العشر المجمّعة من إسرائيل في إطار (SITES M2) باستخدام الأداة المنهجية الموضوعة. وجرت عملية حساب متوسط عام لمستوى الابتكار في كل مدرسة بالاستناد إلى الأبعاد التسعة جميعها. وقد كشف التحليل عن تباينات واسعة بين المدارس في نتائجها، وأظهر أنّ التغييرات لم تتوزع بشكل متكافئ على جميع الأبعاد التسعة، بل تمايزت في شدتها وعمقها من مجال إلى آخر. وهذا يؤكد أنّ المؤشّر الكلّي لمستوى الابتكار قد لا يوفّر فهمًا دقيقًا، لكونه يجمع بين مجالات متباينة يصعب دمجها في قيمة واحدة ذات معنى. كما سجّل التحليل ملاحظة مهمّة، وهي أنّ درجات الابتكار في مختلف الأبعاد جاءت مترابطة على نحو قوي، باستثناء مجال واحد هو أنماط استخدام التكنولوجيا في تواصل المعلّمين وأساليب عملهم، إذ لم يرتبط ارتباطًا ملحوظًا بالتغييرات التي أحدثتها التكنولوجيا في المجالات الأخرى.

رفض (لو وتشاو ويون 2005) الانطلاق من فرضية مسبقة مفادها أنّ الابتكار في أُصول التعليم يرتبط آليًا بمستوى إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصال، ولذلك صمّموا مقارنة دولية لابتكارية الممارسات التعليمية عبر دراسات الحالة، بحيث جُعل استخدام التكنولوجيا بعدًا واحدًا من بين ستة أبعاد متمايزة للابتكار. أما الأبعاد الأخرى فقد شملت: أنماط عمل الطلاب، وأدوار المعلّمين وممارساتهم، والأهداف المنهجية، وتعدّد أبعاد نواتج التعلّم الملاحظة، ومدى اتصال الصفوف ببعضها البعض. ولتقييم هذه الأبعاد، ابتكر الباحثون مصفوفة تقويمية توضّح خصائص كل بُعد وتضعها على متدرّج سباعي النقاط وفق مقياس (ليكرت)، يبدأ من أقصى درجات التقليدية وينتهي عند أعلى مستويات الابتكار.

كشف (لو وآخرون 2003) من خلال تطبيق هذه المنهجية على 130 حالة ضمن دراسات (SITES M2) الدولية عن وجود تباينات واسعة في مستويات الابتكار عبر الأبعاد الستة. فقد احتوت بعض الحالات على سمات تقليدية تحاكي الممارسات الصفّية الشائعة، بينما تميّزت حالات أخرى بخصائص ابتكارية فريدة قلّما تُشاهد في الممارسات اليومية داخل الصفوف. ورأى الفريق البحثي أنّ جمع الدرجات الخاصة بالأبعاد الستة في معدل ابتكار إجمالي واحد لا يقدّم قراءة دقيقة، لأنّه يُخفي التمايزات الجوهرية بين الأبعاد. لذلك ابتكروا تمثيلًا بيانيًا يمنح رؤية شمولية لتقديرات الابتكار في كل حالة على حدة، بحيث يُظهر امتداد الابتكار عبر الأبعاد المختلفة ويوضّح الفروق الدقيقة بينها. وأوضحت النتائج أنّ عدد الحالات التي سجّلت مستويات مرتفعة من الابتكار في جميع الأبعاد الستة كان نادرًا للغاية، في حين برزت غالبية الحالات باعتبارها ابتكارية في بعد واحد أو في بعض الأبعاد دون غيرها. وهذا ما يعكس، في الغالب، أنّ الفاعلين التربويين أثناء تجريبهم لطرائق جديدة في التدريس والتعلّم لم يمنحوا الأبعاد الستة جميعها الأهمية ذاتها، بل أولوا عناية خاصة لبعض الجوانب التي بدت أكثر أولوية أو أكثر قابلية للتطبيق ضمن سياقاتهم المؤسسية والوطنية.

أظهر التحليل أنّ بُعد تطوّر تقنيات المعلومات والاتصال قد سجّل أعلى متوسط في درجات الابتكار، إلى جانب تسجيله أقل انحراف معياري. ويعني ذلك أنّه بالرغم من التفاوت الكبير في مستويات توافر تكنولوجيا المعلومات والاتصال عبر العالم كما أوضح (بيلجروم وأندرسون 2001)، فإنّ الحالات التي اختارتها الدول المختلفة باعتبارها مبتكرة بدت أكثر تقاربًا من حيث نوعية ومستوى التقنيات المستخدَمة، مقارنةً بما هو قائم في الأبعاد الأخرى للابتكار. وفي المقابل، كشف التحليل أنّ بُعد الترابط بين الصفوف الدراسية قد سجّل أكبر انحراف معياري، وهو ما يشير إلى أنّ هذا الجانب لا يتوقف أساسًا على توافر الأجهزة أو البرمجيات أو على الاتصال المادي بالشبكات، بل يتأثر بدرجة أكبر بعوامل أخرى مثل الثقافة الصفّية السائدة وأنماط التفاعل التربوي داخل المؤسسات التعليمية، كما أوضح (لو 2008).

كشف (لو) و(تشاو) و(يون) عام 2005 من خلال استخدام درجات الابتكار التربوي أداة لقياس مدى الابتكار عن أوجه التشابه والاختلاف بين الأقاليم الجغرافية. وأظهر التحليل أنّ البُعد المتعلق بتعدّد أبعاد نتائج التعلّم قد سجّل أدنى متوسط للابتكار في معظم المناطق، إذ ظلّ أدنى من الدرجة المتوسطة المحددة عند 4 في جميع الحالات، باستثناء أوروبا الغربية التي تجاوزت هذا الحد. ويدل ذلك على أنّ ممارسات التقييم بقيت الأقل تحوّلًا بين الأبعاد الستة. كما أوضحت النتائج أنّ أوروبا الغربية حققت أعلى المتوسطات في جميع الأبعاد باستثناء بُعد نضج تقنيات المعلومات والاتصال. أمّا في آسيا، فقد بيّنت النتائج أنّ درجاتها جاءت أدنى من 4 في خمسة أبعاد، ولم تتجاوز العتبة المتوسطة إلا في بُعد واحد هو نضج تقنيات المعلومات والاتصال. أوضحت النتائج إمكانية التوسّع في دراسة الفروق الإقليمية والمقارنات الدولية من خلال تحليلات نوعية متعمّقة. وبالاستناد إلى الملاحظة التي بيّنت أنّ الابتكارات الآسيوية جاءت الأدنى في درجة الترابط، بينما ظهرت نظيراتها الأوروبية الغربية الأكثر ترابطًا، قام (لو) و(كانكانرانتا) و(تشاو) عام 2005 بدراسة نوعية إضافية أظهرت تباينات مهمّة في دور تقنيات المعلومات والاتصال في الحالات المبتكرة التي جُمعت من هونغ كونغ وفنلندا. فقد اتّضح أنّ الابتكارات في هونغ كونغ اعتمدت على التقنية أساسًا كأداة للتعلّم والإنتاجية من خلال البحث عبر الإنترنت، ومع أنّ جميع المدارس وفّرت الاتصال بالشبكة، فإن قنوات التواصل بقيت محدودة على البريد الإلكتروني ومنتدى واحد للمناقشة. في المقابل، تبنّت كل الابتكارات الفنلندية بيئات تعليمية عبر الإنترنت كوّنت بنية تحتية محورية للاتصال والمعلومات، وأدّت دورًا أساسيًا في إسناد الأنشطة التعليمية وتعزيز أشكال التعاون والتواصل بين مختلف الفاعلين التربويين في تلك الابتكارات.

المساهمات التي قدّمتها الدراسة والقيود التي واجهتها

أرست دراسة (SITES M2) الأساس باعتبارها أوّل دراسة مقارنة دولية واسعة النطاق خصّصت اهتمامها للابتكارات التربوية. وقد تميّزت هذه الدراسة بريادتها في إدخال أساليب منهجية جديدة إلى مجال بحوث دراسة الحالة، فضلاً عن تقديمها بيانات ثرية تُعدّ مرجعًا مهمًا للباحثين. وعلى الرغم من أنّ نتائجها الأولى انصبّت على الجوانب الوصفية بدرجة أكبر، فإنّها فتحت الباب أمام بحوث تفسيرية لاحقة. ومن أبرز تلك البحوث ما سعى إلى استكشاف العوامل المفسِّرة للتباينات الإقليمية في سمات الابتكار بين الحالات الأوروبية والآسيوية كما قدّمه (لو) و(كانكانرانتا) و(تشاو) عام 2005، إضافة إلى التحليلات التي ركّزت على استدامة الابتكارات التربوية المدعومة بتقنيات المعلومات والاتصال وقابليتها للتوسّع، على نحو ما أبرزه (لو) عام 2008.

أظهرت دراسة (SITES M2) قصورًا ملحوظًا في بنيتها المنهجية، إذ لم تنجح في عكس الطبيعة المتعدّدة المستويات للنظم التعليمية ضمن تصميم بحثي متماسك. ورغم أنّ الإطار المفاهيمي شدّد بوضوح على أنّ "الممارسات التربوية الابتكارية متجذّرة داخل مستويات سياقية متداخلة تؤثر في التغيير وتوسّطه" (كوزما 2003أ، ص 10)، ورغم أنّ البيانات جُمعت على مستويات الصف (الميكرو) والمدرسة (الوسيط) والمستوى الوطني (الماكرو)، فإن التصميم البحثي لم يتيح تحليل العلاقات المتبادلة بين هذه المستويات ولا استجلاء كيفية تفاعلها معًا. وتمثّل الخلل الأول في أنّ جمع البيانات اقتصر داخل كل مدرسة على ممارسة ابتكارية واحدة فقط، وهو ما أفرغ مستوى المدرسة من خصوصيته وجعله مساويًا لمستوى الصف في البيانات المتاحة، فأغلق الباب أمام دراسة التداخل البنيوي بين المستويات. وتمثّل الخلل الثاني في أنّ عملية جمع البيانات اقتصرت على مقابلات نوعية معمّقة وملاحظات صفّية لعدد محدود من الأفراد داخل المدرسة، مع الاعتماد على عيّنة ضيقة من المدارس في كل بلد، الأمر الذي جعل كل مستوى سياقي يُمثَّل بنقطة بيانات أو بضع نقاط لا تكفي لتكوين صورة مركّبة. وقد أدّى هذا القصور إلى طمس الفروق بين المستويات الثلاثة وانهيارها جميعًا في مستوى واحد، ففقدت الدراسة بذلك قدرتها على تحليل ديناميات التفاعل بين البنى التعليمية المختلفة. وقد جاءت دراسة (ITL) اللاحقة لتعالج هذه الإشكالات المنهجية، فاعتمدت تصميمًا أكثر شمولًا، وأتاحت استخلاص نتائج أعمق وأكثر قدرة على تفسير طبيعة الابتكار التربوي واستدامته.

أوضحت دراسة (SITES M2) جانبًا آخر في تصميمها قد يُعدّ قيدًا، يتمثّل في أنّ جميع الحالات عُرّفت انطلاقًا من ممارسة واحدة داخل الصف، على الرغم من أنّ بعضها ارتبط بمبادرات أوسع، سواء على المستوى المحلي أو الوطني أو حتى الدولي. ومع أنّ جمع البيانات أشار إلى تلك الروابط السياقية وضمّن إشارات إلى إسهاماتها، فإنّ غياب البيانات عن الصفوف والمدارس الأخرى المنضوية في الإطار نفسه منع الباحثين من بناء صورة مكتملة للحالة داخل سياق الابتكار الأوسع. وبذلك بقيت الممارسة الابتكارية محصورة في حدود الصف الواحد، دون أن تنعكس بالكامل تفاعلاتها مع السياق الأوسع الذي نشأت فيه. وقد أُفردت في دراسة (SCALE CCR) مناقشة معمّقة لهذه القضية، مبيّنةً المزايا التي يتيحها التعامل مع حالات ابتكار تربوي تُعرّف عند مستويات مختلفة من حيث الحجم والدقّة التحليلية.

دراسة (SCALE CCR) – مقارنة حالات ابتكار تربوي متفاوتة الحجم بين آسيا وأوروبا لاستكشاف شروط الاستدامة والتوسّع والأثر من منظور إيكولوجي

برهنت نتائج (SITES M2) أنّ العامل الحاسم في تحقيق أثر بعيد المدى داخل النظم التعليمية لا يتمثّل في مستوى الابتكار ذاته، وإنما في مدى استدامة تلك الابتكارات وقابليتها للتوسّع (كوزما 2003أ). وعلى ضوء عقود من الدراسات حول التغيير التربوي، اتجه العديد من المنظّرين إلى اعتماد منظور إيكولوجي يفسّر التغيير التربوي باعتباره عملية مركّبة وديناميكية تتكشف على مراحل طويلة (هارجريفز 2003؛ كوبورن 2003؛ CERI/OECD 2010؛ لو وآخرون 2011). ويعني ذلك أنّ التغيير ليس حدثًا عابرًا يُنفّذ مرّة واحدة، بل مسار مستمر يحتاج إلى بيئة تعليمية متكاملة تتطور في عناصرها كافة، من البنية التحتية إلى الثقافة السائدة، ومن المناهج الدراسية إلى العوامل المرتبطة بالمدرسة والنظام التعليمي لضمان الاستمرارية والفعالية.

شهد مطلع القرن إجراء عدد كبير من التجارب واسعة النطاق حول توظيف تقنيات المعلومات والاتصال في دعم التعلّم ضمن سياقات تربوية مختلفة، وبمستويات متفاوتة من التدخل والدعم السياساتي. وأطلق قسم مجتمع المعلومات في المركز المشترك للبحوث التابع للمفوضية الأوروبية (JRC-IPTS) عام 2011 مشروع "توسيع نطاق الفصول الإبداعية في أوروبا" (SCALE CCR) بتكليف من المفوضية الأوروبية. وتوّج هذا المشروع بإصدار تقرير شامل تناول الشروط الكفيلة بضمان الاستدامة وإمكانات التوسّع وتحقيق الأثر على مستوى النظم التعليمية للابتكارات المعتمدة على تقنيات المعلومات والاتصال في مجال التعلّم، وذلك استنادًا إلى مقارنات معمّقة لدراسات حالة مختارة من أوروبا وآسيا (كامبيلس وآخرون 2013). وتستعرض الفقرة التالية الأساليب المنهجية التي اعتمدتها الدراسة.

سياق البحث والأسئلة المطروحة

ركّز الجزء الجوهري من دراسة (SCALE CCR) على تعميق الفهم لأهداف الابتكار التربوي ونتائجه وآثاره، وعلى الطابع البيداغوجي والتقني والتنظيمي للابتكارات التعليمية المعزّزة بتقنيات المعلومات والاتصال. وحلل الباحثون استراتيجيات التنفيذ ونشر الابتكارات الجارية التي كانت قد بلغت بالفعل مستوى ملموسًا من التوسّع أو الأثر. واهتمت الدراسة باستكشاف الشروط التي تمكّن الابتكارات الرقمية في التعليم من بلوغ الاستدامة والتوسّع وإحداث أثر جوهري على مستوى النظم التعليمية، إضافة إلى رصد السياسات والاستراتيجيات الكفيلة بدمج هذه الابتكارات في التيار الرئيس للسياسات التعليمية. وقد انصبّ تركيز البحث على دعم الإصلاحات التربوية من خلال بناء قاعدة معرفية تستند إلى الأدلة وصياغة إطار نظري متماسك.

تحديد حالات الابتكار وآلية اختيارها

انتهجت دراسة (SCALE CCR) مسارًا مخالفًا للنهج التقليدي في الدراسات المقارنة التي تعرّف الحالات على أساس أحجام متقاربة. فقد اختار الباحثون سبع حالات ـ ثلاث أوروبية وأربع آسيوية ـ جسّدت تباينًا هائلًا من حيث الحجم والنطاق. وقد امتدّ هذا الطيف من مبادرة محصورة في مدرسة واحدة إلى مشروع دولي يضم أكثر من 200,000 معلّم مسجّل في 33 دولة. وكان هذا التباين في الحجم والتعريف مقصودًا لذاته، إذ أراد الباحثون أن يقدّموا سرديات واقعية حية لمسار الابتكارات التعليمية المدعومة بتقنيات المعلومات والاتصال، بما يمكّن من استكشاف إيكولوجي يواجه التعقيدات والممارسات الفعلية المتولّدة داخل السياقات الوطنية والدولية.

انطلقت دراسة (SITES M2) من معالجة وحدة دراسية محددة ضمن المقرّر الدراسي واعتبارها ابتكارًا تعليميًا، وأقامت حدود الحالة عند مستويين متكاملين هما الصف الذي نُفِّذ فيه الابتكار والمدرسة التي ضمّته، حتى عندما كان الابتكار جزءًا من مبادرات وطنية أو دولية واسعة النطاق. وقد أتاح هذا التحديد وضوحًا في التحليل لكنه ضيّق نطاق الملاحظة ليقتصر على المدرسة والصف. وفي المقابل، وجّهت دراسة (SCALE CCR) اهتمامها إلى بناء نظرية معمّقة تتعلق بمسألة قابلية الابتكارات التعليمية المدعومة بتقنيات المعلومات والاتصال للتوسّع، وأثرها على النظام التعليمي برمته. وتبنّت الدراسة منظورًا يعتبر حجم الابتكار أو طبيعته متغيّرًا رئيسيًا يسمح بتتبّع التداخلات بين التاريخ والسياق والهيكل المؤسسي للأفكار التعليمية المختلفة، وكيفية انعكاسها على فرص التوسّع والاستدامة. ولم تُعرّف الحالة هنا باعتبارها صفًا أو مدرسة، بل وُصفت بأنها مشروع بمعناه الأوسع، يتأسس على موضوع مشترك وبنية منظمة، ويجمع في داخله مختلف المستويات من الأطراف المعنية والتفاعلات المؤثرة في طبيعة الابتكار وفي التحولات التي يمرّ بها. ومن أجل خدمة بناء النظرية، تبنّى الباحثون منهج العيّنة الهادفة، فاختاروا الحالات استنادًا إلى قدرتها على كشف الروابط بين البُنى النظرية المحدّدة مسبقًا وتعميقها وتوسيعها (إيزنهادر وغريبنر 2007).

تمثّلت الحالات الأوروبية الثلاث المختارة في:

  • بدأت شبكة التوأمة الإلكترونية (eTwinning) عملها عام 2005 بوصفه شبكة تربط المعلّمين عبر بوابة المدارس الأوروبية (European Schoolnet)، ليتيح لهم بيئة إلكترونية آمنة للتعاون في مشروعات صفّية عابرة للحدود وتنمية مهاراتهم المهنية. وبحلول عام 2013 بلغ عدد المعلّمين المسجّلين فيه أكثر من 200,000 معلّم موزّعين على 33 دولة أوروبية. وحظت بدعم خدمة دعم مركزية على المستوى الأوروبي، إلى جانب خدمات دعم وطنية في كل دولة. وقد جرى اختيار هذه المبادرة استنادًا إلى اتساع نطاقها والاعتراف بأثرها الواضح في تعزيز الوعي بين الثقافات داخل المجتمعات المدرسية الأوروبية ووسط المعلّمين.

  • أطلقت أوروبا مبادرة (1:1 learning in Europe) التي ضمّت 31 مشروعًا موزّعة على 19 دولة، سعيًا إلى تزويد جميع التلاميذ في صفوف دراسية بعينها، أو مدارس مختارة، أو فئات عمرية محددة، بأجهزة حاسوب محمولة شخصية، بهدف إحداث تحوّل تربوي وإرساء أساليب ابتكار في التعليم. وكشفت هذه المبادرة من خلال تنوّع أساليب التطبيق، وتعدّد نماذج التمويل، وتباين استراتيجيات الدمج في التعليم النظامي، عن رؤى غنيّة توضّح كيف أسهمت تلك العوامل في تشكيل مسار المشروعات وفي تحديد قدرتها على التوسّع والاستمرار.

  • أُنشئت مدرسة (هيليروب) في الدنمارك خلال الفترة 2000–2002 باعتبارها مدرسة عامة مبتكرة، فنجحت في إعادة بناء نهجها التربوي وصياغة مرافقها التعليمية بما يعزّز التنوع والمرونة والإبداع في تعلّم التلاميذ، مع توظيف شامل لإمكانات تقنيات المعلومات والاتصال. واستطاعت المدرسة أن تستوعب أنماطًا واستراتيجيات متعددة للتعلّم، بحيث أتاحت للطلاب مسارات تعليمية متنوّعة تتناسب مع قدراتهم واهتماماتهم. كما أعادت المدرسة تشكيل منظومتها البيئية بأكملها لتضمن استدامتها، مما جعلها مصدر إلهام وأثر ملموس في بيئات مدرسية أخرى داخل الدنمارك وخارجها.

اختيرت أربع حالات آسيوية لإدراجها في الدراسة، وهي:

  • أُطلق مشروع (CoREF) لتجديد تعليم المستقبل عام 2010 بهدف تحويل التعليم الياباني من نمط يركّز على المعلّم إلى تعلّم يضع الطالب في مركز العملية التعليمية ويستند إلى المنظور البنائي-الاجتماعي. واعتمد المشروع أسلوبًا تربويًا محددًا عُرف باسم "أحجية بناء المعرفة"، وقاده ائتلاف جامعي بدعم من مجالس التعليم المحلية. وقد بلغ المشروع عام 2013 نحو 770 مدرسة، وكان من المتوقّع أن يقدّم توصيات مبنية على الأدلة لسياسات التعليم، بما يشمل المعايير الوطنية وأنظمة تقييم المدارس وتطوير المقررات الدراسية.

  • بادرت وزارة التعليم في كوريا الجنوبية إلى إطلاق مشروع الكتاب الدراسي الرقمي بوصفه مشروعًا تجريبيًا يرمي إلى تطوير محتويات تعليمية رقمية تتميّز بسهولة النفاذ وسلاسة الاستخدام من جانب المعلّمين والطلاب. واستثمر المشروع الإمكانات التي توفّرها الأجهزة المحمولة وأدوات الشبكات الاجتماعية ليؤمّن للمتعلمين خبرات تعليمية تفاعلية ثرية تتّسم بالأصالة والواقعية. وجاء هذا المشروع في إطار الخطة الوطنية لتقنيات المعلومات والاتصال التي تبنّتها كوريا الجنوبية لإحداث نقلة نوعية في التعليم.

  • باشرت حكومة هونغ كونغ تنفيذ المشروع التجريبي للتعلّم الإلكتروني في إطار الاستراتيجية الثالثة لتقنيات المعلومات في التعليم، وامتدّ على مدى ثلاث سنوات سعيًا إلى اختبار الأنماط التعليمية الملائمة ورصد تدابير الدعم الضرورية التي تضمن تطوير حلول تعلّم إلكتروني ذات فاعلية حقيقية وقابلة للاستدامة والنقل والتوسّع. وقد تكوّنت المبادرة من 21 مشروعًا اختارها مكتب التعليم، مثّلت طيفًا واسعًا من التخصصات الدراسية وغطّت 61 مدرسة مشاركة.

  • باشرت حكومة سنغافورة تنفيذ الخطة الثالثة لتقنيات المعلومات والاتصال في التعليم (mp3)، وجعلت منها مبادرة وطنية تستهدف جميع طلاب المدارس دون استثناء. وانطلقت الخطة من رؤية ترمي إلى "إثراء بيئات التعلّم وتحويلها إلى فضاءات قادرة على تزويد الطلاب بالكفاءات الأساسية والقدرات النقدية التي تؤهلهم للنجاح في اقتصاد المعرفة". وقد وصلت هذه المبادرة إلى مرحلة الدمج الكامل في التيار التعليمي العام، مستفيدةً مما أنجزته الخطة الأولى والثانية من أهداف ونتائج، لتبني عليها وتعمّقها.

بيّنت القائمة أنّ الحالات المدروسة اختيرت على نحو يُظهر تباينًا شديدًا؛ فبعضها مثّل نطاقًا محدودًا اقتصر على مدرسة واحدة، بينما اتّسع نطاق بعضها الآخر ليشمل 200,000 معلّم موزّعين على 33 دولة. كما برز التباين في مصدر المبادرة، إذ تراوحت بين مبادرات مدرسية محلية ومبادرات ذات طابع أوروبي شامل، فضلًا عن التفاوت في درجة النضج بين مشاريع في مراحلها التجريبية الأولى ومبادرات وطنية راسخة وصلت إلى مرحلة الدمج الكامل بعد خمسة عشر عامًا من التطوّر. وجاء هذا التنويع منسجمًا مع متطلّبات تصميم دراسات الحالة المخصّصة لبناء النظرية، حيث يُنظر إلى كل حالة باعتبارها تجربة تحليلية قائمة بذاتها، ويُعطى الاهتمام لتطوير المفاهيم وإعداد مقاييس دقيقة وصياغة أطروحات نظرية قابلة للاختبار والتحقق (إيزنهادر وغريبنر 2007، ص 25).

المنهجية المتّبعة في البحث وتصميمه وآليات جمع البيانات

اعتادت دراسات الحالة أن تبدأ بجمع البيانات بعد أن يكتمل تصميم البحث بصورة نهائية. إلا أنّ هذه الدراسة اختارت مسارًا مغايرًا، إذ لم تتضمّن جمع بيانات أولية بشكل مباشر. وبدلًا من ذلك، عهدت بمهمة إعداد "تقرير الحالة" الخاص بكل واحدة من الحالات السبع إلى باحثين أفراد أو فرق بحثية ممن يمتلكون خبرة واسعة وإمكانية الاطّلاع على التقارير البحثية والوصول إلى الأشخاص الرئيسيين المرتبطين بالحالة. وقد زُوّد هؤلاء الباحثون بنموذج موحّد لإعداد التقرير، بما يتيح إدراج كل حالة ضمن إطار مفاهيمي مشترك. ويقوم هذا الإطار على خمسة أبعاد، جرى تعريف كل منها عبر توصيف طرفين متقابلين ونقطة وسطية على متصل مستمر، وذلك لتحديد موقع الابتكار التعليمي الذي يتضمّن تغييرات في الممارسات التربوية:

  1. طبيعة الابتكار (يتدرّج من تغييرات بسيطة إلى تغييرات جذرية وصولًا إلى تغييرات هدّامة)،

  2. مرحلة التنفيذ (من مشروع تجريبي أولي إلى مرحلة توسّع ثم إلى دمج في التعليم النظامي)،

  3. مستوى النفاذ (من المستوى المحلي إلى المستوى الإقليمي/الوطني وصولًا إلى المستوى العابر للحدود)،

  4. مجال الأثر (يمتد من العمليات التعليمية إلى الخدمات التعليمية وصولًا إلى البنية التنظيمية للمؤسسة)،

  5. الفئة المستهدفة (تبدأ من فرد واحد ثم مجموعة صغيرة من الفاعلين وصولًا إلى طيف واسع من المشاركين).

  6. وُضعت هذه الأبعاد الخمسة بحيث لا تقتصر على إظهار أوجه التباين بين الابتكارات التربوية المتعددة، بل تشمل أيضًا الجوانب المتحركة للتغيير كما تتجسّد في المسارات الزمنية لكل ابتكار. وقد بيّن الشكل 12.1 الكيفية التي جرى من خلالها إسقاط الحالات السبع على هذا الإطار المفاهيمي، لتوضيح موقع كل حالة ومقدار تغيّرها.

الشكل 12.1: تمثيل الحالات السبع للابتكار على الإطار المفاهيمي الذي وضعه (كامبيلِس وآخرون) لتصنيف الابتكارات ورصد مساراتها
Shape1

المصدر: كامبليس وآخرون (2013)، ص 6.

الأساليب التحليلية والنتائج الرئيسة

توصل مشروع (SCALE CCR) إلى تحديد مجموعة من الشروط التي تجعل الابتكارات قادرة على إحداث أثر واضح في نتائج التعلّم، مستندًا في ذلك إلى ملاحظات أُعيدت عبر الحالات السبع المدروسة، وقد توافقت هذه النتائج مع ما أثبتته الأدبيات البحثية السابقة. وتعرض هذه الفقرة شرحًا للكيفية التي جرى من خلالها استخلاص ملاحظتين رئيسيتين، انبثقتا عن تحليل العلاقات القائمة بين البُنى المفاهيمية التي تباينت عبر نطاق واسع من الأبعاد والسياقات.

طرحت الدراسة سؤالًا جوهريًا: هل يؤثر نوع التقنية المختارة في مستوى الابتكار التربوي؟ وقد جاءت إحدى الملاحظات لتبيّن العلاقة الوثيقة بين درجة تعقيد التقنية المستعملة والدور الذي تنهض به داخل سياق الابتكار. وتبيّن أنّ التقنيات، سواء اقتصرت على أداة واحدة أو تعدّدت، كثيرًا ما جاءت إمّا كإضافة هامشية إلى المشروع أو كمبرّر أساسي لوجوده. ومع ذلك، فإن إحداث تغيير تربوي عميق يتطلّب أن تتحوّل التقنية إلى بنية تحتية رقمية متكاملة، تشمل الأجهزة والشبكات والوسائط، وتندمج مع بيئة التعلّم عبر الإنترنت ومواردها التعليمية.

افترض الباحثون أنّ الابتكار يمكن أن يتولّد إمّا عبر مبادرات تنطلق من القاعدة إلى القمة أو من خلال قرارات تأتي من القمة إلى القاعدة، بل وغالبًا ما يتداخل النمطان في المبادرة الواحدة. غير أنّ نجاح أي ابتكار، بصرف النظر عن حجمه أو مصدره أو طبيعة الوكالة فيه، يستلزم وجود قاعدة مشتركة من التوافق يقبلها جميع الأطراف المشاركين. وفي بعض الحالات، تكون هذه العتبة متدنية للغاية، كما في استخدام بوابة (eTwinning) أداةً للتواصل بين الصفوف الأوروبية، أو في إدخال أجهزة التعلّم الفردي 1:1 إلى بيئات التعليم. بينما ترتفع هذه العتبة في حالات أخرى أكثر تعقيدًا، مثل اعتماد نموذج بيداغوجي مشترك في مبادرة (CoREF)، أو تبنّي رؤية مدرسية متحوّلة كليًا في فضاءاتها ومناهجها وتنظيمها الزمني، على نحو ما هو قائم في مدرسة (Hellerup). ومن خلال هذا الإطار المفاهيمي، ربطت الدراسة بين مستوى عتبة المشاركة وبين نطاق الابتكار أو مستواه في سلم النفاذ، لتخلص إلى أنّ الابتكارات الأوسع نطاقًا غالبًا ما تتطلّب عتبة مشاركة أقل من نظيراتها المحدودة.

المساهمات التي قدّمتها الدراسة والقيود التي واجهتها

تكشف هذه الدراسة عن طاقة منهجية كبيرة في استخدام حالات متفاوتة من حيث الحجم والنطاق من أجل الوصول إلى فهم متدرج المستويات للظواهر التعليمية حين تكون موضع البحث ظواهر معقدة تتشابك فيها التفاعلات الهرمية وتتشابك معها ردود الأفعال المتبادلة. وفي هذا الإطار تُعرّف الحالات بوصفها كيانات دينامية ذات حدود متغيرة ومرنة، تتحرك وتتبدل مع مرور الزمن بدل أن تبقى ثابتة جامدة. وقد استفادت الدراسة من المعرفة العميقة التي يمتلكها الباحثون المكلّفون بكل حالة، ومن شبكات علاقاتهم المباشرة مع تلك المبادرات، لإنتاج تقارير مبنية على تحليل ثانوي لمصادر غنية ومتنوعة من الدراسات المطوّلة، وضمن إطار قوالب منهجية معدة سلفًا. وقد سمح هذا النهج بتوسيع نطاق البحث جغرافيًا وعلى مستوى أعداد المشاركين، فضلًا عن إطالة المدى الزمني للرصد بما يتجاوز الحدود المألوفة في البحوث المقارنة التقليدية.

الشكل 12.2: تمثيل مستوى المشاركة المطلوب للتوافق الاستراتيجي في مقابل مستوى الوصول ضمن دراسة (SCALE CCR)

Shape2

المصدر: كامبليس وآخرون (2013)، ص 128.

وظّفت الدراسة ما جرى جمعه من الأدلة عبر الحالات لاستخلاص توصيات موجّهة لصانعي القرار في ميدان التعليم، بغية تعميم الابتكارات التعليمية المدعومة بتقنيات المعلومات والاتصال وتوسيع نطاقها على المستويات النظامية الواسعة (بريتشكو وآخرون 2013). وأبانت التحليلات النهائية عن درجة من الصلاحية الإيكولوجية بالنظر إلى أخذها في الحسبان للطابع المتغيّر والمتطور لهذه الابتكارات، غير أنّها كشفت أيضًا عن تحديات منهجية أساسية تتعلق بكيفية وضع الضوابط والمعايير الدقيقة للحكم على هذه الصلاحية.

كشف الشكل 12.2 عن اتجاه سلبي واضح بين حجم الابتكار ومستوى الاصطفاف الاستراتيجي، غير أنّ الصورة لم تخلُ من استثناءات مهمّة. فمشروع التعليم الإلكتروني التجريبي في هونغ كونغ والخطة الثالثة لتقنيات المعلومات في التعليم في سنغافورة انطلقا في الحقبة نفسها، لكنّ النتائج اختلفت بصورة لافتة؛ إذ تمكّنت سنغافورة من بلوغ نطاق أشمل ورفع درجة الاصطفاف الاستراتيجي إلى مستويات أعلى بكثير. ويُعزى الغموض في تفسير هذا التباين إلى غياب بيانات وافية عن التطور الطبيعي التدريجي لهذه الابتكارات، ممّا جعل الأشكال 1.12 و2.12 تكتفي بعرض لقطات ساكنة لا تكشف الخلفيات الكامنة وراء الفروق. لذلك قد يقتضي الوصول إلى إدراك أدق للفوارق السياقية والاستراتيجية التي صنعت هذه المسارات المتباينة مزيدًا من الابتكار المنهجي في الدراسات المقارنة للابتكارات التربوية.

برنامج (ITL) لدراسة الشروط التي تهيّئ لاستخدام تقنيات المعلومات والاتصال من أجل تنمية مهارات القرن الحادي والعشرين لدى المتعلمين ضمن منظور بيئي متكامل

نفّذت مؤسسة (SRI International) بدعم من شركة مايكروسوفت® ما بين عامي 2010 و2011 دراسة دولية واسعة حملت عنوان "البحوث حول التعليم والتعلّم الابتكاري (ITL)" (شير وآخرون 2011). وجاءت هذه الدراسة في إطار مفاهيمي ذي منظور إيكولوجي يركّز على فهم البنية الكاملة للنظام التعليمي بوصفه شبكة من العناصر المتداخلة والمتأثرة بالسياقات المحيطة. وسعت الدراسة إلى الكشف عن أشكال الدعم المؤسسي والمهني التي تعزّز الممارسات التدريسية المبتكرة عبر الاستخدام الفاعل لتقنيات المعلومات والاتصال، كما درست الأثر الذي تخلّفه هذه الممارسات على مخرجات التعلّم لدى الطلبة. وقد شملت الدراسة سبع دول تمثل طيفًا واسعًا من التنوع الجغرافي والثقافي والاجتماعي-الاقتصادي: أستراليا، وإنجلترا، وفنلندا، وإندونيسيا، والمكسيك، وروسيا، والسنغال. ولم يكن المقصد من المقارنة تصنيف الدول في مراتب أو ترتيبها على نحو تنافسي، بل السعي إلى استجلاء أوجه التشابه في العلاقات الجوهرية بين الشروط المتفاعلة داخل كل منظومة تعليمية، بما يكشف عن كيفية انعكاسها على الممارسات التربوية المبتكرة وعلى النتائج التعليمية للطلبة.

الإطار البحثي وأسئلة الدراسة

عالجت دراسة (ITL) ثلاث قضايا بحثية محورية (شير وآخرون 2010)، يمكن تلخيصها على النحو الآتي:

  • استقصاء مدى الارتباط بين الممارسات التدريسية المبتكرة وبين النتائج التعليمية التي تُعِد الطلاب لاكتساب مهارات القرن الحادي والعشرين.

  • تحديد الشروط والعوامل القائمة على مستوى المدرسة التي تؤثر في تيسير تطبيق الممارسات التدريسية المبتكرة أو عرقلتها.

  • بحث طبيعة البرامج والدعوم الوطنية والإقليمية التي تعزّز فرص نشوء الممارسات التدريسية المبتكرة واستمرارها.

وظّفت الدراسة نتائجها في بلورة المرحلة التالية من البحث، حيث جرى التركيز على آليات تعزيز الممارسات التدريسية وتطويرها. وكما حدث في دراسة (SITES M2)، تولى فريق بحثي عالمي عملية الإشراف العام على الدراسة (ITL)، متكفّلًا بتصميم الإطار البحثي الكلي، وإنجاز التحليلات، وإعداد التقارير الدولية. وفي المقابل، اضطلعت فرق بحثية محلية في كل بلد بمهام التكييف مع السياقات الوطنية، وضمان ملاءمة الأدوات البحثية، وتنفيذ عمليات جمع البيانات بصورة مباشرة.

تعريف حالات الابتكار وآليات اختيارها

رأى الباحثون أنّ دراسة الحالة تمثّل الأداة المنهجية الأقدر على منح البحث المؤسَّس على منظور إيكولوجي قاعدة صلبة لفهم الظاهرة بصورة شمولية ومعمّقة، لما تنطوي عليه من إمكانات في ربط الممارسات بالسياقات المحيطة بها. وبما أنّ الهدف تمحور حول استجلاء طبيعة الممارسات التدريسية المبتكرة، لجأ الفريق إلى اعتماد أسلوب العيّنة الهادفة عند اختيار المدارس. وعلى غرار ما جرى في دراسة (SITES M2)، شكّلت كل دولة لجنة ترشيح محلية تضم ثلاثة إلى أربعة أعضاء لديهم القدرة على تمييز المدارس الأكثر إبداعًا، وقاموا بانتقاء 12 مدرسة مبتكرة إلى جانب 12 مدرسة للمقارنة. وحدّدت صفة "الابتكار" في المدارس وفق معايير دقيقة، تمثلت في تبنّي ممارسات تدريسية مبتكرة مرتكزة إلى ثلاثة عناصر أساسية: أولها اعتماد البيداغوجيا التي تتمحور حول الطالب وتضعه في قلب العملية التعليمية، وثانيها مدّ فضاء التعلّم ليشمل أنشطة تتجاوز حدود الصف التقليدي، وثالثها إدماج تقنيات المعلومات والاتصال في عمليتَي التعليم والتعلّم بشكل جوهري وفاعل (غالاغر وآخرون 2011).

المنهجية المتّبعة في البحث وتصميمه وآليات جمع البيانات

اعتمدت دراسة (ITL) منهج دراسة الحالة المقارنة الأداتية الذي يقوم على مستويين من المقارنة. في المستوى الأول، عُقدت مقارنات بين المدارس داخل كل بلد على حدة، بهدف استجلاء الأسئلة البحثية الثلاثة ذات الطابع الوصفي والمتصلة بالممارسات التدريسية المبتكرة. وفي المستوى الثاني، وُضعت نتائج الدول السبع في مواجهة تحليلية مقارنة، ليتبيّن من خلالها العلاقات التي تكتسب دلالة إحصائية ومعرفية على مستوى مجموعة البيانات ككل، مع التأكد من أن هذه العلاقات حاضرة بوضوح فيما لا يقل عن ثلاث دول.

اعتمدت الدراسة على جمع أربع فئات رئيسية من البيانات: أولها الاستبيانات التي استهدفت المعلمين وقادة المدارس لرصد اتجاهاتهم وممارساتهم، وثانيها المشاهدات الصفية المباشرة لتوثيق ما يجري داخل الفصول الدراسية، وثالثها المقابلات مع قادة المدارس والمعلمين إلى جانب مجموعات التركيز الطلابية، ورابعها تحليل أنشطة التعلّم وأعمال الطلاب (LASW) باعتباره مؤشرًا ملموسًا على الممارسة التعليمية ومخرجاتها. وأسفرت هذه الأنواع الأربعة عن مجموعة واسعة من المؤشرات المرتبطة بالتدريس المبتكر. وقد اعتُبر (LASW) الأداة الأساسية والأكثر موضوعية لقياس كلٍّ من ممارسات المعلّمين وإنجازات الطلاب (غالاغر وآخرون 2011). ويُذكر أنّ إدخال هذه الأداة إلى نطاق المقارنات الدولية الكبرى للابتكار البيداغوجي شكّل إضافة جديدة نسبيًا، مما استدعى عرض تفاصيلها في هذه الدراسة.

رأى الباحثون أنّ النشاط التعليمي يمثّل المهمة التي يعهد بها المعلّم إلى طلابه سواء في بيئة الصف أو في خارجه، بوصفها جزءًا لا يتجزأ من العملية التعليمية الهادفة إلى إكساب المتعلّمين خبرات متنوّعة. وتُترجم هذه الأنشطة في صورة أعمال طلابية، أي نتاجات معرفية وعملية يبدعها المتعلمون أثناء التنفيذ، مثل المقالات الأكاديمية، والعروض الشفوية والمرئية، وأوراق العمل، إلى جانب إنتاجات أكثر ابتكارًا في مجال الوسائط المتعددة مثل البودكاست ومقاطع الفيديو. وفي إطار (LASW)، جُمعت عينات من هذه الأنشطة والنتاجات باعتبارها أدلة مباشرة على طبيعة الممارسات التدريسية ونتائج التعلّم، بحيث تعكس بصدق ما يجري في الصفوف الدراسية الواقعية. وقد تأسس هذا النهج المنهجي على إرث بحثي سابق تناول مسألة أصالة العمل المدرسي وعمقه الفكري (بريك وآخرون 2000)، ومعايير الصرامة والملاءمة التربوية (ميتشل وآخرون 2005)، إضافة إلى مقاربات حديثة ركّزت على الفرص التعليمية التي يتيحها القرن الحادي والعشرون (شير وآخرون 2009).

أجرت الدراسة في سنتها الأولى ضمن مشروع (ITL) عملية جمع تفصيلية لعَيّنات من الأنشطة التعليمية وأعمال الطلاب، استُمدّت من ثمانية معلّمين مختصين في الإنسانيات أو العلوم، يدرّسون لطلاب تتراوح أعمارهم بين 11 و14 سنة في ست مدارس منتقاة من بين 12 مدرسة مبتكرة في كل بلد مشارك. وقد طُلب من كل معلّم تقديم ما بين أربع وست عينات لأنشطة تعليمية مثّلت في نظره أفضل ما أتيح لطلابه من فرص تعلم عبر فترات زمنية متباينة خلال العام الدراسي. ويُلاحظ أنّ معيار "الأفضل" لم يُحدّد خارجيًا من قبل الباحثين، بل تُرك لممارسات المعلّمين وقناعاتهم التربوية، الأمر الذي جعل هذه العيّنات تعكس بجلاء تصوّرات المعلّمين الشخصية عن جوهر التدريس عالي الجودة ومقوماته.

كلّفت الدراسة المعلّمين المشاركين، إلى جانب ما قدموه من عينات للأنشطة التعليمية، بتسليم ستة نماذج من أعمال الطلاب تعود إلى أربعة أنشطة تعليمية من مجموعتهم. وجرت عملية الاختيار بطريقة عشوائية نفّذها فريق البحث المحلي، لضمان أن تعكس العينات واقع ممارسات الصف دون تحيّز. وقد اضطلع الشريك البحثي المحلي غالبًا بمهمة السحب العشوائي لهذه العينات، اعتمادًا على قوائم أسماء الطلاب في الصف المرتبط بالمهمة التعليمية. وخضع كل نشاط تعليمي من هذه الأنشطة الأربع أولًا لعملية ترميز دقيقة لقياس مستوى ما أتاحه من فرص لبناء المهارات لدى الطلاب، قبل الانتقال إلى أعمال الطلاب المرتبطة به. وعند هذه المرحلة، جرى ترميز عينات أعمال الطلاب الستّ لرصد الكيفية التي أظهر بها المتعلمون بالفعل المهارات المستهدفة، وبأي قدر تمكنوا من تجسيدها في منتجاتهم الكتابية أو التطبيقية.

الأساليب التحليلية والنتائج الرئيسة

ركّز الباحثون في هذا الموضع على تحليل بيانات (LASW) فقط، نظرًا لتشابه إجراءات تحليل بيانات الاستبيانات والمقابلات مع ما جرى اعتماده في دراستي (SITES M1) و(SITES M2). وقد تولّى معلمون محليون جرى اختيارهم بعناية وتدريبهم تدريبًا منفصلًا من قِبل الفرق البحثية الوطنية مهمة ترميز العينات (غالاغر وآخرون 2011). وخضع كل نشاط تعليمي (LA) لعملية ترميز مفصّلة شملت خمسة أبعاد أساسية هي: التعاون بين المتعلمين، وبناء المعرفة، واستخدام تقنيات المعلومات والاتصال في التعلّم، وحل المشكلات الواقعية مقرونًا بالابتكار، وأخيرًا التنظيم الذاتي. وبهذه الأبعاد الخمسة سعى الباحثون إلى قياس مدى اتاحة المعلّمين فرصًا حقيقية للطلاب لتطوير مهارات القرن الحادي والعشرين. وفي المقابل، جرى ترميز أعمال الطلاب (SW) استنادًا إلى أربعة أبعاد موازية، لكن مع استبعاد التعاون، واستبدال التنظيم الذاتي بمهارة الاتصال المتقدم، بغية الكشف عن مدى انعكاس المهارات المستهدفة في إنتاجات الطلاب. واعتمد الباحثون في عملية الترميز مقياسًا رباعي الدرجات، كما أجروا فحصًا لموثوقية الترميز بين المقيمين على 20% من العينات.

باشر الباحثون سلسلة من التحليلات الإحصائية المتقدمة على بيانات (LASW) المرمّزة، وغطّت هذه السلسلة أربعة محاور رئيسية. أولًا، جرى إعداد إحصاءات وصفية دقيقة للدرجات الموزونة بهدف توصيف الأنماط العامة للأداء. ثانيًا، حُسب معامل الارتباط داخل الصفوف (Intraclass Correlation Coefficient) لدرجات أعمال الطلاب (SW) من أجل تحديد مستوى الاتساق بين الحالات المختلفة. ثالثًا، استُخدم تحليل الانحدار الرتبي لتفسير العلاقة بين درجات الأنشطة التعليمية (LA) وأعمال الطلاب (SW)، وذلك بعد وزن النتائج وتصحيحها إحصائيًا لأخطاء المعيار. رابعًا، نُفّذ تحليل انحدار خطي بُني على المتوسطات الموزونة المجمّعة، سواء عبر أبعاد الأنشطة التعليمية أو عبر أبعاد أعمال الطلاب، بما مكّن من رصد العلاقات الكلية بين الطرفين. وإضافة إلى ذلك، وظّف الباحثون بيانات (LASW) المرتبطة بالمعلمين في نماذج انحدار رتبي إضافية، قصد فحص العلاقة بين نتائج (LASW) ودرجات المعلمين التي استُقيت من بيانات الاستبيانات، وهو ما أتاح رؤية أكثر شمولية حول تفاعل الممارسات التدريسية مع مواقف المعلّمين واتجاهاتهم.

أفاد (شير وآخرون 2011) بعدد من النتائج المهمة:

أ. ارتبطت الممارسات التدريسية المبتكرة إيجابيًا مع تنمية مهارات القرن الحادي والعشرين، وقد تبيّن أنّ تصميم الأنشطة التعليمية هو العامل الأكثر تأثيرًا في تحقيق هذه النتائج.

ب. ظهرت الممارسات التدريسية المبتكرة بوضوح أكبر عندما أُتيح للمعلمين التعاون فيما بينهم، وحينما استفادوا من أساليب تنمية مهنية معمّقة وتطبيقية، وكذلك في البيئات المدرسية التي عزّزت ثقافة الابتكار على نطاق واسع.

ج. دلّت النتائج على أنّ المعلمين هم الأكثر استخدامًا لتقنيات المعلومات والاتصال في عملياتهم التدريسية، في حين ظلّ استخدام الطلاب لها في ممارسات التعلّم أقل حضورًا.

د. وُجدت الممارسات التدريسية المبتكرة في جميع الدول المشاركة، لكنها كانت في الغالب محاولات فردية متفرقة يقودها معلمون متحفّزون، ولم تكن مرتبطة على نحو متماسك ببقية مكوّنات المنظومة التعليمية مثل تقييم الطلاب أو تقويم أداء المعلمين. كما لوحظت فروق واسعة داخل المدرسة الواحدة في أنماط التدريس، في حين ندر وجود ممارسات ابتكارية متماسكة على مستوى المدرسة بأكملها.

الإسهامات التي قدّمتها الدراسة والقيود التي واجهتها

قدّمت دراسة (ITL) أدلة واضحة على وجود روابط وثيقة بين الممارسات التدريسية المبتكرة وبين تطوير الطلاب للمهارات التي ستفيدهم في حياتهم المستقبلية ومسارات عملهم. ومن خلال البنية المتداخلة في اختيار المعلّمين من مجموعة مدارس في كل دولة مشاركة، كشفت الدراسة عن أوجه تشابه قوية في الوضع الإيكولوجي المرتبط باستخدام تقنيات المعلومات والاتصال والابتكار التربوي. ولولا اعتماد هذا التصميم القائم على دراسة الحالات المتداخلة لما كان ممكنًا التوصّل إلى النتيجة الواردة في النقطة (d) أعلاه، ولا إدراك أنّ الملاحظات الأربع الرئيسة ظهرت متسقة عبر الدول السبع رغم تباين خلفياتها.

وقد واجهت دراسة (ITL) بدورها جوانب قصور كان لها أثر مباشر على صلابة نتائجها. فقد اتضح أنّ نطاق جمع البيانات ظل محدودًا، ولم تُنفَّذ خطة أخذ العينات وفق الانضباط المنهجي المطلوب، وهو ما انعكس سلبًا على إمكانية تعميم الاستنتاجات داخل حدود كل دولة، كما قلّل من جدوى المقارنات العابرة للبلدان. وبهذا، ظلّت النتائج قاصرة على توضيح اتجاهات عامة دون أن ترتقي إلى مستوى الأدلة القابلة للتعميم الدولي (غالاغر وآخرون 2011).

التقدّمات المنهجية والتحديات القائمة أمام دراسة المقارنات في التربية والابتكارات التعليمية

يظهر الاختلاف الجوهري بين المقارنة في مجال الابتكارات التعليمية والمقارنة في مجال أصول التعليم عند النظر إلى طبيعة ما يُراد استجلاؤه؛ فالمقارنة في الابتكارات تنصرف إلى متابعة التغيّرات البيداغوجية المتسارعة داخل الصفوف، حيث تتفاعل ممارسات التعليم مع القوى والسياقات الكبرى المحيطة بها، بينما تركز المقارنة في أصول التعليم على المظاهر الأكثر استقرارًا وتمثيلًا، بغية الكشف عن الخصائص العامة للممارسات التعليمية وربطها بالأبعاد الاجتماعية والثقافية والتاريخية والاقتصادية. ومن ثمّ، فإن المقارنة في أصول التعليم تُمارَس بوصفها الهدف المباشر، في حين أن المقارنة في مجال الابتكارات التعليمية تُستَخدم كأداة إجرائية ووسيلة تحليلية تستهدف تطوير نظريات أكثر عمقًا ونماذج عملية أوفر قدرة على تفسير التغيير وضمان استدامته وتوسّع أثره عبر المستويات المختلفة للنظم التعليمية.

