الطبعة الأولى للكتاب المترجم باللغة العربية

طرائق ونُهج البحث في التربية المقارنة

المحررون: مارك براي، بوب آدمسون، مارك ميسون

ترجمة: حنان محمود محمد عبد الرحيم

مارك براي

أستاذ التربية المقارنة التابع لليونسكو بجامعة هونج كونج

بوب آدمسون

أستاذ في قسم التربية الدولية بجامعة هونج كونج

مارك ميسون

أستاذ في قسم التربية الدولية بجامعة هونج كونج

حنان محمود محمد عبد الرحيم

أستاذ التربية المقارنة المساعد بكلية التربية، جامعة الإسكندرية، جمهورية مصر العربية

تاريخ النشر: نوفمبر 2025

يصدر هذا العمل بموجب رخصة المشاع الإبداعي الدولية: نَسب المُصنَّف - غير تجاري - منع الاشتقاق 4.0 (CC BY-NC-ND)، ويجيز هذا الترخيص استعمال المادة ومشاركتها وإعادة تداولها في أي وسيط على أن يكون الاستخدام غير تجاري، مع الإحالة إلى المؤلف والمصدر، ومن دون إدخال أي تعديل على النص، ويمكن الرجوع إلى النص الكامل للرخصة عبر الرابط: https://creativecommons.org/licenses/by-nc-nd/4.0/، وينحصر سريان هذه الرخصة في المحتوى الأصلي للكتاب، في حين تبقى المواد المأخوذة من مصادر أخرى بما