أدّى الانتقال من مقارنة أُصول التعليم إلى مقارنة الابتكارات التعليمية إلى إثارة إشكالات منهجية ذات صلة بمجالات أخرى من بحوث التربية المقارنة. وتشمل هذه الإشكالات الغاية من المقارنة، وكيفية التعامل مع السياق، وأسلوب إجراء الدراسات المقارنة للظواهر التعليمية الديناميكية التي تنغرس في أنظمة متداخلة هرميًا.

فائدة محدودة من المقارنات الثابتة وغير السياقية للتربية

جاءت الدراسة المصوّرة ضمن التقييم الدولي للرياضيات والعلوم (TIMSS) بهدف تفسير الفروق في تحصيل الطلبة في الرياضيات بين الولايات المتحدة وألمانيا واليابان، وهي ثلاث دول متقدمة اقتصاديًا لكنها تحتل مواقع متباينة على جدول الأداء في TIMSS. وقد بيّنت النتيجة المحورية أنّ الفروق القائمة بين هذه الدول تفوق بدرجة كبيرة الفروق الداخلية داخل كل دولة، الأمر الذي دفع (ستيغلر وآخرون 1999) إلى اعتبار أنّ تعليم الرياضيات في كل بلد يمكن صياغته في صورة «سيناريو» أو نصّ مهيكل، على نحو مشابه لتمثيل أداء الطلبة عبر المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لدرجاتهم. ويُعَدّ هذا الاستنتاج لافتًا وربما صادمًا في آن واحد، غير أنّ قيمته العلمية وإمكان توظيفه تظلّ عرضة للانتقاد. ويبرز التناقض هنا بوضوح مع دراسة (ITL) التي أثبتت وجود تنوّعات واسعة في أساليب التدريس حتى داخل المدرسة الواحدة، إلى جانب ما أظهرته من تشابهات في الروابط بين الممارسات التعليمية والعوامل السياقية، على الرغم من الفوارق الكبيرة بين الدول في المناهج والسياقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

حين تمرّ النظم التعليمية بمراحل تغيّر مضطربة لم تبلغ بعد نقطة التحوّل الفاصلة، تصبح الأدوات الإحصائية الهادفة إلى قياس النزعة المركزية أدوات غير دقيقة ولا تمتلك الحساسية الكافية لرصد التحوّلات. وقد أكّد تقرير (SITES 2006) هذه الحقيقة حين أوضح أنّ الممارسات التدريسية لدى المعلّمين ما زالت تقليدية على نطاق واسع، وأنّ الابتكارات التربوية التي ظهرت في حالات (SITES M2) المجمّعة عام 2000 بقيت محدودة الحضور ونادرة التحقّق (لو وآخرون 2008). ومثل هذه الديناميكيات لا يمكن لرصْدٍ بحثي يقوم على «لقطة» واحدة ـ كما هو الحال في الدراسة المصوّرة للـ(TIMSS) ـ أن يكشفها إلا إذا تكرّر الرصد بصورة دورية ومنتظمة.

من رسم الخرائط السياقية إلى نمذجة النظام الإيكولوجي

خلافًا للدراسة المصوّرة ضمن (TIMSS) التي اكتفت بالتركيز على ممارسات الصف المباشرة، تميّزت الدراسات الخمس الأخرى التي عُرضت في هذا الفصل باهتمامها العميق بالمعطيات السياقية، وإن تباينت تصوّراتها ومداخلها المنهجية لدراسة هذا السياق. ففي أبحاث (ألكسندر 2000) و(لو وآخرون 2000)، اعتُبر السياق منظومة متشابكة من العوامل المؤسسية والثقافية والاقتصادية، تشمل رؤية المدرسة وقيادتها والعوامل البنيوية المحيطة بها. وقد اعتمد الباحثون على تحليلات نوعية معمّقة اتّسمت بالطابع التكراري وصولًا إلى بناء أنماط تصنيفية توضّح الممارسات التربوية والظروف السياقية المؤثرة فيها. وانتهوا إلى صياغة «خرائط سياقية» استُخدمت لتدعيم الوصف النوعي للممارسة التعليمية وإغنائه بتفاصيل تكشف التفاعل بين السياق والبيداغوجيا.

خطت دراسة (SITES M2) خطوة أبعد حين صاغت نموذجًا مفاهيميًا واضح المعالم للبنية الهرمية المتداخلة للعوامل السياقية على المستويين الكلي (الماكرو) والوسيط (الميسو)، مبيّنةً كيف تنعكس هذه العوامل على خصائص الابتكارات التربوية في المستوى الجزئي (الميكرو). ومع ذلك، فإنّ التصميم المنهجي للدراسة لم يوفّر الشروط اللازمة لاستخلاص نموذج إيكولوجي متكامل للابتكارات التربوية، إذ لم يتجاوز حجم البيانات المتاحة عند كل مستوى نقطة واحدة أو عددًا محدودًا جدًا من النقاط، مما جعل تمثيل التفاعلات بين المستويات أمرًا غير ممكن.

قدّمت دراسة (ITL) تصميمًا بحثيًا متقدّمًا يُعدّ الأكثر تطورًا بين الدراسات، بما مكّنها من رصد التعقيد الهرمي للبيانات عبر المستويات المتعددة للنظام التعليمي. وبفضل ذلك، استطاعت أن تكشف عن ملاحظات ثرية تتعلق بالعلاقات التي تربط بين خصائص الابتكارات التعليمية والعوامل السياقية في كل مستوى من مستويات التحليل داخل كل بلد مشارك.

اتّسمت دراسة (SCALE CCR) بقدر من الابتكار المنهجي في طريقة تعريفها للحالة البحثية، إذ ضمّت طيفًا واسعًا من الوحدات التي اختلفت في حجمها ومستوى تفصيلها، وأجرت المقارنات بالاعتماد على أبعاد تحليلية تتجاوز مجرد الوصف. وقد أتاح لها ذلك أن تقدّم تصميمًا بديلًا يمكن من خلاله تناول الابتكارات التربوية باعتبارها ظواهر مركّبة تتوزع على مستويات متعددة من النظام التعليمي.

بناء نماذج إيكولوجية ديناميكية للابتكار التربوي

شهدت كلٌّ من دراستي (SCALE CCR) و(ITL) محاولات أولية لتجسيد الطبيعة الديناميكية للابتكارات التربوية، غير أنّها اتخذت مسارات مختلفة. فقد أتاح تحليل مجموعة متنوّعة من «المشروعات» التي تختلف في مستوى التفاصيل وفي تاريخها التطوّري تصميم نماذج إحصائية ترصد الكيفية التي تتقدّم بها هذه المشروعات بمرور الوقت، سواء من حيث درجة الابتكار ـ المعبَّر عنها بمستوى المشاركة المطلوب للتوافق الاستراتيجي ـ أو من حيث مدى التأثير الذي يبلغه الابتكار. غير أنّ هذه النماذج بقيت إلى حدّ كبير ساكنة، ولم تُوفّر تفسيرًا معمّقًا للآليات أو الشروط التي تمكّن المشروعات ووحداتها الفرعية من التطوّر والتحوّل عبر هذين البُعدين.

امتدّ مشروع (ITL) عبر فترة زمنية بلغت ثلاث سنوات، اتّسم كل منها بوظيفة منهجية متميزة. فقد خُصِّص العام الأول باعتباره مرحلة تجريبية أولية جرى من خلالها اختبار التصميم البحثي وأدوات القياس، وإدخال التعديلات اللازمة عليها لضمان صلابتها. أما العام الثاني فقد مثّل المرحلة التي جرى فيها جمع البيانات وتحليلها بصورة أساسية، وهو ما يشكّل مادة العرض في هذا الفصل. بينما اتخذ العام الثالث مسارًا مختلفًا عن النمط المعتاد للتقييمات الطولية، إذ تحوّل إلى دراسة تطبيقية تستهدف بناء تدخّلات عملية وتنفيذها ورصد التغيّرات المترتبة عليها. وقد أتاح هذا الترتيب الفريد إمكان التوغّل في استكشاف الديناميكيات العميقة للتفاعلات والعلاقات المتشابكة بين المستويات المتعددة داخل المنظومة التعليمية، بما يكشف عن الكيفية التي تُولد بها الابتكارات التربوية وتتطور ضمن بيئة معقّدة وثرية بالترابطات.

آفاق مستقبلية

تحقّق في هذا المجال البحثي الفرعي قدر كبير من التقدّم، سواء فيما يتعلّق بتصميم البحوث أو بتطوير أدوات القياس، وكان أبرز ما أُنجز فيه هو ترسيخ مناهج دراسة الحالة باعتبارها وسيلة قادرة على بناء نماذج إيكولوجية متعدّدة المستويات توضّح مسارات التغيّر. ومع تصاعد الاهتمام عالميًا بالدراسات المقارنة في مجال الابتكارات التربوية، بوصفها أداة لتوجيه السياسات التعليمية على المستويات المحلية والوطنية والدولية، يصبح من المتوقع أن تتعزز الإنجازات المنهجية في هذا الميدان، ولا سيما باتجاه صياغة نماذج ديناميكية للتغيّر تستوعب السياق في موقعه الطبيعي داخل بنيات هرمية متداخلة، تتسم بعلاقات متشابكة وتفاعلات متبادلة التأثير.


الفصل الثالث عشر

مقارنة طرائق التعلم

انشغل المؤلفون بدراسة أساليب التعلّم في مجتمعات متنوّعة لعقود طويلة، ويستعرض هذا الفصل جانبًا من التحديات المنهجية التي اعترضت عملنا وبعض النتائج التي توصّلنا إليها، كما يوضّح أيّ المقارنات في التعلّم يمكن اعتمادها وما الطرائق التحليلية الملائمة لها.

استندت محاولاتنا البحثية الأولى إلى خبراتنا في العلوم، وخاصة في علم النفس المعرفي، وقد ظلّ البحث عبر الثقافات في علم النفس يثير إشكالًا أساسيًا، إذ يركّز هذا العلم في جوهره على دراسة التباينات الفردية في السلوك، فيكون الفرد هو وحدة التحليل الطبيعية، غير أنّ جمع إجابات الأفراد المنتمين إلى ثقافة واحدة لتكوين درجة تمثّل تلك الثقافة في متغيّر ما قد يؤدّي إلى الوقوع في ما يُعرف بالمغالطة البيئية (فان دي فيفر & ليونغ 1997).

تتضح الإشكالية عند تأمل العلاقة بين معدلات الوفاة الناتجة عن النوبات القلبية والسكتات الدماغية، إذ يشترك السببان في ارتباطهما بالأوعية الدموية وقد ينجمان عن عوامل متقاربة، غير أنّ السكتة الدماغية تصيب الدماغ بينما تستهدف النوبة القلبية القلب، وعلى صعيد الأفراد لا يظهر أي ارتباط بين معدلات الوفاة بهذين السببين، ذلك أنّ الشخص الواحد لا يفارق الحياة بسبب الحالتين معًا، لكن عند النظر على مستوى الدول يتبدّى ارتباط معتبر بينهما، ففي البلدان الغنية عادةً ما ترتفع معدلات الوفيات بكلتا الحالتين مقارنة بالدول الأقل نموًا.

أظهرت تسعينيات القرن العشرين أنّ الأبحاث المخبرية المسيطرة في علم النفس، سواء في ميدان التعلّم اللفظي عند البشر أو في تجارب المتاهة عند الحيوانات، لم تكن ذات صلة حقيقية بالتعلّم في البيئة الصفية (براون 1992). واعتمدت الدراسات التجريبية غالبًا على محاكاة النمط التجريبي للعلوم الطبيعية، عبر ضبط كل المتغيّرات تقريبًا باستثناء عدد قليل من المتغيّرات المستقلة التي جرى تغييرها لقياس أثرها في متغيّر تابع. ومثال ذلك تعديل أنماط التعزيز لمعرفة أثرها في عدد المقاطع غير ذات المعنى التي يستطيع الفرد تذكّرها في وقت محدّد. لكن كثيرًا من هذه الأبحاث انصرف إلى اختبار نظريات معقّدة حول أنماط تعلّم غير جوهرية في ظروف مصطنعة، وبعينات ضيّقة اقتصرت غالبًا على طلاب جامعيون أمريكيون بيض من العرق القوقازي. تطوّر من هذه المعطيات البرنامج البحثي الذي يعرضه هذا الفصل، متجسدًا في اهتمامنا العلمي وخبرتنا التخصصية، حيث ركّز بصورة خاصة على المقارنة بين أنماط تعلّم الطلاب في المجتمعين الصيني والغربي، فاستهلّ الفصل باستعراض الأدبيات الجوهرية المتعلقة بمناهج التعلّم، ثم تابع نحو تحليل المقارنات الخاصة بالارتباطات بين استراتيجيات التعلّم مع إبراز قضايا التكافؤ المفاهيمي، وإجراءات الموثوقية، ودرجة الصلاحية البنائية، لينصرف بعد ذلك إلى ما سُمّي بمفارقة المتعلّم الآسيوي مبينًا طبيعتها وطرق تفسيرها، ويتناول في قسم لاحق تصوّرات التدريس من منظور صيني، ليصل في ختامه إلى عرض الاستنتاجات النهائية.

نُهج التعلم

جاء انخراط المؤلف الأول في دراسة بيئة التعلّم متأثرًا بورقتين محوريتين نُشرتا في سبعينيات القرن الماضي (بيغز 1979؛ مارتون & سالجو 1976)، وهما من بين أكثر الأعمال التي جرى الاستشهاد بها في حقل علم النفس التربوي، إذ شكّلتا منطلقًا لمقاربة جديدة للتعلّم تختلف عن النماذج السائدة آنذاك، فقد أراد (بيغز) و(مارتون) و(سالجـو) أن يدرسوا التعلّم لا بوصفه موضوعًا يُحلّله الباحث من الخارج، بل من داخل تجربة المتعلّم نفسه، بما تحمله من إدراك ومعنى وممارسة، ومن هنا ظهر ما أصبح يُسمّى بالمنظور من الدرجة الثانية (مارتون & بوث 1997)، الذي مثّل خطوة نوعية في إعادة الاعتبار لزاوية نظر المتعلّم داخل الدراسات التربوية.

انتمى هؤلاء الباحثون جميعًا إلى تكوين علمي واحد في مجال علم النفس، غير أنّ نهجهم لموضوع البحث تباينت تباينًا ملحوظًا، إذ أسند (مارتون) و(سالجـو) إلى مجموعة من طلاب الجامعات السويدية مهمة قراءة مقالة أكاديمية ثم الإجابة عن أسئلة حول ما تعلّموه وكيف تعلّموه، وكشفت المقابلات المعمّقة اللاحقة عن وجود نمطين رئيسيين في التعامل مع المهمة، فقد ركّز بعض الطلاب على محاولة حفظ التفاصيل الدقيقة أو المفاهيم الأساسية لضمان الإجابة عن الأسئلة، فانحصرت قراءتهم عند حدود الكلمة أو الجملة، في حين سعى معظم الطلاب الآخرين إلى استيعاب المغزى الكلي للنص، فتمحور اهتمامهم حول الأفكار الكبرى والموضوعات المحورية، وعالجوا النص من زاوية المعنى والرسالة التي ينطوي عليها.

وصف الباحثون هذه النوايا وما يصاحبها من استراتيجيات في القراءة بأنّها تمثل نهجًا سطحيًا ونهجًا عميقًا في التعلّم، وأكّدوا في نتائجهم أنّ الاختلاف بين هذين النهجين لا يقتصر على أسلوب القراءة فحسب، بل يمتد ليُنتج فروقًا نوعية في المخرجات التعليمية ذاتها، إذ أظهر الطلاب الذين اعتمدوا النهج السطحي قصورًا في القدرة على توضيح رسالة المؤلفين، ولم يتجاوزوا استدعاء شذرات حقائق أو أجزاء مفصولة من النص، بينما تميّز الطلاب الذين اتخذوا النهج العميق بقدرتهم على بلورة فهم متكامل وأكثر عمقًا لمقاصد المؤلفين، وغالبًا ما وظّفوا اقتباسات نصيّة من المقالة لتدعيم استنتاجاتهم وتعزيز حججهم.

طوّر الباحثون السويديون لاحقًا منهجًا نوعيًا في البحث أطلقوا عليه اسم الفينومينوجرافيا (مارتون 1981)، وهو منهج يهدف إلى فهم الكيفية التي يدرك بها الطلاب مضمون التعلّم وعمليته، أي "ماذا" يتعلّمون و"كيف" يتعلّمون، وقد استند هذا التوجّه إلى الأساس الفينومينولوجي القائل بأن أفعال الأفراد تنبع من تفسيراتهم الذاتية للموقف أكثر مما تنبع من "الواقع الموضوعي".

عمل (بيغز) في أستراليا و(إنتويسل) في المملكة المتحدة على تطوير أدوات لقياس عمليات التعلّم كلٌ على نحو مستقل، مستلهمَين في ذلك ورقة (مارتون & سالجو 1976) وما تلاها من دراسات فينومينوجرافية، كما تبنّيا المصطلحات المرتبطة بـالنهج السطحي والنهج العميق ومناهج التعلّم، ثم قدّم (بيغز 1987) من خلال استبيان عملية التعلّم (LPQ) واستبيان عملية الدراسة في المرحلة الجامعية (SPQ)، وكذلك (إنتويسل & رامسدن 1983) من خلال استبيان مقاربات الدراسة (ASI)، إضافةً جديدة تمثّلت في النهج الإنجازي، حيث يتبنّى الطلاب الذين يسلكون هذا النهج استراتيجيات متنوّعة لتحقيق أعلى الدرجات، فيجتهدون ويعملون بكفاءة عالية، ويُظهرون وعيًا بمؤشرات الأداء وعلاماته، ويستعملون أي وسيلة تُسهم في النجاح الأكاديمي، سواء بالاعتماد على الحفظ الآلي لمعلومات وفيرة أو باستيعاب المبادئ الجوهرية، طالما أنّ ذلك يزيد من فرصهم في بلوغ التفوق.

اتّبع (واتكنز) نهج (بيغز) و(إنتويسل)، ووفّر أدلّة مبكرة تدعم موثوقية استبياناتهما وصلاحيتها، فبينما انصبّ جانب كبير من أعماله الأولى على دراسة العوامل المؤثرة في تعلّم طلاب الجامعات الأستراليين، أجرى دراسات موازية في إحدى الجامعات الفلبينية، وتمكّن من تأكيد الخصائص السيكومترية للاستبيان لدى الطلاب الفلبينيين، سواء من حيث الصدق البنائي أو الثبات، غير أنّ هذا الإنجاز ترك سؤالًا مفتوحًا حول إمكان مقارنة الدرجات الخام بين الطلاب الأستراليين ونظرائهم الفلبينيين، وهو ما يُعرف في أدبيات علم النفس عبر الثقافات بمشكلة تكافؤ القياس، إذ أوضح (هوي & تريانديس 1985) أنّ استخدام أدوات القياس النفسي في ثقافات مختلفة يستلزم البرهنة على مجموعة من أنماط التكافؤ، يتيح كل منها نوعًا محدّدًا من التفسيرات، وعلى المستوى الأكثر أساسية ينبغي أن تكون المفاهيم المدروسة متماثلة في الثقافتين، حتى يتمكّن الباحثون من استخدام مثل هذه الاستبيانات لإجراء مقارنات بينهما.

بلغ أعلى مراتب التكافؤ ما يُسمّى بـالتكافؤ المتري، ويُراد به أن تكون الدرجة الخام التي يحصل عليها مستجيب من ثقافة معيّنة مساوية رياضيًا للدرجة التي يحصل عليها مستجيب من ثقافة أخرى، فمثلًا إذا أحرز طالب نيبالي 19 درجة في مقياس الاستراتيجيات السطحية من استبيان عملية الدراسة (SPQ)، فإن ذلك يُفهم على أنّه يستخدم هذه الاستراتيجيات بالقدر نفسه الذي يستخدمه طالب أسترالي أحرز الدرجة ذاتها، غير أنّ التوصّل إلى مثل هذا التكافؤ أمر يكاد لا يمكن تحقيقه، إذ إن أنماط الاستجابة تختلف باختلاف الثقافات، فالمستجيبون قد يتفاوتون في استعدادهم للموافقة على صياغات الأسئلة، أو في نزوعهم إلى تقديم إجابات يعتقدون أنّها مقبولة اجتماعيًا، أو في ميلهم إلى اختيار الدرجات القصوى عند التقدير، ومع أنّ هذه التحيّزات تميل إلى التوازن داخل الثقافة الواحدة، فإنها تُربك أي محاولة للمقارنة عبر الثقافات (انظر فان دي فيفر & ليونغ 1997)، فضلًا عن أنّ الاختبارات الإحصائية المستخدَمة في المقارنات بين المتوسطات تفترض الاعتماد على عينات مأخوذة عشوائيًا، وهو افتراض قلّما يتحقق في الصفوف الدراسية الواقعية، هذا إلى جانب أنّ المقارنة بين ثقافات مختلفة تستلزم عينات تعبّر تمثيلًا حقيقيًا عن الطلاب والمعلمين فيها، وهو ما يتعذّر بلوغه في معظم الأحوال، الأمر الذي يفرض توخّي الحذر في تفسير مثل هذه المقارنات.

يتحقق مستوى وسيط من التكافؤ حين تُظهر نتائج الأداة أنّها تتمتع بالثبات والصدق في كل ثقافة على حدة، وبذلك يمكن للباحث أن يقارن معاملات الارتباط بين البنى التي تقيسها الأداة والمتغيّرات الأخرى داخل كل ثقافة، فمثلًا يمكن دراسة معامل الارتباط بين درجات الطلاب على مقياس الاستراتيجيات العميقة في استبيان عملية التعلّم (LPQ) وبين تحصيلهم الأكاديمي، سواء في الفلبين أو في أستراليا، وتسمح هذه المقارنات بإبراز أوجه العلاقة بين مقاربات التعلّم وغيرها من المتغيرات النفسية والتربوية المهمة في ثقافات مختلفة، كما تتيح اختبار صلاحية طائفة من الفرضيات النظرية الغربية عند تطبيقها في بيئات غير غربية، وقد أدّى إسهام المؤلف الأول في هذا الحقل إلى صدور مجموعة من الأوراق البحثية وإطلاق برنامج علمي ممتد عُرف بـالتحليلات الميتا عبر الثقافات (واتكنز 1998؛ 2001).

مقارنة ارتباطات استراتيجيات التعلم

شكّلت المرحلة الأولى من هذا البرنامج البحثي خطوة تأسيسية أثبتت أنّ المفاهيم المتداوَلة ذات صلة بسياقات ثقافية مختلفة، وأكّدت أنّ الأدوات المستخدمة تتمتع بالثبات والصدق بما يتيح تطبيقها على المستجيبين من هذه الثقافات، وقد استدعى ذلك إيلاء عناية خاصة لمسألة التكافؤ المفاهيمي، وضبط الثبات، والتحقق من صلاحية البنية الداخلية، إضافة إلى عدد من القضايا الأخرى ذات الصلة.

التكافؤ المفاهيمي

ارتبطت مفاهيم التكافؤ المفاهيمي ارتباطًا وثيقًا بمناهج البحث المعروفة بالمنظور الخارجي (etic) والمنظور الداخلي (emic) (بيري 1989)، حيث يسعى المنظور الخارجي إلى إجراء مقارنات بين الثقافات استنادًا إلى فئات يُعتقد أنّها ذات طابع كوني، في حين يعتمد المنظور الداخلي على مفاهيم تنشأ من داخل ثقافة معينة، وقد ارتبط هذا التوجّه تقليديًا بعلم الأنثروبولوجيا ثم لاقى حضورًا متزايدًا في مجال علم النفس الأصلي (كيم & بيري 1993)، وقد حذّر (تريانديس 1972) من مخاطر ما سمّاه بالبحث "شبه الخارجي" (pseudo-etic)، الذي يفرض مفاهيم ثقافة معينة على ثقافة أخرى باعتبارها كونية، من دون إجراء أبحاث سابقة تتحقق من صدقية هذا الافتراض.

أكّد علماء النفس أنّ بوسعهم الكشف عن المشكلات المتعلّقة بـالتكافؤ المفاهيمي من خلال مقارنة توزيع استجابات المستجيبين على الاستبيانات في ثقافات مختلفة (فان دي فيفر & ليونغ 1997)، وقد أوضحوا أنّ طرائق تحليل تحيّز الفقرات التي ينادون بها قادرة بالفعل على إبراز ما يعتري صياغة البنود من إشكالات، غير أنّ هذا النهج أغفل السؤال الجوهري: هل المفاهيم ذاتها متكافئة فعلًا؟

يبدو جليًا أنّ تقويم التكافؤ المفاهيمي للبنى الكامنة وراء أدوات التعلّم مثل استبيان عملية الدراسة (SPQ) لا يتحقّق إلا عبر التحليل النوعي، ومن أبرز النماذج المستخدمة هنا الفينومينوجرافيا، وقد شهدت ثقافات غير غربية عددًا من الدراسات التي تناولت طلابًا في الصين القارية وهونغ كونغ واليابان وماليزيا ونيبال ونيجيريا، إضافة إلى جامعة جنوب المحيط الهادئ.

قدّمت دراسات عدّة شواهد تؤكّد أنّ المفاهيم التي صاغها (بيغز) و(إنتويسل) تحتفظ بجدواها عند تطبيقها على طلاب نيجيريا، إذ كشفت دراسة إثنوغرافية امتدّت إلى 120 ساعة من الملاحظة في مدارس ابتدائية بمدينة لاغوس أنّ التلاميذ جرى تدريبهم على الاعتقاد بأن الحصول على الإجابة الصحيحة بأي وسيلة، حتى بالغش، يمثّل جوهر عملية التعلّم (أوموخوديـون 1989)، ولم يُبدِ المعلّمون ولا التلاميذ اهتمامًا بعمليات فهم المشكلة أو بآليات التوصّل إلى الحل، وهو ما دفع (أوموخوديـون) إلى الاستنتاج بأن النهج السطحي للتعلّم هو الذي جرى تشجيعه، وجاءت أدلة إضافية من دراسة أخرى شملت 250 طالبًا جامعيًا نيجيريًا أُجيب فيها عن سؤال: "ما الاستراتيجيات التي تستخدمها للدراسة؟" (إهينديرو 1990)، وأبان تحليل المحتوى عن ثلاثة موضوعات أساسية: الاجتهاد، وبناء الفهم، وحفظ المادة من دون استيعابها، وهي موضوعات تقابل ما يُعرف بالنهج التحصيلي والنهج العميق والنهج السطحي في التعلّم.

كشفت التحقيقات النوعية في مناهج التعلّم وتصورات الطلاب الصينيين في هونغ كونغ والصين (كيمبر وغاو 1991؛ مارتون وآخرون 1996؛ داهلين وواتكنز 2000) عن دعم جزئي للصدق المفاهيمي لبنيتي النهج العميق والنهج السطحي عند هؤلاء الطلاب، غير أنّ جميع هذه الدراسات خلصت إلى أنّ الطلاب الصينيين يميلون إلى اعتبار الحفظ عنصرًا مرتبطًا بكلا النهجين، في حين يرى الطلاب الغربيون أنّ الحفظ سمة من سمات النهج السطحي، وأظهرت أبحاث أُجريت في نيبال (واتكنز وريغمي 1992، 1995) أنّ النهجين العميق والسطحي احتفظا بصلتهما لدى الطلاب النيباليين الذين شملتهم العينة، غير أنّ مفهوم التعلّم بوصفه بناءً للشخصية ظهر لديهم في مستوى معرفي أدنى مما هو عليه في الدراسات الغربية، وبذلك يتّضح أنّ بنيتي النهج العميق والسطحي في التعلّم صالحتان للتطبيق في ثقافات غير غربية، لكن ينبغي في الوقت نفسه أخذ الخصوصيات الثقافية في الاعتبار.

الموثوقية

تستلزم الاستجابات على أي أداة قياس تقويمًا لمستوى الثبات في الثقافة التي تُطبّق فيها، وقد توافر دليل قوي نسبيًا على ثبات الاستجابات في استبيان عملية الدراسة (SPQ) واستبيان عملية التعلّم (LPQ) واستبيان مناهج الدراسة (ASI) عبر مجموعة من الثقافات، إذ حصل (واتكنز 2001) على معاملات ألفا كرونباخ لعينات مستقلة بلغت 14 عينة ضمّت 6500 طالب جامعي من 10 دول، وتجاوزت في معظمها 0.50، ويُنظر عادةً إلى هذا المقدار باعتباره مقبولًا لأداة بحثية مخصّصة للمقارنات بين المجموعات، لكنه يظل أقل من المستوى المطلوب عند اتخاذ قرارات أكاديمية مهمة تتعلق بالطالب الفرد (نانلي 1978)، ولم يكن مفاجئًا أن تكون تقديرات الثبات أعلى قليلًا لدى الطلاب الأستراليين الذين طُوّرت هذه الأدوات في الأصل لأجلهم، بينما جاءت منخفضة بوجه خاص لدى الطلاب النيباليين، حيث قد لا تكون المفاهيم بنفس القدر من الصلة لديهم، إضافة إلى ضعف نسبي في كفاءتهم اللغوية بالإنجليزية.

صلاحية البنية الداخلية

أُثبتت صلاحية البنية الداخلية أو ما يُعرف بصدق التكوين لكل من استبيان عملية التعلّم (LPQ) واستبيان عملية الدراسة (SPQ) من خلال مقارنة نتائج التحليل العاملي الداخلي للاستجابات على مقاييسهما في ثقافات مختلفة بعضها مع بعض، ومقارنتها بالنموذج النظري المتوقع، وقد أكّد التحليل العاملي التوكيدي لاستجابات استبيان (LPQ)، الذي يتشارك مع (SPQ) النموذج النظري القائم على ثنائية الدافع/الاستراتيجية، في 10 عينات من طلاب المدارس في ست دول مختلفة وجود عاملين أساسيين هما النهج العميق والنهج السطحي (وونغ وآخرون 1996)، كما دعمت مراجعة الدراسات العاملية التي قدّمها (ريتشاردسون 1994) الصلاحية عبر الثقافات لاستبيان (ASI) بوصفه مقياسًا للنهج العميق والسطحي.

التحليل البعدي عبر الثقافات

اعتمد التحليل البعدي عبر الثقافات أساليب التوليف الكمي في إطار التقليد البعدي (غلاس وآخرون 1981؛ روزنثال ودي ماتيو 2001) لاختبار مدى الصلة الثقافية للمتغيرات التي طرحتها نظرية التعلّم، والتي يُفترض أن تكون مرتبطة بدرجة معنوية بكل من النهج السطحي والنهج العميق والنهج التحصيلي، وأوضح (بيغز 1987) أنّ طريقة تعلّم الطالب تتحدد بعوامل تمهيدية ترتبط بشخصه من جهة وبالبيئة التعليمية من جهة أخرى، وقد جرى في هذا السياق اختبار عدد من العلاقات من منظور مقارن عابر للثقافات:

  • ارتبطت مناهج التعلّم بالتحصيل الأكاديمي ارتباطًا وثيقًا، إذ يُتوقّع أن تؤثر الطريقة التي يعتمدها الطالب في التعلّم على أدائه الدراسي، وقد توقّع (بيغز 1987) و(شميك 1988) أنّ اتباع النهج السطحي يرتبط سلبًا بالإنجاز الأكاديمي، في حين يرتبط اعتماد النهج العميق والنهج التحصيلي إيجابًا بالدرجات، غير أنّ هذه التنبؤات تقوم على افتراض مفاده أنّ مخرجات التعلّم ذات الجودة الأعلى تُكافَأ في نظام التقييم، وهو ما لا يتحقق في كثير من الأحيان.

  • أكّدت البحوث أنّ العلاقة بين تصوّر الذات ومكان الضبط من جهة، وبين أساليب التعلّم من جهة أخرى، تُعدّ علاقة جوهرية، حيث يميل الطلاب الذين يثقون بأنفسهم ثقة عالية، ولا سيّما في مجال قدراتهم الأكاديمية، والذين يظهرون استعدادًا لتحمّل مسؤولية أكبر تجاه نتائج تعلّمهم، إلى تبنّي مناهج تعلّم أكثر عمقًا وأكثر تحصيلاً، وهي مناهج تقتضي أن يستند الطالب إلى فهمه الذاتي واستيعابه المباشر لمواد المقرّر، وأن يطوّر استقلاليته الفكرية في معالجة المعرفة، في حين تتراجع درجة اعتماده على المعلم أو على النصوص المقرّرة باعتبارها المصدر الأوحد للفهم (بيغز 1987؛ شميك 1988).

بدأت المرحلة الأولى من أي تحليل بعدي باختيار الدراسات التي ستخضع للتوليف الكمي، ويُطرح في هذه المرحلة قرار جوهري يتمثّل في تحديد ما إذا كان ينبغي الاقتصار على الدراسات التي تستوفي معايير جودة محدَّدة مسبقًا، مع ضرورة الحسم أيضًا في ماهية هذه المعايير التي يُعتدّ بها لاعتماد الدراسة أو استبعادها.

أجرى (واتكنز) تحليلًا بعديًا عبر الثقافات اعتمد فيه على بحث منهجي في قواعد بيانات معروفة على أقراص مدمجة، إضافة إلى عمليات بحث غير رسمية في مجموعة الدوريات الواسعة بمكتبة جامعة هونغ كونغ، كما سعى إلى جمع مواد منشورة وغير منشورة خلال مؤتمرات دولية، ووجّه رسائل ورقية وإلكترونية إلى باحثين بارزين في هذا المجال، وقد شمل التحليل جميع الدراسات التي عرضت معاملات ارتباط بين أحد مناهج التعلّم على الأقل ومقاييس تقدير الذات أو مكان الضبط أو التحصيل الأكاديمي، أو التي أتاحت بياناتها تقدير هذه المعاملات إحصائيًا، وذلك بشرط أن تُظهر الاستجابات على المقاييس مستوى مقبولًا من الاتساق الداخلي (معامل ألفا لا يقل عن 0.50) في الثقافة موضوع الدراسة، وقد أدّت هذه المعايير إلى استبعاد أربع دراسات.

أبرزت التحليلات البعدية تحدّيًا منهجيًا يتمثّل في التحقّق مما إذا كانت المقاييس المستمدّة من أدوات مختلفة تؤدي بالفعل وظيفة قياس المتغيرات عينها، وبالتالي يمكن دمج نتائجها في إطار واحد، وقد بُني هذا التحليل البعدي على افتراض أساسي مفاده أنّ الأدوات المتعددة المصمّمة لقياس عملية التعلّم تعكس في جوهرها نهج الطالب في التعلّم على النحو الذي أكّد عليه واضعو هذه الاختبارات، كما توسّع ليشمل افتراضًا آخر بأنّ مقاييس تقدير الذات ومكان الضبط والتحصيل الأكاديمي، على اختلاف طرائق قياسه بين الاختبارات المدرسية والمعدّل التراكمي واختبارات التحصيل المعيارية، تمثّل في مجموعها المتغير ذاته.

أُنجزت الخطوة التالية في التحليل البعدي من خلال حساب متوسط معاملات الارتباط بعد حصر الدراسات المؤهَّلة واستخلاص الارتباطات الملائمة، وقد تجاوز الهدف من هذا الإجراء مجرّد الحصول على تقدير كلي لقوة العلاقة ليشمل التعرّف على مدى تباين هذه العلاقة بحسب خصائص العينة، إذ كان الأمل أن يتيح التحليل إدراكًا أوضح لطبيعة الارتباطات القائمة بين مناهج التعلّم والمتغيرات الأخرى محل الاهتمام، وذلك عبر فحص الفروق بين العينات الغربية وغير الغربية من جهة، وبين المستويات المدرسية والجامعية من جهة أخرى.

أظهر الجدول 13.1 متوسط معاملات ارتباط بيرسون التي تبيّن العلاقة بين مناهج التعلّم من جهة، والتحصيل الأكاديمي وتقدير الذات ومكان الضبط الداخلي من جهة أخرى، وقد جرت تحليلات مستقلة لكل من عينات طلاب المدارس وعينات طلاب الجامعات، مع أخذ تنوّع أدوات القياس المعتمدة لهذه المتغيرات في الاعتبار.

  • نُهج التعلم والتحصيل الدراسي: كشفت التحليلات أنّ متوسط معاملات الارتباط بين أساليب التعلّم والتحصيل الأكاديمي، وفق بيانات 28053 طالبًا من 55 عينة مستقلة في 15 دولة، سجّل ‎–.11 للنهج السطحي، و.16 للنهج العميق، و.18 للنهج التحصيلي، كما اتضح أنّ هذه الارتباطات تميل إلى أن تكون أعلى قليلًا في العينات الغربية، خصوصًا عند مستوى المدارس، وعلى الرغم من أنّ انخفاض قوة العلاقات بين أساليب التعلّم والتحصيل الأكاديمي قد عُدّ مخيّبًا للآمال، فإنّه كان أمرًا متوقعًا، إذ غالبًا ما تكافئ نظم التقييم المدرسية والجامعية أشكال التعلّم السطحي، بينما أظهرت الأدلة أنّ ارتباط النهج العميق بمخرجات التعلّم عالية الجودة أقوى بما لا يقاس (واتكنز وبيغز 1996).

  • الجدول 13.1: متوسط معاملات الارتباط بين مقاييس مناهج التعلّم والتحصيل الأكاديمي وتقدير الذات ومكان الضبط

    المجموعات

    حجم العينة

    النهج السطحي

    النهج العميق

    نهج التحقيق

    الإنجاز الأكاديمي

    الغربي

    11.023

    -0.13

    0.18

    0.21

    غير الغربي

    17.030

    -0.10

    0.14

    0.16

    الإجمالي

    28.053

    -0.11

    0.16

    0.18

    تقدير الذات

    الغربي

    5.478

    -0.03

    0.33

    0.30

    غير الغربي

    3.232

    -0.08

    0.27

    0.25

    الإجمالي

    8.710

    -0.05

    0.30

    0.28

    موضع السيطرة

    الغربي

    4.339

    -0.15

    0.10

    0.15

    غير الغربي

    8.673

    -0.22

    0.09

    0.11

    الإجمالي

    13.012

    -0.20

    0.09

    0.12

    المصدر: مقتبس من واتكينز (2001).

  • نهج التعلم وتقدير الذات: بلغ متوسط الارتباطات بناءً على بيانات من 8710 مشاركًا (بما في ذلك 28 عينة مستقلة في 15 دولة) (-0.05) و(0.30) و(0.28) مع النهج السطحية والعميقة والمحققة على التوالي. تجاوز متوسط الارتباطات مع المقاربات العميقة والمحققة 0.25 لجميع العينات الفرعية، ولكنها كانت قوية بشكل خاص (0.33) لطلاب الجامعات الغربية ذوي النهج العميقة.

  • نهج التعلم وموقع السيطرة الداخلي: كان متوسط العلاقات القائمة على بيانات من 13012 مجيبًا (بما في ذلك 27 عينة داخلية في 11 دولة) (-0.20) و(0.09) و(0.12) مع النهج السطحية والعميقة والمحققة على التوالي. وأظهر مزيد من التحليل أن الارتباطات السلبية مع النهج السطحية كانت أكبر من تلك مع النهج الأخرى لعينات المدارس غير الغربية والغربية.

ومع ذلك كانت الارتباطات مع كل من النهج العميقة والمحققة أعلى بكثير بالنسبة للعينات الغربية على المستوى الجامعي.

أثبت التحليل البعدي عبر الثقافات أنّ معاملات الارتباط بين مناهج التعلّم من جهة، وكل من التحصيل الأكاديمي وتقدير الذات ومكان الضبط من جهة أخرى، جاءت متقاربة إلى حد كبير في المدارس والجامعات سواء في السياق الغربي أم غير الغربي، كما تكرّرت هذه النتيجة على اختلاف أدوات القياس المستخدمة، وقدمت هذه النتائج دليلًا داعمًا على الصلاحية عبر الثقافات للنظريات الغربية في هذا المجال، كما أوحت بأنّ التدخلات التعليمية التي صيغت في الإطار الغربي بغرض الارتقاء بجودة استراتيجيات التعلّم قد تكون صالحة وفعّالة كذلك عند تطبيقها على طلاب من بيئات غير غربية.

مفارقة المتعلم الأسيوي

أكّدت الدراسات أنّ النهج الكيفية تكشف بصورة أعمق عن طبيعة المقارنات بين أنماط التعلّم في السياقات الثقافية المختلفة، ويبرز ذلك من خلال ما أُطلق عليه "مفارقة المتعلّم الآسيوي"، وهي مفارقة تُبنى على قياس منطقي يتّسم بالبساطة الظاهرية:

  1. يستخدم الطلاب الأسيويون التعلم عن ظهر قلب أكثر من الطلاب الغربيين.

  2. يؤدي التعلم عن ظهر قلب إلى نتائج تعلم ضعيفة.

  3. ووفق هذا الاستدلال، يُفترض أنّ نتائج التعلّم عند الطلاب الآسيويين أقل جودة من نتائج أقرانهم الغربيين.

أظهرت المقارنات الدولية للأداء التعليمي أنّ النتيجة جاءت معاكسة تمامًا لما افترضه القياس السابق، إذ حقق طلاب سنغافورة واليابان وتايوان وهونغ كونغ مستويات أداء تفوقت بانتظام على مستويات طلاب غالبية الدول الأخرى المشاركة في دراسة التوجّهات في الرياضيات والعلوم (TIMSS) وفي برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) (موليس وآخرون 2008؛ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2010؛ مارتن وآخرون 2012)، وقد استمر هذا التفوق ثابتًا رغم الإصلاحات المنهجية التي حاولت "تغريب" التعليم، كما أظهرت نتائج هذه الأنظمة التعليمية في دراسة التقدّم في مهارات القراءة الدولية (PIRLS) أداءً يفوق المتوسط الدولي (موليس وآخرون 2012)، الأمر الذي يوضح أنّ الاستنتاج المستخلص من القياس السابق غير صحيح، وأنّ موطن الخطأ لا بد أن يكون في واحدة على الأقل من مقدماته.

استند الادعاء المتعلّق بانتشار التعلّم عن ظهر قلب إلى تقارير الممتحنين والمعلمين الذين تعاملوا مع هؤلاء الطلاب في الدول الآسيوية كما في الدول الغربية، فعلى سبيل المثال، كثيرًا ما يشتكي ممتحنو المواد المختلفة في الامتحانات العامة الرئيسة بهونغ كونغ من إجابات نموذجية متكرّرة يقدّمها المرشحون، تصل أحيانًا إلى مئات الطلاب من المدرسة نفسها وهم يسجّلون الجواب الطويل ذاته، كما لاحظ محاضرون غربيون في الجامعات أنّ الطلاب يفضّلون التعلّم عن ظهر قلب ويُبدون عزوفًا عن مساءلة القراءات أو مناقشة ما يطرحه الأستاذ.

اعتبر (جون بيغز 1996) أنّ هذه الملاحظات ليست إلا انعكاسًا لما وصفه بـ "سوء الفهم الغربي لثقافة التعلّم الكونفوشيوسي" (ص 45)، مشيرًا إلى أنّها تتناقض مع الأدلة الميدانية التي قدّمتها الدراسات النوعية. وقد دلّت الدراسة المصوّرة التابعة لـ TIMSS، التي أجرت تحليلًا تفصيليًا لدروس الرياضيات لطلاب الصف الثامن في الولايات المتحدة وألمانيا واليابان، على أنّ التعليم في اليابان لم يُبنَ على التعلّم عن ظهر قلب كما قد يُتصوَّر، بل نُظّم وفق تسلسل تعليمي يبدأ بمراجعة موجزة للدرس السابق، ثم بتكليف الطلاب بحل مسائل ذات مستوى عالٍ من الصعوبة، يعالجونها على نحو فردي قبل الانتقال إلى التعاون في مجموعات صغيرة، لينتقلوا بعد ذلك إلى عرض الحلول ومناقشتها أمام الصف، بينما يقدّم المعلّم تلخيصًا ختاميًا يركّز على أهم النقاط. وقد عكست هذه الدروس غنى في المحتوى الرياضي وثراء في الأنشطة التي تستدعي التفكير النقدي والابتكار، على الرغم من اشتمالها أحيانًا على محاضرات قصيرة أو مهام استظهار. وأكّد (ستـيغلر وهيبرت 1999) أنّ هذا التنوّع في الأساليب غالبًا ما يتعايش داخل الدرس الواحد، في حين أبرزت دراسة أُجريت في شنغهاي وهونغ كونغ وجمهورية التشيك حول تدريس نظرية فيثاغورس أنّ المعلّم في شنغهاي قدّم أصعب التحديات وأسند إلى الطلاب مهمة صياغة فرضيات بالاستناد إلى الرسوم والحسابات، فضلًا عن الانخراط في بناء براهين رياضية متنوّعة للنظرية، وقد انعكس ذلك في مشاركتهم الفاعلة من خلال إعداد الرسوم وشرح تصوّراتهم (هوانغ وليونغ 2002، ص 276)، مع رصد ممارسات متقاربة في هونغ كونغ (فان آلست 2010).

أوضح (وونغ 2004) أنّ المتعلّمين الصينيين يميلون أولًا إلى حفظ المعلومات الجديدة ثم إلى فهمها وتطبيقها، وبعد ذلك فقط إلى نقدها وتعديلها. وأظهرت دراسات (لي 2009) حول تصوّرات الطلاب الجامعيين الأمريكيين والصينيين عن التعلّم أنّ المتعلّمين الصينيين يتميزون بجملة من السمات الإيجابية أهمها الالتزام بالتعلّم، والعطش إلى المعرفة، واحترام المعلّمين والمعرفة، والتواضع. وقد عرّفت هذه الدراسات غاية التعلّم بأنّها "السعي إلى التوسّع في المعرفة وتعميقها، وربطها بالتطبيقات العملية في الحياة، وتحقيق وحدة بين المعرفة والأخلاق الشخصية" (لي 2009، ص 61). ولم يُقصد بالاحترام أن يقبل الطلاب أقوال المعلّم قبولًا أعمى، بل أن يتعاملوا معه بصدق وتقدير، فيما يعني التواضع أنّ الطلاب بعد اكتسابهم المعرفة يحافظون على يقظة ضد الشعور بالرضا عن الذات ليستمروا في مسيرة تحسينها. وفي دراسة قارنت التفاعل بين الأقران في حصص العلوم لطلاب المرحلة المتوسطة في أستراليا وتايوان، وجد (والاس وتشو 2001) أنّ الطلاب التايوانيين عبّروا في المقابلات عن نظرهم إلى زملائهم باعتبارهم مصادر مساعدة للتعلّم، بينما بدا أنّ الطلاب الأستراليين "أكثر اهتمامًا بالعلاقات في ذاتها" (ص 704). كما لاحظ الباحثان أنّ الطلاب في الصفوف التايوانية عندما عملوا في مجموعات ظلّوا متمركزين حول المهمة التعليمية، ومالت أجسادهم نحو بعضهم لتكثيف التواصل البصري، وهو ما يعكس حالة من الانخراط المعرفي. وأخيرًا، أظهرت الدراسات المقارنة باستخدام استمارات (LPQ) و (SPQ) أنّ الطلاب الأستراليين أفادوا بأنّهم يستخدمون استراتيجيات التعلّم عن ظهر قلب أكثر من أقرانهم الآسيويين في هونغ كونغ وماليزيا ونيبال (كيمبر وغاو 1991؛ واتكنز وآخرون 1991).

دلّت النتائج المستخلصة على نقض التصوّرات الغربية المسبقة عن سلوكيات التعلّم لدى الطلاب الآسيويين، وهي التصوّرات التي مثّلت الركيزة الأولى للقياس المنطقي المطروح، وأثبتت أنّها لا تتوافق مع الوقائع التجريبية. غير أنّ الإشكال ما زال قائمًا فيما إذا كانت المعتقدات المستندة إلى الإرث الكونفوشيوسي ستبقى متماسكة في مواجهة الانفتاح المستمر على القيم الغربية. وقد خلص (تشان) و(راو) 2009 في إعادة نظرهم في فكرة "المتعلّم الآسيوي" إلى أنّ الوصف الأدق لا يتمثل في افتراض وجود هوية آسيوية ثابتة في التعلّم، بل في الحديث عن سياقات محددة تمنح القيم الكونفوشيوسية دورًا مركزيًا، مع الاعتراف بأنّ هذه السياقات نفسها آخذة في التغيّر استجابةً للضغوط والتطورات التي تفرضها العولمة.

أوضحت دراسات (لي 2009) أنّ السمات التي تشمل الالتزام العميق بالتعلّم والرغبة المتواصلة في طلب المعرفة تمثّل عوامل مؤثرة في تفسير النتائج الإيجابية التي يحققها المتعلّمون في شرق آسيا في المقارنات الدولية للتحصيل. ومع ذلك، يبقى واقع الحال أنّ المتعلّمين الآسيويين يمارسون الحفظ، الأمر الذي يقتضي تبنّي فهم ثقافي الحساسية للعلاقة بين الحفظ والفهم بغية معالجة المفارقة. ففي حين اعتمد التعليم الغربي في الماضي على التعلّم عن ظهر قلب، إلا أنّ المربين الغربيين في يومنا هذا يرفضون هذا النمط، غير أنّهم أخفقوا في التمييز بين التعلّم عن ظهر قلب، أي الحفظ "من غير تفكير أو فهم" كما يعرّفه قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية، وبين التعلّم التكراري الذي يقوم على الحفظ مع تعزيز التذكّر المستقبلي مقرونًا بالفهم. ومن المؤكد أنّ الحفظ من غير فهم يقود إلى نتائج تعلّم محدودة، غير أنّ كثيرًا من المعلمين الغربيين يفترضون خطأً أنّ الطلاب الصينيين عندما يحفظون فإنهم يمارسون التعلّم عن ظهر قلب على حساب الفهم. في الواقع، يُظهر الطلاب الصينيون أنّهم كثيرًا ما يلجؤون إلى التعلّم التكراري، فيجمعون بين التثبيت في الذاكرة وتعزيز الفهم. وقد كشفت المقابلات المعمّقة مع المعلمين والطلاب في هونغ كونغ والصين أنّ المعلمين والطلاب المتميزين لا يرون الحفظ والفهم عمليتين منفصلتين، بل عمليتين متكاملتين، وأنّ تحصيلًا عالي الجودة يستدعي بالضرورة تفاعل العمليتين معًا (مارتون وآخرون 1996؛ مارتون وآخرون 1997). وبهذا يقدَّم التفسير لما يُعرف بمفارقة المتعلّم الآسيوي: فالمتعلمون في الثقافات ذات الإرث الكونفوشيوسي يُرصدون وهم يكثرون من الحفظ، غير أنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّهم يمارسون التعلّم عن ظهر قلب كما افترض أساتذتهم الغربيون، بل على العكس، يُظهر كثير منهم أنّهم يطوّرون الفهم من خلال عملية الحفظ نفسها، وهو ما يفسّر تفوّقهم الأكاديمي.

أجرى (داهلين وواتكنز 2000) دراسة ميدانية للتحقّق من هذه الفرضية بصورة تجريبية، واعتمدا في ذلك على مقابلات معمّقة مع طلاب من المدارس الدولية والمدارس الثانوية العامة. وأظهرت نتائج الدراسة أنّ الطلاب في الصين استخدموا التكرار لغرضين مختلفين، بخلاف نظرائهم الغربيين. فمن جهة ارتبط التكرار لديهم بإحداث "انطباع عميق" يقود إلى الحفظ والاستظهار، ومن جهة أخرى استُخدم كوسيلة لتعميق الفهم وتطويره من خلال البحث عن معانٍ جديدة. أما الطلاب الغربيون فقد اقتصروا في الغالب على توظيف التكرار للتحقّق من أنّهم استذكروا المعلومة بالفعل. وجاءت هذه النتيجة متسقة مع فارق ثقافي آخر رصده (داهلين وواتكنز 2000)، إذ نظر الطلاب الغربيون إلى الفهم باعتباره عملية تحدث فجأة نتيجة لمحة إدراك، بينما اعتبره الطلاب الصينيون مسارًا ممتدًا يتطلّب جهدًا ذهنيًا متواصلًا وصبرًا طويل الأمد.

مفاهيم التدريس من منظور صيني

ركّز (واتكنز وبِغز 1996) في أبحاثهما السابقة على الطلاب الصينيين، لكنهما أدركا في الوقت نفسه أنّ المعلّمين الصينيين لا بد أن يكونوا قد أسهموا بفاعلية في تحقيق نتائج تعليمية تتفوّق كثيرًا على نظيراتها في المدارس الغربية. واتّضح سريعًا أنّ العلاقة بين المعلّم والطالب تمثّل ركيزة أساسية لفهم دور المعلّم في الفصول الصينية. ووفقًا للتقاليد الصينية، تناظر العلاقة بين المعلّم وطلابه علاقة الوالدين بأبنائهم. وهنا يقتصر بعض المراقبين الغربيين على رؤية جانب واحد من المشهد. ومن ذلك ما أشار إليه (غينسبرغ 1992، ص 6) بأنّ المحاضر في الصين يُنظر إليه باعتباره شخصية مرجعية، "شيخًا محترمًا ينقل المعرفة إلى تابع أصغر سنًا"، وهو توصيف يحمل قدرًا من الصواب. غير أنّ الطريقة المعتادة للتدريس لا تقوم ببساطة على نقل معرفة عليا، بل تعتمد بدرجة كبيرة على التفاعل داخل سياق اجتماعي يتسم بالقبول المتبادل.

عرضت (هو 2001) اختلافًا ثقافيًا مهمًا في التصورات المرتبطة بما يُعَدّ تدريسًا جيدًا. فقد استعانت بمسح ميداني لمقارنة آراء المعلّمين في المدارس الثانوية في أستراليا وهونغ كونغ، وأظهرت نتائجها أنّ المعلّمين الأستراليين نظروا إلى دورهم باعتباره محصورًا بالأساس في نطاق التعليم داخل قاعة الصف، في حين اعتبر المعلّمون في هونغ كونغ أنّ دورهم يمتد أيضًا إلى معالجة المشكلات الأسرية للطلاب وسلوكياتهم خارج أسوار المدرسة.

أكدت بحوث لاحقة التصوّر الشائع في الثقافة الصينية بأنّ المعلّمين لا بد أن يتحلّوا بخصال أخلاقية رفيعة، وأن يحرصوا في الوقت نفسه على تنمية البعد الأخلاقي لدى طلابهم (قاو وواتكنز 2001). وقد سعت تلك الدراسة بصورة أساسية إلى وضع نموذج للتصوّرات المرتبطة بالتدريس يناسب معلّمي الفيزياء في المدارس الثانوية بمقاطعة غوانغدونغ الصينية. وبعد سلسلة طويلة من المقابلات المتعمقة، والملاحظات الصفية، واستطلاع تجريبي كمي، توصّل (قاو وواتكنز) إلى بناء نموذج يضم خمسة تصوّرات أساسية هي: نقل المعرفة، والإعداد للامتحانات، وتنمية القدرات، وتعزيز الاتجاهات، وإرشاد السلوك. وقد جرى تجميع التصوّرين الأولين ضمن توجه أعلى سُمّي "التشكيل"، وهو يتقاطع إلى حد بعيد مع بُعد "النقل" الذي حدّدته دراسات غربية سابقة (مثل كيمبر وغاو 1994). أمّا التصوّرات الثلاثة الأخرى فتمّ دمجها ضمن توجه أعلى أطلق عليه "الرعاية" أو "التهذيب"، وهو لا يقتصر على تعزيز الفهم لدى الطلاب وتحقيق نتائج تعليمية أرقى كما في بُعد "التيسير" عند (كيمبر وغاو)، بل يتسع ليشمل أيضًا الأبعاد الوجدانية مثل غرس حب العلم، والجوانب الأخلاقية غير الأيديولوجية التي تبرز في تنمية إحساس الطالب بمسؤولياته تجاه أسرته ومجتمعه بأسره.

أظهرت نتائج دراسة (جين وكورتازي 1998) التي شملت طلابًا في المدارس الثانوية البريطانية والصينية، واعتمدت على كلٍّ من الاستبانة والملاحظة الصفّية، أنّ هناك اختلافًا بيّنًا في فهم مفهوم "المعلّم الجيد". فقد وصف الطلاب البريطانيون المعلّم الجيد بأنه من ينجح في إثارة اهتمام طلابه، ويشرح بوضوح، ويستعمل طرائق تعليمية ناجعة، ويخطّط لأنشطة متعددة ومتنوعة. وتُعدّ هذه السمات انعكاسًا مباشرًا لمضامين المقررات الغربية في إعداد المعلّمين. في المقابل، أكّد الطلاب الصينيون أنّ المعلّم الجيد هو من يتمتع بمعرفة معمّقة، ويستطيع الإجابة عن تساؤلات الطلاب، ويشكّل قدوة أخلاقية يُقتدى بها. أما فيما يخص علاقة المعلّم بالطلاب، فقد فضّل البريطانيون أن يكون المعلّم صبورًا ومتعاطفًا مع من يتعثرون في متابعة الدرس، في حين نظر الصينيون إلى العلاقة مع المعلّم المثالي باعتبارها علاقة ودية وحميمة تمتد إلى خارج نطاق الفصل الدراسي.

أبرزت الدراسات أنّ النظر إلى المعلّم الصيني على أنّه شخص ودود ودافئ يجد أساسه في مفهوم "رن" () عند كونفوشيوس (جين وكورتازي 1998؛ قاو وواتكنز 2001)، وهو مفهوم يُشير إلى "الإنسانية المفعمة بالرحمة" أو "المحبّة". ويذهب (جين وكورتازي 1998) إلى أنّ التعليم في الصين القارية يستند في جوهره إلى المبادئ الكونفوشية، حتى وإن لم يدرِ المعلّمون والطلاب بذلك إدراكًا واعيًا. ومن بين هذه المبادئ أنّ المجتمع يمنح التعليم مكانة مرموقة، وأنّ التعلّم يقتضي التأمل والممارسة العملية، وأنّ الجدّ قادر على سدّ النقص في الاستعداد الطبيعي، وأنّ المعلّم يُجسّد القدوة في العلم والأخلاق، وأنّ التعلّم يُفهم على أنّه واجب أخلاقي والتزام تجاه الأسرة (انظر أيضًا لي 1996؛ لي 2001).

أظهرت دراسة أخرى في هذا المجال كيف يمكن الجمع بين الطرائق الكمية والكيفية لتوفير فهم أعمق لطبيعة تصوّر "المعلّم الجيد" في سياقات ثقافية مختلفة (واتكنز وتشانغ 2006). وقد شملت العينة 128 طالبًا، معظمهم من الطلاب الصينيين، إلا أنّ بعضهم كان يدرس في مدارس ثانوية صينية اعتيادية في هونغ كونغ، بينما التحق آخرون بمدارس ثانوية دولية أمريكية في هونغ كونغ. وفي الحالة الثانية كان معظم المعلّمين أمريكيين، وكان المنهاج أمريكيًا ولغة التدريس الإنجليزية. واستنادًا إلى منهجية بحثية طوّرها (بيشويزن وآخرون 2001)، طُلب من الطلاب في البداية كتابة مقالات قصيرة بعنوان "المعلّم الجيد". جرى تحليل هذه المقالات تحليلاً موضوعيًا لاستخراج البُنى المفاهيمية المستعملة فيها، ثم أُعيد ترميز كل مقال بدرجتي "0" أو "1" وفقًا لمدى تضمّنه لهذه البُنى. وبعد ذلك استُخدمت تقنية التحجيم المزدوج لتحديد الأبعاد الرئيسة لتصوّر المعلّم الجيد. وقد تبيّن بوضوح بُعدان أساسيان: الأول يتعلّق بسمات مثل الوفاء بالوعود، تحمّل المسؤولية، والتحلي بالصدق؛ والثاني يتعلّق بامتلاك معرفة معمّقة، وتنظيم مواقف تعليمية متنوعة، وإتاحة قدر من الحرية للطلاب. وبالانسجام مع نتائج دراسات سابقة، سجّل طلاب المدارس الدولية درجات أعلى بكثير في البُعد الثاني، وأدنى في البُعد الأول. ومن ثمّ يتضح أنّ مجرد التعرّض إلى سياق تعليمي غربي كان كافيًا ليجعل هؤلاء الطلاب الصينيين ينظرون إلى التدريس من زاوية أقرب إلى المنظور الغربي.

الاستنتاجات

عرض هذا الفصل جملة من القضايا المنهجية المرتبطة بمقارنة التعلّم عبر الثقافات، وذلك من خلال استعراض جانب من أعمالنا وأعمال زملائنا في هذا المجال. وقد اتّضح أنّ معظم المؤلفات التي تناولت هذا الموضوع اعتمدت على مناهج ونظريات علم النفس. وقد بيّنا كيف أنّ انتقال علماء النفس التربوي من حدود المختبر إلى استخدام مناهج بحثية من الدرجة الثانية، تستند إلى منظور الطلاب والمعلّمين أنفسهم، قد أتاح لهم تحقيق تقدّم ملموس في فهم عمليات التعلّم في الصفوف الدراسية الغربية. غير أنّ معظم هذه البحوث ظلّ يتخذ من الطالب الفرد أو المعلّم الفرد وحدةً للتحليل، وهو ما يجعل هذه المناهج، شأنها شأن علم النفس بوجه عام، أقل ملاءمة لإجراء المقارنات عبر الثقافات.

نعتقد أنّ مشروعية مقارنات المتوسطات المستخلصة من الأدوات المصمّمة لقياس مختلف البنى النفسية المتصلة بالتعلّم يجب أن تكون محل تساؤل، بسبب ما يعتريها من مشاكل تتعلق بالمكافأة المترية وطبيعة العينات المستخدمة. ومع ذلك، فإنّ التحدي المتمثل في اختبار مدى مناسبة معظم النظريات والبرامج التدريبية في بيئات ثقافية مختلفة يمكن تجاوزه من خلال الاعتماد على مقارنة معاملات الارتباط بين الثقافات (انظر الجدول 13.1)، أو على مقارنة المتوسطات داخل كل ثقافة على حدة. وهذا النوع من التحليل يتطلب اختبارات أقل صرامة لسلامة المفاهيم، ويكتفي بالتحقق من ثبات الأداة البحثية وصدقها لدى المشاركين في كل ثقافة موضع الدراسة.

كما أوضحنا أنّ تبنّي نهج كيفي، أو الجمع بين الطرائق الكمية والكيفية، يتيح مجالًا أوسع لفهم معنى المفاهيم المحورية مثل التعلّم داخل الثقافات المختلفة وعبرها، وهو ما يتيح بدوره اختبار مدى صلاحية هذه المفاهيم على مستوى التماثل المفهومي. ومن وجهة نظرنا، فإنّ هذا النمط من البحث المعمّق يُعد شرطًا لا غنى عنه لضمان مقارنة صحيحة لعمليات التعلّم بين الثقافات. وقد يكون أيضًا السبيل الأكثر فاعلية لتأسيس برامج تدريبية تُصمَّم خصيصًا لتحسين جودة نواتج التعلّم في سياقات ثقافية متعددة.


الفصل الرابع عشر

مقارنة الإنجازات التعليمية

عندما اطّلع (جورج بيرداي) -العالم المقارن الشهير من جامعة كولومبيا في نيويورك (انظر على سبيل المثال بيرداي 1964)- في أوائل ستينيات القرن الماضي على الجهود البحثية التي قادتها الرابطة الدولية لتقويم الإنجازات التعليمية (IEA)، عبّر عن موقفه قائلًا إنهم يقارنون بين أشياء لا سبيل لمقارنتها أصلًا. وربما كان يريد الإشارة إلى أنّ التلاميذ الذين ينتمون إلى ثقافات متباعدة لا يمكن النظر إليهم كما لو كانوا في ظروف واحدة، أو أنّ النظم التعليمية بما تحمله من فروق عميقة في المناهج، وفي طرائق التدريس، وفي برامج إعداد المعلّمين، تجعل أي محاولة للتقويم العابر للبلدان مثقلة بصعوبات لا حصر لها. فالأطفال يدخلون المدارس في أعمار متباينة، والمقررات تختلف جذريًا، وطرائق إعداد المعلمين تتراوح بين نماذج متناقضة، وكل هذا يفتح سلسلة طويلة من التمايزات التي تجعل المقارنة ضربًا من المجازفة.

ربما أراد (بيرداي) أن يثير سؤالًا حول عدالة المقارنة بين الإنجازات التعليمية لطفل ياباني في سن العاشرة والإنجازات التعليمية لطفل هولندي يماثله عمرًا. فقد اختلفت سنوات التعليم، وتباينت المناهج، وتكررت الأعوام الدراسية لبعض التلاميذ، فغدت المقارنة غير منصفة. غير أنّ هناك من يرى أنّ وحدة العمر تكفي لتبريرها، على اعتبار أنّ المطلوب هو معرفة ما يقدّمه النظام التعليمي للفئة العمرية الواقعة تحت سلطته. وهذه بعض المسائل التي سيقف عندها هذا الفصل بالتفصيل.

ما الدافع إلى مقارنة الإنجازات التعليمية؟

قبل أن نشرع في تحليل تقنيات المقارنة، يجدر بنا أن نتساءل عن الدوافع التي تجعل الباحثين وواضعي السياسات التعليمية يلجؤون إلى قياس الإنجازات التعليمية بين الدول. ويمكن التعبير عن هذه الدوافع كما لو أنّ وزير التربية طرح الأسئلة التالية:

  • هل تقف إنجازاتنا التعليمية في مرتبة أعلى أو مساوٍ أو أدنى مقارنة بنظيره في أنظمة تعليمية أخرى مماثلة؟

  • إلى أي حد تختلف مدخلات الأنظمة الأخرى وعملياتها، خصوصًا تلك التي تفوقت علينا، عن مدخلاتنا وعملياتنا، وما الثمن الذي تدفعه هذه الأنظمة لتحقيق ذلك؟

  • هل مدارس الأنظمة الأخرى متباينة عن مدارسنا أم متشابهة معها، وما درجة التنوع القائم بين مدارس كل نظام؟

  • وما مدى الفوارق بين المجموعات الطلابية الفرعية (بحسب النوع الاجتماعي أو الوضع الاجتماعي-الاقتصادي أو الوسط الحضري والريفي وما إلى ذلك) في الأنظمة الأخرى، وكيف يمكن مقارنة هذه الفوارق بما هو موجود في نظامنا؟

لا تقتصر المسألة على هذه التساؤلات وحدها، لكنها تبقى الأبرز، وجميعها ينتهي إلى خلاصة واحدة: ما الفائدة التي يمكن أن نحصل عليها من التأمل في تجارب أنظمة التعليم الأخرى؟

تنصرف الدراسات الدولية في العادة إلى عقد المقارنات بين الدول، غير أنّ بعضها يمتد ليُجري مقارنات داخل الدولة الواحدة. وغالبًا ما تتمحور الأسئلة في هذا السياق حول حجم الفوارق في الإنجازات التعليمية بين الصفوف، وبين المدارس، وكذلك بين الذكور والإناث أو بين فئات أخرى من التلاميذ. وتستند فكرة المقارنة في الإنجازات التعليمية إلى افتراض وجود فهم مشترك لطبيعة الموضوعات موضع المقارنة، كما تفترض أنّ الفئات أو المدارس التي يجري إخضاعها للمقارنة متكافئة في الأساس.

ما الأسس والإجراءات التي يجري اعتمادها لقياس الإنجازات التعليمية؟

قد يبدو للوهلة الأولى أنّ مقارنة مستويات الإنجازات التعليمية مسألة يسيرة. فإذا كان الهدف من الدراسة مثلًا هو مقارنة الإنجازات التعليمية لطلبة الصف الثامن في مادة الرياضيات بين ألمانيا وتشيلي، فقد يُظن أنّ الأمر لا يعدو أن يكون إجراء اختبار رياضيات على عينة من طلبة الصف الثامن في كلا البلدين ثم الموازنة بين النتائج. غير أنّ التجربة العملية تكشف أنّ المسألة أعقد من ذلك بكثير. ولهذا السبب خُصّصت صفحات عديدة لاحقًا لمناقشة هذه القضية، نظرًا إلى أنّ التربويين المقارنين كثيرًا ما يقلّلون من شأنها.

تستهل أي دراسة للإنجازات التعليمية، سواء أجريت داخل دولة واحدة أو بين دول متعددة، بوضع إطار يحدد بدقة مجال الدراسة ويُرسم على أساسه مخطّط للاختبار، ثم تُعدّ الاختبار ذاته، لتأتي بعد ذلك مرحلة تحديد درجات الطلاب. ويعالج هذا الجزء هذه الخطوات عبر جملة من التساؤلات:

* كيف يُعرَّف موضوع الدراسة ويُضبط نطاقه؟

* ما أنواع الدرجات التلخيصية المطلوبة؟

* كيف يُبنى المخطّط الاختباري؟

* ما أصناف البنود التي يُعتمد عليها؟

* من الجهة التي تتولى صياغة البنود والتثبت منها؟

* كيف تُترجم البنود؟

* كيف تُختبر البنود تجريبيًا؟

* وبأي صورة يُعتمد الاختبار في النهاية؟

كيف يُعرَّف موضوع الدراسة ويُضبط نطاقه؟

تُؤخذ الإنجازات التعليمية في مادة الرياضيات مثالًا فتبدأ الخطوة الأولى بتحديد ما نعنيه بالرياضيات نفسها، إذ يُطرح السؤال: هل يظل هذا المفهوم محافظًا على المعنى ذاته في دولة ألمانيا كما في دولة تشيلي؟ وهنا تتضح الحاجة إلى بلورة فهم مشترك يحدد بدقة طبيعة ما يُقاس في هذه الدراسات.

انطلقت بعض الدراسات القديمة التي أجرتها الرابطة الدولية لتقويم الإنجازات التعليمية (انظر مثلًا: (هوسين 1967)؛ (كومبر وكيفز 1973)) من تحليلٍ لمضامين المناهج في الصفوف الدراسية المعنية داخل كل دولة. وبعد نقاشات مطوّلة أُنتج إطار متفق عليه يصف مجال المادة الدراسية. ومن الأمثلة على طبيعة هذه النقاشات ما جرى في إطار مادة الرياضيات الخاص بالدراسة الدولية الثالثة للرياضيات والعلوم (TIMSS)، إذ ثار الخلاف حول مجال الهندسة: فبينما أدرجت بعض الدول الهندسة الإقليدية، اعتمدت أخرى الهندسة التحويلية، واختارت دول ثالثة ما عُرف لاحقًا بالمدخل الحدسي. وكان السؤال المحوري: أيّ هذه الاتجاهات ينبغي أن يُدرج في الإطار؟

يُبنى المخطّط الاختباري على الإطار الموضوع مسبقًا، إذ جرت العادة في الدراسات الأولى للرياضيات والعلوم التي أشرفت عليها الرابطة الدولية لتقويم الإنجازات التعليمية أن يُرسم هذا المخطّط بحيث يضع مجالات المحتوى على المحور الرأسي، ويضع السلوكيات المصنّفة على المحور الأفقي. ومع تطور هذه الدراسات، كما في دراسة (TIMSS 1995)، أضيف بُعد جديد عُرف بـ "المنظورات" (روبتيّاي 1993، ص 44)، وشمل اتجاهات المتعلمين، واختياراتهم المهنية، ومستوى مشاركتهم، وسبل تنمية اهتمامهم، وعاداتهم الذهنية.

ومن الأمثلة البارزة في هذا المجال الدراسة التي أجراها البرنامج الدولي لتقويم الطلبة (PISA) تحت رعاية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، حيث انطلقت عملية معمّقة هدفت إلى الوصول إلى إجماع حول طبيعة المعارف والمهارات الضرورية للطلاب في سن الخامسة عشرة، سواء في ميدان القراءة أو الكفاية الرياضية أو الكفاية العلمية (OECD 1999). وقد ورد في أحد التعريفات المعتمدة (OECD 2009، ص 14) أنّ الكفاية الرياضية تتمثل في "قدرة الفرد على إدراك الدور الذي تنهض به الرياضيات في العالم وفهمه، واتخاذ قرارات وأحكام مؤسسة على أسس متينة، مع القدرة على استخدام الرياضيات والتفاعل معها بطرائق تلبّي احتياجات حياته باعتباره مواطنًا مسؤولًا، وواعيًا، وذا نظرة ناقدة". ويختلف هذا المنحى عن الأسلوب الذي اعتمدته دراسات الرابطة الدولية لتقويم الإنجازات التعليمية.

يظهر اختلاف جوهري بين (TIMSS) و(PISA) في الطريقة التي تعالجان بها مجالات المحتوى. ففي (TIMSS 2011)1 للصف الثامن ضمن إطار الرياضيات جرى تنظيم الإطار حول أربع مجالات محددة بوضوح هي العدد والجبر والهندسة والبيانات والاحتمالات. أما (PISA) فقد فضّلت أن تبتعد عن هذا التصنيف التقليدي وأن تبني إطارها على أربع أفكار كبرى هي الفضاء والشكل والتغير والعلاقات والكمية والاحتمالية. ورغم أن هذه الأفكار تقابل تقريبًا المجالات الأربعة في (TIMSS)، فإن العلاقة بينهما ليست دقيقة لأن (PISA) وضعت منذ البداية هوامش مفتوحة تسمح بوجود تقاطعات مع مجالات أخرى. وما يميز (PISA) أنها لا تقتصر على النظر في بنية المحتوى وحده بل تدمج معه مجموعة واسعة من الظواهر والمفاهيم ذات الصلة بالواقع والتي يمكن أن يواجهها الطلاب في حياتهم اليومية، وبذلك انتقلت من مقاربة تعتمد على تصنيف المحتوى إلى مقاربة تعالج الأفكار الكبرى في سياق واقعي (انظر الشكل 14.1).

الشكل 14.1: المكوّنات الرئيسة لمجال الرياضيات كما يقدَّم في إطار (PISA)

Shape1

المصدر: منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (2010 أ)، ص 90.

أولت مشروعات اتحاد جنوب وشرق إفريقيا لرصد جودة التعليم (SACMEQ) اهتمامها بالتصنيفات الهرمية لمستويات الكفايات في القراءة والرياضيات، إذ إن هذا النهج يمكّن مستخدمي تقارير البحث من الاطلاع بسهولة على النسب المئوية للطلاب الذين أحرزوا كل مستوى من المستويات المهارية. ويُظهر هذا الأسلوب النتائج بصورة أوضح وأكثر دلالة للمعنيين بالسياسات التعليمية والممارسات التربوية، لأنه يبين بدقة حجم الفئات التي أتقنت مهارات محددة. ويغدو بذلك أكثر فائدة ووضوحًا من مجرد الاقتصار على عرض درجة رقمية مثل 487 (بوستلثويت 2004).

لا يُنظر إلى تعريف موضوع الدراسة باعتباره مسألة صواب أو خطأ، وإنما يتحدد وفقًا لما يقرره المتخصصون في المناهج المشاركون في البحث. ويصبح الرجوع إلى هذا التعريف أمرًا أساسيًا عند تفسير النتائج وفهم دلالاتها. وبما أنّ وضع مخطّط يحقق العدالة الكاملة بين الدول أمر غير ممكن، فقد جرى وصف المخطّط النهائي بأنّه "غير منصف للجميع على نحو متساوٍ".

ما أنواع الدرجات التلخيصية المطلوبة؟

يقتضي تقديم نتائج الاختبار على هيئة مجموع كلي ودرجات فرعية للمجالات أن يتوافر عدد كافٍ من البنود في كل مجال حتى يمكن استخراج هذه الدرجات. وإذا استهدفت البنود مستويات متدرجة من المهارات، وجب تحديد تلك المستويات مسبقًا. ومن هنا تبرز أهمية تحديد أنواع الدرجات المطلوبة منذ البداية، لأنها تحدد طبيعة البنود وصعوبتها. وعند قياس مجالي القراءة والرياضيات مثلًا، يكون من المألوف استخراج درجة كلية لكل منهما، إلى جانب درجات تفصيلية مثل السرد والنصوص التفسيرية وقراءة الوثائق في مجال القراءة، والعدد والقياس والهندسة في الرياضيات. أما مفهوم مستويات المهارة فهو أقل شيوعًا، إذ يُبنى على تدرج هرمي من حيث الصعوبة. ويظهر هذا بوضوح في (PISA 2009) التي عُرضت فيها مستويات الثقافة العلمية لطلاب الخامسة عشرة في جدول 14.1، حيث أُبرزت نسب الطلاب الذين حققوا كل مستوى. ويُعَد هذا الأسلوب في عرض النتائج أكثر قيمة من الاقتصار على الدرجات الكلية أو درجات المجالات، لأنه يمد واضعي السياسات ومطوري المناهج برؤية حول ما تحقق فعليًا من جوانب الثقافة العلمية وما لم يتحقق.

كيف يُبنى المخطّط الاختباري؟

يرسم الإطار المرجعي أبعاد مجال الاختبار، غير أنّ المخطّط الاختباري أو ما يُعرف باسم "جدول المواصفات" يتولى ترجمة هذا الإطار إلى صورة عملية توضح مواضع التركيز داخل كل جزء. ويتشكل المخطّط من تحديد المجالات التي ستُقاس بناءً على الإطار المرجعي، مع بيان نوع البنود التي ستُستخدم، وحجم التركيز المخصص لكل مجال عبر عدد البنود والدرجات الكلية المرصودة له. ويُعد الجدول 14.2 مثالًا توضيحيًا لمخطّط اختباري أُخذ من دراسة (TIMSS 2011)، حيث يظهر كيف جرى توزيع المحتوى والمهام بما يعكس فلسفة الإطار المرجعي ومتطلباته.

الجدول 14.1: البنية الهرمية لمهارات الثقافة العلمية

مستويات المهارة

المستوى 1

يقتصر رصيد الطلاب من المعارف العلمية على قدر محدود لا يتيح لهم سوى توظيفه في مواقف قليلة ومعروفة لديهم، غير أنهم يظلون قادرين على صياغة تفسيرات علمية مباشرة وبيّنة تستند بشكل صريح إلى الأدلة المطروحة أمامهم.

المستوى 2

يتوافر لدى الطلاب قدر ملائم من المعارف العلمية يمكّنهم من صياغة تفسيرات متعددة الاحتمال في السياقات المألوفة لهم، كما يمكّنهم من الوصول إلى استنتاجات مستندة إلى تحقيقات بسيطة. ويُظهرون قدرة على التفكير المباشر وإجراء تفسيرات حرفية صريحة لما تسفر عنه الاستقصاءات العلمية أو جهود حل المشكلات التقنية.

المستوى 3

يُظهر الطلاب في هذا المستوى قدرة على تمييز القضايا العلمية المطروحة بوضوح ضمن سياقات متعددة، كما يختارون من الحقائق والمعارف ما يساعدهم على تفسير الظواهر وتطبيق نماذج بسيطة أو استراتيجيات استقصائية أساسية. ويتمكنون من استيعاب المفاهيم العلمية المأخوذة من تخصصات متنوعة وتطبيقها مباشرة في المواقف العملية، ويستطيعون بناء عبارات قصيرة ووجيزة مدعومة بالحقائق، كما يتخذون قرارات تستند إلى رصيدهم من المعرفة العلمية.

المستوى 4

يُظهر الطلاب في هذا المستوى كفاءة في التعامل مع مواقف وقضايا تتضمن ظواهر صريحة تستلزم منهم استخلاص دلالات حول دور العلم أو التكنولوجيا. ويختارون التفسيرات من مجالات علمية أو تكنولوجية مختلفة، ثم يدمجونها ويربطونها مباشرة بجوانب ملموسة من المواقف الحياتية. ويتمكنون من مراجعة أفعالهم وتأملها بوعي، كما يعرضون قراراتهم مستندين إلى معارف علمية وأدلة موثوقة، بما يمنح مواقفهم قوة إقناعية مدعومة بالعلم.

المستوى 5

يبرع الطلاب في هذا المستوى في تمييز الأبعاد العلمية ضمن طيف واسع من المواقف الحياتية المعقدة، ويوظفون المفاهيم والمعارف العلمية في التعامل مع هذه المواقف بفاعلية. كما يقارنون بين الأدلة العلمية المتاحة وينتقون منها ما يناسب السياق ويقيّمونه بدقة للوصول إلى استجابات علمية رصينة. ويستند أداؤهم إلى قدرات استقصائية عالية التطور تمكّنهم من ربط المعارف ربطًا سليمًا وتقديم رؤى نقدية تضيف عمقًا للفهم. ويشيّدون تفسيرات مدعومة بالأدلة ويقدّمون حججًا متماسكة تنبع من تحليلهم النقدي الواعي.

المستوى 6

يُظهر الطلاب في هذا المستوى قدرة راسخة على التعرف المستمر إلى المعارف العلمية وشرحها وتطبيقها في طيف واسع من المواقف الحياتية المعقدة. ويربطون بين مصادر معلومات متباينة وتفسيرات متعددة، ويستندون إلى الأدلة المستخلصة منها لتبرير قراراتهم بصورة واضحة. كما يبرهنون، على نحو متكرر ومنهجي، على امتلاكهم تفكيرًا علميًا متقدمًا وقدرة عالية على الاستدلال، ويستثمرون فهمهم العلمي في صياغة حلول فعّالة لمشكلات علمية أو تكنولوجية غير مألوفة. ويعتمدون كذلك على هذا الرصيد العلمي في بناء حجج محكمة تدعم توصياتهم وقراراتهم المتعلقة بقضايا شخصية أو اجتماعية أو ذات طابع عالمي.

المصدر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2010 أ)، ص 144

الجدول 14.2: عدد بنود الرياضيات من كل نوع ونقاط الدرجات للصف الثامن حسب فئة التقرير

فئة التقرير

الاختيار من متعدد

الاستجابة المبنية

إجمالي البنود

نطاق المحتوى

العدد

31 (31)

30 (36)

61 (67)


الجبر

37 (37)

33 (39)

70 (76)


الهندسة

25 (25)

18 (19)

43 (44)


البيانات والفرصة

25 (25)

18 (20)

43 (45)


الإجمالي

118 (118)

99 (114)

217 (232)

المجال الإدراكي

المعرفة

53 (53)

27 (30)

80 (83)


التطبيق

47 (47)

38 (44)

85 (91)


الاستدلال

18 (18)

34 (40)

52 (58)


الإجمالي

118 (118)

99 (114)

217 (232)

يتم عرض نقاط الدرجات بين قوسين.

المصدر: موليس وآخرون (2012)، ص 427.

ما أصناف البنود التي يُعتمد عليها؟

تتعدد أشكال البنود الممكن اعتمادها في الاختبارات، بدءًا من الأسئلة المفتوحة التي تتيح إجابات مطلقة الحرية وصولًا إلى أسئلة الاختيار من متعدّد. ويقع على عاتق واضعي الاختبارات أن يحسموا طبيعة البنود التي سيستخدمونها. وغالبًا ما تعتمد الدراسات الدولية على أسئلة الاختيار من متعدّد، غير أن صياغتها تمثل تحديًا، خصوصًا عندما يُراد لها أن تؤدي دورًا تشخيصيًا يُظهر أنماط التفكير الخاطئة من خلال نوعية الإجابات غير الصحيحة.

شهد منتصف التسعينيات توجهًا ملحوظًا نحو ما عُرف بالبُنود الأدائية، وذلك استنادًا إلى الرأي القائل إنّ أسئلة الاختيار من متعدّد لا تكشف إلا عن قدرة الطالب على التعرّف إلى الإجابة الصحيحة، وقد تتحقق تلك القدرة بمجرد التخمين، بينما المقصود تربويًا أن يُنتج الطالب الإجابة الصحيحة بنفسه. ومع ذلك، ظل هذا النوع من الأسئلة يتمتع بميزة عملية هي انخفاض تكلفة التصحيح وسهولته. وفي تلك الفترة أخذت الأسئلة القصيرة تنتشر على نحو أوسع، مستفيدة من أجهزة المسح الضوئي المتطورة التي مكّنت من تصحيحها إلكترونيًا. أما أسئلة الصواب والخطأ فقد تراجع استخدامها كثيرًا، نظرًا لارتباطها المباشر بمشكلة التخمين التي تُضعف من دقة النتائج.

اصطدمت البُنود الأدائية بمشكلة رئيسية، إذ استدعت عمليات تصحيحها الاعتماد على فرق كاملة من المصححين يعملون ضمن أنظمة معقدة، الأمر الذي رفع من تكاليفها وفرض تنظيم برامج تدريبية موسعة للمصححين حتى يتمكنوا من تطبيق المعايير بدقة. وقد تضمّن التقييم الأدائي في (TIMSS 1995) مثالًا توضيحيًا على ذلك، حيث يعرض الشكل 14.2 معايير التصحيح لبند أدائي حول "النبض".

الشكل 14.2: مثال على معايير التصحيح لبند أدائي

ما الجهة التي تتولى صياغة البنود والتثبت منها؟

اعتادت الدراسات الدولية أن تعتمد على مجموعات متخصصة في كتابة البنود ضمن كل مركز وطني. وبعد أن يتضح المخطّط، يُطلب من الفرق الوطنية أن ترفد المشروع إمّا ببنود مأخوذة من اختبارات سابقة أو ببنود جديدة من إعدادها. وتُحال هذه البنود لاحقًا إلى لجنة اختبار دولية لتقرر ما ستعتمده منها، وقد تُدخل تعديلات عند الضرورة. وتعود البنود المقترحة مرة أخرى إلى اللجان الوطنية لفحصها، ثم تُعتمد في النهاية عبر اتفاق يتم التوصل إليه بعد نقاش وتفاوض.

كيف تُترجم البنود؟

تجاوزت مسألة ترجمة أدوات البحث ـ مثل أسئلة الاستبيانات وبنود الاختبارات كونها مسألة تقنية بسيطة، إذ إن الدقة في الترجمة تنعكس مباشرة على جوهر ما يُقاس وعلى إمكانية المقارنة بين النتائج. ولهذا تُلزِم الدراسات الدولية باختيار لغة واحدة تكون لغة العمل التي تُبنى بها الاختبارات والأدوات. وحين تُترجم هذه البنود إلى لغات أخرى، يقتضي الأمر الحرص على أن يظل المعنى كما هو، وأن تبقى مستويات الصعوبة متماثلة، وأن تتقارب العمليات الذهنية التي يبذلها الطلاب عند الإجابة إلى أقصى حد ممكن.

يتسم هذا العمل بدرجة من الصعوبة، خصوصًا عندما يضم عددًا كبيرًا من الدول. ففي دراسة (TIMSS 1995) على سبيل المثال، كان لا بد من التعامل مع 31 لغة مختلفة، الأمر الذي دفع المركز الدولي للدراسة إلى تكوين فرق متخصصة من المترجمين المحترفين لمراجعة الترجمات والتحقق من دقتها وحساسيتها وتكافئها. وفي مشروع (PISA)، اتُّخذت سلسلة من إجراءات ضمان الجودة التي استهدفت توحيد مستوى التكافؤ بين جميع النسخ الوطنية للاختبارات وأدوات الاستبيان التي اعتمدتها الدول المشاركة (آدامز و وو 2002؛ غريساي 2003؛ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2010ج). وقد تضمنت هذه الإجراءات ما يلي:

  • إعداد نسختين أصليتين متوازيتين من المواد (باللغتين الإنجليزية والفرنسية)، مع توصية بأن تقوم كل دولة بإنتاج نسختين مستقلتين بلغتها التعليمية اعتمادًا على كل نسخة من اللغتين المصدر، ثم دمجهما في نسخة وطنية موحدة.

  • تضمين معلومات منهجية دقيقة حول مقصد السؤال في مواد الاختبار والاستبيان المترجمة، لتحديد نطاق كل سؤال وخصائصه، مع إرفاق ملاحظات موسعة عن الترجمة لتسليط الضوء على الصعوبات أو التعديلات المحتملة.

  • إعداد إرشادات تفصيلية لترجمة مواد الاختبار أو تكييفها، ومراجعتها بعد التطبيق الميداني، لتكون جزءًا أساسيًا من الأدلة الإجرائية الخاصة بمديري المشروعات الوطنية في (PISA).

  • تدريب الموظفين الرئيسين من كل فريق وطني على إجراءات الترجمة الموصى بها.

  • تعيين مجموعة من المراجعين الدوليين وتدريبهم، وهم مترجمون محترفون يتقنون الإنجليزية والفرنسية، ويتمتعون بكفاءة لغوية أصيلة في كل لغة مستهدفة، وذلك للتحقق من تكافؤ جميع النسخ الوطنية مع النسخ الأصلية.

يتبيّن أنّ الترجمة ليست عملًا يسيرًا ولا رخيص التكلفة، غير أنها تظل عنصرًا أساسيًا لا سبيل أمام واضعي الاختبارات الدولية إلى تجاوزه.

كيف تُختبر البنود تجريبيًا؟

تقتضي الممارسة المعتادة في إعداد المخطّطات الاختبارية أن يُنتَج لكل خانة ما يقارب ثلاثة إلى خمسة أضعاف عدد البنود اللازمة فعليًا للاختبار النهائي، وذلك لضمان وجود خيارات كافية بعد المراجعة والتصفية. وتُقسّم هذه البنود إلى صيغ تجريبية متعدّدة، بحيث يُختبر كل نموذج على عينة مختارة بعناية من نحو 200 تلميذ ينتمون إلى الفئة السكانية المحددة أصلًا، بما يتيح تقييم مدى صلاحية البنود ودقتها قبل اعتمادها في النسخة النهائية من الاختبار.

تُفرغ بيانات الاختبار في قاعدة بيانات مخصّصة، ثم تُجرى تحليلات دقيقة للبنود وفق مقاربتين رئيسيتين: النظرية الكلاسيكية للاختبار ونظرية الاستجابة للبند. ويُراجع كل بند للتأكد من أنه يقيس بوضوح السمة الجوهرية المستهدفة، وأنه لا ينطوي على أي تحيّز قد يُفضّل فئة على أخرى، مثل الذكور على الإناث أو أبناء الحضر على أبناء الريف. ولا تُعتمد الدرجات المستخلصة إلا إذا توافرت فيها معايير الموثوقية والصلاحية. وقد تستلزم النتائج في بعض الأحيان إعادة صياغة بنود جديدة وإخضاعها للتجريب مجددًا. وبعد سلسلة المراجعات هذه يُستقر في النهاية على المجموعة النهائية من البنود التي ستدخل في الاختبار الرسمي.

بأي صورة يُعتمد الاختبار في النهاية؟

يُبنى الاختبار عادةً بترتيب البنود ترتيبًا شبه تصاعدي وفق درجة صعوبتها، غير أنّ تغطية محتوى المخطّط الاختباري قد تتطلّب عددًا من البنود يفوق ما تسمح به المدة الزمنية المقررة للاختبار، والتي تتراوح غالبًا بين 60 و90 دقيقة. ولمعالجة هذه المعضلة جرى اعتماد ما يُعرف بالاختبارات التدويرية، حيث تُصمَّم عدة نماذج اختبارية تحتوي كل منها على مجموعة من البنود الخاصة بها، إلى جانب بنود مشتركة بين النماذج المختلفة، وهو ما يتيح لاحقًا إجراء عملية معايرة دقيقة للنتائج. وتُوزَّع هذه النماذج على التلاميذ داخل المدارس بطريقة التناوب، بحيث يؤدي كل تلميذ اختبارًا مختلفًا لكن ضمن منظومة مترابطة. ومن خلال هذا الأسلوب يمكن الحصول على درجات موثوقة على مستوى المدرسة بأكملها، بينما يظل من المتعذر عادةً إنتاج درجات فردية موحدة للطلاب على البنود ذاتها.

على من تجري المقارنة؟

يُطرح بعد تحديد موضوع المقارنة سؤال جوهري: من تُعقد عليه المقارنة؟ ويتطلّب هذا الأمر التمييز بين اعتماد العمر أو الصف الدراسي، وما يثيره ذلك من إشكالات في تحديد المجتمع المستهدف.

المقارنة بين الفئة العمرية والمستوى الدراسي

تُصاغ الدراسات المقارنة عادةً على أساس تحديد مستوى عمري أو مستوى صفي، وقد تجمع أحيانًا بين المعيارين معًا. ففي دراسة (PISA) جرى الاقتصار على اختبار الفئة العمرية ذات الخامسة عشرة. ويوفّر القياس على أساس العمر صورة عمّا أنجزه النظام التعليمي مع مجموعة متكاملة من التلاميذ الخاضعين له. لكنّ واقع التعليم يبيّن أنّ سن الالتحاق الرسمي بالمدرسة ليس موحّدًا عالميًا؛ ففي هولندا يبدأ عند الرابعة، بينما قد يتأخر في بلدان أخرى إلى السادسة أو السابعة أو حتى الثامنة كما في بعض الدول بأمريكا الجنوبية وإفريقيا. وهنا يثور التساؤل: هل يجوز اعتبار المقارنة عادلة حين نضع في كفة أطفال هولندا في سن التاسعة وقد تراكمت لديهم خبرة خمس سنوات دراسية، وفي الكفة الأخرى أطفالًا في بلدان أخرى بالكاد خطوا أولى خطواتهم المدرسية؟

تُثير التعريفات المعتمدة على العمر صعوبات عملية متشعّبة. ففي دراسة (PISA) اتضح أنّ الفئة العمرية ذات الخامسة عشرة سنة لا تنتمي دائمًا إلى صف دراسي واحد؛ ففي بعض الدول انحصر وجودها بين صفّين اثنين، بينما في دول أخرى اعتاد فيها الطلاب تكرار الرسوب كان انتشارهم يمتد عبر مستويات دراسية متعددة. وهذا التباين جعل عمليات اختيار العينة وإجراء الاختبار أكثر تعقيدًا، وأفضى في الوقت ذاته إلى تضخم النفقات اللازمة لإنجازها.

يتسم مفهوم العمر بالوضوح وعدم اللبس، على خلاف مفهوم الصف الدراسي الذي يتغير معناه بين نظام وآخر. فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يحمل الصف الرابع الدلالة نفسها في جميع الدول؟ ففي بعض السياقات التعليمية يسبق الصف الأول الابتدائي سنوات من التعليم ما قبل المدرسي، ويُطلق، على سبيل العرف، على السنة الأولى في المدرسة الابتدائية اسم الصف الأول. وفي الجانب الآخر، عندما يعمد الباحثون إلى اختبار الطلاب في عامهم الدراسي الأخير، كما في الدراسة الدولية الثانية للرياضيات التي نظمتها (IEA)، يتبين تفاوت واضح؛ إذ ينتهي التعليم الثانوي في بعض الأنظمة عند الصف العاشر، بينما يمتد في أنظمة أخرى إلى الصف الثالث عشر. ومن الطبيعي أن يُحدث فرق السنوات الثلاث أثرًا جوهريًا في مستوى الإنجاز التعليمي، وهو ما يدفع إلى القول إنّ المقارنة في هذه الحالة لا تُعد منصفة ولا دقيقة.

تتفاوت معدلات الانقطاع عن الدراسة تفاوتًا واسعًا بين الأنظمة التعليمية. وحتى لو افترضنا أنّ جميع الأنظمة تتساوى في عدد سنوات الدراسة، فإن نسبة من يبقى من الفئة العمرية داخل المدرسة قد تختلف اختلافًا كبيرًا. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يستمر نحو 90% من التلاميذ في الدراسة حتى الصف الثاني عشر، بينما تنخفض النسبة إلى حدود 20% فقط في بعض الدول الأخرى. وإذا ما انتقلنا إلى التخصصات، نجد أنّ مادة الفيزياء لا تستقطب في الولايات المتحدة إلا 5% من الطلاب، في حين تصل نسبة من يختارونها في بلدان أخرى إلى ما بين 7% و35%. فهل يمكن بعد ذلك أن نعدّ هذه الأجزاء من الفئة العمرية أو الصفية متماثلة لدرجة تسمح بالمقارنة؟

واجهت دراسة (TIMSS 1995) إشكالية التباين بين تعريف الصف وتعريف العمر، وللتغلب عليها اعتمدت تعريفًا مزدوجًا في أول مجموعتين من المجموعات الثلاث موضع الاختبار. فقد صيغ تعريف المجموعة الأولى على أنه يضم الطلاب الملتحقين بصفّين متجاورين يحتويان أكبر نسبة من التلاميذ في سن التاسعة. غير أنّ هذا الضبط لم يُعطِ نتائج مرضية تمامًا، إذ تبيّن أنّ تلاميذ التاسعة في بعض الأنظمة لم يمضوا في التعليم إلا سنوات قليلة مقارنة بأقرانهم في أنظمة أخرى أكثر امتدادًا. وهنا يظهر جوهر الإشكال: عند المفاضلة بين تعريف الصف وتعريف العمر، أيهما يعكس هدف الباحث؟ فإذا كان المقصود قياس أثر التعليم المدرسي، وجب الأخذ بتعريف الصف، أما إذا كان المقصود استجلاء أثر النضج العمري، فالأولى اعتماد تعريف العمر.

المجتمع المُعتمد في البحث

حتى حين يضع الباحثون وصفًا دقيقًا نسبيًا للمجتمع المستهدف بالمقارنة، على غرار: "جميع تلاميذ الصف الخامس المنتظمين بدوام كامل في 25 أبريل في المدارس الحكومية وغير الحكومية"، فإن التساؤل يظل مطروحًا حول معنى "جميع التلاميذ". هل يدخل في هذا الوصف مثلًا:

  • من يعيشون في مناطق نائية للغاية يصعب الوصول إليها وتكون تكاليف إجراء الاختبارات فيها مرتفعة،

  • أو الأقليات التي تتحدث لغات غير لغة الأغلبية السائدة،

  • أو التلاميذ الذين يتابعون مناهج مختلفة عن غالبية السكان، كما في المدارس الدولية،

  • أو الأطفال من ذوي الإعاقات الشديدة مثل الإعاقات الذهنية؟

يُسمح في العادة بوجود فئات مستثناة، وغالبًا ما يكون ذلك بدافع تقليص النفقات، غير أنّ النسبة المسموح باستثنائها لا ينبغي بحال أن تزيد على 5% من مجموع التلاميذ في المجتمع المرغوب إدخاله في الدراسة. وعند تحديد المجتمع المُعرَّف، أي بعد استبعاد الفئات المستثناة من المجتمع المستهدف، تبرز الحاجة إلى باحث متمرس في التربية المقارنة، واسع الاطلاع على خصائص النظم التعليمية المختلفة، ليتمكن من تحديد هذا المجتمع بدقة تتيح إجراء المقارنة على أسس سليمة.

عقب تحديد المجتمع المُعرَّف بدقة، قد تنشأ الحاجة إلى أخذ عينات تمثيلية، وقد تنتفي تلك الحاجة تبعًا لظروف الدولة المعنية. ففي إحدى الدراسات الدولية التي نُفذت برعاية مشروع SACMEQ، لم يُلجأ إلى أسلوب المعاينة في سيشل، بحكم كونها دولة صغيرة أتاح حجمها السكاني المحدود إمكانية وصول الباحثين إلى جميع الأطفال دون عناء يُذكر. وبالفعل جرى إخضاع جميع تلاميذ الصف السادس للاختبار، وكان عددهم يقارب 1500 طالب (ليست وآخرون 2005). أما في الحالات التي يكون فيها المجتمع أوسع نطاقًا وأكثر كلفة من أن يُفحص كاملًا، فإن اعتماد أسلوب المعاينة يصبح هو الحل العملي المتاح.

يتحدد عدد التلاميذ المطلوبين في العينة تبعًا لمستوى الدقة الإحصائية المتمثل في الخطأ المعياري المرغوب تحقيقه. وفي أغلب الدراسات الدولية يُتفق على أن يكون الخطأ المعياري للعينة مساويًا لـ 0.05 من قيمة الانحراف المعياري للمتغير محل القياس، وهو ما يستلزم سحب عينة لا يقل حجمها عن 400 تلميذ يتم اختيارهم بالأسلوب العشوائي. وبالنظر إلى الصعوبات العملية التي تحول دون إجراء سحب عشوائي بسيط من كامل تلاميذ صف دراسي محدد في بلد بعينه، فقد شاع استخدام أسلوب المعاينة على مرحلتين: تبدأ باعتماد المدرسة وحدة معاينة أولية، ثم يليها اختيار التلاميذ في المرحلة الثانية. وغالبًا ما تُختار المدارس وفق احتمالية تتناسب طرديًا مع عدد الطلاب الملتحقين بالصف الذي يتركز عليه البحث.

تتبنّى بعض الدراسات نهجًا يقوم على اختيار الصفوف الكاملة من داخل المدارس، بينما تُعتمد في دراسات أخرى عينة عشوائية من التلاميذ موزعة على الصفوف ضمن المرحلة الدراسية قيد البحث. ويُتيح اختيار الصفوف الكاملة فرصة لإجراء تحليلات متعددة المتغيرات بدرجة أكبر من العمق والجدوى، غير أنّ هذا الأسلوب يفضي بالضرورة إلى تقليل تقدير حجم التباين الفعلي داخل المدرسة. كما أنّ تحديد معنى "الصف الدراسي" يثير بدوره إشكالات لا بد من حسمها؛ ففي النظم التي يُدرَّس فيها جميع المواد داخل صفوف ثابتة يصبح التعريف واضحًا، بينما في أنظمة أخرى يُقسَّم التلاميذ إلى مجموعات مختلفة تبعًا لطبيعة المادة، مما يعقّد مهمة تحديد الصف. ولذا يصبح من الضروري وضع إجراءات موحدة يتوافق عليها الجميع لتجاوز هذه التباينات.

ما إن تُستكمل عملية جمع البيانات وتسجيلها وتنقيتها حتى تظهر إشكالية النقص في أعداد التلاميذ أو المدارس ضمن طبقة أو أكثر من الطبقات المعتمدة في إطار العينة. وعند حدوث مثل هذا النقص، يصبح من الضروري إدخال تعديلات تعتمد على أوزان العينة التي تُستخدم لتصحيح عدم التوازن القائم بين الطبقات. وتُحسب هذه الأوزان حسابًا دقيقًا قبل أن تُضاف إلى ملف البيانات لضمان سلامة النتائج.

مقارنة مستويات الأداء ودرجة الإنصاف فيها

التلاميذ داخل المدارس

يبدي معظم المعلّمين، بل وكثير من أولياء الأمور أيضًا، حرصًا ملحوظًا على معرفة مكامن القوة وجوانب الضعف لدى التلاميذ عبر المواد الدراسية المتعددة، سواء ارتبط الأمر بدراسة وطنية على مستوى الدولة أم بدراسة دولية عابرة للبلدان. ولهذا تكتسب مسألة تزويد الباحثين للمعلّمين والمدارس ببيانات وتوضيحات دقيقة أهمية خاصة، إذ تؤدي إلى ترسيخ الثقة وتشجيع المؤسسات التعليمية على الانخراط طواعية في الدراسات المقبلة. وغالبًا ما يقود ذلك إلى أن يتساءل المعلّمون قائلين:

  • ما مستوى إنجازات تلاميذي في الجوانب التفصيلية لمادتي الرياضيات والعلوم؟

إذا جرى اختبار الصفوف بكاملها، أمكن للباحثين أن يقدّموا للمدارس تقارير تتضمن الدرجات الفرعية ودرجات المهارات التي حققها التلاميذ داخل الصف الواحد، أما إذا استُخدمت اختبارات التناوب فإن هذا النوع من التقارير لا يكون متاحًا.

يقدّم الجدول 14.3 نموذجًا توضيحيًا لآلية إرجاع النتائج إلى الصفوف، حيث جرى فيه استعراض بيانات أول أربعة تلاميذ من الصف. ويكشف الجدول أنّ التلميذ الأول جاء في المرتبة الأعلى في مادتي الرياضيات والقراءة على السواء، في حين أظهر التلميذ الثالث تفوقًا ملحوظًا في الرياضيات مقارنة بمستواه في القراءة. ويفتح هذا النموذج المجال أمام المدرسة لإجراء مقارنات بين صفها الحالي وصفوف أخرى مماثلة داخل البلد، إضافة إلى المقارنة مع متوسط الأداء العام للصفوف في إطار الدراسة الدولية.

الجدول 14.3: نتائج الدرجات الفرعية لأول أربعة تلاميذ في الصف

الطالب

الدرجات الفرعية للقراءة

الدرجات الفرعية للرياضيات

الدرجة الفرعية

(أ)

الدرجة الفرعية

(ب)

الدرجة الفرعية

(ج)

الدرجة الفرعية

(أ)

الدرجة الفرعية

(ب)

الدرجة الفرعية

(ج)

(الحد الأقصى = 20)

(الحد الأقصى = 20)

(الحد الأقصى =20 )

(الحد الأقصى = 20)

(الحد الأقصى
= 20)

(الحد الأقصى = 20)

1

17

15

10

12

13

12

2

10

9

9

7

8

9

3

6

5

7

12

14

13

4

7

8

9

10

12

11

مستويات الأداء المدرسي

يمكن أن يتمثل تساؤل مدير المدرسة في صيغة مثل:

  • ما هي المجالات الفرعية في المواد الدراسية، وما المستويات الصفية، التي تظهر فيها مدرستي أداءً جيدًا أو ضعيفًا عند مقارنتها بالمدارس المشابهة داخل الدولة، وكذلك عند مقارنتها بجميع مدارس الدولة؟

لكي يواجه مدير المدرسة مثل هذا السؤال، ينبغي أن يحدد معايير للمقارنة يستند إليها. وأهم هذه المعايير مستوى الأداء النسبي، الذي يوضح موقع المدرسة حين تُقارن بمدارس مماثلة لها في السياق الوطني، أو حين تُوضع في مواجهة شاملة مع جميع المدارس الداخلة في الفئة المستهدفة للدراسة.

يقدّم الجدول 14.4 توضيحًا لهذه النقطة اعتمادًا على بيانات مستخلصة من هونغ كونغ، حيث عُرض متوسط درجات (راش) في دراسة TIMSS 1999 مع الانحراف المعياري لها (المتوسط 150 والانحراف 10) لصف من الصفوف الثامنة في إحدى المدارس، في مادتي الرياضيات والعلوم معًا. وتمكّن هذه النتائج مدير المدرسة من وضع أداء مدرسته في موضع المقارنة مع مدارس مماثلة لها، وكذلك مع جميع المدارس الأخرى الداخلة في نطاق الفئة المستهدفة بالدراسة.

الجدول 14.4: نتائج مقارنة نسبية لأداء مدرسة مع مدارس مشابهة ومع عموم المدارس في هونغ كونغ

المدارس

الرياضيات

العلوم

المتوسط

الانحراف المعياري

المتوسط

الانحراف المعياري

هذه المدرسة





الذكور

160.3

8.1

158.6

7.2

الإناث

162.5

8.3

154.6

8.3

الإجمالي

161.4

8.2

156.7

7.9

مدارس مماثلة





الذكور

159.1

7.9

159.0

8.6

الإناث

157.4

8.5

154.8

7.8

الإجمالي

158.4

8.2

157.4

8.5

جميع المدارس





الذكور

150.5

10.4

151.4

10.7

فتيات

150,4

9.5

149.3

9.0

الإجمالي

150.5

9.9

150,4

10.0

تكشف النتائج هنا أن درجات المدرسة في الرياضيات والعلوم تفوقت على متوسط الدرجات المسجلة في جميع مدارس هونغ كونغ، وهو ما يمنح مدير المدرسة مؤشّرًا إيجابيًا يعكس جودة الأداء العام لطلابه في هذين المجالين. إلا أنّ المقارنة مع المدارس المماثلة أوضحت صورة أكثر تفصيلًا، حيث حافظ التلاميذ على تفوقهم في الرياضيات، بينما ظهر تراجع نسبي في مستوى أدائهم في العلوم.

قد يكتفي مدير المدرسة محدود الطموح بالقول إن أداء التلاميذ مرضٍ، لا سيما في مادة الرياضيات، ويعتبر ذلك إنجازًا كافيًا. غير أن المدير الطموح، الساعي إلى جعل المدرسة في موقع الريادة، سيعمل على تتبع مكامن الضعف في مادة العلوم، محاولًا الكشف عن أسبابه وسبل تحسينه. فهل المشكلة في اعتماد معلمي العلوم على طرائق تدريس تقليدية جامدة؟ أم في افتقار المدرسة إلى مختبرات علمية مجهزة تمكّن الطلاب من التعلم التجريبي؟ عندها يتوجب على المدير القيام بتحقيقات مستقلة تشمل مراجعة شاملة لبرنامج العلوم ومرافقه، وقد يتطلب الأمر القيام بزيارات ميدانية لمدارس مماثلة لاستلهام ما لديها من ممارسات يمكن محاكاتها وتبنيها.

عند النظر في الفروق المرتبطة بالنوع الاجتماعي، يظهر أن الفجوة بين الفتيان والفتيات في هذه المدرسة في الرياضيات والعلوم تكاد تكون مماثلة لتلك الموجودة في مدارس مشابهة. لكن عند مقارنتها بجميع مدارس هونغ كونغ، يتضح أن هذه الفجوة أوسع نسبيًا. ويظل الحكم على مدى قبول هذا التفاوت رهنًا بفلسفة المدرسة ورؤية مديرها التربوية. ومن اللافت أن هذه المدرسة تختلف عن غيرها في كون الفتيات يتفوقن على الفتيان في الرياضيات تحديدًا. وهذا المؤشر يدل على وجود برامج رياضيات قوية داخل المدرسة، غير أن الفتيان، لسبب ما، لا يستفيدون منها بقدر ما تستفيد الفتيات.

لأن دراسة TIMSS دراسة دولية، كثيرًا ما تبدي السلطات اهتمامًا بمعرفة موقع مدارسها مقارنة بجميع المدارس الأخرى المشاركة، أو على الأقل مقارنة بمدارس الدول المجاورة. وبما أنّ الدرجات الدولية حُسِبت باستخدام القيم الافتراضية (بمتوسط 500 وانحراف معياري 100)، بينما استُخدمت درجات راش في المقارنات بين المدارس في هونغ كونغ، فلا يمكن ببساطة إضافة صفوف جديدة من النتائج إلى الجدول. ومع ذلك، يظل بإمكان مدير المدرسة تكوين فكرة عن "المكانة الدولية" لمدرسته من خلال الجمع بين بيانات الجدول 14.4 وبيانات الجدول 14.5 (مارتن وآخرون 2000؛ موليس وآخرون 2000).

الجدول 14.5: عرض إنجازات طلاب هونغ كونغ في دراسة TIMSS لعام 1999 ومقارنتها بالمتوسطات الدولية المعتمدة


الرياضيات

العلوم


المتوسط

الخطأ المعياري

المتوسط

الخطأ المعياري

متوسطات هونج كونج





الذكور

581

5.9

537

5.1

الإناث

583

4.7

522

4.4

الإجمالي

582

4.3

530

3.7

المتوسطات الدولية





الذكور

489

0.9

495

0.9

الإناث

485

0.8

480

0.9

الإجمالي

487

0.7

488

0.7

مستويات الأداء الإقليمي

غالبًا ما تهتم السلطات بالوقوف على الفوارق المحتملة بين الأقاليم التي تتسم بسمات وخصائص مختلفة، حرصًا على فهم أعمق للتباينات في الأداء. وعادة ما يُطرح في هذا السياق سؤال من قبيل:

  • هل تختلف المناطق ذات الخصائص المختلفة في الإنجاز؟

هل تؤدي الخصائص المختلفة للأقاليم إلى تباين في الإنجازات التعليمية؟ يقدّم الجدول 14.6 مثالًا من نتائج PISA 2006 على مستوى الأقاليم في كوريا. ففي هذا البلد، تُصنَّف غالبية المدارس الثانوية العامة (عدا بعض المدارس المتخصصة في العلوم أو الإنجليزية ونحوها) ضمن فئتين: أقاليم معيارية وأخرى غير معيارية. في الأقاليم المعيارية يُوزّع الطلاب عادةً على إحدى المدارس القريبة من محل إقامتهم، بينما تتمتع المدارس في الأقاليم غير المعيارية بحق اختيار طلابها. ويؤدي ذلك إلى أن تكون إنجازات الطلاب أكثر تقاربًا في الأقاليم المعيارية. وتشمل هذه الفئة معظم المدن الكبرى مثل (سيول) و(بوسان)، في حين تُصنَّف المدن الصغيرة والمناطق الريفية ضمن الأقاليم غير المعيارية. ورغم أن الفجوة بين إنجازات الطلاب في هذين النظامين كانت واسعة في الماضي، فإن كوريا بدأت منذ أواخر السبعينيات الانتقال التدريجي إلى نظام الأقاليم المعيارية، مما ساعد على تقليص الفجوة في الإنجاز.

الجدول 14.6: نتائج التلاميذ في القراءة والرياضيات والعلوم في دراسة PISA 2006 وفق خصائص الأقاليم في كوريا


المناطق القياسية/ غير القياسية

القراءة

الرياضيات

العلوم

القياسية

غير القياسية

القياسية

غير القياسية

القياسية

غير القياسية

العاشر

المتوسط

476.2

485

470.5

468.6

441.9

445.9

SE

8.2

13.3

8.8

13.3

9.0

12.2

ال25

المتوسط

527.1

531.7

521.4

515.4

492.2

497

SE

6.8

11.0

6.6

12.2

5.9

11.5

ال50

المتوسط

579.7

581.4

576.8

575.8

546.4

552

SE

7.0

9.8

5.7

14.1

5.3

12.5

ال75

المتوسط

627.4

627.6

628.3

633.2

597.8

609.6

SE

8.4

7.9

4.1

10.9

4.4

9.3

ال90

المتوسط

667.6

666.8

668.6

679

637.1

663

SE

8.1

7.4

5.9

10.5

6.2

11.3

المصدر: كيم وآخرون. (2010)، ص 85.

يوضح الجدول 14.6 نتائج PISA 2006 في القراءة والرياضيات والعلوم وفق نوعَي الأقاليم في المدن الصغيرة والمتوسطة. شمل التحليل 25 مدرسة ثانوية عامة في الأقاليم المعيارية تضم 845 طالبًا، و20 مدرسة في الأقاليم غير المعيارية تضم 652 طالبًا، مع استبعاد المدارس المتخصصة. لم تُسجَّل فروق بارزة في نتائج القراءة بين الأقاليم المعيارية وغير المعيارية عبر مختلف الشرائح المئوية. بينما أظهرت نتائج الرياضيات تفوّق طلاب الأقاليم غير المعيارية عند الشريحتين المئويتين 75 و90، في حين سجّل طلاب الأقاليم المعيارية نتائج أفضل في المستويات الأدنى. وفي العلوم تفوّق طلاب الأقاليم غير المعيارية في جميع الشرائح المئوية بلا استثناء.

في الجدول 14.6 أُدرجت الأخطاء المعيارية الخاصة بالعيّنة إلى جانب المتوسطات المقدّرة. وتُعد هذه الأخطاء المعيارية ضرورية عند تعميم النتائج من العيّنة إلى المجتمع المستهدف. فعلى سبيل المثال، إذا أراد الباحثون تقييم دقة متوسط المئين التسعين في العلوم البالغ 663.0 للأقاليم غير المعيارية، ورغبوا في ضمان صحة هذا التقدير في 19 حالة من أصل 20 (أي عند مستوى ثقة قدره 95%)، فإنهم يضربون الخطأ المعياري في 1.96. وبما أن الخطأ المعياري يساوي 11.3، فإن 1.96 مضروبًا في الخطأ المعياري يساوي 22.1. وبذلك يمكن للباحثين أن يكونوا على ثقة، في 19 حالة من أصل 20، أن القيمة الحقيقية للمتوسط تقع بين 663.0 ± 22.1 أي بين 640.9 و685.1. وهذا بدوره يمكّنهم من المقارنة بين الدرجات لمعرفة ما إذا كانت تتجاوز حدود خطأ العيّنة.

قد يتساءل الباحثون عمّا إذا كان طلاب أعلى 10% في الأقاليم غير المعيارية قد سجلوا نتائج أفضل في العلوم مقارنة بأقرانهم في الأقاليم المعيارية. وتشير البيانات إلى أن متوسط نتائج الأقاليم المعيارية تراوح بين 624.9 و659.3، بينما تراوح متوسط نتائج الشريحة العليا (10%) في الأقاليم غير المعيارية بين 640.9 و685.1. غير أن الحد الأدنى لهذه الشريحة في الأقاليم غير المعيارية ما زال داخل نطاق الأقاليم المعيارية، وهو ما يجعل الفارق الإحصائي غير مؤكد ولا يتجاوز حدود خطأ العينة. وبناء على ذلك، لا يمكن إثبات وجود فرق معنوي أو جوهري في نتائج العلوم بين الأقاليم المعيارية وغير المعيارية عند مستوى أعلى 10%.

معلومات مهمة على المستوى الوطني

تشمل الأسئلة المعتادة التي تُطرح على المستوى الوطني ما يلي:

  • ما نسبة التلاميذ الذين يحققون مستويات متفاوتة من المهارات داخل النظام التعليمي الوطني؟

  • ما نسبة التلاميذ الذين يحققون المستويات المرجعية المستهدفة، كأن يكونوا قادرين على الاندماج في المجتمع أو الاستمرار في التعليم اللاحق بلا عوائق؟

  • إلى أي مدى تتمايز إنجازات تلاميذنا عن إنجازات أقرانهم المماثلين في بلدان أخرى؟

يقدّم الجدول 14.7 مثالًا من فيتنام يوضح كيفية تصنيف مستويات المهارة، إذ جاءت هذه المستويات ممتدة من مهام أولية بالغة البساطة إلى مهام أكثر تعقيدًا نسبيًا موجّهة لتلاميذ الصف الخامس. وفيما يخص القراءة، أظهرت النتائج أن 19% من التلاميذ لم يتجاوزوا المستوى الثاني، بينما يُعتبر المستوى الثالث هو الحدّ الأدنى الذي يبدأ عنده تمكّن الفرد من القراءة بما يضمن أداءً وظيفيًا فعّالًا داخل المجتمع. وقد تولّى خبراء القراءة والرياضيات في المرحلة الابتدائية بوزارة التربية وضع هذا التصنيف، بعد أن حلّلوا مستويات الصعوبة المستخلصة من اختبار (راش)، الأمر الذي أتاح لهم دراسة مجموعات من البنود في مستويات محددة من الصعوبة وتحديد طبيعة القدرات التي تقيسها. ويُظهر هذا النوع من التحليل أهميته البالغة لأنه يمكّن خبراء تطوير المناهج من الوقوف بوضوح على المهارات التي يتقنها التلاميذ وتلك التي لا يزالون عاجزين عن إتقانها على المستوى الوطني، فضلًا عن إمكانية تطبيق الحسابات نفسها على مستوى المناطق والأقاليم التعليمية.

يشير النوع الثاني من المعلومات المطروحة على المستوى الوطني إلى ما يُعرف بالمستويات المعيارية، كما يتضح من مثال فيتنام. ففي مسح الصف الخامس جرى تحديد مستويين: الأول يقوم على قدرة التلميذ على استخدام مجموعة من مهارات القراءة والرياضيات اللازمة للاندماج في المجتمع الفيتنامي، ومن هم دون هذا المستوى وُصفوا بأنهم في مرحلة "ما قبل وظيفية". أما المستوى الثاني فاستند إلى تقدير قدرة التلميذ على التعامل مع مهام القراءة والرياضيات في الصف السادس، وهو بداية التعليم الثانوي. وقد ساعد هذان المستويان في تصنيف التلاميذ إلى ثلاث مجموعات: فئة تحتاج إلى دعم كبير لتتمكن من الاندماج المجتمعي، وفئة ثانية تجاوزت المستوى الأول دون أن تبلغ الثاني وتحتاج إلى مساعدة إضافية للتأقلم مع متطلبات التعليم الثانوي، وفئة ثالثة تجاوزت المستوى الثاني ويُتوقَّع منها مواصلة الدراسة في المرحلة الثانوية دون صعوبات.

خضع كل سؤال لتقديرين: الأول يعكس احتمال حصول الفرد الذي يملك مهارات تكفيه للاندماج في المجتمع الفيتنامي على الإجابة الصحيحة، والثاني يعكس احتمال حصول التلميذ الذي يمتلك الكفايات اللازمة لمتابعة دروس الصف السادس على الإجابة الصحيحة. وقد جُمعت هذه الاحتمالات وفق طريقة أنغوف (Angoff) للوصول إلى ما يُعرف بـ مستويات القطع المعيارية. وتضمن تقرير دراسة الصف الخامس في فيتنام (البنك الدولي 2004) شرحًا تفصيليًا لكيفية صياغة هذه المستويات وحسابها. وكانت المستويات كالآتي:

الجدول 14.7: النِّسَب المئوية لتلاميذ الصف الخامس في فيتنام الذين بلغوا مستويات مهارية مختلفة في القراءة والرياضيات

مستويات مهارة القراءة

%

SE

المستوى 1

يتمكّن من ربط الكلمات والجمل المكتوبة بالصور المرافقة، غير أنّ فهمه يظل محصورًا في نطاق ضيق من المفردات ذات الصلة المباشرة بالصور، دون القدرة على تجاوزها إلى تراكيب أكثر تنوعًا.

4.6

0.17

المستوى 2

يعثر على النصوص المكوّنة من جمل قصيرة مكررة ويتعامل معها دون حاجة إلى صور، في نطاق نصوص قصيرة تعتمد على التكرار.

14.4

0.28

المستوى 3

يقرأ ويفهم المقاطع الطويلة، ويبحث داخل النصوص للخلف أو الأمام لاستخراج المعلومات، ويدرك المعنى المعاد صياغته، ويتيح له اتساع مفرداته فهم تراكيب أعقد.

23.1

0.34

المستوى 4

يربط المعلومات الواردة في أجزاء مختلفة من النص، ويختار ويوصل بينها لاستنتاج معانٍ متعددة

20.2

0.27

المستوى 5

يربط بين الاستدلالات ويحدد قصد المؤلف من معلومات وردت بطرق مختلفة، سواء في نصوص متنوعة أو في وثائق لا يكون فيها المعنى صريحًا.

24.5

0.39

المستوى 6

يدمج بين النص والمعرفة الخارجية لاستنتاج معانٍ متعددة، بما فيها المعاني الضمنية، ويكشف أغراض المؤلف ومواقفه وقيمه وافتراضاته غير المعلنة وحججه.

13.1

0.41

مستويات مهارة الرياضيات

%

SE

المستوى 1

يقرأ ويكتب ويقارن الأعداد الطبيعية والكسور والأعداد العشرية، ويستخدم العمليات الأربع على الأعداد الصحيحة البسيطة، ويتعامل مع مقاييس أساسية مثل الزمن، ويميّز الأشكال الثلاثية البسيطة.

0.2

0.02

المستوى 2

يحوّل الكسور ذات المقام 10 إلى أعداد عشرية، ويحسب باستخدام عملية واحدة على الأعداد الصحيحة في مسألة لفظية من خطوة واحدة، ويميّز الأشكال ثنائية وثلاثية الأبعاد.

3.5

0.13

المستوى 3

يحدد القيمة المكانية للأعداد، ويستنتج قيمة جملة عددية بسيطة، ويفهم الكسور المكافئة، ويجمع ويطرح الكسور البسيطة، وينفذ عمليات متعددة بالترتيب الصحيح، ويحوّل ويقدّر وحدات القياس الشائعة في حل المسائل.

11.5

0.27

المستوى 4

يتعامل مع الأعداد الكبيرة قراءة وكتابة ومقارنة، ويحل مسائل تشمل المساحة والحجم والعملات والتقويم، ويستخدم الجداول لتقدير القيم، ويعالج مسائل المتباينات، ويدرك الزوايا في الأشكال الهندسية المنتظمة، ويطبق تحويلات بسيطة على الأشكال ثنائية وثلاثية الأبعاد.

28.2

0.37

المستوى 5

يحسب باستخدام عمليات متعددة ومتنوعة، يتعرف على القواعد والأنماط في تسلسل الأرقام، يحسب محيط ومساحة الأشكال غير المنتظمة، قياس الأشكال غير المنتظمة، الأرقام المحولة المعترف بها بعد الانعكاس، يحل المشكلات المتعلقة بعمليات متعددة تتضمن وحدات القياس والنسبة المئوية والمتوسطات.

29.7

0.41

المستوى 6

يعالج مسائل رياضية تشمل الزمن والطول والمساحة والحجم، ويفكك الأنماط العددية المترابطة والمتداخلة، ويستنتج الصيغ الحسابية، ويميز الأشكال ثلاثية الأبعاد بعد خضوعها للدوران أو الانعكاس، ويحدد الأشكال المدمجة والزوايا القائمة داخل الأشكال غير المنتظمة، ويستفيد من البيانات الواردة في الرسوم البيانية والجداول.

27.0

0.6

  1. المستوى المعياري الأول: جرى توصيف إحدى المجموعات بأنها دون مستوى الكفاية الوظيفية، لأنها لم تصل بعد إلى الحد الذي يبرهن على امتلاك مهارات القراءة أو الرياضيات المطلوبة للقيام بالأنشطة الحياتية الاعتيادية في المجتمع الفيتنامي. ومع ذلك، فإن هذا التصنيف لا يعني بأي حال أنهم أميون أو غير قادرين على الحساب، بل لديهم بالفعل بعض المهارات الأولية التي يمكن أن يظهروا من خلالها قدرة محدودة، غير أنّ الخبراء أجمعوا على أنّ تلك المهارات لم ترتق بعد إلى مستوى يسمح لأصحابها بأن يكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع. وفي المقابل، حُدّدت مجموعة أخرى على أنها تجاوزت الحد الأدنى الأول وأظهرت قدرة أوضح على ممارسة مهارات تساعدها على التكيّف مع متطلبات الحياة اليومية، لكنها لم تبلغ المستوى الثاني، ولذلك اعتُبرت "وظيفية" أي مؤهلة بدرجة ما للمشاركة في المجتمع، غير أنها لا تزال بحاجة إلى عون إضافي لتتمكن من الوفاء بمتطلبات القراءة والرياضيات الضرورية في الصف السادس.

  2. المستوى المعياري الثاني: التلاميذ الذين تجاوزوا هذا المستوى الأعلى وُصفوا بأنهم يمتلكون ما يلزم من مهارات وقدرات تؤهلهم للتعلم باستقلالية في المرحلة التالية من الدراسة، دون حاجة إلى دعم علاجي أو تدخل إضافي. وقد أُطلق عليهم في الجداول الوصف "المستقلون"، أي القادرون على مواجهة المتطلبات التعليمية المقبلة اعتمادًا على أنفسهم.

يُظهر الجدول 14.8 النتائج الكلية لتلاميذ الصف الخامس في فيتنام. ومن خلال مقارنة نتائج اختبار القراءة ونتائج اختبار الرياضيات، اتضح أنّ سقف التوقعات في مجال القراءة كان أعلى، إذ بدا أنّ مستوى الأداء القرائي للتلاميذ يطرح تحديات أكبر من مستوى أدائهم في الرياضيات. وقد أظهرت النتائج أنّ 51% فقط من التلاميذ وُصفوا بأنهم قادرون على متابعة دراستهم في الصف السادس دون الحاجة إلى دعم إضافي، وذلك استنادًا إلى قدراتهم في القراءة في الصف الخامس. وقد شكّلت هذه المعلومة تنبيهًا أساسيًا لوزارة التربية حول مدى كفاءة النظام التعليمي في إعداد تلاميذه، سواء لاندماجهم في المجتمع أو لمواصلة تعليمهم في المراحل التالية. ومع ذلك لم تفاجئ هذه النتيجة السلطات الفيتنامية، إذ كانت قد بدأت بالفعل مراجعة المناهج منذ فترة طويلة بهدف تحسين مستوى القراءة لدى تلاميذ هذا الصف وضمان انتقال أكثر سلاسة إلى المراحل التعليمية الأعلى.

الجدول 14.8: نسب وأخطاء المعاينة لتلاميذ الصف الخامس في فيتنام بحسب مستويات الكفاءة في القراءة والرياضيات

الوظيفية

القراءة

الرياضيات

%

SE

%

SE

المستقلة

تلاميذ أظهروا كفاءة في القراءة والرياضيات تؤهلهم لمتابعة الدراسة باستقلالية في الصف السادس.

51.3

0.58

79.9

0.41

الوظيفية

تلاميذ حققوا مستوى يمكّنهم من الاندماج والمشاركة الفاعلة في المجتمع الفيتنامي.

38.0

0.45

17.3

0.36

قبل
الوظيفية

تلاميذ ظلوا دون المستوى الأدنى المطلوب للمشاركة الفعّالة في المجتمع الفيتنامي.

10.7

0.3

2.8

0.13

يعرض الجدول 14.9 توزيع بلوغ المستويات المرجعية في مختلف الأقاليم، وقد أضيف إليه عمود إضافي لتوضيح النسب بصورة أدق. ففي منطقة دلتا النهر الأحمر يظهر أنّ 95.0% من التلاميذ تمكنوا من بلوغ المستوى الوظيفي، وذلك بدمج نسبة من وُصِفوا بالوظيفيين (31.6) مع نسبة المستقلين (63.4). هذه النتيجة تعكس أن معظم التلاميذ في هذا الإقليم مؤهلون للمشاركة الفاعلة في المجتمع أو لمتابعة الدراسة باستقلالية. غير أن الصورة لم تكن متشابهة في جميع الأقاليم، إذ كشفت النتائج عن وجود مواطن ضعف في القراءة خاصة في إقليم الشمال الغربي ودلتا الميكونغ، وهو ما يشير إلى تحديات محلية تحتاج إلى تدخلات تربوية موجهة.

على الرغم من أن هذه النتائج تمثّل أداة شديدة الأهمية في تقييم أداء المنظومة التعليمية، فإنّ جرأة مواجهة حقيقتها ليست متاحة إلا لوزارات تمتلك الشفافية والشجاعة. فهي بيانات تقود إلى رؤى نافعة، لكنها في المقابل قد تُثير جدلًا سياسيًا محتدمًا إذا ما استغلها نائب معارض ليوجه سؤالًا مُحرجًا: كيف يستقيم أن يظل واحد من كل عشرة تلاميذ، بعد خمسة أعوام من التعليم، غير مؤهل للقراءة بالمستوى الذي يضمن له القيام بوظائف الحياة اليومية؟

النوع الثالث من الأسئلة التي تطرحها الوزارات عادة هو:

  • إلى أي مدى ينجح نظامنا التعليمي مقارنة بالبلدان المماثلة؟

الجدول 14.9: نسب التلاميذ وهوامش خطأ العينات عند كل مستوى قياسي بحسب الأقاليم في فيتنام


قبل وظيفية

الوظيفية

المستقلة


القراءة


%

SE

%

SE

%

SE

%

دلتا النهر الأحمر

5.0

0.37

31.6

1.10

63.4

1.35

95

الشمال الشرقي

12.0

0.63

34.8

0.95

53.2

1.13

88

الشمال الغربي

16.6

1.92

38.6

2.26

44.9

2.79

83.5

الشمال الأوسط

8.8

0.95

35.7

1.52

55.5

2.09

91.2

المنطقة الوسطى

10.9

0.91

41.2

1.23

48.0

1.65

89.1

المرتفعات الوسطى

12.2

1.78

33.9

2.16

53.9

2.95

87.8

الجنوب الشرقي

7.0

0.56

39.9

1.34

53.1

1.51

93

دلتا الميكونع

17.6

0.66

46.3

0.81

36.1

1.06

82.4

فيتنام

10.7

0.30

38.0

0.45

51.3

0.58

89.4


الرياضيات

دلتا النهر الأحمر

1.7

0.24

11.2

0.67

87.1

0.83

98.3

الشمال الشرقي

3.6

0.32

18.0

0.72

78.4

0.88

96.5

الشمال الغربي

7.8

1.42

19.3

1.82

72.9

2.72

92.2

الشمال الأوسط

1.8

0.40

12.0

1.00

86.3

1.22

98.2

المنطقة الوسطى

1.6

0.24

15.5

0.85

82.9

0.96

98.4

المرتفعات الوسطى

2.9

0.60

13.7

1.59

83.5

2.05

97.1

الجنوب الشرقي

1.9

0.21

15.9

0.78

82.2

0.85

98.1

دلتا الميكونع

4.6

0.30

28.6

0.86

66.8

0.93

95.4

فيتنام

2.8

0.13

17.3

0.36

79.9

0.41

97.2

تكتسب المشاركة في الدراسات الدولية أهميتها القصوى في مثل هذا السياق. فدراسة (PISA) وُجّهت إلى تلاميذ يبلغون 15 عامًا بغض النظر عن موقعهم داخل النظم التعليمية المختلفة. ويعرض الجدول 14.10 جانبًا من نتائج دراسة (PISA) لعام 2009، وهي نتائج أثارت اهتمام الدول التي تسعى إلى استشراف المستوى العام للتعليم وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى الكفاءات التي ستشكّل عماد القوى العاملة في المستقبل. وتُظهر النتائج بجلاء أنّ الدول الآسيوية سبقت نظيراتها الأوروبية والأمريكية بفارق ملحوظ، في حين شكّلت فنلندا استثناءً لافتًا، إذ أحرزت أداءً متميزًا في جميع المواد وفي جميع دورات (PISA)، وهو ما جعل نظامها التعليمي موضع دراسة وإعجاب عالمي واسع. أما ألمانيا، التي ارتبط اسمها تقليديًا بالتفوّق في العمل التقني والمهني، فقد جاءت نتائجها متدنية مقارنة بالتوقعات، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول سياسات التعليم فيها منذ صدور النتائج الأولى لـ(PISA).

تقتصر هذه النتائج على إظهار موقع الدولة مقارنة بغيرها من الدول، دون أن تكشف لها عن السبل العملية لتطوير نظامها التعليمي، أو تحديد العوامل القابلة للتعديل الأكثر تأثيرًا في تباين إنجازات التلاميذ. إلا أنّ أهمية هذه النتائج تتضاعف متى ما جرى دمجها مع مقاربة تحليل مستويات المهارات، ومعايير الكفاءة المرجعية، ومناهج التحليل الإحصائي متعدد المتغيرات. فعندها يصبح بالإمكان استخلاص معطيات معمّقة ونافعة على نحو خاص للمسؤولين عن رسم السياسات التعليمية وتوجيهها نحو تحسين الجودة.

وعند العودة إلى النقطة السابقة، يتضح أنّ مسألة المقارنة بين النظم التعليمية تصبح بالغة الحساسية إذا ما اختلفت بصورة واضحة نسبة الطلاب الذين يبقون في المدرسة حتى المراحل النهائية. وهذا ما برز جليًا في الفئة الثالثة من دراسات الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA)، حيث يُنظر عادة إلى هذه الفئة باعتبارها تضم تلاميذ الصف الأخير في التعليم الثانوي، مع العلم أنّ تعريف هذا الصف يختلف بين البلدان. ففي دراسة TIMSS Advanced 2008 (الجدول 14.11)، مثّل الصف العاشر المرحلة الأخيرة في أرمينيا، بينما امتد حتى الصف الثالث عشر في إيطاليا. كما تباينت معدلات أعمار التلاميذ عند الخضوع للاختبار بين 16.4 عامًا في الفلبين و19.0 عامًا في إيطاليا. ومن جهة أخرى، احتفظت بعض الدول بكامل الفوج الدراسي الأخير تقريبًا داخل المدارس، في حين لم يتجاوز الأمر خمس التلاميذ في دول أخرى. وتظهر الفروقات كذلك عند التخصصات الدراسية، حيث تراوحت نسبة الطلاب الذين اختاروا الرياضيات في الصف الأخير وفق TIMSS Advanced 2008 بين 1.4% في روسيا و40.5% في سلوفينيا. وهذا التفاوت الواسع يستدعي التعامل مع النتائج وتحليلها بحذر، وبما يعكس طبيعة هذه الاختلافات البنيوية.


الجدول 14.10: نتائج مختارة من PISA 2009



محو الأمية الرياضياتية

محو الأمية في القراءة

محو الأمية العلمية



المتوسط

SE

المتوسط

SE

المتوسط

SE


شنغهاي

600

2.8

556

2.4

575

2.3


اليابان

529

3.3

520

3.5

539

3.4


كوريا

546

4.0

539

3.5

538

3.4


فنلندا

541

2.2

536

2.3

554

2.3


ألمانيا

513

1.9

497

2.7

520

2.8


المملكة المتحدة

492

2.4

494

2.3

514

2.5


الولايات المتحدة

487

3.6

500

3.7

502

3.6


متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية

496

0.5

493

0.5

501

0.5


المصدر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2010 ب)، الصفحات 56، 135، 152.

الجدول 14.11: توزيع الإنجاز في الرياضيات في دراسة TIMSS المتقدمة لعام 2008


الدولة

المستوى المتقدم في الرياضيات

السياق القطري للإنجاز


نطاق الدرجة

مؤشر تغطية الرياضيات المتقدمة

السنوات الرسمية للتمدرس**

متوسط العمر في وقت الاختبار


روسيا

561 (7.2)

1.4%

10/11

17.0


هولندا*

552 (2.6)

3.5%

12

18.0


لبنان

545 (2.3)

5.9%

12

17.9


متوسط ​​مقياس TIMSS المتقدم

500





جمهورية إيران الإسلامية

497 (6.4)

6.5%

12

18.1


سلوفينيا

457 (4.2)

%40.5

12

18.8


إيطاليا

449 (7.2)

19.7%

13

19.0


النرويج

439 (4.9)

10.9%

12

18.8


أرمينيا

433 (3.6)

4,3%

10

17.7


السويد

412 (5.5)

12.8%

12

18.8


الفليبين

355 (5.5)

0.7%

10

16.4


* المبادئ التوجيهية المستوفاة لمعدلات المشاركة في العينة فقط بعد تضمين المدارس البديلة.

** يشير إلى مجموع سنوات التمدرس ابتداءً من السنة الأولى للتعليم الابتدائي أو الأساسي، أي من السنة الأولى للمستوى الأول في التصنيف الدولي الموحّد للتعليم (ISCED Level 1).

المصدر: مستخرج من موليس وآخرين (2009)، المستند 2.1، ص 65.


كيف يمكن قياس درجة الإنصاف في مستويات الإنجاز التعليمي بين المدارس؟

بيّنت النتائج السابقة مستويات التحصيل في المدرسة موضوع الدراسة، وفي مدارس مشابهة لها، وعلى مستوى الإقليم والدولة. غير أنّ اهتمام المخططين بوزارة التربية لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمتد لقياس حجم التفاوت بين المدارس في مجمل النظام التعليمي. ويُطرح السؤال: هل الفروق في نتائج التلاميذ تعكس بالأساس اختلافات بين المدارس، أم أنّها ترجع بدرجة أكبر إلى فروق فردية بين التلاميذ داخل المدرسة الواحدة؟ وعندما يُجرى الاختبار على صفوف متكاملة كما هي، يتحول التركيز إلى تحليل الأبعاد الثلاثة للفروق: بين المدارس، وبين الصفوف في المدرسة نفسها، وبين التلاميذ أفرادًا.

أظهر الإحصاء الموجز في الحالة الأولى ما يُعرف بمعامل الارتباط داخل الصفوف. وقد بلغ في المسح المتعلق بتلاميذ الصف الخامس في فيتنام قيمة 0.58، وهو ما يدل على أنّ ما يقارب 58% من التباين يُعزى إلى الفروق بين المدارس، في حين لا تتجاوز نسبة التباين داخل المدرسة الواحدة 42%. غير أنّ الصورة تصبح أكثر تعقيدًا عندما يتعلّق الأمر بدراسة الفروق على مستويات متعددة: بين الأقاليم المختلفة، وبين المدارس داخل الإقليم، وبين الصفوف داخل المدرسة، وأخيرًا بين التلاميذ أنفسهم داخل الصف الواحد. وقد مكّن اعتماد التحليل متعدّد المستويات الباحثين من إظهار خريطة دقيقة لهذه الفروق في مستوى التحصيل القرائي لدى تلاميذ الصف الخامس في فيتنام، كما هو موضّح في الشكل 14.3.

الشكل 14.3: تباين تحصيل التلاميذ في القراءة موزّعًا بحسب الإقليم والمدرسة والصف داخل المدرسة والتلاميذ داخل الصفوف في فيتنام

يتضح في هذه الحالة أنّ 10% من التباين يرجع إلى الفروق بين الأقاليم، فيما بلغت نسبة التباين بين المدارس 41%، والتباين بين الصفوف داخل المدرسة 15%، أما الفروق بين التلاميذ داخل الصفوف فقد شكّلت 34%. وهذا التوزيع يقدّم صورة أكثر تمايزًا للتباين في التحصيل. ويُلاحظ بوضوح أنّ العامل الأبرز في فيتنام يتمثل في الفروق بين المدارس نفسها. كما أنّه بالإمكان على كل مستوى من مستويات النظام التعليمي تحديد العوامل الإقليمية أو المدرسية أو الصفّية أو الفردية التي تؤثّر في تفسير هذا التباين.

يمثّل معامل الارتباط داخل الصفوف أداة إحصائية دقيقة لقياس مقدار التباين في أداء التلاميذ بين المدارس داخل البلد الواحد عند مقارنته بين الدول. وقد رصدت دراسة TIMSS لعام 2007 في مادة الرياضيات للصف الثامن معاملات هذا المؤشر لعدد من البلدان. وفي حالة كوريا، على سبيل المثال، بلغ المعامل 0.083، وهو ما يشير إلى أنّ نسبة التباين العائدة إلى الفروق بين المدارس لا تتجاوز 8.3%، بينما النسبة الأكبر، أي 91.7%، تعود إلى الفروق بين التلاميذ داخل المدارس ذاتها.

تُبيّن هذه النتيجة أنّ التباين بين المدارس في كوريا ضئيل للغاية، إذ لا تتجاوز نسبته 8.3% من مجمل التباين، في حين تبلغ النسبة 46% في الولايات المتحدة. وعندما تُعَدّ العدالة التعليمية مسألة ذات أهمية سياسية، تسعى الدول عادةً إلى معرفة حجم الفروق بين المدارس.

الجدول 14.12: معاملات الارتباط داخل الصفوف في مادة الرياضيات للصف الثامن وفق دراسة TIMSS 2007 لعدد من الدول


كوريا

تايوان

الولايات المتحدة

إسرائيل

سنغافورة


تباين

%

تباين

%

تباين

%

تباين

%

تباين

%

داخل المدرسة

7204.2

91.7

8483.3

73.4

3630.7

71

5484.2

64.2

4381.4

54.0

بين المدرسة

649.4

8.3

3075

26.6

1480.6

29.0

3059.6

35.8

3737.7

46.0

الإجمالي

7853.6

100.0

11558.3

100.0

5111.3

100.0

8543.8

100.0

8119.1

100.0

ارتباط داخل الفئة

0.083

8.3

0.266

26.6

0.290

29.0

0.358

35.8

0.460

46.0

المصدر: كيم وآخرون. (2012)، ص 193.

الاستنتاجات

تناول هذا الفصل مسألة صعوبة قياس التحصيل عند إجراء المقارنات سواء بين التلاميذ والمدارس أو بين المقاطعات والأقاليم داخل البلد الواحد، أو عند المقارنة بين البلدان. وعلى المستوى الوطني، عُرضت فيه معلومات عن مستويات المهارة، والمستويات المرجعية، والنتائج العامة.

إن صياغة مقاييس التحصيل الدراسي من أصعب المهام البحثية. وإذا تمكّن الباحثون من تجاوز هذه العقبة، وأُجري السحب وجمع المعلومات بطريقة متقنة، فإن المعطيات الناتجة تكون بالغة الأهمية لأغراض التخطيط التربوي. ومع هذا، فإن المقارنة بين الدول تستدعي قدرًا كبيرًا من الحذر، خاصةً عند المرحلة الختامية من التعليم الثانوي حيث تختلف سمات الفئات المستهدفة اختلافًا بيّنًا.

إن وضع مقارنات بين مستويات التحصيل الدراسي يُعدّ نقطة الانطلاق في هذا النوع من الدراسات، لكنه ليس سوى بداية الطريق. فكل دولة تحمل مزيجًا من مكامن التميز والقصور، ولا وجود لدولة متفوقة في كل مجال من مجالات التحصيل. غير أن ما يهمّ واضعي السياسات هو إدراك الوسائل الكفيلة بتحسين التعليم في مواضع الضعف. وهذا يستوجب الكشف عن العوامل المرتبطة بتفاوت مستويات التحصيل، ليتسنى التفكير فيما يمكن اتخاذه من إجراءات إصلاحية. وبناءً على ذلك، تُصمَّم الدراسات بحيث تُقاس العوامل الأكثر احتمالًا في تفسير الفروق بين التلاميذ والمدارس والمناطق والدول. أما تفصيل كيفية القيام بذلك فمسألة أخرى لها مقامها الخاص.

ملاحظة المحرّرين: كُتب هذا الفصل في الطبعة الثانية من الكتاب بقلم (فريدريك ليونغ) و(كيونغمي بارك)، استنادًا إلى الفصل الذي أعدَّه الراحل (ت. نيفيل بوستلوثويت) و(فريدريك ليونغ) للطبعة الأولى.

1 انطلقت (TIMSS) في عامي 1995 و1999 تحت اسم الدراسة الدولية الثالثة للرياضيات والعلوم، غير أنّ هذا الاسم تبدّل في عام 2003 حين أُعيدت تسميتها لتصبح دراسة الاتجاهات الدولية في الرياضيات والعلوم.


الفصل الخامس عشر

تباين النماذج واختلاف محاور التركيز وتنوّع الرؤى

يسعى هذا الفصل الأخير إلى جمع أبرز القضايا التي نوقشت في الفصول السابقة، ليقدّم بذلك نوعًا من المقارنة بين المقارنات. فقد عرضت الفصول الماضية مجموعة واسعة من محاور البحث، وتناولت تلك المحاور ضمن أطر معرفية ومناهج متعددة. وبناءً على الرؤى التي قدّمها الكتاب بأكمله، يبدأ هذا الفصل بمناقشة النماذج النظرية والبحثية في ميدان التربية المقارنة، ثم ينتقل إلى طرح ملاحظات حول مواطن التركيز وأولوياتها، ليختم بمناقشة الأبعاد المعرفية والاستبصارات التي يمكن تحصيلها من توظيف النهج والطرائق المقارنة في ميدان البحث التربوي.

نماذج بحثية للتربية المقارنة

كشف هذا الكتاب عن وجود نماذج متعدّدة يمكن من خلالها إجراء الدراسة المقارنة في التربية، ورغم تعذّر استعراضها جميعًا في هذا الموضع، فإن بعض الأمثلة التي تناولتها الفصول السابقة تستحق تسليط الضوء عليها ومناقشتها بمزيد من التفصيل. ويستهل هذا القسم بملاحظات تتعلق بعدد الوحدات الموازية المستخدَمة في المقارنات، ثم يعود ليستعرض المكعّب الذي وضعه (براي) و(توماس) والمشار إليه في المقدمة، لينتقل بعد ذلك إلى بحث علاقته بالقضايا المعرفية.

عدد وحدات المقارنة

افتتحت (مانزون) فصلها حول مقارنة الأماكن بالنموذج الكلاسيكي الذي قدّمه (بيرداي) سنة 1964 للمقارنة بين نظم التعليم في دولتين. وقد لقي هذا النموذج انتشارًا واسعًا في الاستشهادات وحظي بتقدير بالغ في الدراسات التربوية. وإذ اقتصر على تناول دولتين، فقد أتاح للباحثين فرصة التعمق في التحليل إلى مستويات دقيقة مكّنت من استجلاء تفاصيل أوسع مما هو ممكن في المقارنات متعددة الدول.

أورد هذا المجلد نموذجًا من شرق آسيا، حيث أُشير إلى كتاب يتقاطع في كثير من ملامحه مع نموذج (بيرداي) في التربية المقارنة. وانصب اهتمام الكتاب على منطقتين إداريتين خاصتين داخل دولة واحدة، هما هونغ كونغ وماكاو، وقد امتلكتا مساحة واسعة من الاستقلال في مجالات متعددة تشمل التعليم، الأمر الذي جعل دراستهما في منزلة أقرب إلى دراسة دولتين مستقلتين. وقد أشرف (براي) و(كو) على تحرير الكتاب عام 2004، وجاء في خمسة عشر فصلًا تناولت التعليم قبل المدرسي والتعليم الأساسي والثانوي وتدريب المعلّمين، إلى جانب قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية مثل علاقة الكنيسة بالدولة والتعليم، والتعليم العالي والقوى العاملة، واللغة والتعليم. كما عرض سياسات المناهج وإصلاحها، وقضايا التربية المدنية والسياسية، واختُتم بفصول عن المنهجية والاستمرارية والتغيير في التعليم. إنّ كتابًا يقع في 323 صفحة ومكرّس لمكانين محدودين جغرافيًا، استطاع أن يقدّم معالجة معمّقة وواسعة. ويجسّد الشكل 15.1 هذا النموذج من الدراسات الثنائية "المكثّفة".

الشكل 15.1: التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة ذات موقعين
image

يعتمد نموذج آخر على وضع التعليم في إقليم واحد في مركز التحليل، ثم الانطلاق منه لعقد مقارنات مناسبة مع أقاليم أو أماكن أخرى. ويتّضح هذا النموذج من خلال مثال يرتبط بهونغ كونغ، تمثّل في عدد خاص من مجلة التربية المقارنة بعنوان: التعليم والتحوّل السياسي: دلالات انتقال السيادة على هونغ كونغ (براي ولي 1997). وقد ركّز العمل على مرحلة انتقال هونغ كونغ عام 1997 في ختام الحقبة الاستعمارية، كما عقد مقارنات مع انتقالات شهدتها مستعمرات أخرى مثل فيجي ونيجيريا وروديسيا وسنغافورة. وقد عُرضت البيانات المتعلقة بهونغ كونغ بتفصيل وثراء، بينما بقيت البيانات الخاصة بالأماكن الأخرى سطحية ومقتضبة. ويقدّم الشكل 15.2 تمثيلًا مصوَّرًا لنوع كهذا من الدراسات المقارنة.

الشكل 15.2: التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة بموقع واحد في المركز
image

يمثّل النمط الثالث امتدادًا للمقارنة التي أُجريت بين هونغ كونغ وماكاو، لكنه يضيف إليها عددًا أكبر من المواقع. ومن أبرز الأمثلة كتاب التعليم والتنمية في شرق آسيا (موريس وسويتنغ 1995)، الذي تناول في فصول مستقلة كُلًّا من الصين، وهونغ كونغ، واليابان، وماكاو، وماليزيا، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، وتايوان. ورغم التفاوت الواضح بين هذه الدول والأقاليم من حيث عدد السكان، والبنية التعليمية، والقدرات الاقتصادية، فقد جاء حجم الفصول متقاربًا في الطول. هذا النمط من الدراسات لا يتيح درجة العمق التي حقّقها العمل المخصّص لهونغ كونغ وماكاو، لكنه يُقدّم رؤية أوسع وأشمل. والشكل 15.3 يوضّح بصورة بيانية مبسّطة هذا النوع من المقارنات، حيث تُظهر الأسهم العلاقات بين أزواج المواقع، مع إمكان إضافة المزيد منها للإشارة إلى المقارنات المتعددة داخل المجموعة.

الشكل 15.3: التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة لثمانية مواقع

image

يتقدّم مقياس المقارنات ليشمل نطاقًا أوسع عند تناول دراسات تُغطي عددًا كبيرًا من المواقع، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الدراسة الدولية لاتجاهات الرياضيات والعلوم (TIMSS) التي سبقت الإشارة إليها في الفصل الرابع عشر. ففي عام 2003، تناولت TIMSS تحصيل التلاميذ في مادة الرياضيات بالصف الرابع الابتدائي عبر 25 دولة أو نظامًا تعليميًا، كما تناولت تحصيل الصف الثامن في 46 دولة أو نظامًا (موليس وزملاؤه 2005). ويعرض الشكل 15.4 تمثيلًا تخطيطيًا لدراسة الصف الرابع، حيث حُذفت الأسهم ليبدو الشكل أقرب إلى غابة متشابكة بدلًا من مجموعة أشجار متفرقة. وتتعاظم هذه الصورة في حالة الدراسة الخاصة بالصف الثامن التي شملت 46 دولة ونظامًا تعليميًا، ثم بلغت أوجها في دراسة عام 2011 التي امتد نطاقها إلى 63 دولة ونظامًا تعليميًا (موليس وآخرون 2012).

الشكل 15.4: التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة لـ 25 موقعًا


1


2


3


4


5


6


7


8


9


10


11


12


13


14


15


16


17


18


19


20


21


22


23


24


25

عندما تتعدد الوحدات قيد التحليل بهذا الشكل، يصبح من المحتم أن تكون البيانات المتعلقة بكل دولة أو نظام تعليمي في دراسات TIMSS سطحية نسبيًا، غير أنّ اتساع العينة يمنح هذه الدراسات قوة منهجية بارزة. فقد جرى تنفيذ دراسات TIMSS برعاية الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA)، التي ناقشناها في الفصل الرابع عشر، وأُشير إليها أيضًا في فصول أخرى من هذا الكتاب. ففي الفصل الثالث تناول (فيربروذر) دراسات الرابطة حول محو الأمية، فيما ركّز (لي) و(مانزون) في الفصل التاسع على دراساتها الخاصة بالتربية المدنية. وفي السياق نفسه، قامت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بتنفيذ برنامجها لتقويم الطلبة الدوليين (PISA). وتوفّر هذه الدراسات قاعدة بيانات منظمة من خلال استبيانات موحّدة، مما يتيح إصدار أحكام قابلة للمقارنة بين الدول ومجموعاتها، فضلًا عن إجراء مقارنات على مستويات أخرى مثل الصف، والمدرسة، والمنطقة، والمقاطعة. ويقدّم هذا التنوع في مصادر البيانات أدوات قياس معيارية بالغة الأهمية لصنّاع القرار التربوي.

غير أنّ هذه الدراسات تعاني من قيود واضحة، أبرزها صعوبة ضمان تجانس العينات، وتعقّد وضع أسئلة تراعي الخصوصيات الثقافية المتباينة، بالإضافة إلى التحديات التي تواجه الترجمة الدقيقة إلى لغات مختلفة. ويضاف إلى ذلك أنّ نتائج التحليل غالبًا ما تُختزل في أرقام ومعاملات ارتباط، الأمر الذي يضعف القيمة التفسيرية النوعية الكفيلة بفهم الأنماط بعمق. وانطلاقًا من هذه الملاحظات، أعدّ فريق PISA تقارير على مستوى كل دولة، جمعت بين قاعدة البيانات المقارنة واسعة النطاق والمضامين النوعية الغنية (OECD 2011a، 2011b، 2012). كما قدّمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مقاطع فيديو تعليمية أسهمت في تعزيز البعد النوعي، فخصّص بعضها لدول مثل البرازيل وألمانيا واليابان وهولندا وبولندا، في حين ركّز البعض الآخر على تجارب محلية دون وطنية، مثل فلاندرز في بلجيكا، وأونتاريو في كندا، وشنغهاي في الصين.

تطرح مسألة عدد الوحدات التي ينبغي تناولها في الدراسات المقارنة إشكالية تتعلق بقدرة الباحثين على تنفيذ البحث على أرض الواقع. فالمسوحات الدولية الكبرى لا يمكن أن يقوم بها باحث فرد، بل تتطلب فرقًا متكاملة لما تنطوي عليه من جهد مضاعف وحاجة إلى إلمام بثقافات ولغات متعددة. ومع ذلك، يمكن للباحثين الأفراد تقديم إضافات مهمة من خلال التحليل الثانوي للبيانات التي تنتجها الفرق البحثية، غير أنّ إجراء بحوث أصيلة يتطلب جمع بيانات ميدانية من عدة دول يبقى خارج نطاق إمكاناتهم الفردية. وبالتالي فإن تحديد النموذج الملائم للبحث المقارن يتوقف، بالإضافة إلى موازنة الاتساع والعمق، على حجم الموارد البشرية والمالية واللوجستية المتاحة.

عند تصميم المشاريع البحثية، يبرز عامل أساسي يتمثل في كيفية الوصول إلى مصادر المعلومات. ففي معظم الأحيان تُجرى استطلاعات TIMSS وPISA إما مباشرة عبر الأجهزة الحكومية في الدول المشاركة، أو من خلال فرق تعمل بالتنسيق مع تلك الحكومات، وهو ما يمنح الباحثين ميزة الدخول إلى المدارس التابعة لها. ومع ذلك، قد يتردد بعض الباحثين أو يعجزون عن العمل من خلال قنوات حكومية، خصوصًا حين تكون طبيعة البحث مرتبطة بأنشطة تتعارض مع اللوائح الرسمية أو مع الأطر الأيديولوجية التي تفرضها الدولة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الضروري إيجاد مسارات بديلة للوصول إلى المعلومات. ويمكن أن تسهم المنظمات غير الحكومية والهيئات الإقليمية أو الدولية في تيسير العمل عبر الحدود، كما يمكن للباحثين الاعتماد على شبكات الاتصال الشخصية لتجاوز العوائق الرسمية.

إعادة النظر في مكعب (براي) و(توماس)

قدّم (براي) و(توماس) في منتصف التسعينيات نموذجًا متعدّد المستويات أبرز ملاحظة مفادها أنّ أغلب الدراسات في التربية المقارنة ركّزت على المقارنات العابرة للدول، في حين أغفلت إلى حدّ كبير المقارنات الداخلية على مستوى الدولة، مع أنّ لهذه الأخيرة قيمة معرفية ومنهجية معتبرة. وقد حاز النموذج صدى واسعًا في الأدبيات الأكاديمية، وأصبح أداة مرجعية ساعدت على توسيع آفاق البحث وتوجيهه نحو مسارات جديدة. وبالنظر إلى مرور عقدين على ظهوره، فإنّ إعادة تقييمه تبدو ضرورية لاستكشاف ما يمكن إضافته من صقل أو تطوير من شأنه أن يثري هذا الميدان.

يعالج فصل (مانزون) في هذا الكتاب الوجه الأمامي للمكعّب بصورة مباشرة، حيث يشير إلى أنّ التصنيف الجغرافي يمكن أن يتجاوز المستويات التقليدية للدول والأقاليم ليشمل تكتلات مستندة إلى التاريخ الاستعماري أو الشراكات الاقتصادية أو الانتماءات الدينية. فبلدان إفريقيا جنوب الصحراء، مثلًا، يمكن تصنيفها بحسب كونها مستعمرات سابقة بريطانية أو فرنسية أو برتغالية، كما يمكن النظر إلى التكتلات الاقتصادية الكبرى مثل (الاتحاد الأوروبي) أو (اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية). وعلى المنوال نفسه، يمكن اعتبار الانتماءات الدينية أساسًا للتصنيف، كالتفريق بين الدول ذات الأغلبية المسلمة وتلك التي يغلب عليها المسيحية أو البوذية أو غيرها من الديانات. بل إن الكيانات الجغرافية يمكن أن تُوسَّع لتشمل المدن أو القرى، وهو ما يمكن إدماجه ببساطة من خلال إضافة فئات جديدة في الواجهة الأمامية للمكعّب.

تبدو مسألة عرض مكعّب الوحدات التي لا تحتل مناطق جغرافية متصلة أكثر إرباكًا في الظاهر، لكن من الممكن أيضًا استيعابها داخل المكعّب، إذ جرى في الفصل الخامس النظر إلى النظام لا إلى الدولة باعتباره الوحدة المعتمدة في التحليل، مما أتاح المقارنة بين المدارس الفلمنكية في بلجيكا والمدارس الفرنكوفونية، لأن كلّ مدرسة منها تشغل موقعًا ماديًا قائمًا بذاته، ويمكن النظر إلى النظام برمّته باعتباره محصّلة تلك المواقع المادية حتى وإن لم تكن متجاورة، ويصحّ القياس نفسه على المؤسّسات والأنظمة التي تقدّم خدماتها لأسر من طبقات وأعراق وأنماط ثقافية متباينة، كما جرى توضيحه في الفصلين السابع والثامن، غير أنّ التحدي الأشد يتمثّل في تصوّر التعليم الذي يُمارس عبر الشبكة العنكبوتية حيث يوجد في فضاء إلكتروني لا في فضاء مادّي، ومع ذلك فإنّ المعلّمين والمتعلمين في مثل هذه الدروس يشغلون أماكن مادية ملموسة، الأمر الذي يتيح اعتبار الإقليم الجغرافي مجموعًا لتلك الأماكن. يُمكن القول إنّ الفصل السادس المتعلّق بالمقارنة بين الأزمنة يمثّل الحالة الوحيدة في الجزء الثاني من هذا الكتاب التي لا يغطيها مكعّب التحليل، مع أنّ (براي) و(توماس) كانا قد تناولا مسألة المقارنة عبر الزمن في عام 1995 (ص 474)، لكنهما اكتفيا بوضعها في حاشية بغية التركيز على جوهر المقال، وقد احتوت المسوّدة الأولى للمقال على رسم يوضّح المكعّب في ثلاثة تكرارات متتابعة تمثل الماضي والحاضر والمستقبل، كما هو مبين في الشكل 15.5، ويظهر في ذلك الرسم مربع مظلّل يشير إلى مقارنة المناهج في ولاية أو مقاطعة واحدة عبر ثلاث محطات زمنية، ومن الممكن بطبيعة الحال تغيير التسميات بحيث تعكس مثلًا ثلاث نقاط زمنية سابقة.

الشكل 15.5: المقارنات عبر الزمن باستخدام مكعب (براي) و(توماس)

Shape6

تتّجه الفئات التي يشتمل عليها مكعّب (براي) و(توماس) إلى إمكانية التفريع إلى فئات أدق تُستخدم في المقارنة، وهو ما يظهر مثلًا في دراسة النظام التعليمي في هونغ كونغ المعروضة في الفصل الخامس، حيث جرى التركيز على المزوّدين الحكوميين والخاصين للتعليم، وعلى تنوّع وسائل التدريس، وتعدّد المناهج الدراسية، غير أنّ تحديد هذه الفئات الفرعية مسبقًا على المكعّب قد يقود إلى تقييد مسار البحث، ومع ذلك فإنّ تثبيت نقاط المقارنة منذ البداية قد يكون مفيدًا لبعض الدراسات، وبخاصة تلك التي تهدف إلى تقويم جوانب محدّدة، في حين يفضّل الباحثون الذين ينهجون مسلكًا تأويليًا أو استقرائيًا ترك هذه الفئات تنبثق مباشرة من البيانات.

ومع أنّ هذه الإشارات تبدو محافظة على سلامة المكعّب ومؤكّدة صلابته من منظور تصوّري، يتعيّن الاعتراف بأنّ استخدامه يظل أكثر ملاءمة في الجانب المفاهيمي، خصوصًا في الدراسات الكمية، حيث لا يكفي عدد الوحدات في المستويات العليا لإجراء اختيارات عشوائية أو تحليلات إحصائية موثوقة.

أكّدت الفصول الأولى من هذا الكتاب على نقطة جوهرية تتعلق بطبيعة الفئات، إذ جرى التنويه في أكثر من موضع إلى صعوبة ضبط بعض وحدات المقارنة عند السعي إلى صياغة تعريف قاطع لها، ومثال ذلك ما ورد في الفصل الحادي عشر حول المناهج، الذي يمكن فهمه إمّا بصفته مجمل التجربة التعليمية، أو باعتباره جسدًا معرفيًا محدّدًا للدراسة، وقد عرضت (مانزون) هذه الإشكالية بوضوح في الفصل الرابع، حيث رأت أنّ المستويات في الواجهة الأمامية من المكعّب، وربما الفئات في الواجهتين الأخريين أيضًا، ينبغي النظر إليها في كثير من السياقات على أنّها ذات حدود مطموسة وربما متداخلة، وقد عبّرت عن ذلك بقولها (ص 129–130):

تتباين المستويات الجغرافية في طبيعتها وإن تمايزت، لكنها لا تُفهم باعتبارها فضاءات منغلقة أو منعزلة، بل تتشكّل في صورة بيئات إيكولوجية تتوالى طبقاتها وتتداخل بنياتها في نسق متعاقب، فيحتوي المستوى الأعلى ما دونه ويؤثّر فيه، ويستجيب الأدنى لما فوقه ويتشكّل به، لتنشأ بين الطرفين علاقة جدلية تجمع بين العالمي والمحلي، ويصبح الوعي بهذه الروابط المتبادلة بين مختلف المستويات المكانية ضرورة علمية لفهم شامل يكشف حقيقة الظواهر التربوية في جوهرها.

وبناءً على هذا المنظور، قد يكون الأصلح من الحدود الضبابية حدود تظل في حركة مستمرة وتدفّق متغيّر، ولهذا السبب دعا (سوبِه) و(كوالشِك) (2014) إلى "تفجير المكعّب" منعًا لاستخدام فئات جاهزة مفروضة مسبقًا، بينما لجأ (وايزمان) و(هوانغ) (2011)، في سياق تحليل البحوث التربوية المتعلقة بإصلاح السياسات في دولة بعينها، إلى مقاربة بديلة تقوم على استبدال أوجه المكعّب بمحاور وموضوعات وأساليب تغيّر، وبيّنا (ص 13–14) أنّ ذلك يسمح بـ:

تتداخل مجموعات غير متبلورة من العوامل الاجتماعية-الثقافية، وما يتوافر من شواهد كمية وكيفية، إلى جانب العلاقات والثقافات اللا ملموسة، لتعمل جميعها عبر "غيوم شبيهة بالمكعّب" تنحت فضاءً يتقاطع مع هذه العوامل والقوى والقضايا، فيتشكّل هذا الفضاء من الطبقات التي يحدّدها إطارنا التحليلي، لكنه في الوقت نفسه لا يخضع لقيودها.

وقد يواجه باحثون آخرون تعقيدًا في التعامل مع مثل هذه الأطر، لكنها مع ذلك تطرح رؤى مبتكرة وتدعو إلى النظر في احتمالات بديلة يمكن أن تُثري مجال البحث.

النهج الإبستمولوجية

وبالطبع يتجاوز النظر في النماذج مجرد عدّ الوحدات للمقارنة أو تحديد المستويات الجغرافية على واجهة المكعّب، أو حتى العمل عبر "غيوم شبيهة بالمكعّب"، إذ تشمل النماذج في معناها الأوسع النهج المعرفية الجوهرية، وكما ورد في الفصل الثاني فإنّ ميدان التربية المقارنة يستوعب طيفًا واسعًا من البارادايمات، وقد قام (بولستون) برسم خريطة لبعضها كما أعيد نشره في الشكل 2.2، ويُلاحظ أنّ بعض الباحثين الذين يفضّلون نماذج إرشادية محدّدة نادرًا ما يتواصلون مع باحثين يعتنقون نماذج إرشادية أخرى، بل يعيش كل فريق في عوالم أكاديمية منفصلة تهيمن عليها نماذج مفاهيمية مختلفة كثيرًا ما تكون غير قابلة للتوافق.

ومن خلال متابعة الملاحظات المتعلّقة بمكعّب (براي) و(توماس)، يتبيّن أنّ هذا المكعّب يُستخدم بصورة أساسية كنموذج وصفي لتصنيف الدراسات المقارنة القائمة، أكثر من كونه أداة بحثية تهدف إلى توجيه العلماء نحو إجراء أنواع بعينها من المقارنات، وهو وإن كان يحثّ على إجراء تحليلات عبر مستويات متعدّدة، فإنّ ذلك ليس أمرًا ضروريًا في جميع السياقات، ومع ذلك فإنّ الباحثين المتمكّنين في ميدان التربية المقارنة يجدون من المفيد دراسة العوامل على طول كل محور قبل اختيار المتغيّرات ذات الصلة بفرضياتهم، ويستلزم ذلك منهم ربط المنهجيات البحثية بمدى اتساقها مع الإطار المعرفي المعتمد، أي التساؤل عمّا إذا كان ذلك الإطار وما يقترن به من منهجية قادرَين على توليد نوع البحث المطلوب، وهذا يقود في النهاية إلى ضرورة أخذ أهداف الدراسة وسياقها في الاعتبار، وهي مسائل ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالأسئلة المعيارية التي ترافق دائمًا البحوث في العلوم الاجتماعية، والتي تستمدّ جذورها من الخطابات والقيم المؤثّرة في كل دراسة.

تزداد فرص الباحثين في التعرف إلى مصادر التباين عندما يشرعون في تصميم دراساتهم بعد أن يضعوا فرضيات مسبقة عن العوامل التي قد تسهم في تفسير ذلك التباين، وربما يبدو المثال بسيطًا، غير أنّ واضعي دراسات الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA) في مجال محو الأمية القرائية ما كانوا ليبحثوا عن الفروق من خلال مقارنة ألوان عيون التلاميذ، لأنّهم على الأرجح قد كوّنوا نظرية قبل بداية الدراسة تحدّد ما يمكن أن يكون له أثر في القدرة على القراءة وما لا يكون، ومع ذلك فإنّ نتائج البحث قد تكشف عن وجود علاقة ارتباطية قوية بين القدرة على القراءة وبين متغيّرات مثل حجم الحذاء أو عدد المصابيح في البيت، وذلك لأنّ هذه المتغيّرات قد تعمل كمؤشّرات لعوامل أخرى أكثر صلة بالموضوع، مثل العمر ومستوى النمو الفردي في حالة حجم الحذاء، أو الوضع الاجتماعي-الاقتصادي في حالة عدد المصابيح، والنتيجة أنّ العوامل التي تبدو غير ذات أهمية قد تكتسب دلالة، وأنّ الباحثين لا يمكنهم الشروع في بناء تصاميمهم البحثية قبل أن يصوغوا فرضيات حول صلة تلك العوامل أو عدمها.

ويظهر بُعد آخر في الطريقة التي يتعامل بها الباحثون مع بياناتهم ويفسّرونها، إذ تميّز العلوم الاجتماعية بين منظور داخلي للمشاركين في الدراسة يستند إلى تعريفات محلية متجذّرة في الثقافة تحدّد القيم وتفصل بينها، ومنظور خارجي يتجاوز الثقافات ويعتمد تعريفات مفروضة من الخارج لتمييز القيم واختلافاتها. وللوهلة الأولى قد يبدو المنظور الخارجي أكثر نفعًا للدراسات المقارنة، فقد افترض نموذج (بيرداي) أنّ الباحثين قادرون وينبغي لهم أن يحافظوا على انفصال وموضوعية، غير أنّ (آرثر) (2004، ص 1) بيّن أنّ ذلك لا يتحقق إلا للباحثين الذين يدرسون دولًا لم يسبق لهم أن عاشوا خبرتها، وهو ما يُنظر إليه عادة على أنّه مثلبة في التربية المقارنة لما يترتب عليه من فقدان للفهم السياقي. وقد لاحظ (آرثر) (ص 4) أنّ أغلب البحوث المقارنة عمليًا تحتاج إلى بناء فهم مشترك وبناء جسور معرفية (انظر أيضًا: (كروسلي) 2000، 2006)، وهو ما يتطلّب تفاعلًا شخصيًا من الباحثين وإضفاء طابع ذاتي على عملية البحث.

وتُظهر هذه الملاحظات أنّ مجرّد زيادة عدد الحالات المدروسة أو المستويات المفحوصة في إطار المكعّب لا يؤدّي بذاته إلى صياغة فرضيات سليمة، لذلك يتعيّن على الباحثين أن يقرنوا القضايا المعرفية بالنموذج الذي يعتمدونه في بحوثهم، بحيث يقوم التفاعل بين المنهج والأساس النظري، ويحتاجون في هذا السياق إلى تصوّرات تستند إلى أساس نظري واضح، سواء لما يتأملونه من موضوعات أو لما يستهدفونه من معطيات، كما يحتاجون إلى صياغة فرضيات توضّح المحاور التي يمكن أن تتوزع عبرها عناصر البحث بشكل متفاوت، وهذه الفرضيات بدورها تقود إلى اختيار المجالات الملائمة للتقييم، بل وللقياس متى كان ذلك مناسبًا.

محاور التركيز في بحوث التربية المقارنة

ويُفضي النقاش أعلاه إلى تناول محاور التركيز في نطاق التربية المقارنة، إذ أوضحت مقدّمة هذا الكتاب أنّ كل عقد زمني حمل معه تحولات وتطورات ملحوظة، وقد ذكر (كازامياس) و(شوارز) (1977، ص 151) أنّه رغم ما شاب خمسينيات القرن العشرين من ارتباك عند تثبيت دعائم التربية المقارنة كميدان أكاديمي معتبر، فقد كان من الممكن آنذاك التعرف إلى أصوات فكرية مرجعية ونصوص محدِّدة رسمت الملامح الكبرى للميدان وموضوعاته، إلا أنّهما رأيا أنّ هذا الاتساق الداخلي قد ضاع في منتصف السبعينيات، حيث لم يعد هناك بنيان معرفي متكامل، ولا منظومة من المبادئ أو القوانين محلّ اتفاق عام بين العاملين في الميدان، وقد عبّر (ألتباخ) و(كيلي) (1986، ص 1) عن موقف مشابه بعد عقد واحد.

وقدّم عدد من المعلّقين في ما بعد قراءات أكثر إيجابية، حيث جرى النظر إلى التنوّع باعتباره مصدر قوة بقدر ما يُعَدّ نقطة ضعف (انظر مثلًا: (كوبو) و(فوسوم) 2007، ص 18–24؛ (راست) وآخرون 2009، ص 133)، وقد قيّم (نينّس) و(ميهتا) (2004، ص 1) الانتقائية نظرة إيجابية، إذ "تستوعب طيفًا من النظريات والمناهج المستمدّة من العلوم الاجتماعية، وتتقاطع مع فروع فرعية مثل علم اجتماع التعليم، والتخطيط التعليمي، وأنثروبولوجيا التعليم، واقتصاديات التعليم، والتعليم والتنمية"، وفي السياق ذاته لاحظ (أرنوف) (2013، ص 12) "استمرار نمو الميدان وحيويته"، وأضاف (ص 14) أنّ هذه الحيوية "تتوقف على توطيد الحوار المتبادل والانفتاح على مقاربات متنوعة لجمع البيانات وتحليلها بشأن علاقة التعليم بالمجتمع".

وتناول الفصل الثاني من هذا الكتاب دراسة مسحية أجراها (فوستر) وآخرون (2012)، قاموا فيها بتحليل مقالات منشورة في أربع دوريات كبرى باللغة الإنجليزية، وقد أبرزت هذه الدراسة ميل الباحثين في التربية المقارنة إلى التركيز على القضايا الكلية أكثر من الجزئية، وإغفالهم موضوعات مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصال، والقيادة التربوية، والامتحانات، والكتب المدرسية، وقد بُني هذا التحليل على دراستي (راست) وآخرون (1999) و(وولهتر) (2008) اللتين وجدتَا أنّ نسبة كبيرة من المقالات اعتمدت على المراجعات الأدبية والأساليب الكيفية، ومع ذلك فقد سجّل الباحثون في كلا الدراستين تنويعًا في النماذج الإرشادية، حيث أشار (راست) وزملاؤه
(ص 106) إلى أنّ "المشتغلين بالتربية المقارنة يميلون إلى النظر للواقع باعتباره متعددًا ونسبيًا لا واحديًا وموضوعيًا"، كما "يميلون إلى عدم اعتبار البحث خاليًا من القيم والتحيّز، بل يقبلون بأنّ بحوثهم محمّلة بالقيم وتعكس انحيازيات الباحث نفسه"، وتنسجم فصول هذا الكتاب مع هذه الملاحظات، إذ تعتمد بدورها على المراجعات الأدبية إلى حد كبير، مع تناول الأدبيات الكمية والكيفية معًا، كما تعترف كل الفصول، صراحة أو ضمنًا، بدور الباحث في اختيار البيانات وتفسيرها.

ومن المهم التنبيه أيضًا إلى أنّ الدراسات المسحية التي أجراها (راست) وآخرون (1999) و(وولهتر) (2008) و(فوستر) وآخرون (2012) استندت إلى مجلات نُشرت باللغة الإنجليزية وحدها وفي دولتين فقط، ورغم أنّ تلك المجلات جذبت مؤلفين يجيدون لغات أخرى وينتمون إلى بلدان مختلفة، فإنّ عمليات الاختيار الذاتي من المرجّح أن تكون قد ولّدت تحيزات في النتائج، كما أنّ مراجعة الدوريات والأنشطة الأخرى للجمعيات المهنية التسع والثلاثين الأعضاء في (المجلس العالمي لجمعيات التربية المقارنة WCCES) تُظهر أنّ لكل جمعية سماتها الخاصة ومحاور تركيزها المميّزة، سواء من حيث التوجه النظري أو التطبيقي، أو من حيث اختيار الموضوعات المطروحة للبحث.

وبالانتقال إلى مسألة الموضوعات، يتبيّن حتى من تحليل أولي أنّ قضايا الجندر تشكّل سمة أوضح في العروض والمؤتمرات وسائر الأنشطة البحثية التابعة لجمعية التربية المقارنة والدولية الأمريكية (CIES) مقارنةً بجمعية التربية المقارنة اليابانية (JCES)، وعلى مستوى آخر يظهر أنّ باحثي الجمعية البريطانية للتربية الدولية والمقارنة (BAICE) يولون اهتمامًا ملحوظًا بالقارة الإفريقية بدرجة تفوق اهتمام أعضاء جمعية التربية المقارنة الكورية (KCES)، كما أنّ نقاشات الهوية ما بعد الاستعمار ترد كثيرًا في مؤتمرات جمعية التربية المقارنة والدولية في أستراليا ونيوزيلندا (ANZCIES) أكثر من حضورها في مؤتمرات جمعية التربية المقارنة الأوكرانية (UCES)، وتعكس هذه الفوارق في جانب منها القيادة داخل الجمعيات، وفي جانب آخر الروابط الدولية الناشئة عن عوامل اللغة والسياسات الخارجية للحكومات والروابط التاريخية المتأتية من الاستعمار أو من قوى أخرى، كما تُبرز الأدبيات الأكاديمية المكتوبة بالصينية أو الإنجليزية أو الكورية أو الروسية أو الإسبانية اختلافات بارادايمية لافتة، ومن ثمّ يغدو من الأليق – كما لاحظ (كُوِّون) و(كازامياس) (2009، ص 1295) – النظر إلى الميدان باعتباره "تربويات مقارنة متعدّدة" بدلًا من اعتباره ميدانًا واحدًا متجانسًا (انظر أيضًا: (كُوِّون) 1990، ص 322؛ (كُوِّون) 2000، ص 333؛ (مانزون) 2010، ص 83؛ (ويسمان) و(أندرسون) 2013، ص 221–226).

وفي السياق ذاته، فإنّ طائفة واسعة ممن يقومون بدراسات مقارنة في التربية لا ينخرطون في الجمعيات المتخصّصة، وربما لا يعترفون أصلًا بانتمائهم إلى الميدان، وقد أشار الفصل الأول إلى أنّ هذه الفئات تضم صانعي السياسات وموظفي الوكالات الدولية فضلًا عن الأكاديميين، وغالبًا ما يركّز صانعو السياسات على استجلاء تجارب دول أخرى يظنون أنّها تحمل دروسًا عملية يمكن الإفادة منها، كما يُتوقع من الوكالات الدولية أن تسلك بدورها منحًى عمليًا في تقديم الاستشارات لعملائها، ومن ثمّ يغدو اهتمامهم النظري أقل بكثير من الأكاديميين، بل وحتى بين الأكاديميين نجد من يركّز على العمل الاستشاري والعملي أكثر من تركيزه على التنظير والتأصيل، ومع مجيء العولمة باتت كل من صناعة السياسات الحكومية وأعمال الاستشارة أكثر حضورًا على المستوى الدولي، غير أنّ هذه الفئات العملية، ولعلّ هذا مؤسف، تظل في معظمها بعيدة عن تعريف نفسها ضمن ميدان التربية المقارنة أو عن توظيف أدواته البحثية.

وفي الخاتمة يتّضح أنّ هذا الكتاب يجمع بين الثبات والتغيّر في مضمونه، إذ تناول الجزآن الأول والثالث قضايا النهج الكمية والكيفية والهوية البارادايمية بما ينسجم مع ما تراكم في الأدبيات، كما أنّ وحدات التحليل في الجزء الثاني تمتد إلى سوابق بحثية معروفة، غير أنّ كل فصل أضاف طابعًا معاصرًا ورؤى مبتكرة، فكان للكتاب أثر في الدفع بالميدان إلى تقدّم مفاهيمي جديد، وقد لقي وضع وحدات التحليل جنبًا إلى جنب في الفصول الإحدى عشرة من الجزء الثاني قبولًا كبيرًا لدى قرّاء الطبعة الأولى، لذلك حُوفظ عليه في الطبعة الثانية، ومع أنّ كثيرًا من الباحثين سبق أن أجروا مقارنات في التربية بين أماكن ونُظم وأزمنة وثقافات مختلفة، كما تشهد بذلك المراجع في كل فصل، فإنّ أي كتاب سابق لم يتناول وحدات التحليل بالأسلوب الذي طُرِح في هذا العمل.

كما تنشأ في هذا الكتاب موضوعات جديدة مستمدّة من التحوّلات الجيومورفية المشار إليها في الفصل الثاني، إذ أثّرت إعادة الاصطفاف السياسي والاقتصادي في ميدان التربية المقارنة كما أثّرت في ميادين أخرى، فصاغت بدورها اختيارات البلدان التي شكّلت محور تركيز الباحثين الدوليين، وقد أظهر الفصل الثاني تباينًا بين درجة بروز الصين في مؤتمرات التربية المقارنة وأديباتها خلال سبعينيات القرن العشرين، وبين حضورها المكثّف في بدايات القرن الحالي، ويعود تصاعد الاهتمام بالصين إلى عاملين متكاملين: سياستها القائمة على الانفتاح من جهة، وقوتها الاقتصادية المتنامية من جهة أخرى، ومع بروز مدينة شنغهاي ككيان مستقل في دراسات (بيزا) واحتلالها الصدارة في مؤشرات أساسية، توجّه جانب كبير من الاهتمام إلى هذا الجزء من الصين فضلًا عن الاهتمام بالبلد بأكمله.

كما عمد الباحثون إلى ابتكار صيغ جديدة للمقارنة، فقد عرض الفصل الرابع دراسة وضعت نتائج الاختبارات المدرسية في ولايات متفرّقة من الولايات المتحدة جنبًا إلى جنب مع نتائج مماثلة في عدد من دول العالم، كما نوّه بدراسة أخرى اتخذت الأقاليم دون الوطنية في بلدان متعددة وحدة للتحليل، حيث جرت المقارنة بين التعليم والتنمية في شمال شرق البرازيل والأنماط القائمة في شمال شرق تايلاند، وعلى مستويات مختلفة قارن الفصل الثاني عشر ابتكارات تربوية، بينما تناول الفصل الثالث عشر أساليب التعلّم، وقد دفعت هذه المقاربات ميدان التربية المقارنة إلى آفاق أوسع بكثير من المقارنات التقليدية بين الدول الكاملة التي ظلّت مهيمنة لسنوات طويلة.

المسارات الممتدة

ورغم هذه الملاحظات، ما زالت أبعاد مفاهيمية عديدة في التربية المقارنة تحتفظ بوجاهتها وقيمتها كما كانت منذ نشأة الميدان، فقد استشهد الفصل الأول بكلمة (سادلر) المشهورة، الذي كتب عام 1900 (وأُعيد نشرها سنة 1964، ص 310) حول أهمية دراسة النظم التعليمية الأجنبية لكي نصبح "أقدر على دراسة نظمنا وفهمها"، وهو ما يتوافق مع المقولة المعروفة لـ(يوهان فولفغانغ غوته) الذي كتب (نقله (راست) 2002، ص 54): "من يجهل شيئًا عن اللغات الأجنبية يجهل شيئًا عن لغته".

ويتصل هذا المنظور بدور الدراسات المقارنة في "إعادة تأطير الأنماط الغريبة لتصبح مألوفة، والأنماط المألوفة لتصبح غريبة"، إذ يركّز الشطر الأول على التوجّه نحو الخارج لاكتشاف أنماط غير معروفة في العادة ضمن أماكن أخرى، بينما يركّز الشطر الثاني على المراجعة الذاتية النقدية التي تدفع إلى مساءلة المسلَّمات المرتبطة بأنماط مألوفة قد تستوجب إعادة التفكير (انظر: (سبيندلر) و(سبيندلر) 1982، ص 43؛ (تشوكسي) و(داير) 2011، ص 271).

وبعد قرابة مئة عام من كلمات (سادلر)، لاحظ (واتسون) في عام 1996 (ص 387) ما يتّسم به ميدان التربية المقارنة من غموض وتعدّدية، وأضاف مع ذلك أنّ:

ولا ريب أنّ البحث في التربية المقارنة أدّى إلى زيادة ملحوظة في وعينا وفهمنا للأنظمة التعليمية وعملياتها في مناطق العالم المتعددة، كما كشف عن تنوّع لا متناهٍ في الأهداف والمرامي والفلسفات والبنى، وأبرز في الوقت نفسه أوجه التشابه المتنامية بين القضايا التي يتعامل معها صانعو السياسات التعليمية عالميًا.

لفت (واتسون) إلى ثراء المشهد العالمي بما يتوافر من بيانات إحصائية ومصادر معلومات متنوعة، مبيّنًا أنّ الكمّ والنوع قد ارتقيا بشكل لافت منذ ذلك الوقت، وأنّ فرص الوصول إليها قد ازدادت بدرجة كبيرة عبر التطورات التقنية وفي مقدمتها الإنترنت. غير أنّه، وبرغم هذا التقدّم الكمي والكيفي، نبّه إلى أنّ هذه البيانات والمعارف تظل عصيّة على الفهم العميق والتحليل الدقيق، واصفًا إيّاها بأنّها "ليست سهلة الفهم أو التحليل". ومن هنا أكّد أنّ الحاجة ماسة إلى دور التربية المقارنة الذي يتجاوز مجرد جمع البيانات إلى بناء قراءات تفسيرية ونقدية تتيح إدراك أعمق للقضايا التعليمية.

ويتجلّى ما هو أهم من أي جانب آخر في الوعي المتزايد بأنّ التعليم والتنمية، والتعليم والتغيّر الاجتماعي، بل وأثر الإصلاح التعليمي في بنية المجتمع، جميعها علاقات تتسم بدرجات عالية من التعقيد، وأنّ هذه التعقيدات تتجاوز بكثير ما كان يُفترض في البدايات من بساطة أو خطّية.

وتقتضي هذه الإشارة تسليط الضوء والتوسّع في المناقشة، لأنّ كثيرًا من الباحثين يعتبرون أنّ أهم ما تقدّمه التربية المقارنة يتمثل في تحديد النماذج المطبّقة في أنظمة تعليمية أخرى بغية استجلابها إلى بيئات جديدة، وهذا بالفعل دافع عملي كبير وراء المقارنات، لكن مكمن الخطر يظهر عند الاقتصار على معالجة سطحية أو الركون إلى أدوات منهجية غير دقيقة. وقد كان وعي هذا التحدي حاضرًا في ميدان التربية المقارنة منذ بداياته، ويكفي أن نعود إلى ما سطّره (سادلر) عام 1900 (وأُعيد نشره سنة 1964، ص 310):

لا يجوز أن نتعامل مع أنظمة التعليم في العالم كما لو كنّا أطفالًا يتنزّهون في حديقة، ينتزعون زهرة من غصن هنا وورقة من غصن هناك، ثم يظنون أنّ جمع تلك الأجزاء وتثبيتها في تربة الوطن كفيل بأن ينشئ نباتًا حيًّا قادرًا على النمو والبقاء.

وتتطلّب هذه الدروس تكرارًا في سياقات متعددة ومناسبات شتّى، نظرًا إلى أنّ الإغراء كبير باللجوء إلى تحليلات تبسيطية أو باستنساخ نماذج يُظن أنّها نجحت في بيئات أخرى. ومن ثمّ، فإنّ بحوث التربية المقارنة يمكن أن تعين الساسة وغيرهم على التعرّف إلى الممارسات التي قد تصلح للتطبيق المحلي، غير أنّ عليها في الوقت نفسه أن تكشف عن التعقيدات التي تنطوي عليها تلك الممارسات.

ولكي يتحقق البحث المقارن في التربية على نحو رصين، يتعيّن على الباحث أن يتعامل مع مسألة اختيار الطرائق وتطبيقها بوعي دقيق وبصرامة علمية، لأنّ المقارنة التربوية عملية مركّبة تتشابك فيها عوامل معرفية وثقافية ولغوية. فكل تهاون أو معالجة سطحية سرعان ما تنكشف من خلال مزالق قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في الواقع تقوّض مصداقية البحث برمّته. ويتجلّى ذلك في مثال "المدرسة المتوسطة"، إذ يختلف مدلولها باختلاف السياق: ففي المملكة المتحدة تمثل مرحلة انتقالية بين التعليم الابتدائي والثانوي، بينما في الصين يشير مصطلح (تشونغشويه) إلى المرحلة الثانوية الواقعة بين الابتدائي والعالي. ولو أغفل الباحث هذه الفوارق الاصطلاحية والثقافية لأنتج استنتاجات مضلِّلة. ويظهر الأمر ذاته في حالة مناهج التاريخ في هونغ كونغ التي تنقسم إلى منهجين ذوي أهداف وأدوار مميزة تختلف اختلافًا جوهريًا عن مناهج التاريخ في الولايات المتحدة، مما يؤكد أنّ التشابه الظاهري بين "الموضوع" لا يلغي التباين الجوهري في "المحتوى والوظيفة". ولا يبرّر تزايد فرص الوصول إلى البيانات عبر الإنترنت أي تراجع في التحقق من دقة المعلومة، إذ إنّ الاعتماد غير النقدي على مصادر "يُفترض أنّها موثوقة" قد يقود إلى نتائج مغلوطة. من هنا، فإنّ الصرامة الأكاديمية ليست ترفًا بل شرطًا لازمًا، لأنّ غيابها يحوّل البحث المقارن إلى ممارسة هاوية قد تنطوي على أخطار تتجاوز حدود الخطأ الفردي لتؤثر في القراءات العامة للميدان بأسره.

ولم يُرِد هذا الكتاب أن يوفّر كتيّبًا تقنيًا يحدّد طرائق استخدام أدوات بعينها، وإنّما هدف إلى رسم صورة بانورامية لأصناف الأدوات التي يمكن أن يستعين بها الباحث، وإلى إبراز الاعتبارات السياقية الرئيسة التي ينبغي أن تُوجّه عملية الاختيار. فإذا نجح في تشجيع القارئ على إعادة النظر مليًّا في ميدان التربية المقارنة، وعلى تأمّل مكامن قوّته وما يواجهه من تحديات وما يفتحه من آفاق، فإنّه يكون قد أنجز الغرض المنشود.


المراجع

Introduction (المقدمة)

Altbach, Philip G. & Kelly, Gail P. (1986): ‘Introduction: Perspectives on Comparative Education’, in Altbach, Philip G. & Kelly, Gail P. (eds.), New Approaches to Comparative Education. Chicago: The University of Chicago Press, pp.1-10.

Arnove, Robert F. (2001): ‘Comparative and International Education Society (CIES) Facing the Twenty-First Century: Challenges and Contributions’. Comparative Education Review, Vol.45, No.4, pp.477-503.

Arnove, Robert F. (2013): ‘Introduction: Reframing Comparative Education: The Dialectic of the Global and the Local’, in Arnove, Robert F.; Torres, Carlos Alberto & Franz, Stephen (eds.), Comparative Education: The Dialectic of the Global and the Local. 4th edition, Lanham: Rowman & Littlefield, pp.1-25.

Ballantine, Jeanne H. (2001): The Sociology of Education: A Systematic Analysis. Upper Saddle River, New Jersey: Prentice Hall.

Barber, Benjamin R. (1973): ‘Science, Salience and Comparative Education: Some Reflections on Social Scientific Enquiry’, in Edwards, Reginald, Holmes, Brian & Van de Graaff, John (eds.), Relevant Methods in Comparative Education. Hamburg: UNESCO Institute for Education, pp.57-79.

Benhamida, Khemais (1990): ‘The Arab States’, in Halls, W.D. (ed.), Comparative Education: Contemporary Issues and Trends. Paris: UNESCO, and London: Jessica Kingsley, pp.291-317.

Bereday, George Z.F. (1964): Comparative Method in Education. New York: Holt, Rinehart & Winston.

Bray, Mark & Gui, Qin (2007): ‘Comparative Education in Greater China: Contexts, Characteristics, Contrasts, and Contributions’, in Crossley, Michael; Broadfoot, Patricia & Schweisfurth, Michele (eds.), Changing Educational Contexts, Issues and Identities: 40 Years of Comparative Education. London: Routledge, pp.319-349.

Bray, Mark & Thomas, R. Murray (1995): ‘Levels of Comparison in Educational Studies: Different Insights from Different Literatures and the Value of Multilevel Analyses’. Harvard Educational Review, Vol.65, No.3, pp.472-490.

Bristow, Thelma & Holmes, Brian (1968): Comparative Education through the Literature: A Bibliographic Guide. London: Butterworths.

Brock, Colin & Alexiadou, Nafsika (2013): Education around the World: A Comparative Introduction. London: Bloomsbury.

Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.) (2009a): International Handbook of Comparative Education. 2 volumes, Dordrecht: Springer.

Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (2009b): ‘Joint Editorial Introduction’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.3-6.

Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (2009c): ‘Conclusion’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.1295-1296.

Crossley, Michael (2000): ‘Bridging Cultures and Traditions in the Reconceptualisation of Comparative and International Education’. Comparative Education, Vol.36, No.3, pp.319-332.

Crossley, Michael & Jarvis, Peter (2000): ‘Introduction: Continuity and Change in Comparative and International Education’. Comparative Education, Vol.36, No.3, pp.261-265.

Djourinksi, Alexandre (1998): Comparative Education. Moscow: Academia. [in Russian]

Edwards, Reginald; Holmes, Brian & Van de Graaff, John (eds.) (1973): Relevant Methods in Comparative Education. Hamburg: UNESCO Institute for Education.

Epstein, Erwin H. (1986): ‘Currents Left and Right: Ideology in Comparative Education’ in Altbach, Philip G. & Kelly, Gail P. (eds.), New Approaches to Comparative Education. Chicago: The University of Chicago Press, pp.233-259.

Halls, W.D. (1973): ‘Culture and Education: The Culturalist Approach to Comparative Studies, in Edwards, Reginald, Holmes, Brian & Van de Graaff, John (eds.), Relevant Methods in Comparative Education. Hamburg: UNESCO Institute for Education, pp.119-135.

Hayhoe, Ruth (2004): Full Circle: A Life with Hong Kong and China. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Jones, Phillip W. (2002): ‘Comparative and International Education: A Personal Account’. Change: Transformations in Education, Vol.5, No.1, pp.90-105.

Jullien, Marc-Antoine (1817) Esquisse et Vues Préliminaires d’un Ouvrage sur l’Éducation Comparée. Paris: Société Établie à Paris pour l’Amélioration de l’Enseignement Élémentaire. Reprinted 1962, Genève: Bureau International d’Éducation.

Kazamias, Andreas M. & Schwartz, Karl A. (1977): ‘Introduction’. Comparative Education Review, special issue on ‘The State of the Art’, Vol.21, Nos.2 & 3, pp.151-152.

Kelly, Gail P. & Altbach, Philip G. (1986): ‘Comparative Education: Challenge and Response’, in Altbach, Philip G. & Kelly, Gail P. (eds.), New Approaches to Comparative Education. Chicago: The University of Chicago Press, pp.309-327.

King, Edmund J. (1964): Other Schools and Ours. Revised edition, New York: Holt, Rinehart & Winston.

Klees, Steven J. (2008): ‘Reflections on Theory, Method, and Practice in Comparative and International Education’. Comparative Education Review, Vol.52, No.3, pp.301-328.

Manzon, Maria (2011): Comparative Education: The Construction of a Field. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer.

Manzon, Maria (2013): ‘Teaching Comparative Education in Greater China: Contexts, Characteristics and Challenges’, in Wolhuter, Charl; Popov, Nikolay; Leutwyler, Bruno & Skubic Ermenc, Klara (eds.), Comparative Education at Universities World Wide. 3rd edition, Sofia: Bulgarian Comparative Education Society, and Ljubljana: University of Ljubljana Faculty of Arts, pp.237-255.

Masemann, Vandra Lea (1986): ‘Critical Ethnography in the Study of Comparative Education’, in Altbach, Philip G. & Kelly, Gail P. (eds.), New Approaches to Comparative Education. Chicago: The University of Chicago Press, pp.11-25.

Mochida, Kengo (2007): ‘The Comparative Education Society of Asia (CESA)’, in Masemann, Vandra; Bray, Mark & Manzon, Maria (eds.), Common Interests, Uncommon Goals: Histories of the World Council of Comparative Education Societies and its Members. CERC Studies in Comparative Education 21, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.309-315.

Mouhoubi, Samy (2005): ‘Bridging the North South Divide’. The New Courier [UNESCO], November, pp.60-62.

Noah, Harold J. & Eckstein, Max A. (1969): Toward a Science of Comparative Education. New York: Macmillan.

Noonan, Richard (1973): ‘Comparative Education Methodology of the International Association for the Evaluation of Educational Achievement (IEA)’, in Edwards, Reginald, Holmes, Brian & Van de Graaff, John (eds.), Relevant Methods in Comparative Education. Hamburg: UNESCO Institute for Education, pp.199-207.

Phillips, David & Schweisfurth, Michele (2008): Comparative and International Education: An Introduction to Theory, Method and Practice. London: Continuum.

Postlethwaite, T. Neville (1999): International Studies of Educational Achievement: Methodological Issues. CERC Studies in Comparative Education 6, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Sadler, Sir Michael (1900): ‘How Far Can We Learn Anything of Practical Value from the Study of Foreign Systems of Education?’ Reprinted 1964 in Comparative Education Review, Vol.7, No.3, pp.307-314.

Sultana, Ronald G. (2009): ‘Looking Back Before Moving Forward: Building on 15 Years of Comparative Educational Research in the Mediterranean’, in Borg, Carmel; Mayo, Peter & Sultana, Ronald G. (eds.), Mediterranean Studies in Comparative Education. Malta: Mediterranean Society of Comparative Education (MESCE) and Euro-Mediterranean Centre for Educational Research (EMCER).

Theisen, Gary L.; Achola, Paul P.W. & Boakari, Francis Musa (1986): ‘The Underachievement of Cross-National Studies of Achievement’, in Altbach, Philip G. & Kelly, Gail P. (eds.), New Approaches to Comparative Education. Chicago: The University of Chicago Press, pp.27-49.

Tietze, Susanne & Dick, Penny (2013): ‘The Victorious English Language: Hegemonic Practices in the Management Academy’. Journal of Management Inquiry, 22 (1), 122-134.

Wang, Chengxu (1998): The History of Comparative Foreign Education. Beijing: People’s Education Press. [باللغة الصينية]

Watson, Keith (1998): ‘Memories, Models and Mapping: The Impact of Geopolitical Changes on Comparative Studies in Education’. Compare: A Journal of Comparative Education, Vol.28, No.1, pp.5-31.

Watson, Keith (2012): ‘South-East Asia and Comparative Studies’. Journal of International and Comparative Education, Vol.1, No.1, pp.31-39.

Wilson, David N. (2003): ‘The Future of Comparative and International Education in a Globalised World’, in Bray, Mark (ed.) Comparative Education: Continuing Traditions, New Challenges, and New Paradigms. Dordrecht: Kluwer, pp.15-33.

Winzer, Margret & Mazurek, Kas (2012): ‘Analyzing Inclusive Schooling for Students with Disabilities in International Contexts: Outline of a Model’. Journal of International Special Needs Education, Vol.15, No.1, pp.12-23.

Chapter 1 (الفصل الأول)

ACTEQ [Advisory Committee on Teacher Education & Qualifications] (2003): Towards a Learning Profession: The Teacher Competencies Framework and the Continuing Professional Development of Teachers. Hong Kong: ACTEQ.

Alexander, Robin (2008): Essays on Pedagogy. London: Routledge.

Altbach, Philip G. & Kelly, Gail P. (eds.) (1978): Education and Colonialism. New York: Longman.

Andere, Eduardo (2008): The Lending Power of PISA: League Tables and Best Practice in International Education. CERC Monographs in Comparative & International Education & Development 6, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Bray, Mark & Varghese, N.V. (eds.) (2011): Directions in Educational Planning: International Experiences and Perspectives. Paris: UNESCO International Institute for Educational Planning (IIEP).

Breakspear, Simon (2012): The Policy Impact of PISA: An Exploration of the Normative Effects of International Benchmarking in School System Performance, OECD Education Working Papers 71, Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

Cigno, Alessandro (2012): ‘How to Deal with Covert Child Labor and Give Children an Effective Education, in a Poor Developing Country’. World Bank Economic Review, Vol.26, No.1, pp.61-77.

Collins, Christopher S. & Wiseman, Alexander W. (eds.) (2012): Education Strategy in the Developing World: Revising the World Bank’s Education Policy. Bingley: Emerald.

Cook, Bradley J.; Hite, Steven J. & Epstein, Erwin H. (2004): ‘Discerning Trends, Contours, and Boundaries in Comparative Education: A Survey of Comparativists and their Literature’. Comparative Education Review, Vol.48, No.2, pp.123-149.

Crossley, Michael & Watson, Keith (2003): Comparative and International Research in Education: Globalisation, Context and Difference. London: RoutledgeFalmer.

Dang, Hai-Anh & Rogers, F. Halsey (2008): The Growing Phenomenon of Private Tutoring: Does It Deepen Human Capital, Widen Inequalities, or Waste Resources? World Bank Research Observer, Vol.23, No.2, pp.161-200.

Finegold, David; McFarland, Laurel & Richardson, William (1992): ‘Introduction’, in Finegold, David; McFarland, Laurel & Richardson, William (eds.), Something Borrowed, Something Blue? A Study of the Thatcher Government’s Appropriation of American Education and Training Policy. Oxford Studies in Comparative Education, Vol.2, No.2, pp.7-24.

Gifford, Prosser & Weiskel, Timothy C. (1971): ‘African Education in a Colonial Context: French and British Styles’, in Gifford, Prosser & Louis, William Roger (eds.), France and Britain in Africa. New Haven: Yale University Press, pp.663-711.

Henry, Miriam; Lingard, Bob; Rizvi, Fazal & Taylor, Sandra (2001): The OECD, Globalisation and Education Policy. Oxford: Pergamon Press.

Ho, Esther S.C. (2012): Student Learning Assessment. Bangkok: UNESCO.

Hong Kong, Education Commission (1999): Review of Academic System: Aims of Education – Consultation Document. Hong Kong: Education Commission.

Hong Kong, Education Commission (2000): Review of Education System: Reform Proposals – Consultation Document. Hong Kong: Education Commission.

International Review of Education (IRE) (2013): ‘Aims and Scope of the Journal’, International Review of Education, Vol.59, No.2.

Jones, Phillip W. (2006): Education, Poverty and the World Bank. Rotterdam: Sense.

Kandel, Isaac L. (1933): Studies in Comparative Education. London: George G. Harrap & Company.

Klees, Steven J.; Samoff, Joel & Stromquist, Nelly P. (eds.) (2012): The World Bank and Education: Critiques and Alternatives. Rotterdam: Sense.

Korea Times, The (2009): ‘Obama Lauds Korea’s Education of Children’, 11 March. www.koreatimes.co.kr/www/news/nation/2009/03/113_41066.html accessed 5 August 2013.

Majgaard, Kirsten & Mingat, Alain (2012): Education in Sub-Saharan Africa: A Comparative Analysis. Washington DC: The World Bank.

Manzon, Maria (2011): Comparative Education: The Construction of a Field. CERC Studies in Comparative Education 29, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer.

Masemann, Vandra; Bray, Mark & Manzon, Maria (eds.) (2007): Common Interests, Uncommon Goals: Histories of the World Council of Comparative Education Societies and its Members. CERC Studies in Comparative Education 21, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer.

McFarland, Laurel (1993): ‘Top-up Student Loans: American Models of Student Aid and British Public Policy’, in Finegold, David; McFarland, Laurel & Richardson, William (eds.), Something Borrowed, Something Blue? A Study of the Thatcher Government’s Appropriation of American Education and Training Policy. Oxford Studies in Comparative Education, Vol.3, No.1, pp.49-67.

Meyer, Heinz-Dieter & Benavot, Aaron (eds.) (2013): PISA, Power and Policy: The Emergence of Global Educational Governance. Oxford: Symposium.

Nafukho, Frederick Muyia; Wawire, Nelson H.W. & Lam, Penina Mungania (2011): Management of Adult Education Organisations in Africa. Hamburg: UNESCO Institute for Lifelong Learning (UIL).

OECD (2004): OECD Handbook for Internationally Comparative Education Statistics: Concepts, Standards, Definitions and Classifications. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

OECD (2008): ‘The OECD’. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

OECD (2010): PISA 2009 Results – What Students Know and Can Do: Student Performance in Reading, Mathematics and Science. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

OECD (2011): Strong Performers and Successful Reformers in Education: Lessons from PISA for the United States. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

OECD (2013a): Education at a Glance 2013: OECD Indicators. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

OECD (2013b): PISA 2012 Assessment and Analytical Framework: Mathematics, Reading, Science, Problem Solving and Financial Literacy. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

Park, Se Hoon (2012): ‘Why the Korean School System is not Superior’. New Politics, Vol.XIII, No.4. http://newpol.org/content/why-korean- school-system-not-superior, accessed 5 August 2013.

Patrinos, Harry Anthony; Barrera-Osorio, Felipe & Guáqueta, Juliana (2009): The Role and Impact of Public-Private Partnerships in Education. Washington DC: The World Bank.

Pereyra, Miguel A.; Kotthof, Hans-Georg & Cowen, Robert (eds.) (2011): PISA Under Examination: Changing Knowledge, Changing Tests, and Changing Schools. Rotterdam: Sense.

Phillips, David & Ochs, Kimberly (2007): ‘Processes of Policy Borrowing in Education: Some Explanatory and Analytical Devices’, in Crossley, Michael; Broadfoot, Patricia & Schweisfurth, Michele (eds.), Changing Educational Contexts, Issues and Identities: 40 Years of Comparative Education. London: Routledge, pp.370-382.

Pratham (2013): Annual Status of Education Report (Rural) 2012. New Delhi: ASER Center. http://www.pratham.org/file/ASER-2012report.pdf, accessed 5 August 2013.

Rizvi, Fazal & Lingard, Bob (2009): ‘The OECD and Global Shifts in Education Policy’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.437-453.

Roche, Stephen (2013): ‘Plus ça change: Change and Continuity at the International Review of Education’. International Review of Education, Vol.59, No.2, pp.153-156.

Sadler, Sir Michael (1900): ‘How Far Can We Learn Anything of Practical Value from the Study of Foreign Systems of Education?’ Reprinted 1964 in Comparative Education Review, Vol.7, No.3, pp.307-314.

Schiefelbein, Ernesto F. & McGinn, Noel F. (2008): Learning to Educate: Proposals for the Reconstruction of Education in Latin America. Geneva: UNESCO International Bureau of Education (IBE).

Sellar, Sam & Lingard, Bob (2013): ‘Looking East: Shanghai, PISA 2009 and the Reconstituting of Reference Societies in the Global Education Policy Field’. Comparative Education, Vol.49, No.4, pp.464-485.

Simola, Hannu & Rinne, Ristu (2011): ‘Education Politics and Contingency: Belief, Status and Trust Behind the Finnish PISA Miracle’, in Pereyra, Miguel A.; Kotthof, Hans-Georg & Cowen, Robert (eds.), PISA Under Examination: Changing Knowledge, Changing Tests, and Changing Schools. Rotterdam: Sense, pp.225-244.

Singh, J.P. (2011): United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization (UNESCO): Creating Norms for a Complex World. London: Routledge.

Sondergaard, Lars; Murthi, Mamta; Abu-Ghaida, Dina; Bodewig, Christian & Rutkowski, Jan (2012): Skills, Not Just Diplomas: Managing Education for Results in Eastern Europe and Central Asia. Washington DC: The World Bank.

Statistics Canada (2013): Summary Elementary and Secondary School Indicators for Canada, the Provinces and Territories, 2006/2007 to 2010/2011. Ottawa: Tourism and Centre for Education and Statistics Division, Statistics Canada.

Steiner-Khamsi, Gita (2002): ‘Reterritorializing Educational Import: Explorations into the Politics of Educational Borrowing’, in Nóvoa, António & Lawn, Martin (eds.), Fabricating Europe: The Formation of an Education Space. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers, pp.69-86.

Steiner-Khamsi, Gita (ed.) (2004): The Global Politics of Educational Borrowing and Lending. New York: Teachers College Press.

Steiner-Khamsi, Gita & Waldow, Florian (eds.) (2012): Policy Borrowing and Lending in Education: World Yearbook of Education 2012. London: Routledge.

Sutherland, Stewart R. (Chair) (2002): Higher Education in Hong Kong: Report of the University Grants Committee. Hong Kong: University Grants Committee.

Thomas, R. Murray & Postlethwaite, T. Neville (eds.) (1984): Schooling in the Pacific Islands: Colonies in Transition. Oxford: Pergamon Press.

Tucker, Marc S. (2011): Surpassing Shanghai: An Agenda for American Education Built on the World’s Leading Systems. Cambridge, MA: Harvard University Press.

UNESCO (1945): Constitution of the United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization. Paris: UNESCO.

UNESCO (2012): Youth and Skills – Putting Education to Work: Education for All Global Monitoring Report 2012. Paris: UNESCO.

UNESCO (2013): Medium-Term Strategy 2014-2021: 37 C/4. Paris: UNESCO.

UNESCO Institute for Statistics (2012): Global Education Digest 2012 - Opportunities Lost: The Impact of Grade Repetition and Early School Leaving. Montreal: UNESCO Institute for Statistics.

Van de Sijpe, Nicolas (2013): ‘Is Foreign Aid Fungible? Evidence from the Education and Health Sectors’. World Bank Economic Review, Vol.27, No.2, pp.320-356.

Varjo, Janne; Simola, Hannu & Rinne, Risto (2013): ‘Finland’s PISA Results: An Analysis of Dynamics in Education Politics’, in Meyer, Heinz-Dieter & Benavot, Aaron (eds.), PISA, Power and Policy: The Emergence of Global Educational Governance. Oxford: Symposium, pp.51-76.

Waldow, Florian (2009): ‘What PISA did and did not do: Germany after the ‘PISA-shock’’. European Educational Research Journal, Vol.8, No.3, pp.476-483.

Whitty, Geoff (2012): ‘Policy Tourism and Policy Borrowing in Education: A Trans-Atlantic Case Study’, in Steiner-Khamsi, Gita & Waldow, Florian (eds.), Policy Borrowing and Lending in Education: World Year-book of Education 2012. London: Routledge, pp.354-370.

Woodward, Richard (2009): The Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). London: Routledge.

World Bank, The (2011): Learning for All: Investing in People’s Knowledge and Skills to Promote Development – World Bank Group Education Strategy 2020. Washington DC: The World Bank.

World Bank, The (2012): Education: Year in Review 2012. Washington DC: The World Bank.

World Bank, The (2013): ‘Education: Overview’. http://web.worldbank.org/ wbsite/external/topics/exteducation/0,,contentMDK:20575742~menuPK:282393~pagePK:210058~piPK:210062~theSitePK:282386,00.html, accessed 6 August 2013.

World Council of Comparative Education Societies (WCCES) (2013): ‘About Us’ www.wcces.com accessed 5 August 2013.

Chapter 2 (الفصل الثاني)

Becher, Tony (1989): Academic Tribes and Territories: Intellectual Enquiry and the Cultures of Disciplines. Buckingham: The Society for Research into Higher Education & Open University Press.

Becher, Tony & Trowler, Paul R. (2001): Academic Tribes and Territories: Intellectual Enquiry and the Culture of Disciplines. 2nd edition. Buckingham: The Society for Research into Higher Education & Open University Press.

Bray, Mark (2010): ‘Comparative Education and International Education in the History of Compare: Boundaries, Overlaps and Ambiguities’. Compare: A Journal of Comparative and International Education, Vol.40, No.6, pp.711-725.

Bridges, David (2014): ‘The Discipline(s) of Educational Research’ in Reid, Alan D.; Hart, E. Paul & Peters, Michael A. (eds.), A Comparison to Research in Education. Dordrecht: Springer, pp.31-39.

Christensen, James (1984): ‘Comparative Educology: A Bridging Concept for Comparative Educational Enquiry’. Paper presented at the Fifth World Congress of Comparative Education Societies, Paris. [as cited in Olivera 1988]

Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.) (2009a): International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer.

Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (2009b): ‘Joint Editorial Introduction’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.3-6.

Crossley, Michael & Watson, Keith (2003): Comparative and International Research in Education: Globalisation, Context and Difference. London: RoutledgeFalmer.

Cummings, William K. (1999): ‘The InstitutionS of Education: Compare, Compare, Compare!’. Comparative Education Review, Vol.43, No.4, pp.413-437.

Davies, Lynn (2009): ‘Comparative Education in an Increasingly Globalised World’, in Zajda, Joseph & Rust, Val (eds.), Globalisation, Policy and Comparative Research: Discourses of Globalisation. Dordrecht: Springer, pp.13-34.

Easton, Brian (2007): Globalisation and the Wealth of Nations. Auckland: Auckland University Press.

Epstein, Erwin H. (1992): ‘The Problematic Meaning of “Comparison” in Comparative Education’, in Schriewer, Jürgen in cooperation with Holmes, Brian (eds.), Theories and Methods in Comparative Education. 3rd edition, Frankfurt am Main: Peter Lang, pp.3-23.

Epstein, Erwin H. (1994): ‘Comparative and International Education: Overview and Historical Development’, in Husén, Torsten & Postlethwaite, T. Neville (eds.), The International Encyclopedia of Education. 2nd edition, Oxford: Pergamon Press, pp.918-923.

Foster, Jesse; Addy, Nii Antiaye & Samoff, Joel (2012): ‘Crossing Borders: Research in Comparative and International Education’. International Journal of Educational Development, Vol.32, No.6, pp.711-732.

Furlong, John & Lawn, Martin (eds.) (2011): Disciplines of Education: Their Role in the Future of Education Research. London: Routledge

Gellar, Charles A. (2002): ‘International Education: A Commitment to Universal Values’. in Hayden, Mary; Thompson, Jeff & Walker, George (eds.), International Education in Practice: Dimensions for National and International Schools. London: Kogan Page, pp.30-35.

Gu Mingyuan (2001): Education in China and Abroad: Perspectives from a Lifetime in Comparative Education. CERC Studies in Comparative Education 9. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Higginson, J.H. (2001): ‘The Development of a Discipline: Some Reflections on the Development of Comparative Education as Seen through the Pages of the Journal Compare’, in Watson, Keith (ed.), Doing Comparative Education Research: Issues and Problems. Oxford: Symposium, pp.373-388.

Larsen, Marianne A. (2010): New Thinking in Comparative Education: Honouring Robert Cowen. Rotterdam: Sense.

Lê Thành Khôi (1986): ‘Toward a General Theory of Education’, Comparative Education Review, Vol.30, No.1, pp.12-29.

Little, Angela (2000): ‘Development Studies and Comparative Education: Context, Content, Comparison and Contributors’. Comparative Education, Vol.36, No.3, pp.279-296.

Manathunga, Catherine & Brew, Angela (2012): ‘Beyond Tribes and Territories: New Metaphors for New Times’, in Trowler, Paul; Saunders, Murray & Bamber, Veronica (eds.), Tribes and Territories in the 21st Century: Rethinking the Significance of Disciplines in Higher Education. London: Routledge, pp.44-56.

Manzon, Maria (2011): Comparative Education: The Construction of a Field. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer.

Masemann, Vandra; Bray, Mark & Manzon, Maria (eds.) (2007): Common Interests, Uncommon Goals: Histories of the World Council of Comparative Education Societies and its Members. CERC Studies in Comparative Education 21, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer.

McGrath, Simon (2012): ‘Editorial: Researching International Education and Development’. International Journal of Educational Development, Vol.32, No.6, pp.709-710.

Mitter, Wolfgang (2009): ‘Comparative Education in Europe’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.87-99.

Ninnes, Peter & Hellstén, Meeri (eds.) (2005): Internationalizing Higher Education: Critical Explorations of Pedagogy and Policy. CERC Studies in Comparative Education 16. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer.

Noah, Harold J. & Eckstein, Max A. (1998): Doing Comparative Education: Three Decades of Collaboration. CERC Studies in Comparative Education 6. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Olivera, Carlos E. (1988): ‘Comparative Education: Towards a Basic Theory’, Prospects: Quarterly Review of Education, Vol.XVIII, No.2, pp. 167-185.

Olivera, Carlos E. (2009): Introducción a la Educación Comparada. San José, Costa Rica: Editorial Universidad Estatal a Distancia.

Paulston, Rolland G. (1997): ‘Mapping Visual Culture in Comparative Education Discourse’. Compare: A Journal of Comparative Education, Vol.27, No.2, pp.117-152.

Paulston, Rolland G. (ed.) (2000): Social Cartography: Mapping Ways of Seeing Social and Educational Change. New York: Garland.

Rust, Val D. (2002): ‘Editorial: The Place of International Education in the Comparative Education Review’. Comparative Education Review, Vol.46, No.3, pp.iii-iv.

Rust, Val D.; Soumaré, Aminata; Pescador, Octavio & Shibuya, Megumi (1999): ‘Research Strategies in Comparative Education’. Comparative Education Review, Vol.43, No.1, pp.86-109.

Scanlon, David G. & Shields, James J. (1968): ‘Introduction’, in Scanlon, David G. & Shields, James J. (eds.), Problems and Prospects in International Education. New York: Teachers College Press, pp.ix-xxii.

Swing, Elizabeth Sherman (2007): ‘The Comparative and International Education Society (CIES)’, in Masemann, Vandra; Bray, Mark & Manzon, Maria (eds.), Common Interests, Uncommon Goals: Histories of the World Council of Comparative Education Societies and its Members. CERC Studies in Comparative Education 21, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.94-115.

Steiner Maccia, Elizabeth (1964): ‘Logic of Education and Educatology: Dimensions of Philosophy of Education’. Proceedings of the Twentieth Annual Conference of the Philosophy of Education. [as cited in Olivera 1988]

Trowler, Paul; Saunders, Murray & Bamber, Veronica (eds.) (2012a): Tribes and Territories in the 21st Century: Rethinking the Significance of Disciplines in Higher Education. London: Routledge.

Trowler, Paul; Saunders, Murray & Bamber, Veronica (2012b): ‘Conclusion: Academic Practices and the Disciplines in the 21st Century’, in Trowler, Paul; Saunders, Murray & Bamber, Veronica (eds.), Tribes and Territories in the 21st Century: Rethinking the Significance of Disciplines in Higher Education. London: Routledge, pp.241-258.

Turner, David A. (2010): ‘The Twin Fields of Comparative and International Education’, in Masemann, Vandra; Majhanovich, Suzanne; Truong, Nhung & Janigan, Kara (eds.), A Tribute to David N. Wilson: Clamouring for a Better World. Rotterdam: Sense, pp.261-270.

Weidman, John C. & Jacob, W. James (eds.) (2011): ‘Mapping Comparative, International and Development Education: Celebrating the Work of Rolland G. Paulston’, in Weidman, John C. & Jacob, W. James (eds.), Beyond the Comparative: Advancing Theory and its Application to Practice. Rotterdam: Sense, pp.1-16.

Wilson, David N. (1994): ‘Comparative and International Education: Fraternal of Siamese Twins? A Preliminary Genealogy of Our Twin Fields’. Comparative Education Review, Vol.38, No.4, pp.449-486.

Wiseman, Alexander & Anderson, Emily (eds.) (2013): Annual Review of Comparative and International Education. Bingley: Emerald.

Wolhuter, C.C. (2008): ‘Review of the Review: Constructing the Identity of Comparative Education’. Research in Comparative and International Education, Vol.3, No.4, pp.323-344.

Wolhuter, Charl & Popov, Nikolay (eds.) (2007): Comparative Education as Discipline at Universities World Wide. Sofia: Bureau for Educational Services.

Youngman, Frank (1992): ‘Comparative Education as an Academic Discipline’, in Kouwenhoven, G.W.; Weeks, Sheldon G. & Mannathoko, Changu (eds.), Proceedings of the Comparative Education Seminar. Gaborone: Botswana Educational Research Association, pp.19-27.

Zipin, Lew & Brennan, Marie (2012): ‘Governing the Claim of Global Futures within Australian Higher Education’, in Adamson, Bob; Nixon, Jon & Su, Frank (eds.), The Reorientation of Higher Education: Challenging the East-West Dichotomy. CERC Studies in Comparative Education 31, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.247-268.

Chapter 3 (الفصل الثالث)

Aikman, Sheila (2001): ‘Literacies, Languages and Developments in Peruvian Amazonia’, in Street, Brian V. (ed.), Literacy and Development: Ethnographic Perspectives. London: Routledge, pp.103-120.

Ary, Donald; Jacobs, Lucy Cheser & Sorensen, Chris (2010): Introduction to Research in Education. 8th edition, Belmont, California: Wadsworth.

Betts, Julia (2003): ‘Literacies and Livelihood Strategies: Experience from Usulután, El Salvador’. International Journal of Educational Development, Vol.23, No.3, pp.291-298.

Bledsoe, Caroline H. & Robey, Kenneth M. (1993): ‘Arabic Literacy and Secrecy among the Mende of Sierra Leone’, in Street, Brian (ed.), Cross-cultural Approaches to Literacy. Cambridge: Cambridge University Press, pp.110-134.

Brannen, Julia (2005): ‘Mixing Methods: The Entry of Qualitative and Quantitative Approaches into the Research Process’. International Journal of Social Research Methodology, Vol.8, No.3, pp.173-184.

Bray, Mark & Thomas, R. Murray (1995): ‘Levels of Comparison in Educational Studies: Different Insights from Different Literatures and the Value of Multilevel Analyses’. Harvard Educational Review, Vol.65, No.3, pp.472-490.

Bryman, Alan (1988): Quantity and Quality in Social Research. London: Routledge.

Crossley, Michael & Watson, Keith (2003): Comparative and International Research in Education: Globalisation, Context and Difference. London: RoutledgeFalmer.

Darcovich, Nancy (2000): ‘The Measurement of Adult Literacy in Theory and in Practice’. International Review of Education, Vol.46, No.5, pp. 367-376.

Dexter, Emily R., LeVine, Sarah E. & Velasco, Patricia M. (1998): ‘Maternal Schooling and Health-Related Language and Literacy Skills in Rural Mexico’. Comparative Education Review, Vol.42, No.2, pp.139-162.

Durgunoğlu, A.Y.; Öney, B. & Kuşcul, H. (2003): ‘Development and Evaluation of an Adult Literacy Program in Turkey’. International Journal of Educational Development, Vol.23, No.1, pp.17-36.

Dyer, Caroline & Choksi, Archana (2001): ‘Literacy, Schooling and Development: Views of Rabari Nomads, India’, in Street, Brian V. (ed.), Literacy and Development: Ethnographic Perspectives. London: Routledge, pp.27-39.

Elley, Warwick B. (1994): ‘Conclusions’, in Elley, Warwick B. (ed.), The IEA Study of Reading Literacy: Achievement and Instruction in Thirty-two School Systems. Oxford: Pergamon, pp.223-231.

Ezzaki, Abdelkader; Spratt, Jennifer E. & Wagner, Daniel A. (1999): ‘Childhood Literacy Acquisition in Rural Morocco: Effects of Language Differences and Quranic Preschooling’, in Wagner, Daniel A. (ed.), The Future of Literacy in a Changing World. Cresskill, New Jersey: Hampton Press, pp.183-198.

Fuller, Bruce; Edwards, John H.Y. & Gorman, Kathleen (1999): ‘Does Rising Literacy Spark Economic Growth? Commercial Expansion in Mexico’, in Wagner, Daniel A. (ed.), The Future of Literacy in a Changing World. Cresskill, New Jersey: Hampton Press, pp.373-396.

Fuller, Bruce, Hua, Haiyan & Snyder, Conrad W. (1994): ‘When Girls Learn More Than Boys: The Influence of Time in School and Pedagogy in Botswana’. Comparative Education Review, Vol.38, No.3, pp. 347-376.

Gorard, Stephen & Taylor, Chris (2004): Combining Methods in Educational and Social Research. Maidenhead, UK: Open University Press.

Greene, Jennifer C. (2007): Mixed Methods in Social Inquiry. San Francisco: John Wiley & Sons.

Guba, Egon G. & Lincoln, Yvonna S. (1994): ‘Competing Paradigms in Qualitative Research’, in Denzin, Norman K. & Lincoln, Yvonna S. (ed.), Handbook of Qualitative Research. Thousand Oaks, California: Sage, pp.105-117.

Gunawardena, Chandra (1997): ‘Problems of Illiteracy in a Literate Developing Society: Sri Lanka’. International Review of Education, Vol.43, No.5-6, pp.595-609.

Hartas, Dimitra (ed.) (2010): Educational Research and Inquiry: Qualitative and Quantitative Approaches. London: Continuum.

Howe, Kenneth R. (2003): Closing Methodological Divides: Toward Democratic Educational Research. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers.

Jennings, Zellyne (2000): ‘Functional Literacy of Young Guyanese Adults’. International Review of Education, Vol.46, No.1-2, pp.93-116.

Kulick, Don & Stroud, Christopher (1993): ‘Conceptions and Uses of Literacy in a Papua New Guinean Village’, in Street, Brian (ed.), Cross-Cultural Approaches to Literacy. Cambridge: Cambridge University Press, pp.30-61.

Lavy, Victor & Spratt, Jennie (1997): ‘Patterns of Incidence and Change in Moroccan Literacy’. Comparative Education Review, Vol.41, No.2, pp. 120-141.

Maddox, Bryan (2005): ‘Assessing the Impact of Women’s Literacies in Bangladesh: An Ethnographic Inquiry’. International Journal of Educational Development, Vol.25, No.2, pp.123-132.

Mangubhai, Francis (1999): ‘Literacy in the South Pacific: Some Multilingual and Multiethnic Issues’, in Wagner, Daniel A. (ed.), The Future of Literacy in a Changing World. Cresskill, New Jersey: Hampton Press, pp.213-239.

May, Tim (2011): Social Research: Issues, Methods and Process. Maidenhead, UK: Open University Press.

Mpofu, Stanley T. & Youngman, Frank (2001): ‘The Dominant Tradition in Adult Literacy: A Comparative Study of National Literacy Programmes in Botswana and Zimbabwe’. International Review of Education, Vol.47, No.6, pp.573-595.

Mullis, Ina V.S.; Martin, Michael O.; Gonzalez, Eugenio J. & Kennedy, Ann M. (2003): PIRLS 2001 International Report: IEA’s Study of Reading Literacy Achievement in Primary School in 35 Countries. Chestnut Hill, MA: International Study Center, Boston College.

Mullis, Ina V.S.; Martin, Michael O.; Kennedy, Ann M.; Trong, Kathleen L.; & Sainsbury, Marian (2009): PIRLS 2011 Assessment Framework. Chestnut Hill, MA: TIMSS & PIRLS International Study Center, Boston College.

Mundy, Karen (1993): ‘Toward a Critical Analysis of Literacy in Southern Africa’. Comparative Education Review, Vol.37, No.4, pp.389-411.

Onwuegbuzie, Anthony J. & Leech, Nancy L. (2005): ‘On Becoming a Pragmatic Researcher: The Importance of Combining Quantitative and Qualitative Research Methodologies’. International Journal of Social Research Methodology, Vol.8, No.5, pp.375-387.

Papen, Uta (2001): ‘“Literacy – Your Key to a Better Future”? Literacy, Reconciliation and Development in the National Literacy Programme in Namibia’, in Street, Brian V. (ed.), Literacy and Development: Ethnographic Perspectives. London: Routledge, pp.40-60.

Picciano, Anthony G. (2004): Educational Research Primer. London: Continuum.

Puchner, L. (2003): ‘Women and Literacy in Rural Mali: A Study of the Socio-economic Impact of Participating in Literacy Programs in Four Villages’. International Journal of Educational Development, Vol.23, No.4, pp.439-458.

Reder, Stephen & Wikelund, Karen Reed (1993): ‘Literacy Development and Ethnicity: An Alaskan Example’, in Street, Brian (ed.), Cross-Cultural Approaches to Literacy. Cambridge: Cambridge University Press, pp.176-197.

Robinson-Pant, Anna (2000): ‘Women and Literacy: A Nepal Perspective’. International Journal of Educational Development, Vol.20, No.4, pp.349- 364.

Robinson-Pant, Anna (2001): ‘Women's Literacy and Health: Can an Ethnographic Researcher Find the Links?’, in Street, Brian V. (ed.), Literacy and Development: Ethnographic Perspectives. London: Routledge, pp.152-170.

Rockhill, Kathleen (1993): ‘Gender, Language, and the Politics of Literacy’, in Street, Brian (ed.), Cross-Cultural Approaches to Literacy. Cambridge: Cambridge University Press, pp.156-175.

Schaffner, Julie (2005): ‘Subjective and Objective Measures of Literacy: Implications for Current Results-oriented Development Initiatives’. International Journal of Educational Development, Vol.25, No.6, pp.652-657.

Schnell-Anzola, Beatrice; Rowe, Meredith L. & LeVine, Robert A. (2005): ‘Literacy as a Pathway Between Schooling and Health-related Communication Skills: A Study of Venezuelan Mothers’. International Journal of Educational Development, Vol.25, No.1, pp.19-37.

van de Vijver, Fons & Leung, Kwok (1997): Methods and Data Analysis for Cross-Cultural Research. Thousand Oaks, CA: Sage Publications.

Weinstein-Shr, Gail (1993): ‘Literacy and Social Practice: A Community in Transition’, in Street, Brian (ed.), Cross-cultural Approaches to Literacy. Cambridge: Cambridge University Press, pp.272-293.

Chapter 4 (الفصل الرابع)

Alexander, Robin (1999): ‘Comparing Classrooms and Schools’, in Alexander, Robin; Broadfoot, Patricia & Phillips, David (eds.), Learning from Comparing: New Directions in Comparative Educational Research, Vol.1: Contexts, Classrooms and Outcomes. Oxford: Symposium Books, pp.109-111.

Alexander, Robin (2000): Culture and Pedagogy: International Comparisons in Primary Education. Oxford: Blackwell.

Alexander, Robin (2001): ‘Border Crossings: Towards a Comparative Pedagogy’. Comparative Education, Vol.37, No.4, pp.507-523.

Alexiadou, Nafsika & van de Bunt-Kokhuis, Sylvia (2013): ‘Policy Space and the Governance of Education: Transnational Influences on Institutions and Identities in the Netherlands and the UK’. Comparative Education, Vol.49, No.3, pp.344-360.

Anderson-Levitt, Kathryn M. (2004): ‘Reading Lessons in Guinea, France, and the United States: Local Meanings or Global Culture?’. Comparative Education Review, Vol.48, No.3, pp.229-252.

Andrews, Paul (2013): ‘Finnish Mathematics Teaching from a Reform Perspective: A Video-Based Case-Study Analysis’. Comparative Education Review, Vol.57, No.2, pp.189-211.

Arnove, Robert F. (2013): ‘Introduction: Reframing Comparative Education: The Dialectic of the Global and the Local’, in Arnove, Robert F.; Torres, Carlos Alberto & Franz, Stephen (eds.), Comparative Education: The Dialectic of the Global and the Local. 4th edition, Lanham: Rowman & Littlefield, pp.1-25.

Beech, Jason (2002): ‘Latin American Education: Perceptions of Linearities and the Construction of Discursive Space’. Comparative Education, Vol.38, No.4, pp.415-427.

Benavot, Aaron & Resh, Nura (2001): ‘The Social Construction of the Local School Curriculum: Patterns of Diversity and Uniformity in Israeli Junior High Schools’. Comparative Education Review, Vol.45, No.4, pp.504-536.

Bereday, George Z.F. (1964): Comparative Method in Education. New York: Holt, Rinehart & Winston.

Berg-Schlosser, Dirk (2001): ‘Comparative Studies: Method and Design’, in Smelser, Neil J. & Baltes, Paul B. (eds.), International Encyclopedia of the Social and Behavioural Sciences. Amsterdam: Elsevier, pp.2427-2433.

Bray, Mark (2004): ‘Methodology and Focus in Comparative Education’, in Bray, Mark & Koo, Ramsey (eds.), Education and Society in Hong Kong and Macao: Comparative Perspectives on Continuity and Change. 2nd edition. CERC Studies in Comparative Education 7, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, pp.237-350.

Bray, Mark (2013): ‘Control of Education: Issues and Tensions in Centralization and Decentralization’, in Arnove, Robert F.; Torres, Carlos Alberto & Franz, Stephen (eds.), Comparative Education: The Dialectic of the Global and the Local. 4th edition, Lanham: Rowman & Littlefield, pp.201-222.

Bray, Mark & Koo, Ramsey (eds.) (2004): Education and Society in Hong Kong and Macao: Comparative Perspectives on Continuity and Change. 2nd edition. CERC Studies in Comparative Education 7, Hong Kong: Comparative Education Research Centre.

Bray, Mark; Mazawi, André & Sultana, Ronald (eds.) (2013): Private Tutoring across the Mediterranean: Power Dynamics, and Implications for Learning and Equity. Rotterdam: Sense.

Bray, Mark & Thomas, R. Murray (1995): ‘Levels of Comparison in Educational Studies: Different Insights from Different Literatures and the Value of Multilevel Analyses’. Harvard Educational Review, Vol.65, No.3, pp.472-490.

Bray, Mark & Yamato, Yoko (2003): ‘Comparative Education in a Micro-cosm: Methodological Insights from the International Schools Sector in Hong Kong’, International Review of Education, Vol.49, Nos. 1 & 2, pp.49-71.

Broadfoot, Patricia (1999): ‘Comparative Research on Pupil Achievement: In Search of Validity, Reliability and Utility’, in Alexander, Robin; Broadfoot, Patricia & Phillips, David (eds.), Learning from Comparing: New Directions in Comparative Educational Research, Vol.1: Contexts, Classrooms and Outcomes. Oxford: Symposium Books, pp.237-259.

Bronfenbrenner, Urie (1979): The Ecology of Human Development: Experiments by Nature and Design. Cambridge: Harvard University Press.

Canen, Ana (1995): ‘Teacher Education in an Intercultural Perspective: A Parallel between Brazil and the UK’. Compare: A Journal of Comparative Education, Vol.25, No.3, pp.227-238.

Carney, Stephen (2010): ‘Reading the Global: Comparative Education at the End of an Era’, in Larsen, Marianne A. (ed.), New Thinking in Comparative Education: Honouring Robert Cowen. Rotterdam: Sense, pp.125-142.

Cowen, Robert (2000a): ‘Educación Comparada’. Propuesta Educativa, Vol.10, No.23, pp.4-6.

Cowen, Robert (2000b): ‘Comparing Futures or Comparing Pasts?’. Comparative Education, Vol.36, No.3, pp.333-342.

Cowen, Robert (2002): ‘Sketches of a Future: Renegotiating the Unit Ideas of Comparative Education’, in Caruso, Marcelo & Tenorth, Heinz-Elmar (eds.), Internationalisierung/Internationalisation. Semantik und Bildungssystem in vergleichender Perspektive/Comparing Educational Systems and Semantics. Frankfurt am Main: Peter Lang, pp.271-283.

Cowen, Robert (2009a): ‘Then and Now’: Unit Ideas and Comparative Education’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.1277-1294.

Cowen, Robert (2009b): ‘The National, the International, and the Global’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.337-340.

Crossley, Michael (2009): ‘Rethinking Context in Comparative Education’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.1173- 1187.

Crossley, Michael & Vulliamy, Graham (2011): Qualitative Educational Research in Developing Countries: Current Perspectives. New York: Garland Press.

Crossley, Michael & Watson, Keith (2003): Comparative and International Research in Education: Globalisation, Context and Difference. London: RoutledgeFalmer.

Dale, Roger & Robertson, Susan, L. (2002): ‘The Varying Effects of Regional Organizations as Subjects of Globalization of Education’. Comparative Education Review, Vol.46, No.1, pp.10-36.

Dyer, Caroline (1996): ‘Primary Teachers and Policy Innovation in India: Some Neglected Issues’. International Journal of Educational Development, Vol.16, No.1, pp.27-40.

Eurydice (2013). Recommended Annual Taught Time in Full-time Compulsory Education in Europe 2012/13. Eurydice Facts and Figures. Eurydice taught_time_EN.pdf. Accessed 24 September 2013.

Fafunwa, A. Babs & Aisiku, J.U. (eds.) (1982): Education in Africa: A Comparative Survey. London: George Allen & Unwin.

Felouzis, Georges & Charmillot, Samuel (2013): ‘School Tracking and Educational Inequality: A Comparison of 12 Education Systems in Switzerland’. Comparative Education, Vol.49, No.2, pp.181-205.

Ferrer, Ferran; Naya, Luis & Valle, Javier (eds.) (2004): Convergencias de la Educación Secundaria Inferior en la Unión Europea. Madrid: Secretaria General de Educación, Centro de Investigación y Documentación Educativa [CIDE], Ministerio de Educación y Ciencia.

Fox, Christine; Majhanovich, Suzanne & Gök, Fatma (2011): ‘Bordering and Re-bordering in Education: Introduction’. International Review of Education, Vol.57, Nos.3-4, pp.247-260.

Fry, Gerald & Kempner, Ken (1996): ‘A Subnational Perspective for Comparative Research: Education and Development in Northeast Brazil and Northeast Thailand’. Comparative Education, Vol.32, No.3, pp.333-360.

Getis, Arthur; Getis, Judith; Bjelland, Mark D. & Fellmann, Jerome D. (2011): Introduction to Geography. 13th edition. New York: McGraw-Hill Higher Education.

Goldschmidt, Pete & Eyermann, Therese S. (1999): ‘International Educational Performance of the United States: Is There a Problem that Money can Fix?’ Comparative Education, Vol.35, No.1, pp.27-43.

Gu, Mingyuan (1986 [translated to English and printed in 2001]): ‘Issues in the Development of Comparative Education in China’, in Gu, Mingyuan, Education in China and Abroad: Perspectives from a Lifetime in Comparative Education. CERC Studies in Comparative Education 9, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, pp.219-226.

Guri-Rosenblit, Sarah (2001): Virtual Universities: Current Models and Future Trends. Higher Education in Europe, Vol.26, No.4, pp.487-499.

Hans, Nicholas (1949): Comparative Education: A Study of Educational Factors and Traditions. London: Routledge & Kegan Paul.

Hansen, Mette Halskov & Woronov, T.E. (2013): ‘Demanding and Resisting Vocational Education: A Comparative Study of Schools in Rural and Urban China’. Comparative Education, Vol.49, No.2, pp. 242-259.

Hega, Gunther M. (2001): ‘Regional Identity, Language and Education Policy in Switzerland’. Compare: A Journal of Comparative Education, Vol.31, No.2, pp.205-223.

Hickling-Hudson, Anne (2004): ‘South-South Collaboration: Cuban Teachers in Jamaica and Namibia’. Comparative Education, Vol.40, No.2, pp.289-311.

Kandel, Isaac L. (1933): Studies in Comparative Education. London: George G. Harrap & Company.

Kelly, Gail P. & Altbach, Philip G. (1988): ‘Alternative Approaches in Comparative Education’, in Postlethwaite, T. Neville (ed.), The Encyclopedia of Comparative Education and National Systems of Education. Oxford: Pergamon Press, pp.13-19.

Kubow, Patricia K. & Fossum, Paul R. (2007): Comparative Education: Exploring Issues in International Context. 2nd edition, Upper Saddle River: Pearson Merrill Prentice Hall.

Lefebvre, Henri (1991): The Production of Space. Oxford: Blackwell.

Lo, Tin-Yau Joe (2004): ‘The Junior Secondary History Curricula in Hong Kong and Shanghai: A Comparative Study’. Comparative Education, Vol.40, No.3, pp.343-361.

Louisy, Pearlette (2004): ‘Whose Context for What Quality? Informing Education Strategies for the Caribbean’. Compare: A Journal of Comparative Education, Vol.34, No.3, pp.285-293.

McNess, Elizabeth (2004): ‘Culture, Context and the Quality of Education: Evidence from a Small-Scale Extended Case Study in England and Denmark’. Compare: A Journal of Comparative Education, Vol.34, No.3, pp.315-327.

Naya, Luis (2004): ‘Administración Educativa y Gestión de Centros’, in Ferrer, Ferran, Naya, Luis & Valle, Javier (eds.), Convergencias de la Educación Secundaria Inferior en la Unión Europea. Madrid: Secretaria General de Educación, Centro de Investigación y Documentación Educativa [CIDE], Ministerio de Educación y Ciencia, pp.17-48.

Nóvoa, Antonio (2002): ‘Fabricating Europe: The Formation of an Education Space’, in Nóvoa, Antonio & Lawn, Martin (eds.), Fabricating Europe. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers, pp.1-13.

Pantić, Nataša; Wubbels, Theo & Mainhard, Tim (2011): ‘Teacher Competence as a Basis for Teacher Education: Comparing Views of Teachers and Teacher Educators in Five Western Balkan Countries’. Comparative Education Review, Vol.55, No.2, pp.165-188.

Phillips, David & Schweisfurth, Michele (2007): Comparative and International Education: An Introduction to Theory, Method and Practice. Lon-don: Continuum.

Puchner, L. (2003): ‘Women and Literacy in Rural Mali: A Study of the Socio-Economic Impact of Participating in Literacy Programs in Four Villages’. International Journal of Educational Development, Vol.23, No.4, pp.439-458.

Raffe, David; Brannen, Karen; Croxford, Linda & Martin, Chris (1999): ‘Comparing England, Scotland, Wales and Northern Ireland: The Case for ‘Home Internationals’ in Comparative Research’. Comparative Education, Vol.35, No.1, pp.9-25.

Ragin, Charles C. (1987): The Comparative Method: Moving beyond Qualitative and Quantitative Strategies. Berkeley: University of California Press.

Ragin, Charles C. (2006): ‘Comparative Sociology and the Comparative Method’, in Sica, Alan (ed.), Comparative Methods in the Social Sciences. London: SAGE, pp.159-178.

Ragin, Charles C. & Amoroso, Lisa M. (2011): Constructing Social Research: The Unity and Diversity of Method. 2nd edition. London: SAGE.

Rappleye, Jeremy (2010): ‘Compasses, Maps, and Mirrors: Relocating Episteme(s) of Transfer, Reorienting the Comparative Kosmos’, in Larsen, Marianne A. (ed.), New Thinking in Comparative Education: Honouring Robert Cowen. Rotterdam: Sense, pp.57-79.

Sadler, Sir Michael (1900): ‘How Can We Learn Anything of Practical Value from the Study of Foreign Systems of Education?’. Reprinted 1964 in Comparative Education Review, Vol.7, No.3, pp.307-314.

Schriewer, Jürgen (2006): ‘Comparative Social Science: Characteristic Problems and Changing Problem Solutions’. Comparative Education. Vol.42, No.3, pp.299-336.

Shabaya, Judith & Konadu-Agyemang, Kwadwo (2004): ‘Unequal Access, Unequal Participation: Some Spatial and Socio-Economic Dimensions of the Gender Gap in Education in Africa with Special Reference to Ghana, Zimbabwe and Kenya’. Compare: A Journal of Comparative Education, Vol.34, No.4, pp.395-424.

Silova, Iveta; Johnson, Mark S. & Heyneman, Stephen P. (2007): ‘Education and the Crisis of Social Cohesion in Azerbaijan and Central Asia’. Comparative Education Review, Vol.51, No.2, pp.159-180.

Sobe, Noah & Fischer, Melissa (2009): ‘Mobility, Migration and Minorities in Education’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.359-371.

Steiner-Khamsi, Gita (2009): ‘Comparison: Quo Vadis?’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.1143-1158.

Swiss Federal Statistical Office (2013): Regional Portraits: Cantons (2008- 2012). http://www.bfs.admin.ch/bfs/portal/en/index/regionen/kantone/ daten.html, Accessed 24 September 2013.

Symaco, Lorraine Pe & Brock, Colin (2013): ‘Editorial: Educational Space’. Comparative Education, Vol.49, No.3, pp.269–274.

Taylor, Chris; Rees, Gareth & Davies, Rhys (2013): ‘Devolution and Geographies of Education: The Use of the Millennium Cohort Study for ‘Home International’ Comparisons across the UK’. Comparative Education, Vol.49, No.3, pp.290-316.

Vidovich, Lesley (2004): ‘Towards Internationalizing the Curriculum in a Context of Globalization: Comparing Policy Processes in Two Settings’. Compare: A Journal of Comparative Education, Vol.34, No.4, pp. 443-461.

Welch, Anthony R. (2008): ‘Nation State, Diaspora and Comparative Education’, Joseph Lauwerys Lecture, Comparative Education Society in Europe Biennial Conference, July; University of Athens.

World Bank (2013a): Data by Topic. World Bank Indicators. http://data. worldbank.org/topic/education. Accessed 20 September 2013.

World Bank (2013b): Data by Country. World Bank Indicators. http:// data.worldbank.org/country. Accessed 30 August 2013.

Chapter 5 (الفصل الخامس)

Adams, Don (2004): Education and National Development: Priorities, Policies, and Planning. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Manila: Asian Development Bank.

Allport, F.H. (1955): Theories of Perception and the Concept of Structure. New York: Wiley.

Andrews, Rhys & Martin, Steve (2010): ‘Regional Variations in Public Service Outcomes: The Impact of Policy Divergence in England, Scotland and Wales’. Regional Studies, Vol.44, No.8, pp.919-934.

Archer, Margaret S. (1979): Social Origins of Educational Systems. London: SAGE.

Arnott, Margaret & Ozga, Jenny (2010): ‘Education and Nationalism: The Discourse of Education Policy in Scotland’. Discourse: Studies in the Cultural Politics of Education, Vol.31, No.3, pp.335-350.

Asian Development Bank (2001): Education and National Development in Asia: Trends, Issues, Policies, and Strategies. Manila: Asian Development Bank.

Bates, Richard (ed.) (2011): Schooling Internationally: Globalisation, Internationalisation and the Future for International Schools. New York: Routledge.

Bell, Robert & Grant, Nigel (1977): Patterns of Education in the British Isles. London: George Allen & Unwin.

Bereday, George Z.F. (1964): Comparative Method in Education. New York: Holt, Rinehart and Winston.

Bologna (2013): Bologna Declaration. http://www.wg.aegee.org/ewg/bolognadeclaration.htm accessed 10 February 2013.

Booth, C. (1985): ‘United Kingdom: System of Education’, in Husén, Torsten & Postlethwaite, T. Neville (eds.), The International Encyclopedia of Education. Oxford: Pergamon Press, pp.5251-5359.

Bray, Mark & Koo, Ramsey (eds.) (2004): Education and Society in Hong Kong and Macao: Comparative Perspectives on Continuity and Change. CERC Studies in Comparative Education 7, 2nd edition, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Bray, Mark & Yamato, Yoko (2003): ‘Comparative Education in a Micro-cosm: Methodological Insights from the International Schools Sector in Hong Kong’. International Review of Education, Vol.49, Nos.1-2. reprinted in Bray, Mark (ed.) (2003): Comparative Education: Continuing Traditions, New Challenges, and New Paradigms. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers, pp.51-73.

Brisard, Estelle; Menter, Ian & Smith, Ian (2007): ‘Researching Trends in Initial Teacher Education Policy and Practice in an Era of Globalization and Devolution: A Rationale and a Methodology for an Anglo-Scottish ‘Home International’ Study’. Comparative Education, Vol.43, No.2, pp.207-229.

Brock, Colin (2010): ‘Spatial Dimensions of Christianity and Education in Western European History, with Legacies for the Present’. Comparative Education, Vol.46, No.3, pp.289-306.

Bunnell, Tristan (2008): ‘The Global Growth of the International Baccalaureate Diploma Programme over the First 40 Years: A Critical Assessment’. Comparative Education, Vol.44, No.4, pp.409-424.

Cameron, John; Cowen, Robert; Holmes, Brian; Hurst, Paul & McLean, Martin (eds.) (1983): International Handbook of Education Systems. 3 volumes, Chichester: John Wiley & Sons.

Cheng, Kai Ming (1991): Planning of Basic Education in China: A Case Study of Two Counties in the Province of Liaoning. Paris: UNESCO International Institute for Educational Planning.

China, People’s Republic of (1985): Reform of China’s Educational Structure: Decision of the CPC [Communist Party of China] Central Committee. Beijing: Foreign Languages Press.

China, People’s Republic of (2010): Outline of China’s National Plan for Medium and Long-Term Education Reform and Development (2010-2020). Beijing: People's Publishing House. [باللغة الصينية]

China, People’s Republic of (2011): Educational Statistics Yearbook of China 2010. Beijing: People’s Education Press. [باللغة الصينية]

China, National Bureau of Statistics (2012): Sixth National Population Census of the People's Republic of China. Beijing: National Bureau of Statistics.

Commonwealth Secretariat (2012): Commonwealth Education Partnerships 2012/13. London: Nexus for the Commonwealth Secretariat.

Cramer, John Francis & Browne, George Stephenson (1956): Contemporary Education: A Comparative Study of National Systems. New York: Harcourt, Brace & World.

Crosier, David & Parveva, Teodora (2013): The Bologna Process: Its Impact in Europe and Beyond. Fundamentals of Educational Planning 97, Paris: UNESCO International Institute for Educational Planning (IIEP).

Curaj, Adrian; Scott, Peter; Vlasceanu, Lazăr & Wilson, Lesley (eds.) (2012): European Higher Education at the Crossroads: Between the Bologna Process and National Reforms. Dordrecht: Springer.

Daun, Holger & Arjmand, Reza (2005): ‘Islamic Education’, in Zajda, Joseph (ed.), International Handbook on Globalisation, Education and Policy Research: Global Pedagogies and Policies. Dordrecht: Springer, pp. 377-388.

Dunn, Seamus (2000): ‘Northern Ireland: Education in a Divided Society’, in Phillips, David (ed.), The Education Systems of the United Kingdom. Oxford: Symposium Books, pp.85-96.

Education Commission (2005): Report on Review of Medium of Instruction for Secondary Schools and Secondary School Places Allocation. Hong Kong: Education Commission, Hong Kong Special Administrative Region.

Gong, Xin & Tsang, Mun C. (2011): ‘Interprovincial and Regional Inequity in the Financing of Compulsory Education in China’, in Huang, Tiedan & Wiseman, Alexander W. (eds.), The Impact and Transformation of Education Policy in China. Bingley: Emerald, pp.43-78.

Gorard, Stephen (2000): ‘For England, See Wales’, in Phillips, David (ed.), The Education Systems of the United Kingdom. Oxford: Symposium Books, pp.29-43.

Göttelmann, Gabriele & Bahr, Klaus (2012): Strengthening of Education Systems. Paris: UNESCO International Institute for Educational Planning (IIEP).

Greger, David & Walterová, Eliska (eds.) (2012): Towards Educational Change: The Transformation of Educational Systems in Post-Communist Countries. London: Routledge.

Grek, Sotiria & Ozka, Jenny (2010): ‘Governing Education through Data: Scotland, England and the European Education Policy Space’. British Educational Research Journal, Vol.36, No.6, pp.937-952.

Griffin, Rosarii (ed.) (2006): Education in the Muslim World: Different Perspectives. Oxford: Symposium Books.

Gunning, Dennis & Raffe, David (2011): ’14-19 Education across Great Britain: Convergence or Divergence?’. London Review of Education, Vol.9, No.2, pp.245-257.

Guo, Yugui (2005): Asia’s Educational Edge: Current Achievements in Japan, Korea, Taiwan, China, and India. Lanham, Maryland: Lexington Books.

Hayden, Mary & Thompson, Jeff (2008): International Schools: Growth and Influence. Fundamentals of Educational Planning 92, Paris: UNESCO International Institute for Educational Planning (IIEP).

Hong Kong, Education Bureau (2011): ‘Education reform highlights’. Hong Kong: Education Bureau.

Hong Kong, Education Bureau (2012): Prospectus of the Schools Operated by the English Schools Foundation and International Schools in Hong Kong. Hong Kong: Education Bureau.

Hong Kong, Education Bureau (2013): ‘General Information on DSS’. http:// www.edb.gov.hk/index.aspx?nodeID=1475&langno=1 accessed 12 February 2013.

Hong Kong, Education Department (1993): Enrolment Survey 1993. Hong Kong: Education Department.

Hu, Wei & Xie, Xiemei (2003): ‘System Environment for the Development of China’s Private Education’, in Yang, Dongping (ed.), China’s Education Blue Book (2003). Beijing: Higher Education Press, pp. 176-197.

Ignas, Edward & Corsini, Raymond J. (eds.) (1981): Comparative Educational Systems. Itasca: F.E. Peacock Publishers.

Kandel, Isaac L. (1933): Studies in Comparative Education. London: George G. Harrap & Company.

Lau, Sin Peng (2009): A History Education in Macao. Macao: Faculty of Education, University of Macau.

Lee, W.O. (1993): ‘Social Reactions towards Education Proposals: Opting against the Mother Tongue as the Medium of Instruction in Hong Kong’. Journal of Multilingual and Multicultural Development, Vol.14, No.3, pp.203-216.

Leung, Joan H. (2011): ‘Education Governance and Reform: Bringing the State Back In’, in Lam, Newman M.K. & Scott, Ian (eds.), Gaming, Governance and Public Policy in Macao. Hong Kong: Hong Kong University Press, pp.163-181.

Liu, Junyan (2012): personal information, Beijing Academy of Education Sciences.

Macao, Government of (2012a): ‘Education’, in Macao Yearbook. Macao: Government of the Macau Special Administrative Region, pp. 315-329.

Macao, Government of (2012b): Education Survey 2010/2011. Macao: Documentation and Information Centre of the Statistics and Census Service.

Macau, Governo de (1989): Inquérito ao Ensino 1987/1988. Macau: Direcção dos Serviços de Estatística e Censos.

Macau, Governo de (1993a): Inquérito ao Ensino 1991/1992. Macau: Direcção dos Serviços de Estatística e Censos.

Macau, Governo de (1993b): Educação em Números. Macau: Direcção dos Serviços de Educação e Juventude.

Maringe, F.; Foskett, N. & Woodfield, S. (2013): ‘Emerging Internationaisation Models in an Uneven Global Terrain: Findings from a Global Survey’. Compare: A Journal of Comparative and International Education, Vol.42, No.1, pp.9-36.

Marlow-Ferguson, Rebecca (2002): World Education Encyclopedia: A Survey of Educational Systems. Detroit: Gale Group.

Matheson, David (2000): ‘Scottish Education: Myths and Mists’, in Phillips, David (ed.), The Education Systems of the United Kingdom. Oxford: Symposium Books, pp.63-84.

McGuinness, Samuel J. (2012): ‘Education Policy in Northern Ireland: A Review’, Italian Journal of Sociology of Education, Vol.1, No.4, pp. 205-237.

Menter, Ian; Hulme, Moira; Jephcote, Martin; Mahony, Pat A. & Moran, Anne (2009): ‘Teacher Education in the United Kingdom: A “Home International” Study’. Paper presented to the annual conference of the American Educational Research Association, 13-17 April, San Diego, USA.

Mitter, Wolfgang (2004): ‘Rise and Decline of Education Systems: A Contribution to the History of the Modern State’. Compare: A Journal of Comparative Education, Vol.34, No.4, pp.351-369.

Moehlman, Arthur H. (1963): Comparative Educational Systems. Washington DC: The Center for Applied Research in Education.

Mok, Ka-ho (ed.) (2003): Centralization and Decentralization: Educational Reforms and Changing Governance in Chinese Societies. CERC Studies in Comparative Education 13, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Kluwer Academic Publishers.

Morris, Paul & Adamson, Bob (2010): Curriculum, Schooling and Society in Hong Kong. Hong Kong: Hong Kong University Press.

Ng, Vinci (2012): ‘The Decision to Send Local Children to International Schools in Hong Kong: Local Parents’ Perspectives’. Asia Pacific Education Review, Vol.13, No.1, pp.121-136.

Postiglione, Gerard A. (2012): ‘China, Ethnic Autonomous Regions’, in Banks, James A. (ed.), Encyclopedia of Diversity in Education. Los Angeles: SAGE, pp.339-340.

Postlethwaite, T. Neville (ed.) (1988): The Encyclopedia of Comparative Education and National Systems of Education. Oxford: Pergamon Press.

Postlethwaite, T. Neville (ed.) (1995): The International Encyclopedia of National Systems of Education. 2nd edition, Oxford: Pergamon Press.

Qi, Tingting (2011): ‘Moving Toward Decentralization? Changing Education Governance in China after 1985’, in Huang, Tiedan & Wiseman, Alexander W. (eds.), The Impact and Transformation of Education Policy in China. Bingley: Emerald, pp.19-41.

Raffe David; Brannen, Karen; Croxford, Linda & Martin, Chris (1999): ‘Comparing England, Scotland, Wales and Northern Ireland: The Case for “Home Internationals” in Comparative Research’. Comparative Education, Vol.35, No.1, pp.9-25.

Richardson, William (2011): ‘The Weight of History: Structures, Patterns and Legacies of Secondary Education in the British Isles, c.1200 - c.1980’. London Review of Education, Vol.9, No.2, pp.153-173.

Robinson, Jason & Guan, Xuan (2012): ‘The Changing Face of International Education in China’. On the Horizon, Vol.20, No.2, pp.305-212.

Sadler, Sir Michael (1900): ‘How Far Can We Learn Anything of Practical Value from the Study of Foreign Systems of Education?’. Reprinted 1964 in Comparative Education Review, Vol.7, No.3, pp.307-314.

Spring, Joel (2009): Globalization of Education: An Introduction. New York: Routledge.

Standing Committee on Language Education & Research (2003): Action Plan to Raise Language Standards in Hong Kong: Final Report of Language Education Review. Hong Kong: Standing Committee on Language Education & Research.

Tilak, Jandhyala B.G. (2011): Trade in Higher Education: The Role of the General Agreement on Trade in Services (GATS). Fundamentals of Educational Planning 95, Paris: UNESCO International Institute for Educational Planning (IIEP).

Thieme, Claudio; Giménez, Víctor & Prior, Diego (2012): ‘A Comparative Analysis of the Efficiency of National Education Systems’. Asia Pacific Education Review, Vol.13, No.1, pp.1-15.

UNESCO (2011): National Journeys towards Education for Sustainable Development. Paris: UNESCO.

UNESCO International Bureau of Education (2000): World Data on Education: A Guide to the Structure of National Systems. Geneva: UNESCO International Bureau of Education.

Verger, Antoni L. & Robertson, Susan (2012): ‘The GATS Game-Changer: International Trade Regulation and the Constitution of a Global Education Marketplace’, in Robertson, Susan L.; Mundy, Karen; Verger, Antoni & Menashy, Francine (eds.), Public Private Partnerships in Education: New Actors and Modes of Governance in a Globalizing World. Cheltenham: Edward Elgar, pp.104-127.

Wang, Zhisheng (2011): ‘Diversity or Unification: The Post-colonial Education in Current Situation of Macau’. Journal of Qinghai Normal University, Vol.33, No.2, pp.123-126. [باللغة الصينية]

Wolhuter, C.C.; Lemmer, E.M. & de Wet, N.C. (eds.) (2007): Comparative Education: Education Systems and Contemporary Issues. Pretoria: Van Schaik.

Yamato, Yoko & Bray, Mark (2006): ‘Economic Development and the Market Place for Education: Dynamics of the International Schools Sector in Shanghai, China’. Journal of Research in International Education, Vol.5, No.1, pp.71-96.

Zhao, Zhenzhou (2010): ‘China’s Ethnic Dilemma: Ethnic Minority Education’. Chinese Education and Society, Vol.43, No.1, pp.3-11.

Chapter 6 (الفصل السادس)

Aldrich, Richard (1982): An Introduction to the History of Education. London: Hodder and Stoughton.

Aldrich, Richard (2002): The Institute of Education 1902-2002: A Centenary History. London: Institute of Education, University of London.

Altbach, Philip & Kelly, Gail (eds.) (1986): New Approaches to Comparative Education. Chicago: University of Chicago Press.

Apple, Michael W. (1999): Power, Meaning, and Identity: Essays in Critical Educational Studies. New York: Peter Lang.

Apple, Michael W. (2000): Official Knowledge: Democratic Education in a Conservative Age. New York: Routledge.

Archer, Margaret S. (1979): Social Origins of Educational Systems. London: Sage.

Ball, Stephen J. (1994): Education Reform: A Critical and Post-Structural Approach. Buckingham: Open University Press.

Beech, Jason (2009): ‘Who is Strolling through the Global Garden? International Agencies and Educational Transfer’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.341-357.

Benton, Lauren (1996): ‘From the World-Systems Perspective to Institutional World History: Culture and Economy in Global Theory’. Journal of World History, Vol.7, No.2, pp.261-295.

Bereday, George Z.F. (1964): Comparative Method in Education. New York: Holt, Rinehart & Winston.

Bickley, Gillian (2002): The Development of Education in Hong Kong 1841- 1897: As Revealed by the Early Education Reports of the Hong Kong Government 1848-1896. Hong Kong: Proverse Hong Kong.

Bolton, Kingsley (2002): Chinese Englishes: A Sociolinguistic History. Cambridge: Cambridge University Press.

Bowles, Samuel & Gintis, Herbert (1976): Schooling in Capitalist America: Educational Reform and the Contradictions of Economic Life. London: Routledge & Kegan Paul.

Bray, Mark (ed.) (2003): Comparative Education: Continuing Traditions, New Challenges, and New Paradigms. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers.

Bray, Mark (2013): ‘Control of Education: Issues and Tensions in Centralization and Decentralization’, in Arnove, Robert F.; Torres, Carlos A. & Frantz, Stephen (eds.), Comparative Education: The Dialectic of the Global and the Local. Lanham: Rowman & Littlefield, pp.201-222.

Bray, Mark & Thomas, R. Murray (1995): ‘Levels of Comparison in Educational Studies: Different Insights from Different Literatures and the Value of Multilevel Analyses’. Harvard Educational Review, Vol.65, No.3, pp.472-490.

Broadfoot, Patricia (2000): ‘Comparative Education for the 21st Century: Retrospect and Prospect’. Comparative Education, Vol.36, No.3, pp. 357-372.

Broadfoot, Patricia (2003): ‘Editorial: Post-Comparative Education?’. Comparative Education, Vol.39, No.3, pp.275-278.

Carnoy, Martin (1974): Education as Cultural Imperialism. New York: David McKay & Co.

Cheng, Kai Ming (1987): ‘The Concept of Legitimacy in Education Policy-Making: Alternative Explanations of Two Policy Episodes in Hong Kong’, PhD thesis, Institute of Education, University of London.

Cowen, Robert (2000): ‘Comparing Futures or Comparing Pasts?’. Comparative Education, Vol.36, No.3, pp.333-342.

Cowen, Robert (2002): ‘Moments of Time: A Comparative Note’. History of Education, Vol.31, No.5, pp.413-424.

Crossley, Michael (2009): ‘Rethinking Context in Comparative Education’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.1173- 1187.

Cummings, William K. (1999): ‘The InstitutionS of Education: Compare, Compare, Compare!’. Comparative Education Review, Vol.29, No.3, pp.269-285.

Cunich, Peter (2012): A History of the University of Hong Kong. Volume I. 1911-1945. Hong Kong: Hong Kong University Press.

Curtis, S.J. (1967): History of Education in Great Britain. London: University Tutorial Press.

Dent, Harold Collect (1970): 1870-1970: Century of Growth in English Education. London: Longman.

Epstein, Erwin (1987): Review of “The National Unified School in Allen-de’s Chile”. Comparative Education Review, Vol.31, No.3, pp.468-469.

Evans, Karen (2003): ‘Uncertain Frontiers: Taking Forward Edmund King’s World Perspectives on Post-compulsory Education’. Comparative Education, Vol.39, No.4, pp.415-422.

Farrell, Joseph P. (1986): The National Unified School in Allende’s Chile: The Role of Education in the Destruction of a Revolution. Vancouver: University of British Columbia Press.

Farrell, Joseph P. (2011): ‘Blind Alleys and Signposts of Hope’, in Bray, Mark & Varghese, N.V. (eds.), Directions in Educational Planning: International Experiences and Perspectives. Paris: UNESCO International Institute for Educational Planning (IIEP), pp.63-87.

Fetzer, James H. (ed.) (2000): The Philosophy of Carl G. Hempel: Studies in Science, Explanation, and Rationality. Oxford: Oxford University Press.

Forster, E.M. (1953): Abinger Harvest. London: Edward Arnold.

Fraser, Stewart E. (1965): Chinese Communist Education: Records of the First Decade. Nashville: Vanderbilt University Press.

Fraser, Stewart E. (ed.) (1971): Education and Communism in China: An Anthology of Commentary and Documents. London: Pall Mall Press.

Gaither, Milton (2003): American Educational History Revisited: A Critique of Progress. New York: Teachers College Press.

Gardiner, Patrick (1961): The Nature of Historical Explanation. London: Oxford University Press.

Ginsburg, Mark B. (1995): The Politics of Educators’ Work and Lives. New York: Garland.

Gordon, Peter & Szreter, Richard (eds.) (1989): History of Education: The Making of a Discipline. London: Woburn Press.

Gray, John; McPherson, Andrew F. & Raffe, David (1983): Reconstructions of Secondary Education: Theory, Myth and Practice since the War. London: Routledge & Kegan Paul.

Green, Andy (1997): Education, Globalization, and the Nation State. Basingstoke: Macmillan.

Green, Andy (2002): ‘Education, Globalization, and the Role of Comparative Research’. Professorial Lecture. London: Institute of Education, University of London.

Grossman, David; Lee, Wing On & Kennedy, Kerry J. (eds.) (2008): Citizenship Curriculum in Asia and the Pacific. CERC Studies in Comparative Education 22, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer.

Hamilton, Paul D. (2003): Historicism. London: Routledge.

Haskell, Thomas L. (1998): Objectivity is not Neutrality: Explanatory Schemes in History. Baltimore: Johns Hopkins University Press.

Hawkins, John N. & Rust, Val D. (2001): ‘Shifting Perspectives on Comparative Research: A View from the USA’. Comparative Education, Vol.37, No.4, pp.501-506.

Jansen, Jonathan D. (1991): ‘The State and Curriculum in the Transition to Socialism: The Zimbabwean Experience’. Comparative Education Review, Vol.35, No.1, pp.76-91.

Jennings, Jack F. (ed.) (1995): National Issues in Education: Elementary and Secondary Education Act. Washington, DC: Phi Delta Kappa International.

Kallaway, Peter (ed.) (2002): The History of Education under Apartheid 1948- 1994: The Doors of Learning and Culture shall be Opened. New York: Peter Lang.

Kandel, Isaac Leon (1933): Studies in Comparative Education. Boston: Houghton Mifflin.

Kazamias, Andreas M. (1961): ‘Some Old and New Approaches to Comparative Education’. Comparative Education Review, Vol.5, No.1, pp. 90-96.

Kazamias, Andreas M. (1962): ‘History, Science and Comparative Education: A Study in Methodology’. International Review of Education, Vol.8, Nos.3-4, pp.383-398.

Kazamias, Andreas M. (2001): ‘Reinventing the Historical in Comparative Education: Reflection on a Protean Episteme by a Contemporary Player’. Comparative Education, Vol.37, No.4, pp.439-450.

King, Edmund (2000): ‘A Century of Evolution in Comparative Education’. Comparative Education, Vol.36, No.3, pp.267-278.

Kwo, Ora (ed.) (2010): Teachers as Learners: Critical Discourse on Challenges and Opportunities. CERC Studies in Comparative Education 26, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer.

Larsen, Marianne A. (2009): ‘Comparative Education, Postmodernity and Historical Research: Honouring Ancestors’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.1045-1059.

Lau, Siu-kai (2002): The First Tung Chee-hwa Administration: The First Five Years of the Hong Kong Special Administration Region. Hong Kong: The Chinese University Press.

Lorringer, S. (ed.) (1996): Foucault Live: Collected Interviews 1961-1984. New York: Semiotexte.

Lowe, Roy (1988): Education in the Post-War Years: A Social History. London: Routledge.

Lowe, Roy (1996): ‘Postmodernity and Historians of Education: A View from Britain’. Paedagogica Historica, Vol.32, No.2, pp.307-323.

Lowe, Roy (ed.) (2000): History of Education: Major Themes. London: RoutledgeFalmer.

Maclure, Stuart (1986): Educational Documents: England and Wales, 1816 to the Present Day. London: Methuen.

Maringe, F.; Foskett, N. & Woodfield, S. (2013): ‘Emerging Internationalisation Models in an Uneven Global Terrain: Findings from a Global Survey’. Compare: A Journal of Comparative and International Education, Vol.42, No.1, pp.9-36.

Martin, Timothy J. (2003): ‘Divergent Ontologies with Converging Conclusions: A Case Study Comparison of Comparative Methodologies’. Comparative Education, Vol.39, No.1, pp.105-117.

McCulloch, Gary (1994): Educational Reconstruction: The 1944 Act and the Twenty-first Century. Ilford, Essex: Woburn Press.

Meyer, John; Kamens, David H. & Benavot, Aaron (1992): School Knowledge for the Masses: World Models and National Primary Curricular Categories in the Twentieth Century. London: Falmer Press.

Mok, Ka Ho (ed.) (2003): Centralization and Decentralization: Educational Reforms and Changing Governance in Chinese Societies. CERC Studies in Comparative Education 13, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Kluwer Academic Publishers.

Mok, Ka Ho & Welch, Anthony R. (2003): Globalization and Educational Restructuring in the Asia Pacific Region. Basingstoke: Palgrave Macmillan.

Morris, Paul; Kan, Flora & Morris, Esther (2001): ‘Education, Civic Participation and Identity: Continuity and Change in Hong Kong’, in Bray, Mark & Lee, W.O. (eds.), Education and Political Transition: Themes and Experiences in East Asia. CERC Studies in Comparative Education 1, 2nd edition, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, pp.163-181.

Nakajima, Nanjiro (1916): Comparative Study of National Education in Germany, France, Britain and the USA. Tokyo: Kyouiku-shicho Kenkyukai. [in Japanese]

Namier, Lewis B. (1957): The Structure of Politics at the Accession of George III. London: Macmillan.

Ninnes, Peter & Burnett, Greg (2003): ‘Comparative Education Research: Poststructuralist Possibilities’. Comparative Education, Vol.39, No.3, pp.279-297.

Noah, Harold J. & Eckstein, Max A. (1998): Doing Comparative Education: Three Decades of Collaboration. CERC Studies in Comparative Education 5, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Nóvoa, Antonio & Yariv-Mashal, Tali (2003): ‘Comparative Research in Education: A Mode of Governance or a Historical Journey?’. Comparative Education, Vol.39, No.4, pp.423-438.

Pennycook, Alastair (1998): English and the Discourses of Colonialism. Lon-don: Routledge.

Phillips, David (1994): ‘Periodisation in Historical Approaches’. British Journal of Educational Studies, Vol.42, No.3, pp.261-272.

Phillips, David (2002): ‘Comparative Historical Studies in Education: Problems of Periodisation Reconsidered’. British Journal of Educational Studies, Vol. 50, No.3, pp.363-377.

Popkewitz, Thomas S. (1994): ‘Professionalization in Teaching and Teacher Education: Some Notes on its History, Ideology, and Potential’. Teaching and Teacher Education, Vol.10, No.1, pp.1-14.

Popkewitz, Thomas S.; Franklin, Barry M. & Pereyra, Miguel A. (eds.) (2001): Cultural History and Education: Critical Essays on Knowledge and Schooling. New York: RoutledgeFalmer.

Reynolds, David (1998): ‘Schooling for Literacy: A Review of Research on Teacher Effectiveness and School Effectiveness and its Implications for Contemporary Educational Policies’. Educational Review, Vol.50, No.2, pp.147-162.

Roberts, Clayton (1995): The Logic of Historical Explanation. University Park: Pennsylvania State University Press.

Robertson, Susan (2012): ‘Placing Teachers in Global Governance Agendas’. Comparative Education Review, Vol.56, No.4, pp.584-607.

Rusen, Jőrn (1987): ‘The Didactics of History in West Germany: Towards a New Self-consciousness in Historical Studies’. History and Theory, Vol.26, No.3, pp.275-286.

Rusk, Robert R. (1969): The Doctrines of the Great Educators. London, Macmillan.

Rust, Val D.; Soumaré, Aminata; Pescador, Octavio & Shibuya, Megumi (1999): ‘Research Strategies in Comparative Education’. Comparative Education Review, Vol.43, No.1, pp.86-109.

Sadler, Sir Michael (1900): ‘How Can we Learn Anything of Practical Value from the Study of Foreign Systems of Education?’. Reprinted 1964 in Comparative Education Review, Vol.7, No.3, pp.307-314.

Sharma-Brymer, Vinathe (2009): ‘Reflecting on Postcolonialism and Education: Tensions and Dilemmas of an Insider’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.655-668.

Silver, Harold (1977): The Concept of Popular Education: A Study of Ideas and Social Movements in the Early Nineteenth Century. London: Methuen.

Simon, Brian (1970): The Two Nations and the Educational Structure, 1780-1870. London: Lawrence & Wishart.

Stromquist, Nelly P. (1990): ‘Gender Inequality in Education: Accounting for Women's Insubordination’. British Journal of Sociology of Education, Vol.11, No.2, pp.137-153.

Sweeting, Anthony (1989): ‘Snapshots from the Social History of Education in Hong Kong: An Alternative to Macro-mania’. Education Research and Perspectives, Vol.16, No.1, pp.3-12.

Sweeting, Anthony (1990): Education in Hong Kong pre-1841 to 1941: Fact and Opinion – Materials for a History of Education in Hong Kong. Hong Kong, Hong Kong University Press.

Sweeting, Anthony (1993): A Phoenix Transformed: The Reconstruction of Education in Post-war Hong Kong. Hong Kong: Oxford University Press.

Sweeting, Anthony (1998a): ‘Teacher Education at Hongkong University: A Brief History (Part 1: 1917-1951)’. Curriculum Forum, Vol.7, No.2, pp.1-44.

Sweeting, Anthony (1998b): ‘Teacher Education at the University of Hong Kong, A Brief History (Part 2: 1951 - circa 1976)’. Curriculum Forum, Vol.8, No.1, pp.1-32.

Sweeting, Anthony (1999): ‘Teacher Education at the University of Hong Kong, a Brief History (Part 3: circa 1976 - circa 1998)’. Curriculum Forum, Vol.9, No.1, pp.1-44.

Sweeting, Anthony (2001): ‘Doing Comparative Historical Education Research: Problems and Issues from and about Hong Kong’, in Watson, Keith (ed.), Doing Comparative Education Research: Issues and Problems. Oxford: Symposium Books, pp.225-243.

Sweeting, Anthony (2002): ‘Training Teachers: Processes, Products, and Purposes’, in Chan Lau, Kit-ching & Cunich, Peter (eds.), An Impossible Dream: Hong Kong University from Foundation to Re-establishment, 1910-1950. Hong Kong: Oxford University Press, pp.65-97.

Sweeting, Anthony (2004): Education in Hong Kong 1941-2001: Visions and Revisions. Hong Kong: Hong Kong University Press.

Sze, Wai-ting (1990): ‘The Cat and the Pigeons: relations between the Hong Kong Government and the Universities, in Anthony Sweeting (ed.), Differences and Identities: educational argument in late twentieth century Hong Kong. Hong Kong: Education Papers 9, Faculty of Education, the University of Hong Kong, pp.127-159.

Tikly, Leon (1999): ‘Postcolonialism and Comparative Education’. International Review of Education, Vol.45, Nos.5-6, pp.603-621.

Townsend, Tony (1996): ‘School Effectiveness and Improvement Initiatives and the Restructuring of Education in Australia’. School Effectiveness and School Improvement, Vol.7, No.2, pp.114-132.

Urban, Wayne J. (ed.) (1999): Essays in Twentieth-Century Southern Education: Exceptionalism and its Limits. New York: Garland.

von Borries, Bodo (1994): ‘(Re-)Constructing History and Moral Judgment: On Relationships between Interpretations of the Past and Perceptions of the Present’, in Carretero, Mario & Voss, James F. (eds.), Cognitive and Instructional Processes in History and the Social Sciences. London: Lawrence Erlbaum, pp.339-355.

Wallerstein, Immanuel (1974): The Modern World System: Capitalist Agriculture and the Origins of the European World Economy in the Sixteenth Century. London: Academic Press.

Walsh, W.H. (1967): An Introduction to Philosophy of History. London: Hutchinson.

Watson, Keith (1998): ‘Memories, Models and Mapping: The Impact of Geopolitical Changes on Comparative Studies of Education’. Com-pare: A Journal of Comparative Education, Vol.28, No.1, pp.5-31.

Watson, Keith (ed.) (2001): Doing Comparative Education Research: Issues and Problems. Oxford: Symposium Books.

Watts, Ruth (1998a): ‘From Lady Teacher to Professional: A Case Study of Some of the First Headteachers of Girls’ Schools in England’. Educational Management and Administration, Vol.26, No.4, pp.339-351.

Watts, Ruth (1998b): Gender, Power and the Unitarians in England 1760-1860. London: Longman.

Wegner, Gregory P. (2002): Anti-Semitism and Schooling under the Third Reich. New York: RoutledgeFalmer.

Westlund, Erik (2007): ‘Time and Comparative and International Education’. Research in Comparative and International Education, Vol.2, No.2, pp.144-153.

Wilson, David M. (2003): ‘The Future of Comparative and International Education in a Globalised World’, in Bray, Mark (ed.), Comparative Education: Continuing Traditions, New Challenges, and New Paradigms. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers, pp.15-33.

Chapter 7 (الفصل السابع)

Airton, Liz (2009): ‘Untangling “Gender Diversity”: Genderism and Its Discontents (i.e., Everyone)’, in Steinberg, Shirley R. (ed.), Diversity and Multiculturalism: A Reader. New York: Peter Lang, pp.223-246.

Aiston, Sarah Jane (2010): ‘Women, Education, and Agency, 1600-2000: An Historical Perspective’, in Spence, Jean; Aiston, Sarah J. & Meikle, Maureen M. (eds.), Women, Education, and Agency, 1600-2000. London: Routledge, pp.1-8.

Ali, Shimel Se & Dadush, Uri (2012): ‘The Global Middle Class is Bigger than we Thought: A New Way of Measuring Prosperity has Enormous Implications for Geopolitics and Economics’. Foreign Policy, 24 May.

Althusser, Louis (1971): Lenin and Philosophy, and Other Essays, trans. Ben Brewster. London: New Left Books.

Bakar, Mukhlis Abu (2009): ‘Islamic Religious Education and Muslim Religiosity in Singapore’, in Banks, James A. (ed.), The Routledge International Companion to Multicultural Education. New York: Routledge, pp.437-448.

Boozer, Michael A.; Krueger, Alan B. & Wolkon, Shari (1992): Race and School Quality since Brown vs. Board of Education. Princeton: Princeton University Press.

Bourdieu, Pierre (1968): ‘Outline of a Theory of Art Perception’. International Social Science Journal, Vol.2, No.4, pp.589-612.

Burt, Matthew E. & Park, Namgi (2008): ‘Education Inequality in the Republic of Korea: Measurement and Causes’, in Holsinger, Donald B. & Jacob, W. James (eds.), Inequality in Education: Comparative and International Perspectives. CERC Studies in Comparative Education 24, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.261-289.

Deer, Cecile (2008): ‘Different Paths, Similar Effects: Persistent Inequalities and Their Sources in European Higher Education’, in Holsinger, Donald B. & Jacob, W. James (eds.), Inequality in Education: Comparative and International Perspectives. CERC Studies in Comparative Education 24, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.324-347.

Durkheim, Emile (1893/1984): The Division of Labor in Society, trans. Steven Lukes. New York: Free Press.

Foster, Michele (1999): ‘Race, Class, and Gender in Education Research: Surveying the Political Terrain’. Educational Policy, Vol.13, No.1, pp. 77-85.

Gordon, Tuula; Holland, Janet & Lahelma, Elina (2000): ‘From Pupil to Citizen: A Gendered Route’, in Arnot, Madeleine, & Dillabough, JoAnne (eds.), Challenging Democracy: International Perspectives on Gender, Education and Citizenship. London: RoutledgeFalmer, pp. 187-202.

Grinberg, J.; Price, J. & Naiditch, F. (2009): ‘Schooling and Social Class’, in Steinberg, Shirley R. (ed.), Diversity and Multiculturalism: A Reader. New York: Peter Lang, pp.265-278.

Hacker, Andrew (2003): Two Nations: Black and White, Separate, Hostile, Unequal. New York: Scribner.

Hall, Stuart (1995): ‘New Ethnicities’, in Ashcroft, Bill; Griffiths, Gareth & Tiffin, Helen (eds.), The Post-Colonial Studies Reader. New York: Routledge, pp.223-227.

Heath, Shirley B. (1983): Ways with Words: Language, Life, and Work in Communities and Classrooms. Cambridge: Cambridge University Press.

Herrnstein, Richard J. & Murray, Charles (1994): The Bell Curve: Intelligence and Class Structure in American Life. New York: Free Press.

Hill, David; Greaves, Nigel M. & Maisuria, Alpesh (2008): ‘Does Capitalism Inevitably Increase Inequality?’, in Holsinger, Donald B. & Jacob, W. James (eds.), Inequality in Education: Comparative and International Perspectives. CERC Studies in Comparative Education 24, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.59-85.

Hirasawa, Yasumasa (2009): ‘Multicultural Education in Japan’, in Banks, James A. (ed.), The Routledge International Companion to Multicultural Education. New York: Routledge, pp.159-170.

Hollinger, David A. (2005): Postethnic America: Beyond Multiculturalism. New York: Perseus.

hooks, bell (1994): Teaching to Transgress: Education as the Practice of Freedom. New York: Routledge.

Hung, Chih-Cheng & Cheng, Sheng-Yao (2008): ‘Access and Equity: Who Are the Students at Taiwan’s Top Universities?’, in Holsinger, Donald B. & Jacob, W. James (eds.), Inequality in Education: Comparative and International Perspectives. CERC Studies in Comparative Education 24, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.290-306.

Hyer, Karen E.; Ballif-Spanvill, Bonnie; Peters, Susan J.; Solomon, Yodit; Thomas, Heather & Ward, Carol (2008): ‘Gender Inequalities in Educational Participation’, in Holsinger, Donald B. & Jacob, W. James (eds.), Inequality in Education: Comparative and International Perspectives. CERC Studies in Comparative Education 24, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.128-148.

Jackson, Liz (2008): ‘Reconsidering Affirmative Action in Education as a Good for the Disadvantaged’. Journal of Critical Educational Policy Studies, Vol.6, No.1, pp.379-397.

Jackson, Liz (2009): ‘Reevaluating White Privileged Ignorance and Its Implications for Antiracist Education’, in Glass, Ronald (ed.), Philosophy of Education 2008. Urbana, Illinois: Philosophy of Education Society, pp.301-304.

Jacob, W. James & Holsinger, Donald B. (2008): ‘Inequality in Education: A Critical Analysis’, in Holsinger, Donald B. & Jacob, W. James (eds.), Inequality in Education: Comparative and International Perspectives. CERC Studies in Comparative Education 24, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.1-33.

Jones, Claire (2010): ‘Femininity and Mathematics at Cambridge Circa 1900’, in Spence, Jean; Aiston, Sarah J. & Meikle, Maureen M. (eds.), Women, Education, and Agency, 1600-2000. London: Routledge.

Keevak, Michael (2011): Becoming Yellow: A Short History of Racial Thinking. Princeton: Princeton University Press.

Kincheloe, Joe L. & Steinberg, Shirley R. (1997): Changing Multiculturalism. Buckingham: Open University Press.

Kincheloe, Joe L. & Steinberg, Shirley R. (2009): ‘Smoke and Mirrors: More than One Way to be Diverse and Multicultural’, in Steinberg, Shirley R. (ed.), Diversity and Multiculturalism: A Reader. New York: Peter Lang, pp.3-22.

Kheiltash, Omid & Rust, Val D. (2008): ‘Inequalities in Iranian Education: Representations of Gender, Socioeconomic Status, Ethnic Diversity, and Religious Diversity in School Textbooks and Curricula’, in Holsinger, Donald B. & Jacob, W. James (eds.), Inequality in Education: Comparative and International Perspectives. CERC Studies in Comparative Education 24, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.392-416.

Kuipers, Joel C. & Yulaelawati, Ella (2009): ‘Religion, Ethnicity, and Identity in Indonesian Education’, in Banks, James A. (ed.), The Routledge International Companion to Multicultural Education. New York: Routledge, pp.449-460.

Ladson-Billings, Gloria (1998): ‘Just What is Critical Race Theory and What’s it Doing in a Nice Field Like Education?’ International Journal of Qualitative Studies in Education, Vol.11, No.1, pp.7-24.

Lamontagne, Jacques (1999): ‘National Minority Education in China: A Nationwide Survey Across Counties’, in Postiglione, Gerard A. (ed.), China’s National Minority Education: Culture, Schooling, and Development. New York: Falmer.

Leonardo, Zeus (2004): ‘The Souls of White Folk: Critical Pedagogy, Whiteness Studies, and Globalization Discourse’, in Gillborn, David & Ladson-Billings, Gloria (eds.), The RoutledgeFalmer Reader in Multicultural Education. London: RoutledgeFalmer, pp.117-136.

Leistyna, Pepi (2001): ‘Racenicity: Understanding Racialized Ethnic Identities’, in Steinberg, Shirley R. (ed.), Multi/Intercultural Conversations: A Reader. New York: Peter Lang, pp.423-462.

Malott, Curry S. (2009): ‘An Introduction to Social Class and the Division of Labor’, in Steinberg, Shirley R. (ed.), Diversity and Multiculturalism: A Reader. New York: Peter Lang, pp.279-296.

McCarthy, Cameron (2003). ‘After the Canon: Knowledge and Ideological Representation in the Multicultural Discourse on Curriculum Reform’, in McCarthy, Cameron & Crichlow, Walter (eds.), Race, Identity, and Representation in Education. New York: Routledge.

McInerney, Dennis M. (2010): The Role of Sociocultural Factors in Shaping Student Engagement in Hong Kong: An Ethnic Minority Perspective. Hong Kong: Hong Kong Institute of Education.

McIntosh, Peggy (1990). ‘White Privilege: Unpacking the Invisible Knapsack’. Independent School, Winter, pp.31-36.

Meek, Christopher B. & Meek, Joshua Y. (2008): ‘The History and Devolution of Education in South Africa’, in Holsinger, Donald B. & Jacob, W. James (eds.), Inequality in Education: Comparative and International Perspectives. CERC Studies in Comparative Education 24, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.506-537.

Menefee, Trey & Bray, Mark (2012): Education in the Commonwealth: Towards and Beyond the Internationally Agreed Goals. London: The Commonwealth Secretariat.

Muravyeva, Marianna (2010): ‘Russian Women in European Universities, 1864-1900’, in Spence, Jean; Aiston, Sarah J. & Meikle, Maureen M. (eds.), Women, Education, and Agency, 1600-2000. London: Routledge, pp.83-104.

Oakes, Jeannie (1985): Keeping Track: How Schools Structure Inequality. New Haven: Yale University Press.

OECD (2007): Education at a Glance 2007. Paris: Organisation for Economic Cooperation and Development (OECD).

OECD (2009): Equally Prepared for Life? How 15-Year-Old Boys and Girls Perform in School. Paris: Organisation for Economic Cooperation and Development (OECD).

Omi, Michael & Winant, Howard (1993): ‘On the Theoretical Status of the Concept of Race’, in McCarthy, Cameron & Crichlow, Walter (eds.), Race, Identity, and Representation in Education. New York: Routledge, pp.3-10.

Parekh, Bhikhu (2000): Rethinking Multiculturalism: Cultural Diversity and Political Theory. Cambridge: Harvard University Press.

Peng, Chih-ling & Huang, Shin-rou (2012): ‘A Study of Gender Ideology in Taiwan Elementary School Textbooks: Perspectives from Textbook Editors and Reviewers’. Philosophy of Education Society of Australasia, Taiwan.

Ravitch, Diane (1990): ‘Multiculturalism: E Pluribus Plures’. The American Scholar, Vol.59, No.3, pp.337-354.

Roithmayr, Daria (1998): ‘Deconstructing the Distinction between Bias and Merit’. La Raza Law Journal, Vol.10, pp.363-421.

Savage, Mike; Devine, Fiona; Cunningham, Niall; Taylor, Mark; Li, Yaojun; Hjellbrekke, Johs; Le Roux, Brigitte; Friedman, Sam & Miles, Andrew (2013): ‘A New Model of Social Class: Findings from the BBC’s Great British Class Survey Experiment’. Sociology, Vol.47, No. 2, pp.219-250.

Shih, Chih-yu (2002): Negotiating Ethnicity in China: Citizenship as a Response to the State. New York: Routledge.

Sewell, Tony (2004): ‘Loose Canons: Exploding the Myth of the “Black Macho” Lad’, in Gillborn, David & Ladson-Billings, Gloria (eds.), The RoutledgeFalmer Reader in Multicultural Education. London: RoutledgeFalmer, pp.103-116.

Smith, Adam (1776/2009): The Wealth of Nations. Blacksburg, VA: Thrifty Books.

Stone, Lynda (2000): ‘Embodied Identity: Citizenship Education American Girls’, in Arnot, Madeleine & Dillabough, Jo-Anne (eds.), Challenging Democracy: International Perspectives on Gender, Education and Citizenship. London: RoutledgeFalmer, pp.73-86.

Takezawa, Yasuko (2011): ‘Toward a New Approach to Race and Racial Representations: Perspectives from Asia’, in Takezawa, Yasuko (ed.), Racial Representations in Asia. Kyoto: Kyoto University Press, pp.7-19.

Thomas, Vinod & Wang, Yan (2008): ‘Distribution of Opportunities Key to Development’, in Holsinger, Donald B. & Jacob, W. James (eds.), Inequality in Education: Comparative and International Perspectives. CERC Studies in Comparative Education 24, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.34-58.

Thorne, Barrie (1993): Gender Play: Girls and Boys in School. Rutgers University Press.

Unterhalter, Elaine & Oommen, Mora (2008): ‘Measuring Education Inequalities in Commonwealth Countries in Africa’, in Holsinger, Donald B. & Jacob, W. James (eds.), Inequality in Education: Comparative and International Perspectives. CERC Studies in Comparative Education 24, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.506-537.

UNESCO (2010): Reaching the Marginalized: Education for All Global Monitoring Report 2010. Paris: UNESCO.

UNESCO (2012a): Youth and Skills – Putting Education to Work: Education for All Global Monitoring Report 2012. Paris: UNESCO.

UNESCO (2012b): World Atlas of Gender Equality in Education. Paris: UNESCO.

UNESCO (2013): World Inequality Database on Education. Paris: UNESCO. http://www.education-inequalities.org

United States National Opportunity to Learn Campaign (2013). The Color of School Closures. www.otlcampaign.org/blog/2013/04/05/color-school-closures.

Villegas, Ana Maria (1988): ‘School Failure and Cultural Mismatch: Another View’. Urban Review, Vol.20, No.4, pp.253-265.

Chapter 8 (الفصل الثامن)

Alexander, Robin (2000): Culture and Pedagogy: International Comparisons in Primary Education. Oxford: Blackwell.

Anderson, Benedict (1983): Imagined Communities: Reflections on the Origins and Spread of Nationalism. London: Verso.

Bauman, Zygmunt (1990): ‘Modernity and Ambivalence’, in Featherstone, Mike (ed.), Global Culture: Nationalism, Globalization and Modernity. London: SAGE, pp.143-169.

Bauman, Zygmunt (2011): Culture in a Liquid Modern World. Cambridge: Polity Press.

Berger, John (1972): Ways of Seeing. London and Harmondsworth: British Broadcasting Corporation and Penguin Books.

Bernstein, Richard J. (1976): The Restructuring of Social and Political Theory. Philadelphia: University of Pennsylvania Press.

Bocock, Robert (1992): ‘The Cultural Formations of Modern Society’, in Hall, Stuart & Gieben, Bram (eds.) Formations of Modernity. Cambridge: Polity Press, pp.229-274.

Chan, Carol K.K. & Rao, Nirmala (2009a): ‘The Paradoxes Revisited: The Chinese Learner in Changing Educational Contexts’, in Chan, Carol K.K. & Rao, Nirmala (eds.), Revisiting the Chinese Learner: Changing Contexts, Changing Education. CERC Studies in Comparative Education 25, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.315-349.

Chan, Carol K.K. & Rao, Nirmala (eds.) (2009b): Revisiting the Chinese Learner: Changing Contexts, Changing Education. CERC Studies in Comparative Education 25, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer.

Delanty, Gerard (2000): Citizenship in a Global Age: Society, Culture, Politics. Buckingham: Open University Press.

Gellner, Ernest (1983): Nations and Nationalism. Oxford: Blackwell.

Habermas, Jürgen (1971): Knowledge and Human Interests. Translated by Jeremy J. Shapiro. Boston: Beacon Press.

Hall, Stuart (1994): ‘The Question of Cultural Identity’, in Hall, Stuart; Held, David & McGrew, Tony (eds.) Modernity and its Futures. Cambridge: Polity Press, pp.273-325.

Hammersley, Martyn (2006): ‘Ethnography: Problems and Prospects’. Ethnography and Education, Vol.1, No.1, pp.3-14.

Herder, Johann (1784-91): Ideas on the Philosophy of the History of Mankind. Translated by T. Churchill. London: Luke Hansard.

Ho, David Y.F. (1986): ‘Chinese Patterns of Socialization: A Critical Review’, in Bond, Michael Harris (ed.), The Psychology of the Chinese People. Hong Kong: Oxford University Press, pp.1-37.

Hobbes, Thomas (1651/1982) Leviathan. Harmondsworth: Penguin.

Hobsbawm, Eric & Ranger, Terence (eds.) (1983): The Invention of Tradition. Cambridge: Cambridge University Press.

Hofstede, Geert (2001): Cultures Consequences: Comparing Values, Behaviours, Institutions, and Organizations across Nations. 2nd edition. Thousand Oaks: SAGE.

Jacob, Nina (2005): ‘Cross-cultural Investigations: Emerging Concepts’. Journal of Organizational Change Management, Vol.18, No.5, pp.514-528.

Kallaway, Peter (1984): Apartheid and Education: The Education of Black South Africans. Johannesburg: Ravan Press.

Keesing, Felix M. (1960): Cultural Anthropology: The Science of Custom. New York: Rinehart.

Klemm, Gustav F. (1843-52): General Cultural History of Mankind. Leipzig.

Kluckhohn, Florence (1961): ‘Dominant and Variant Value Orientations’, in Kluckhohn, Florence & Strodtbeck, Fred L. (eds.), Variations in Value Orientations. Westport: Greenwood.

Lee, Wing On (1996): ‘The Cultural Context for Chinese Learners: Conceptions of Learning in the Confucian Tradition’, in Watkins, David A. & Biggs, John B. (eds.), The Chinese Learner: Cultural, Psychological and Contextual Influences. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, pp.25-41.

LeVine, Robert A. (1966): ‘Outsiders’ Judgments: An Ethnographic Approach to Group Differences in Personality’. Southwestern Journal of Anthropology, Vol.22, No.2, pp.101-116.

Linnakylä, Pirjo (2002): ‘Reading in Finland’, in Papanastasiou, Constantinos & Froese, Victor (eds.) Reading Literacy in 14 Countries. Lefkosia: University of Cyprus Press, pp.83-108.

Marcus, George E. & Fischer, Michael M.J. (1986): Anthropology as Cultural Critique: An Experimental Moment in the Human Sciences. Chicago: University of Chicago Press.

Masemann, Vandra Lea (2013): ‘Culture and Education’, in Arnove, Robert F.; Torres, Carlos Alberto & Franz, Stephen (eds.), Comparative Education: The Dialectic of the Global and the Local. 4th edition. Lanham: Rowman & Littlefield, pp.113-131.

Morris, Jan (2005): ‘By Jingo, He’s Got it: A Review of Porter, Bernard, The Absent-Minded Imperialists: Empire, Society and Culture in Britain’. The Guardian Weekly, January 14-20, p.24.

Rao, Nirmala & Chan, Carol K.K. (2009): ‘Moving Beyond Paradoxes: Understanding Chinese Learners and their Teachers’, in Chan, Carol K.K. & Rao, Nirmala (eds.) (2009): Revisiting the Chinese Learner: Changing Contexts, Changing Education. CERC Studies in Comparative Education 25, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.3-32.

Schwarz, Bill (1986): ‘Conservatism, Nationalism and Imperialism’, in Donald, James & Hall, Stuart (eds.), Politics and Ideology: A Reader. Milton Keynes: Open University Press, pp.154-186.

Sikes, Pat; Nixon, Jon & Carr, Wilfred (2003): The Moral Foundations of Educational Research: Knowledge, Inquiry and Values. Buckingham: Open University Press.

Stromquist, Nelly P. (2005): ‘Comparative and International Education: A Journey toward Equality and Equity’. Harvard Educational Review, Vol.75, No.1, pp.89-111.

Tobin, Joseph; Wu, David Y.H. & Davidson, Dana H. (1989): Preschool in Three Cultures: Japan, China, and the United States. New Haven: Yale University Press.

Tobin, Joseph (1999): ‘Method and Meaning in Comparative Classroom Ethnography’, in Alexander, Robin; Broadfoot, Patricia & Phillips, David (eds.), Learning from Comparing: New Directions in Comparative Education Research. Vol. 1, Oxford: Symposium Books, pp.113-134.

Tobin, Joseph; Hsueh, Yeh & Karasawa, Mayumi (2009): Preschool in Three Cultures Revisited: China, Japan, and the United States. Chicago: The University of Chicago Press.

Tylor, Edward (1870): Primitive Culture: Researches into the Development of Mythology, Philosophy, Religion, Language, Art and Custom. London: J. Murray.

Välijärvi, Jouni (2002): The Finnish Success in PISA – and Some Reasons behind it. Jyväskylä: Institute for Educational Research.

Wagner, Roy (1981): The Invention of Culture. Chicago: The University of Chicago Press.

Wallerstein, Immanuel (1974): The Modern World System: Capitalist Agriculture and the Origins of the European World Economy in the Sixteenth Century. New York: Academic Press.

Waters, Malcolm (1995): Globalization. Cambridge: Polity Press.

Watkins, David A. & Biggs, John B. (eds.) (1996): The Chinese Learner: Cultural, Psychological and Contextual Influences. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Watkins, David A. & Biggs, John B. (eds.) (2001): Teaching the Chinese Learner: Psychological and Pedagogical Perspectives. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Williams, Raymond (1981): Culture and Society, 1780-1950. London: Fontana.

Williams, Raymond (1982): The Sociology of Culture. New York: Schocken.

Williams, Raymond (1985): Keywords: A Vocabulary of Culture and Society. New York: Oxford University Press.

Yang, Kuo-Shu (1986): ‘Chinese Personality and its Change’, in Bond, Michael Harris (ed.), The Psychology of the Chinese People. Hong Kong: Oxford University Press, pp.106-170.

Chapter 9 (الفصل التاسع)

Ainley, John; Schulz, William & Friedman, Tim (eds.) (2013): ICCS 2009 Encyclopedia: Approaches to Civic and Citizenship Education around the World. Amsterdam: International Association for the Evaluation of Educational Achievement (IEA).

Beck, John (1998): Morality and Citizenship in Education. London: Cassell.

Berg-Schlosser, Dirk (2001): ‘Comparative Studies: Method and Design’, in Smelser, Neil J. & Baltes, Paul B. (eds.), International Encyclopedia of the Social and Behavioural Sciences. Amsterdam: Elsevier, pp.2427-2433.

Bromley, Patricia (2009): ‘Cosmopolitanism in Civic Education: Exploring Cross-National Trends, 1970-2008’. Current Issues in Comparative Education, Vol.12, No.1, pp.33-44.

Buk‐Berge, Elisabeth (2006): ‘Missed Opportunities: The IEA’s Study of Civic Education and Civic Education in Post‐Communist Countries’. Comparative Education, Vol.42, No.4, pp.533-548.

Cheng, Kai Ming (1997): ‘Engineering Values: Education Policies and Values Transmission’, in Montgomery, John D. (ed.), Values in Education: Social Capital Formation in Asia and the Pacific. Hollis, New Hampshire: Hollis Publishing Company, pp.173-184.

Cogan, John J. (2000): ‘Citizenship Education for the 21st Century: Setting the Context’, in Cogan, John J. & Derricott, Ray (eds.), Citizenship for the 21st Century: An International Perspective on Education. London: Kogan Page, pp.1-22.

Cogan, John J.; Morris, Paul & Print, Murray (2002): ‘Civic Education in the Asia-Pacific Region: An Introduction’, in Cogan, John J.; Morris, Paul & Print, Murray (eds.), Civic Education in the Asia-Pacific Region: Case Studies across Six Societies. New York: RoutledgeFalmer, pp.1-22.

Coppedge, Michael (1997): ‘How the Large N Could Complement the Small N in Democratisation Research’. Paper presented at the annual meeting of the American Political Science Association, Washington, DC, August.

Cummings, William K. (1998): ‘What should be the Future Focus of Values Education in the Pacific Rim: View of Educational Elites from Eleven Countries’. Unpublished working paper for the project “Building Bridges of Understanding and Belief in the Pacific Rim”, funded by the Pacific Basin Research Centre, Soka University of America.

Cummings, William K. (2001): ‘The Future of Values Education in the Pacific Basin’, in Cummings, William K.; Hawkins, John & Tatto, Maria T. (eds.), Values Education for Dynamic Societies: Individualism or Collectivism. CERC Studies in Comparative Education 11, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, pp.285-298.

Cummings, William K.; Gopinathan, Saravanan & Tomoda, Yasumasa (eds.) (1988): The Revival of Values Education in Asia and the West. Oxford: Pergamon Press.

Cummings, William K.; Hawkins, John & Steiner-Khamsi, Gita (1996): ‘Building Bridges of Understanding and Belief in the Pacific Rim’. Proposal submitted to the Pacific Basin Research Centre, Soka University of America.

Cummings, William K.; Hawkins, John & Tatto, Maria T. (eds.) (2001a): Values Education for Dynamic Societies: Individualism or Collectivism. CERC Studies in Comparative Education 11, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Cummings, William K.; Hawkins, John & Tatto, Maria T. (2001b): ‘The Revival of Values Education in the Pacific Basin’, in Cummings, William K.; Hawkins, John & Tatto, Maria T. (eds.), Values Education for Dynamic Societies: Individualism or Collectivism. CERC Studies in Comparative Education 11, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, pp.1-17.

Gardner, Roy; Cairns, Jo & Lawton, Denis (eds.) (2000): Education for Values: Morals, Ethics and Citizenship in Contemporary Teaching. London: Kogan Page.

Grossman, David; Lee, Wing On & Kennedy, Kerry (eds.) (2008): Citizenship Curriculum in Asia and Pacific. CERC Studies in Comparative Education 22, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong & Dordrecht: Springer.

Hahn, Carole (1998): Becoming Political: Comparative Perspectives on Citizenship Education. New York: State University of New York Press.

Hahn, Carole (2010): ‘Comparative Civic Education Research: What We Know and What We Need to Know’. Citizenship Teaching and Learning, Vol.6, No.1, pp.5-23.

Heffron, John M. (1997): ‘Defining Values’, in Montgomery, John D. (ed.), Values in Education: Social Capital Formation in Asia and the Pacific. Hollis, New Hampshire: Hollis Publishing Company, pp.3-27.

Karsten, Sjoerd; Kubow, Patricia; Matrai, Zsuzsa & Pitiyanuwat, Somwung (2000): ‘Challenges Facing the 21st Century: Views of Policy Makers’, in Cogan, John J. & Derricott, Ray (eds.), Citizenship for the 21st Century: An International Perspective on Education. London: Kogan Page, pp.109-130.

Kennedy, Kerry; Lee, Wing On & Grossman, David (eds.) (2010): Citizenship Pedagogies in Asia and Pacific. CERC Studies in Comparative Education 28, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong & Dordrecht: Springer.

Kennedy, Kerry; Hahn, Carole & Lee, Wing On (2008): ‘Constructing Citizenship: Comparing the Views of Students in Australia, Hong Kong, and the United States’. Comparative Education Review, Vol.52, No.1, pp.53-91.

Kurth-Schai, Ruthanne; Poolpatarachewin, Chumpol & Pitiyanuwat, Somwung (2000): ‘Using the Delphi Cross-culturally: Towards the Development of Policy’, in Cogan, John J. & Derricott, Ray (eds.), Citizenship for the 21st Century: An International Perspective on Education. London: Kogan Page, pp.93-108.

Lee, Wing On (1997): ‘Measuring Impact of Social Value and Change’, in Montgomery, John D. (ed.), Values in Education: Social Capital Formation in Asia and the Pacific. Hollis, New Hampshire: Hollis Publishing Company, pp.113-134.

Lee, Wing On & Fouts, Jeffrey T. (eds.) (2005): Education and Social Citizenship: Perceptions of Teachers in USA, Australia, England, Russia and China. Hong Kong: Hong Kong University Press.

Lee, Wing On; Grossman, David; Kennedy, Kerry & Fairbrother, Gregory (eds.) (2004): Citizenship Education in Asia and the Pacific: Concepts and Issues. CERC Studies in Comparative Education 14, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Levi-Faur, David (2006): ‘A Question of Size? A Heuristics Stepwise Comparative Research Design’, in Rihoux, Benoît & Grimm, Heike (eds.), Innovative Comparative Methods for Policy Analysis: Beyond the Quantitative-Qualitative Divide. Dordrecht: Springer, pp.43-66.

Meyer, John; Bromley, Patricia & Ramirez, Francisco (2010): ‘Human Rights in Social Science Textbooks: Cross-National Analyses, 1970-2008’. Sociology of Education, Vol.83, No.2, pp.111-134.

Moon, Rennie J. & Koo, Jeong-Woo (2011): ‘Global Citizenship and Human Rights: A Longitudinal Analysis of Social Studies and Ethics Textbooks in the Republic of Korea’. Comparative Education Review, Vol.55, No.4, pp.574-599.

Morris, Paul; Cogan, John & Liu, M.H. (2002): ‘A Comparative Overview: Civic Education Across the Six Societies’, in Cogan, John; Morris, Paul & Print, Murray (eds.), Civic Education in the Asia-Pacific Region: Case Studies Across Six Societies. New York: RoutledgeFalmer, pp. 167-189.

Nucci, Larry P. (ed.) (1989): Moral Development and Character Education: A Dialogue. Berkeley: McCutchan Publishing Corporation.

Presno, Vincent & Presno, Carol (1980): The Value Realms: Activities for Helping Students Develop Values. New York: Teachers College, Columbia University.

Schulz, Wolfram; Ainley, John & Fraillon, Julian (eds.) (2011): ICCS 2009 Technical Report. Amsterdam: International Association for the Evaluation of Educational Achievement (IEA).

Steiner-Khamsi, Gita; Torney-Purta, Judith & Schwille, John (eds.) (2002a): New Paradigms and Recurring Paradoxes in Education for Citizenship: An International Comparison. Oxford: JAI [Elsevier Science], pp.1-36.

Steiner-Khamsi, Gita; Torney-Purta, Judith & Schwille, John (2002b): ‘Introduction: Issues and Insights in Cross-National Analysis of Qualitative Studies’, in Steiner-Khamsi, Gita; Torney-Purta, Judith & Schwille, John (eds.), New Paradigms and Recurring Paradoxes in Education for Citizenship: An International Comparison. Oxford: JAI [Elsevier Science], pp.1-36.

Thomas, R. Murray (1990): ‘The Nature of Comparative Education’, in Thomas, R. Murray (ed.), International Comparative Education: Practices, Issues and Prospects. Oxford: Pergamon Press, pp.1-21.

Torney-Purta, Judith & Amadeo, Jo-Ann (2013): ‘The Contributions of International Large-Scale Studies in Civic Education and Engagement’, in von Davier, Matthias; Gonzalez, Eugenio; Kirsch, Irwin & Yamamoto, Kentaro (eds.), The Role of International Large-Scale Assessments: Perspectives from Technology, Economy and Educational Research. Dordrecht: Springer.

Torney-Purta, Judith; Lehmann, Rainer; Oswald, Hans & Schulz, Wolfram (eds.) (2001): Citizenship and Education in Twenty-Eight Countries: Civic Knowledge and Engagement at Age Fourteen. Amsterdam: International Association for the Evaluation of Educational Achievement.

Young, Cho & Tae, Kim (2013): ‘Asian Civic Values: A Cross-Cultural Comparison of Three East Asian Societies’. The Asia-Pacific Education Researcher, Vol.22, No.1, pp.21-31.

Chapter 10 (الفصل العاشر)

Altbach, Philip G. (1998): Comparative Higher Education: Knowledge, the University, and Development. CERC Studies in Comparative Education 3, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Altbach, Philip G. (2001): ‘The American Academic Model in Comparative Perspective’, in Altbach, Philip G.; Gumport, Patricia J. & Johnstone, Bruce D. (eds.), In Defence of American Higher Education. Baltimore: Johns Hopkins University Press, pp.11-37.

Anderson, James E. (1984): Public Policy-Making. 3rd edition, New York: Holt, Rinehart & Winston.

Arnove, Robert F. (2013): ‘Introduction: Reframing Comparative Education: The Dialectic of the Global and the Local’, in Arnove, Robert F.; Torres, Carlos Alberto & Franz, Stephen (eds.), Comparative Education: The Dialectic of the Global and the Local. 4th edition, Lanham: Rowman & Littlefield, pp.1-25.

Ball, Stephen J. (1990): Politics and Policy-making in Education: Explorations in Policy Sociology. London: Routledge.

Ball, Stephen J. (1994): Education Reform: A Critical and Post-Structural Approach. Buckingham: Open University Press.

Bowe, Richard; Ball, Stephen J. & Gold, Anne (1992): Reforming Education and Changing Schools: Case Studies in Policy Sociology. London: Routledge.

Bray, Mark (ed.) (2003): Comparative Education: Continuing Traditions, New Challenges, and New Paradigms. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers.

Bray, Mark & Gui, Qin (2007): ‘Comparative Education in Greater China: Contexts, Characteristics, Contrasts, and Contributions’, in Crossley, Michael; Broadfoot, Patricia & Schweisfurth, Michele (eds.), Changing Educational Contexts, Issues and Identities: 40 Years of Comparative Education. London: Routledge, pp.319-349.

Bray, Mark & Thomas, R. Murray (1995): ‘Levels of Comparison in Educational Studies: Different Insights from Different Literatures and the Value of Multilevel Analyses’. Harvard Education Review, Vol.65, No.3, pp.472-490.

Crossley, Michael & Watson, Keith (2003): Comparative and International Research in Education: Globalisation, Context and Difference. London: RoutledgeFalmer.

Crystal, David (1997): English as a Global Language. Cambridge: Cambridge University Press.

Cunningham, Sir Charles (1963): ‘Policy and Practice’. Public Administration, Vol.41, No.2, pp.229-237.

Dahrendorf, Ralf (1959): Class and Class Conflict in Industrial Society. Stanford: Stanford University Press.

DeNardis, Laura (2009): Protocol Politics: The Globalization of Internet Governance. Cambridge: The MIT Press.

Dewey, John (1910): The Influence of Darwin on Philosophy and Other Essays. New York: Henry Holt & Company.

Ding, Huang & Ding, Mingjie (2004): ‘A Case Analysis of the Distorted Policy-Implementation Game and its Effects’. Wuhan University Journal (Philosophy and Social Sciences), Vol.57, No.6, pp.804-809. [باللغة الصينية]

Ding, Xiaojiong (2011): Policy Metamorphosis in China: A Case Study of Minban Education in Shanghai. Lanham: Lexington Books.

Dye, Thomas R. (1992): Understanding Public Policy. Englewood Cliffs: Prentice-Hall.

Etzioni, Amita (1967): ‘Mixed-Scanning: A “Third” Approach to Decision-Making’. Public Administration Review, Vol.27, No.4, pp.385-392.

Fowler, Frances C. (2013): Policy Studies for Educational Leaders: An Introduction. 4th edition, Boston: Pearson.

Gale, Trevor (2003): ‘Realising Policy: The Who and How of Policy Production’. Discourse: Studies in the Cultural Politics of Education, Vol.24, No.1, pp.51-66.

Gale, Trevor (2005): ‘Towards a Theory and Practice of Policy Engagement: Higher Education Research Policy in the Making’. President’s Address, Australian Association for Research in Education Conference, University of Western Sydney, 27 November-1 December.

Gale, Trevor & Densmore, Kathleen. (2003): Engaging Teachers: Towards a Radical Democratic Agenda for Schooling. Buckingham: Open University Press.

Hallak, Jacques (1991): Educational Policies in a Comparative Perspective: Suggestions for a Research Agenda. Paris: UNESCO International Institute for Educational Planning (IIEP).

Hogwood, Brian & Gunn, Lewis (1984): Policy Analysis for the Real World. Oxford: Oxford University Press.

Jary, David & Jary, Julia (2000): Collins Dictionary of Sociology, 3rd edition, Glasgow: Harper Collins.

Kayman, Martin A. (2004): ‘The State of English as a Global Language: Communicating Culture’. Textual Practice, Vol.18, No.1, 1-22.

Kenway, Jane (1990): Gender and Education Policy: A Call for New Directions. Geelong: Deakin University Press.

Li, Mei & Yang, Rui (2013): ‘Interrogating Institutionalised Establishments: Urban-Rural Inequalities in China’s Higher Education’. Asia Pacific Education Review, Vol.14, No.1, pp.315-323.

Lindblom, Charles (1959): ‘The Science of Mudding Through’. Public Administration Review, Vol.19, No.1, pp.79-85.

Lingard, Bob & Rawolle, Shaun (2011): ‘New Scalar Politics: Implications for Education Policy’. Comparative Education, Vol.47, No.4, pp.489-502.

Liu, Niancai; Wang, Qi & Cheng, Ying (eds.) (2011): Paths to a World-Class University. Rotterdam: Sense.

Ma, Huifang & Cheng, Dongya (2011): ‘Curriculum Reforms in Basic Education: Evaluations and Reflections’, Education and Training Research, Vol.25, No.11, pp.12-15, 30. [باللغة الصينية]

Manzon, Maria (2011): Comparative Education: The Construction of a Field. CERC Studies in Comparative Education 29, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer.

Ministry of Education (2001): The Curriculum Reform Guidelines for the Nine-Year Compulsory Education (Trial Version). Beijing: Beijing Normal University Press. [باللغة الصينية]

Mitchell, Douglas E., Crowson, Robert L. & Shipps, Dorothy (eds.), (2011): Sharping Education Policy: Power and Process. New York: Routledge.

Offe, Claus (1985): Disorganised Capitalism: Contemporary Transformations of Work and Politics. Cambridge: Polity Press.

Oke, Nicole (2009): ‘Globalizing Time and Space: Temporal and Spatial Considerations in Discourses of Globalization’. International Political Sociology, Vol.3, No.3, pp.310-326.

Phillips, David & Ochs, Kimberly (2007): ‘Processes of Policy Borrowing in Education: Some Explanatory and Analytical Devices’, in Crossley, Michael; Broadfoot, Patricia & Schweisfurth, Michele (eds.), Changing Educational Contexts, Issues and Identities: 40 Years of Comparative Education. London: Routledge, pp.370-382.

Prunty, John J. (1985): ‘Signposts for a Critical Educational Policy Analysis’. Australian Journal of Education, Vol.29, No.2, pp.133-140.

Raab, Charles D. (1994): ‘Where we are Now: Reflections on the Sociology of Education Policy’, in Halpin, David & Troyna, Barry (eds.), Researching Education Policy: Ethical and Methodological Issues. London: Falmer Press, pp.17-30.

Rizvi, Fazal & Kemmis, Stephen (1987): Dilemmas of Reform: The Participation and Equity Program in Victorian Schools, Geelong: Deakin Institute for Studies in Education.

Rizvi, Fazal & Lingard, Bob (2010): Globalising Education Policy. London: Routledge.

Robertson, Roland (1992): Globalisation: Social Theory and Global Culture. London: Sage.

Sadler, Sir Michael (1900): ‘How Far can we Learn Anything of Practical Value from the Study of Foreign Systems of Education?’. Reprinted 1964 in Comparative Education Review, Vol.7, No.3, pp.307-314.

Schön, Donald (1979): ‘Generative Metaphor: A Perspective on Problem-Setting in Social Policy’, in Ortony, Andrew (ed.), Metaphor and Thought. Cambridge: Cambridge University Press, pp.254-283.

Simon, Herbert (1945): Administrative Behaviour: A Study of Decision-making Processes in Administrative Organisation. 3rd edition, New York: The Free Press.

Simon, Herbert (1960): The New Science of Management Decision. Englewood Cliffs: Prentice Hall.

Smith, Gilbert & May, David (1980): ‘The Artificial Debate between Rationalist and Incremental Models of Decision-Making’. Policy and Politics, Vol.8, No.2, pp.147-161.

Steiner-Khamsi, Gita & Waldow, Florian (eds.) (2012): World Yearbook of Education 2012: Policy Borrowing and Lending in Education. London: Routledge.

Stromquist, Nelly P. (2002): Education in a Globalised World: The Connectivity of Economic Power, Technology, and Knowledge. Lanham: Rowman & Littlefield.

Taylor, Sandra; Rizvi, Fazal; Lingard, Bob & Henry, Miriam (1997): Educational Policy and the Politics of Change. London: Routledge.

Teichler, Ulrich E. (2009): ‘Internationalisation of Higher Education: European Experiences’. Asia Pacific Education Review, Vol.10, No.1, 93-106.

Thompson, John B. (1984): Studies in the Theory of Ideology. Cambridge: Polity Press.

Welch, Anthony R. (2003): ‘The Discourse of Discourse Analysis: A Response to Ninnes and Burnett’. Comparative Education, Vol.39, No.3, pp.303-306.

Well, Traci (2005): ‘Educational Policy Networks and their Role in Policy Discourse, Action, and Implementation’. Comparative Education Review, Vol.49, No.1, pp.109-117.

Wildavsky, Aaron (1979): Speaking Truth to Power: The Art and Craft of Policy Analysis. Boston: Little Brown.

Wiseman, Alexander W. (2010): ‘The Uses of Evidence for Educational Policymaking: Global Contexts and International Trends’. Review of Research in Education, Vol.34, No.1, pp.1-24.

Yang, Rui (2006): ‘Education Policy Research in the People’s Republic of China’, in Ozga, Jenny; Popkewitz, Thomas & Seddon, Terri (eds.) The World Yearbook of Education 2006: Education Research and Policy. London: Routledge, pp.270-284.

Yang, Rui (2013): ‘Indigenising the Western Concept of University: The Chinese Experience’. Asia Pacific Education Review, Vol.14, No.1, pp.85-92.

Yuan, Zhenguo (1998): Educational Policy. Nanjing: Jiangsu Education Publishing House. [باللغة الصينية]

Zhang, Hongzhi (2012): Equity Issues in Chinese Higher Education Policy: A Case Study of the Enrolment Expansion Policy. PhD Thesis, Faculty of Education, Monash University.

Zhang, Letian (2002): Educational Policy and Regulations: Theories and Practices. Shanghai: East China Normal University. [باللغة الصينية]

Chapter 11 (الفصل الحادي عشر)

Adamson, Bob (2011): ‘Embedding Assessment for Learning’, in Berry, Rita & Adamson, Bob (eds.), Assessment Reform in Education: Policy and Practice. Dordrecht: Springer, pp.197-203.

Adamson, Bob; Feng, Anwei & Yi, Yayuan (2013): A Framework for the Study of Policy Design and Implementation of Models of Trilingual Education. Technical Paper, Models of Trilingual Education in Ethnic Minority Regions of China Project. Hong Kong: Hong Kong Institute of Education.

Alexander, Robin (2000): Culture and Pedagogy: International Comparisons in Primary Education. Oxford: Blackwell.

Andere, Eduardo (2008): The Lending Power of PISA: League Tables and Best Practice in International Education. CERC Monograph Series in Comparative and International Education and Development 6, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Andrade, Antonio Diaz (2009): ‘Interpretive Research Aiming at Theory Building: Adopting and Adapting the Case Study Design’. The Qualitative Report, Vol.14, No.1, pp.42-60.

Apple, Michael & Christian-Smith, Linda K. (1991): ‘The Politics of the Textbook’, in Apple, Michael & Christian-Smith, Linda K. (eds.), The Politics of the Textbook. London: Routledge, pp.1-21.

Australian Curriculum Studies Association (ACSA) (2005): ACSA Policy Statement. http://www.acsa.edu.au/.

Bailey, Carol, A. (2010): ‘Public Ethnography’, in Hesse-Biber, Sharlene N. and Leavy, Patricia (eds.), Handbook of Emergent Methods. New York: The Guildford Press, pp.265-281.

Benavot, Aaron & Braslavsky, Cecilia (eds.) (2006): School Knowledge in Comparative and Historical Perspective: Changing Curricula in Primary and Secondary Education. CERC Studies in Comparative Education 18, Hong Kong and Dordrecht: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong and Springer.

Bray, Mark (2004): ‘Methodology and Focus in Comparative Education’, in Bray, Mark & Koo, Ramsey (eds.), Education and Society in Hong Kong and Macao: Comparative Perspectives on Continuity and Change. 2nd edition. CERC Studies in Comparative Education 7, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, pp.237-250.

Cogan, John J.; Morris, Paul & Print, Murray (2002): Civic Education in the Asia-Pacific Region. New York: RoutledgeFalmer.

Elmore, Richard & Sykes, Gary (1992): ‘Curriculum Policy’, in Jackson, Philip W. (ed.), Handbook of Research on Curriculum. New York: Macmillan, pp.185-215.

Foley, Douglas & Valenzuela, Angela (2005): ‘Critical Ethnography: The Politics of Collaboration’, in Denzin, Norman K. & Lincoln, Yvonna S. (eds.), The Sage Handbook of Qualitative Research. 3rd edition, Thousand Oaks, CA: Sage, pp.217-234.

Gardner, Howard (1985): Frames of Mind: The Theory of Multiple Intelligences. London: Paladin.

Grossman, David; Lee, Wing On & Kennedy, Kerry J. (2008): Citizenship Curriculum in Asia and the Pacific. CERC Studies in Comparative Education 22, Hong Kong and Dordrecht: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong and Springer.

Guba, Egon G. & Lincoln, Yvonna, S. (1994): ‘Competing Paradigms in Qualitative Research’, in Denzin, Norman K. & Lincoln, Yvonna S. (eds.), Handbook of Qualitative Research. Thousand Oaks, CA: Sage, pp.105-117.

Hantrais, Linda (2008): International Comparative Research: Theory, Methods and Practice. New York: Palgrave Macmillan.

Hickling-Hudson, Anne & Ahlquist, Roberta (2003): ‘Contesting the Curriculum in the Schooling of Indigenous Children in Australia and the United States: From Eurocentrism to Culturally Powerful Pedagogies’. Comparative Education Review, Vol.47, No.1, pp.64-89.

Krathwohl, David R. (2009): Methods of Educational and Social Science Research: The Logic of Methods. Long Grove Illinois: Waveland Press.

Luke, A. (2008): ‘Curriculum in Context’, in Connelly, F. Michael; He, Ming Fang & Phillion, JoAnn (eds.), The Sage Handbook of Curriculum and Instruction. Thousand Oaks, CA: Sage, pp.145-150.

Marsh, Colin & Willis, George (eds.) (1995): Curriculum: Alternative Approaches, Ongoing Issues. Englewood Cliffs: Prentice Hall.

Millei, Zsuzsa (2011): Governing Through the Early Childhood Curriculum, ‘The Child’, and ‘Community’: Ideologies of Socialist Hungary and Neoliberal Australia. European Education, Vol.43, No.1, pp. 33-55.

Morris, Paul (2012): ‘Pick n' mix, Select and Project; Policy Borrowing and the Quest for 'World Class' Schooling: An Analysis of the 2010 Schools White Paper’. Journal of Education Policy, Vol. 27, No.1, pp. 89-107.

Moyles, Janet & Hargreaves, Linda (eds.) (1998): The Primary Curriculum: Learning from International Perspectives. London: Routledge.

Phillips, David & Ochs, Kimberley (2007): ‘Processes of Policy Borrowing in Education: Some Explanatory and Analytical Devices’, in Crossley, Michael; Broadfoot, Patricia & Schweisfurth, Michele (eds.), Changing Educational Contexts, Issues and Identities: 40 Years of Comparative Education. London: Routledge, pp.370-382.

Pinar, William F. & Reynolds, William M. (1992): ‘Introduction: Curriculum as Text’, in Pinar, William F. & Reynolds, William M. (eds.), Understanding Curriculum as Phenomenological and Deconstructed Text. New York: Teachers College Press, pp.1-14.

Posner, George J. (2004): Analyzing the Curriculum. 3rd edition. New York: McGraw-Hill.

Short, Edmund C. (1991): ‘Introduction: Understanding Curriculum Inquiry’, in Short, Edmund C. (ed.) Forms of Curriculum Inquiry. Albany: State University of New York Press, pp.1-25.

Sleeter, Christine E. & Grant, Carl A. (1991): ‘Race, Class, Gender and Disability in Current Textbooks’, in Apple, Michael & Christian-Smith, Linda K. (eds.), The Politics of the Textbook. London: Routledge, pp.78-110.

Spindler, George & Spindler, Louise (1982): ‘Roger Harker and Schönhausen: From Familiar to Strange and Back Again’, in Spindler, George (ed.), Doing the Ethnography of Schooling: Educational Anthropology in Action. New York: Holt, Rinehart & Winston, pp.20-46.

Tong, Siu Yin Annie; Adamson, Bob & Che, Mary Man Wai (2000): ‘Tasks in English and Chinese Language’, in Adamson, Bob; Kwan, Tammy & Chan Ka Ki (eds.), Changing the Curriculum: The Impact of Reform on Primary Schooling in Hong Kong. Hong Kong: Hong Kong University Press, pp.145-173.

Woolman, David C. (2001): ‘Educational reconstruction and postcolonial curriculum development: A comparative study of four African countries’. International Education Journal, Vol.2, No.5, pp.27-46.

Chapter 12 (الفصل الثاني عشر)

Aldenderfer, Mark S. & Blashfield, Roger K. (1984): Cluster Analysis. Beverly Hills: SAGE.

Alexander, Robin J. (2000): Culture and Pedagogy: International Comparisons in Primary Education. Oxford: Blackwell.

Barnett, Homer (1953): Innovation. New York: McGraw-Hill.

Bransford, John D.; Brown, Ann L. & Cocking, Rodney R. (eds.) (2000): How People Learn: Brain, Mind, Experience, and School. Washington DC: National Academy Press.

Bray, Mark & Thomas, R. Murray (1995): ‘Levels of Comparison in Educational Studies: Different Insights from Different Literatures and the Value of Multilevel Analyses’. Harvard Educational Review, Vol.65, No.3, pp.472-490.

Brečko, Barbara N.; Kampylis, Pan & Punie, Yves (2013): Mainstreaming ICT enabled Innovation in Education and Training in Europe: Policy Actions for Sustainability, Scalability and Impact at System Level. Luxembourg: Publications Office of the European Union.

Bryk, Anthony S.; Nagaoka, Jenny K. & Newmann, Fred M. (2000): Chicago Classroom Demands for Authentic Intellectual Work: Trends from 1997–1999. Chicago: Consortium on Chicago School Research.

CERI/OECD (1999): Innovating Schools. Paris: Centre for Educational Research and Innovation (CERI), Organisation for Economic Cooperation and Development (OECD).

CERI/OECD (2010): Inspired by Technology, Driven by Pedagogy: A Systemic Approach to Technology-Based School Innovations, Educational Research and Innovation. Paris: Centre for Educational Research and Innovation (CERI), Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

Coburn, Cynthia E. (2003): ‘Rethinking Scale: Moving Beyond Numbers to Deep and Lasting Change’. Educational Researcher, Vol.32, No.6, pp.3-12.

Cros, Françoise (1999): ‘Innovation in Education: Managing the Future?’, in CERI/OECD (ed.), Innovating Schools. Paris: Centre for Educational Research and Innovation (CERI), Organisation for Economic Cooperation and Development (OECD), pp.59-78.

Denmark, Ministry of Education (1997): Information Technology and Education. www.uvm.dk/eng/publications/9Informationtec/eng_it.htm, accessed 4 October 2005.

Dill, David D. & Friedman, Charles P. (1979): ‘An Analysis of Frameworks for Innovation and Change in Higher Education’. Review of Educational Research, Vol.49, No.3, pp.411-435.

Eisenhardt, Kathleen M. & Graebner, Melissa E. (2007): ‘Theory Building from Cases : Opportunities and Challenges’. Academy of Management Journal, Vol.50, No.1, pp.25-32.

European Round Table of Industrialists (1997): Investing in Knowledge: The Integration of Technology in European Education. Brussels: European Round Table of Industrialists.

Finland, Ministry of Education. (2000): Information Strategy for Education and Research 2000-2004 Implementation Plan. Helsinki: Ministry of Education.

Gallagher, Larry; Shear, Linda; Patel, Deepa & Miller, Gloria (2011): ITL Research Phase I Technical Supplement. Menlo Park: SRI International.

Goodman, Paul S. (1982): Change in Organizations: New Perspectives on Theory, Research, and Practice. San Francisco: Jossey-Bass.

Hall, Gene E.; George, Archie A. & Rutherford, William L. (1979): Measuring Stages of Concern about the Innovation: A Manual for the Use of the SoC Questionnaire. Austin: The University of Texas, Research and Development Center for Teacher Education.

Hall, Gene E. & Loucks, Susan (1978): ‘Teacher Concerns as a Basis for Facilitating and Personalizing Staff Development’. Teachers College Record, Vol.80, No.1, pp.36-53.

Hargreaves, David H. (1999): ‘Schools and the Future: The Key Role of Innovation’, in CERI/OECD (ed.), Innovating Schools. Paris: Centre for Educational Research and Innovation (CERI), Organisation for Economic Cooperation and Development (OECD), pp.45-58.

Hargreaves, David H. (2003): Education Epidemic: Transforming Secondary Schools through Innovation Networks. London: Demos.

Hershock, Peter D.; Mason, Mark & Hawkins, John N. (eds.) (2007): Changing Education: Leadership, Innovation and Development in a Globalizing Asia Pacific. CERC Studies in Comparative Education 20, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer.

Hiebert, James; Gallimore, Ronald; Garnier, Helen; Givvin, Karen Bogard; Hollingsworth, Hilary & Jacobs, Jennifer E. (2003): Teaching Mathematics in Seven Countries: Results from the TIMSS 1999 Video Study. Washington DC: National Center for Education Statistics.

Hong Kong, Education & Manpower Bureau (1998): Information Technology for Learning in a New Era. Hong Kong: Education & Manpower Bureau.

Kampylis, Panagiotis; Law, Nancy & Punie, Yves (eds.) (2013): ICT-enabled Innovation for Learning in Europe and Asia: Exploring Conditions for Sustainability, Scalability and Impact at System Level. Luxembourg: Publications Office of the European Union.

Kezar, Adrianna J. (2001): Understanding and Facilitating Organizational Change in the 21st Century: Recent Research and Conceptualizations. San Francisco: Jossey-Bass.

King, Nigel & Anderson, Neil (1995): Innovation and Change in Organizations. New York: Routledge.

Korea, Republic of; Ministry of Education (2000): Adapting Education to the Information Age: A White Paper. Seoul: Korea Education and Research Information Service.

Kozma, Robert B. (ed.) (2003a): Technology, Innovation, and Educational Change: A Global Perspective. Eugene: International Society for Technology in Education.

Kozma, Robert B. (2003b): ‘Study Procedures and First Look at the Data’, in Kozma, Robert B. (ed.), Technology, Innovation, and Educational Change: A Global Perspective. Eugene: International Society for Technology in Education, pp.19-41.

Kozma, Robert B. (2008): ICT, Education Reform, and Economic Growth: A Conceptual Framework. San Francisco: Intel Corporation.

Kozma, Robert B. & McGhee, Raymond (2003): ‘ICT and Innovative Classroom Practices’ in Kozma, Robert B. (ed.), Technology, Innovation, and Educational Change: A Global Perspective. Eugene: International Society for Technology in Education.

Law, Nancy (2004): ‘Teachers and Teaching Innovations in a Connected World’, in Brown, Andrew & Davis, Niki (eds.), Digital Technology, Communities and Education. London: RoutledgeFalmer, pp.145-163.

Law, Nancy (2008): ‘Technology-Supported Pedagogical Innovations: The Challenge of Sustainability and Transferability in the Information Age’, in Ng, Chi-hung Clarence & Renshaw, Peter D. (eds.) Reforming Learning: Issues, Concepts and Practices in the Asian-Pacific Region. Dordrecht: Springer, pp.319-344.

Law, Nancy; Chow, Angela & Yuen, Allan H.K. (2005): ‘Methodological Approaches to Comparing Pedagogical Innovations using Technology’. Education and Information Technologies, Vol.10, Nos.1-2, pp.7-20.

Law, Nancy; Kankaanranta, Marja & Chow, Angela (2005): ‘Technology-supported Educational Innovations in Finland and Hong Kong: A Tale of Two Systems’. Human Technology, Vol.1, No.2, pp.176-201.

Law, Nancy; Pelgrum, Willem J. & Plomp, Tjeerd (eds.) (2008): Pedagogy and ICT Use in Schools around the World: Findings from the IEA SITES 2006 Study. CERC Studies in Comparative Education 23, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer.

Law, Nancy; Yuen, Allan; Chow, Angela & Lee, Yeung (2003): SITES Module 2 Hong Kong Study Centre Secondary Analysis. Hong Kong: Centre for Information Technology in Education, The University of Hong Kong.

Law, Nancy; Yuen, Hoi Kau; Ki, Wing Wah; Li, Siu Cheung; Lee, Yeung & Chow, Yin (eds.) (2000): Changing Classrooms and Changing Schools: A Study of Good Practices in Using ICT in Hong Kong Schools. Hong Kong: Centre for Information Technology in Education, The University of Hong Kong.

Law, Nancy; Yuen, Allan & Fox, Bob (2011): Educational Innovations Beyond Technology: Nurturing Leadership and Establishing Learning Organizations New York: Springer.

Levy, Amir & Merry, Uri (1986): Organizational Transformation: Approaches, Strategies, Theories. New York: Praeger.

Merriam, Sharan B. (1998): Qualitative Research and Case Study Applications in Education. San Francisco: Jossey-Bass Publishers.

Miles, Matthew B. & Huberman, A. Michael (1994): Qualitative Data Analysis: An Expanded Sourcebook. 2nd edition, Thousand Oaks: SAGE.

Mioduser, David; Nachimias, Rafi; Tubin, Dorit & Forkosh-Baruch, Alona (2003): ‘Analysis Schema for the Study of Domains and Levels of Pedagogical Innovation in Schools using ICT’. Education and Information Technologies, Vol.8, No.1, pp.23-36.

Mitchell, Karen; Shkolnik, Jamie; Song, Mengli; Uekawa, Kazuaki; Murphy, Robert; Garet, Mike & Means, Barbara (2005): Rigor, Relevance, and Results: The Quality of Teacher Assignments and Student Work in New and Conventional High Schools. Washington, DC: American Institutes for Research and SRI International.

OECD (2004): Innovation in the Knowledge Economy: Implications for Education and Learning. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

Pelgrum, Willem J. & Anderson, Ronald E. (eds.) (2001): ICT and the Emerging Paradigm for Life-long Learning: An IEA Assessment of Infrastructure, Goals and Practices in Twenty-six Countries. 2nd edition, Amsterdam: International Association for the Evaluation of Educational Achievement (IEA).

Reigeluth, Charles M. & Garfinkle, Robert J. (eds.) (1994): Systemic Change in Education. Englewood Cliffs: Educational Technology Publications.

Rogers, Everett M. (1995): Diffusion of Innovations. New York: Free Press.

Scardamalia, Marlene & Bereiter, Carl (2010): ‘A Brief History of Knowledge Building. Canadian Journal of Learning and Technology, Vol.36, No.1, pp.1-16.

Shear, Linda; Means, Barbara; Gorges, Torie; Toyama, Yukie; Gallagher, Larry; Estrella, Gucci & Lundh, Patrik (2009): The Microsoft Innovative Schools Program Year 1 Evaluation Report. Seattle: Microsoft.

Shear, Linda; Novais, Gabriel & Moorthy, Savitha (2010): ITL Research: Pilot Year Findings and Lessons Learned. Menlo Park: SRI International.

Shear, Linda; Gallagher, Larry & Patel, Deepa (2011): Innovative Teaching and Learning Research 2011 Findings and Implications. Menlo Park: SRI International.

Singapore, Ministry of Education (1997): Masterplan for IT in Education. Accessed 10 May 2002, http://www1.moe.edu.sg/iteducation/ masterplan/summary.htm.

Singapore, Ministry of Education (2008): Press Release: MOE Launches Third Masterplan for ICT in Education, http://www.moe.gov.sg/media/press/ 2008/08/moe-launches-third-masterplan.php

SPSS Inc. (1999): SPSS Base 10.0 Applications Guide. Chicago: Statistical Package for the Social Sciences.

Stigler, James W.; Gonzales, Patrick; Kawanaka, Takako; Knoll, Steffen & Serrano, Ana (1999): The TIMSS Videotape Classroom Study: Methods and Findings from an Exploratory Research Project on Eighth-grade Mathematics Instruction in Germany, Japan, and the United States. Washington DC: National Center for Education Statistics.

Stigler, James W. & Hiebert, James (1999): The Teaching Gap: Best Ideas from the World's Teachers for Improving Education in the Classroom. New York: Free Press.

Strauss, Anselm L. & Corbin, Juliet (1990): Basics of Qualitative Research: Grounded Theory Procedures and Techniques. Newbury Park: SAGE.

Tubin, Dorit; Mioduser, David; Nachimias, Rafi & Forkosh-Baruch, Alona (2003): ‘Domains and Levels of Pedagogical Innovation in Schools Using ICT: Ten Innovative Schools in Israel’. Education and Information Technologies, Vol.8, No.2, pp.127-145.

US Department of Education, Office of Educational Technology (2010): Transforming American Education: Powered by Technology. Washington, DC: US Department of Education, Office of Educational Technology.

UNESCO (2003): Building the Capacities of Curriculum Specialists for Educational Reform: Final Report of the Regional Seminar Vientiane, Lao PDR, 9-13 September 2002. Bangkok: UNESCO.

Yin, Robert K. (2009): Case Study Research: Design and Methods. Beverly Hills: SAGE.

Chapter 13 (الفصل الثالث عشر)

Beishuizen, J.J.; Hof, E.; van Putten, C.M.; Bouwmeeter, S. & Asscher, J.J. (2001): ‘Students’ and Teachers’ Cognitions about Good Teachers’. British Journal of Educational Psychology, Vol.71, No.2, pp.185-202.

Berry, John W. (1989): ‘Imposed Emics – Derived Etics: The Operationalisation of a Compelling Idea’. International Journal of Psychology, Vol.24, No.6, pp.721-735.

Biggs, John B. (1979): ‘Individual Differences in Study Processes and the Quality of Learning Outcomes’. Higher Education, Vol.8, No.4, pp. 381-394.

Biggs, John B. (1987): Student Approaches to Learning and Studying. Melbourne: Australian Council for Educational Research.

Biggs, John B. (1996): ‘Western Misperceptions of Confucian-heritage Learning Culture’, in Watkins, David A. &. Biggs, John B. (eds.), The Chinese Learner: Cultural, Psychological and Contextual Influences. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, pp.45-67.

Brown, Ann L. (1992): ‘Design Experiments: Theoretical and Methodological Challenges for Creating Complex Interventions in Classroom Settings’. The Journal of the Learning Sciences, Vol.2, No.2, pp.141-178.

Chan, Carol K.K. & Rao, Nirmala (eds.) (2009): Revisiting the Chinese Learner: Changing Contexts, Changing Education. CERC Studies in Comparative Education 25, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer.

Dahlin, Bo & Watkins, David (2000): ‘The Role of Repetition in the Processes of Memorising and Understanding: A Comparison of the Views of German and Chinese Secondary School Students in Hong Kong’. British Journal of Educational Psychology, Vol.70, No.1, pp. 65-84.

Ehindero, O.J. (1990): ‘A Discriminant Function Analysis of Study Strategies, Logical Reasoning Ability and Achievement across Major Teaching Undergraduate Curricula’. Research in Education, Vol.44, No.1, pp.1-11.

Entwistle, Noel J. & Ramsden, Paul (1983): Understanding Student Learning. London: Croom Helm.

Gao, Lingbiao & Watkins, David A. (2001): ‘Identifying and Assessing the Conceptions of Teaching of Secondary School Physics Teachers in China’. British Journal of Educational Psychology, Vol.71, No.3, pp. 443-469.

Ginsberg, E. (1992): ‘Not just a Matter of English’, HERDSA News, Vol.14, No.1, pp.6-8.

Glass, Gene V.; McGaw, Barry & Smith, Mary Lee (1981): Meta-Analysis in Social Research. Beverly Hills: SAGE.

Ho, Irene T. (2001): ‘Are Chinese Teachers Authoritarian?’, in Watkins, David A. & Biggs, John B. (eds.), Teaching the Chinese Learner: Psychological and Pedagogical Perspectives. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, pp.99-114.

Huang, Rongjin & Leung, Frederick K.S. (2002): ‘How Pythagoras' Theorem is Taught in Czech Republic, Hong Kong and Shanghai: A Case Study’. Zentralblatt für Didaktik der Mathematik, Vol.34, No.6, pp. 268-277.

Hui, C. Harry & Triandis, Harry C. (1985): ‘Measurement in Cross-Cultural Psychology: A Review and Comparison of Strategies’. Journal of Cross-Cultural Psychology, Vol.16, No.2, pp.131-152.

Jin, Lixian & Cortazzi, Martin (1998): ‘Expectations and Questions in Intercultural Classrooms’. Intercultural Communication Studies, Vol.7, No.2, pp.37-62.

Kember, David & Gow, Lyn (1991): ‘A Challenge to the Anecdotal Stereotype of the Asian Student’. Studies in Higher Education, Vol.16, No.2, pp.117-128.

Kember, David & Gow, Lyn (1994): ‘Orientations to Teaching and their Effect on the Quality of Student Learning’. Journal of Higher Education, Vol.65, No.1, pp.58-74.

Kim, Uichol & Berry, John W. (eds.) (1993): Indigenous Psychologies: Research and Experience in Cultural Context. London: Sage.

Lee, Wing On (1996): ‘The Cultural Context for Chinese Learners’, in Watkins, David A. & Biggs, John B. (eds.), The Chinese Learner: Cultural, Psychological and Contextual Influences. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, pp. 25-41.

Li, Jin (2001): ‘Chinese Conceptualization of Learning’. Ethos, Vol.29, No.2, pp.111-137.

Li, Jin (2009): ‘Learning to Self-Perfect: Chinese Beliefs about Learning’, in Chan, Carol K.K. & Rao, Nirmala (eds.), Revisiting the Chinese Learner: Changing Contexts, Changing Education. CERC Studies in Comparative Education 25, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, and Dordrecht: Springer, pp.35-69.

Martin, M.O.; Mullis, I.V.S.; Foy, P. & Stanco, G.M. (2012): TIMSS 2011 International Results in Science. Chesnut Hill: TIMSS & PIRLS International Study Center, Boston College.

Marton, Ference (1981): ‘Phenomenography: Describing Conceptions of the World around Us’. Instructional Science, Vol.10, No.2, pp.177-200.

Marton, Ference & Booth, Shirley (1997): Learning and Awareness. Mahwah: Lawrence Erlbaum.

Marton, Ference & Säljö, Roger (1976): ‘On Qualitative Differences in Learning − I: Outcome and Process’. British Journal of Educational Psychology, Vol.46, No.1, pp.4-11.

Marton, Ference; Dall’Alba, Gloria & Tse, Lai Kun (1996): ‘Memorizing and Understanding: The Keys to the Paradox?’, in Watkins, David A. & Biggs, John B. (eds.), The Chinese Learner: Cultural, Psychological and Contextual Influences. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong, pp.69-83.

Marton, Ference; Watkins, David A. & Tang, Catherine (1997): ‘Discontinuities and Continuities in the Experience of Learning: An Interview Study of High-School Students in Hong Kong’. Learning and Instruction, Vol.7, No.1, pp.21-48.

Mullis, I.V.S.; Martin, M.O. & Foy, P. (2008): TIMSS 2007 International Mathematics Report: Findings from IEA’s Trends in International Mathematics and Science Study at the Fourth and Eighth Grades. Chestnut Hill: TIMSS & PIRLS International Study Center, Boston College.

Mullis, I.V.S.; Martin, M.O.; Foy, P. & Drucker, K.T. (2012): PIRLS 2011 International Results in Reading. Chestnut Hill: TIMSS & PIRLS International Study Center, Boston College.

Nunnally, Jum C. (1978): Psychometric Theory. 2nd edition, New York: McGraw Hill.

OECD (2010): PISA 2009 Results: What Students Know and can Do – Student Performance in Reading, Mathematics and Science (Volume I). Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

Omokhodion, J. Otibhor (1989): ‘Classroom Observed: The Hidden Curriculum in Lagos, Nigeria’. International Journal of Educational Development, Vol.9, No.2, pp.99-110.

Richardson, John T.E. (1994): ‘Cultural Specify of Approaches to Studying in Higher Education: A Literature Survey’. Higher Education, Vol.27, No.4, pp.449-468.

Rosenthal, R. & DiMatteo, M.R. (2001): ‘Meta-Analysis: Recent Developments in Quantitative Methods for Literature Reviews’. Annual Review of Psychology, Vol.52, No.1, pp.59-82.

Schmeck, Ronald R. (ed.) (1988): Learning Strategies and Learning Styles. New York: Plenum.

Stigler, James W. & Hiebert, James (1999): The Teaching Gap: Best Ideas from the World's Teachers for Improving Education in the Classroom. New York: Free Press.

Triandis, Harry C. (1972): The Analysis of Subjective Culture. New York: John Wiley.

van Aalst, Jan (2010): ‘Gaining an Insider Perspective on Learning Physics in Hong Kong’, in Gomez, K.; Lyons, L. & Radinsky, J. (eds.), Proceedings of the 9th International Conference of the Learning Sciences Chicago: International Society of the Learning Sciences, pp. 881-888.

van de Vijver, Fons & Leung, Kwok (1997): Methods and Data Analysis for Cross-Cultural Research. London: SAGE.

Wallace, John & Chou, Ching-Yang (2001). ‘Similarity and Difference: Student Cooperation in Taiwanese and Australian Science Class-rooms.’ Science Education, Vol.85, No.6, pp.694-711.

Watkins, David A. (1998): ‘Assessing Approaches to Learning: A Cross-Cultural Perspective on the Study Process Questionnaire’, in Dart, Barry & Boulton-Lewis, Gillian (eds.), Teaching and Learning in Higher Education. Melbourne: Australian Council for Educational Research, pp.124-144.

Watkins, David A. (2001): ‘Correlates of Approaches to Learning: A Cross-Cultural Meta-Analysis’, in Sternberg, Robert & Zhang, Li-fang (eds.), Perspectives on Thinking, Learning, and Cognitive Styles. Mahwah: Lawrence Erlbaum, pp.165-196.

Watkins, David A. & Biggs, John B. (eds.) (1996): The Chinese Learner: Cultural, Psychological and Contextual Influences. Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Watkins, David A. & Regmi, Murari (1992): ‘How Universal are Student Conceptions of Learning? A Nepalese Investigation’. Psychologia, Vol.35, No.2, pp.101-110.

Watkins, David A. & Regmi, Murari (1995): ‘Assessing Approaches to Learning in Non-Western Cultures: A Nepalese Conceptual Validity Study’. Assessment and Evaluation in Higher Education, Vol.20, No.2, pp.203-212.

Watkins, David A.; Regmi, Murari & Astilla, Estela (1991): ‘The Asian-Learner-as-a-Rote-Learner Stereotype: Myth or Reality?’. Educational Psychology, Vol.11, No.1, pp.21-34.

Watkins, David A. & Zhang, Q. (2006). ‘The good teacher: a cross-cultural perspective,’ in Inerney, D.M., Dowson, M. & van Etten, S. (eds.), Effective Schools. Charlotte: Information Age Publishing, pp.185-204.

Wong, Ngai-Ying (2004): ‘The CHC Learner’s Phenomenon: Its Implications on Mathematics Education’, in Fan, L.H., Wong, N.Y., Cai, J.F. & Li, S.Q. (eds.), How Chinese Learn Mathematics: Perspectives from Insiders. Singapore: World Scientific, pp.503-534.

Wong, Ngai-Ying; Lin, Wai-Ying & Watkins, David A. (1996): ‘Cross-Cultural Validation of Models of Approaches to Learning: An Application of Confirmatory Factor Analysis’. Educational Psychology, Vol.16, No.2, pp.317-327.

Chapter 14 (الفصل الرابع عشر)

Adams, Ray & Wu, Margaret (2002): PISA 2000 Technical Report. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

Bereday, George Z.F. (1964): Comparative Method in Education. New York: Holt, Rinehart & Winston.

Comber, L.C. & Keeves, John (1973): Science Education in Nineteen Countries: An Empirical Study. New York: Wiley.

Grisay, Aletta (2003): ‘Translation Procedures in OECD/PISA 2000 International Assessment’. Language Testing, Vol.20, No.2, pp.225-240.

Harmon, M.; Smith, Teresa A.; Martin, Michael O.; Kelly, D.L.; Beaton, Albert E.; Mullis, Ina V.S.; Gonzalez, Eugenio J. & Orpwood, G. (1997): Performance Assessment in IEA’s Third International Mathematics and Science Study. Chestnut Hill, MA: International Study Center, Boston College.

Husén, Torsten (1967): International Study of Achievement in Mathematics: A Comparison of Twelve Countries. Stockholm: Almqvist and Wiksell.

Kim, S., Kim, H., Park, J., Jin, E., Lee, M., Kim S., & Ahn, Y. (2012): Trends and International Comparative Analysis of Educational Environment in TIMSS. Seoul: Korea Institute of Curriculum and Evaluation. RRE 2012-4-1.

Kim, K., Si, K., Kim, M., Kim, B., Ok, H., Yim, H., Yun, M., & Park, S. (2010). An Analysis of Higher Achievement of Korean Students in OECD PISA. Seoul: Korea Institute of Curriculum and Evaluation. RRE 2010-14.

Leste, A.; Valentin, J. & Hoareau, F. (2005): The SACMEQ II Project in Seychelles: A Study of the Conditions of Schooling and the Quality of Education. Harare: Southern and Eastern Africa Consortium for Monitoring Educational Quality.

Martin, Michael O.; Mullis, Ina V.S.; Gonzales, Eugenio J.; Gregory, Kelvin D.; Smith, Teresa A.; Chrostowski, Steven J.; Garden, Robert A. & O’Connor, Kathleen M. (2000): TIMSS 1999 International Science Report: Findings from IEA’s Repeat of the Third International Mathematics and Science Study at the Eighth Grade. Chestnut Hill, MA: International Study Center, Boston College.

Mullis, Ina V.S.; Martin, Michael O.; Gonzales, Eugenio J.; Gregory, Kelvin D.; Garden, Robert A.; O’Connor, Kathleen M.; Chrostowski, Steven J. & Smith, Teresa A. (2000): TIMSS 1999 International Mathematics Report: Findings from IEA’s Repeat of the Third International Mathematics and Science Study at the Eighth Grade. Chestnut Hill, MA: International Study Center, Boston College.

Mullis, Ina V.S.; Martin, Michael O.; Robitaille, David F. & Foy, Pierre (2009): TIMSS Advanced 2008 International Report: Findings from IEA's Study of Achievement in Advanced Mathematics and Physics in the Final Year of Secondary School. Chestnut Hill, MA: TIMSS & PIRLS International Study Center, Boston College.

Mullis, Ina V.S.; Martin, Michael O.; Ruddock, Graham J.; O’Sullivan, Christine Y.; Preuschoff, Corinna (2009): TIMSS 2011 Assessment Frameworks. Chestnut Hill, MA: TIMSS & PIRLS International Study Center, Boston College.

Mullis, Ina V.S.; Martin, Michael O.; Foy, Pierre, Arora, Alka (2012): TIMSS 2011 International Results in Mathematics. Chestnut Hill, MA: TIMSS & PIRLS International Study Center, Boston College.

OECD (1999): Measuring Student Knowledge and Skills: A New Framework for Assessment. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

OECD (2010a): PISA 2009 Assessment Framework: Key Competencies in Reading, Mathematics and Science. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

OECD (2010b): PISA 2009 Results – What Students Know and Can Do: Student Performance in Reading, Mathematics and Science. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

OECD (2010c): Translation and Adaptation Guidelines for PISA 2012. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

Postlethwaite, T. Neville (2004): Monitoring Educational Achievement. Fundamentals of Educational Planning 81, Paris: UNESCO International Institute for Educational Planning (IIEP).

Robitaille, David F.; Schmidt, S.R.; McKnight, C.; Britton, E. & Nicol, C. (1993): Curriculum Frameworks for Mathematics and Science. Vancouver: Pacific Educational Press.

World Bank, The (2004): Vietnam Reading and Mathematics Assessment Study. Vols. 1-3. Report No.29787VN, Hanoi: Vietnam Culture and Information Publishing House.

Chapter 15 (الفصل الخامس عشر)

Altbach, Philip G. & Kelly, Gail P. (1986): ‘Introduction: Perspectives on Comparative Education’, in Altbach, Philip G. & Kelly, Gail P. (eds.), New Approaches to Comparative Education. Chicago: The University of Chicago Press, pp.1-10.

Andere, Eduardo (2008): The Lending Power of PISA: League Tables and Best Practice in International Education. CERC Monographs in Comparative & International Education & Development 6, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Arnove, Robert F. (2013): ‘Introduction: Reframing Comparative Education: The Dialectic of the Global and the Local’, in Arnove, Robert F.; Torres, Carlos Alberto & Franz, Stephen (eds.), Comparative Education: The Dialectic of the Global and the Local. 4th edition, Lanham: Rowman & Littlefield, pp.1-25.

Arthur, Lore (2004): ‘Bridging Gaps and Clearing Pathways: Towards the Construction of Intercultural Meaning’. Paper presented at the 12th World Congress of Comparative Education Societies, Havana, Cuba, 25-29 October.

Bereday, George Z.F. (1964): Comparative Method in Education. New York: Holt, Rinehart & Winston.

Bray, Mark & Koo, Ramsey (eds.) (2004): Education and Society in Hong Kong and Macao: Comparative Perspectives on Continuity and Change. CERC Studies in Comparative Education 7, 2nd edition, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Bray, Mark & Lee, W.O. (eds.) (1997): Education and Political Transition: Implications of Hong Kong’s Change of Sovereignty. Special issue of Comparative Education, Vol.33, No.2, pp.157-169; reprinted as CERC Studies in Comparative Education 2, Hong Kong: Comparative Education Research Centre, The University of Hong Kong.

Bray, Mark & Thomas, R. Murray (1995): ‘Levels of Comparison in Educational Studies: Different Insights from Different Literatures and the Value of Multilevel Analyses’. Harvard Educational Review, Vol.65, No.3, pp.472-490.

Choksi, Archana & Dyer, Caroline (2011): ‘North-South Collaboration in Educational Research: Reflections on Indian Experience’, in Crossley, Michael & Vulliamy, Graham (eds.), Qualitative Educational Research in Developing Countries: Current Perspectives. New York: Garland, pp. 265-299.

Cowen, Robert (1990): ‘The National and International Impact of Comparative Education Infrastructures’, in Halls, W.D. (ed.), Comparative Education: Contemporary Issues and Trends. Paris: UNESCO, and London: Jessica Kingsley, pp.321-352.

Cowen, Robert (2000): ‘Comparing Futures or Comparing Pasts?’. Comparative Education, Vol.36, No.3, pp.333-342.

Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (2009): ‘Conclusion’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.1295-1296.

Crossley, Michael (2000): ‘Bridging Cultures and Traditions in the Reconceptualisation of Comparative and International Education’. Comparative Education, Vol.36, No.3, pp.319-332.

Crossley, Michael (2006): ‘Bridging Cultures and Traditions: Perspectives from Comparative and International Research in Education’. Inaugural Professorial Lecture, University of Bristol, 9 February.

Crossley, Michael & Jarvis, Peter (2000): ‘Introduction: Continuity and Change in Comparative and International Education’. Comparative Education, Vol.36, No.3, pp.261-265.

Foster, Jesse; Addy, Nii Antiaye & Samoff, Joel (2012): ‘Crossing Borders: Research in Comparative and International Education’. International Journal of Educational Development, Vol.32, No.6, pp.711-732.

Kazamias, Andreas M. & Schwartz, Karl A. (1977): ‘Introduction’. Comparative Education Review, special issue on ‘The State of the Art’, Vol.21, Nos.2 & 3, pp.151-152.

Kubow, Patricia K. & Fossum, Paul R. (2007): Comparative Education: Exploring Issues in International Context. 2nd edition, Upper Saddle River: Pearson Merrill Prentice Hall.

Manzon, Maria (2010): ‘Shape-shifting of Comparative Education: Towards a Comparative History of the Field’, in Larsen, Marianne A. (ed.), New Thinking in Comparative Education: Honouring Robert Cowen. Rotterdam: Sense, pp.83-101.

Meyer, Heinz-Dieter & Benavot, Aaron (eds.) (2013): PISA, Power and Policy: The Emergence of Global Educational Governance. Oxford: Symposium.

Morris, Paul & Sweeting, Anthony (eds.) (1996): Education and Development in East Asia. New York: Garland.

Mullis, Ina V.C.; Martin, Michael O. & Foy, Pierre (2005): IEA’s TIMSS 2003 International Report on Achievement in the Mathematics Cognitive Domains: Findings from a Developmental Project. Chestnut Hill: TIMSS & PIRLS International Study Center, Boston College.

Mullis, Ina V.C.; Martin, Michael O.; Foy, Pierre & Alka, Arora (2012): TIMSS 2011 International Results in Mathematics. Chestnut Hill: TIMSS & PIRLS International Study Center, Boston College.

Ninnes, Peter & Mehta, Sonia (2004): ‘A Meander through the Maze: Comparative Education and Postfoundational Studies’, in Ninnes, Peter & Mehta, Sonia (eds.), Reimagining Comparative Education: Postfoundational Ideas and Applications for Critical Times. New York: RoutledgeFalmer, pp.1-18.

OECD (2011a): Strong Performers and Successful Reformers in Education: Lessons from PISA for the United States. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

OECD (2011b): Strong Performers and Successful Reformers in Education: Education Policy Advice for Greece. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

OECD (2012): Strong Performers and Successful Reformers in Education: Lessons from PISA for Japan States. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD).

Pereyra, Miguel A.; Kotthof, Hans-Georg & Cowen, Robert (eds.) (2011): PISA Under Examination: Changing Knowledge, Changing Tests, and Changing Schools. Rotterdam: Sense.

Phillips, David & Schweisfurth, Michele (2008): Comparative and International Education: An Introduction to Theory, Method and Practice. London: Continuum.

Rust, Val D. (2002): ‘The Meanings of the Term Comparative in Comparative Education’. World Studies in Education, Vol.3, No.1, pp.53-67.

Rust, Val D.; Johnstone, Brian & Allaf, Carine (2009): ‘Reflections on the Development of Comparative Education’, in Cowen, Robert & Kazamias, Andreas M. (eds.), International Handbook of Comparative Education. Dordrecht: Springer, pp.121-139.

Rust, Val D.; Soumaré, Aminata; Pescador, Octavio & Shibuya, Megumi (1999): ‘Research Strategies in Comparative Education’. Comparative Education Review, Vol.43, No.1, pp.86-109.

Sadler, Sir Michael (1900): ‘How Far can we Learn Anything of Practical Value from the Study of Foreign Systems of Education?’. Reprinted 1964 in Comparative Education Review, Vol.7, No.3, pp.307-314.

Sobe, Noah W. & Kowalczyk, Jamie (2014): ‘Exploding the Cube: Revisioning “Context” in the Field of Comparative Education’. Current Issues in Comparative Education, Vol.17, No.1.

Spindler, George & Spindler, Louise (1982): ‘Roger Harker and Schönhausen: From Familiar to Strange and Back Again’, in Spindler, George (ed.), Doing the Ethnography of Schooling: Educational Anthropology in Action. New York: Holt, Rinehart & Winston, pp.20-46.

Watson, Keith (1996): ‘Comparative Education’, in Gordon, Peter (ed.), A Guide to Educational Research. London: Woburn Press, pp.360-397.

Wolhuter, C.C. (2008): ‘Review of the Review: Constructing the Identity of Comparative Education’. Research in Comparative and International Education, Vol.3, No.4, pp.323-344.

Wiseman, Alexander W. & Anderson, Emily (2013): ‘Diversification of the Field’, in Wiseman, Alexander W. & Anderson, Emily (eds.), Annual Review of Comparative and International Education 2013. Bingley: Emerald, pp.221-226.

Wiseman, Alexander W. & Huang, Tiedan (2011): ‘The Development of Comparative Education Research on Chinese Educational Policy Reform: An Introduction’, in Huang, Tiedan & Wiseman, Alexander W. (eds.), The Impact and Transformation of Education Policy in China. Bingley: Emerald, pp.1-18.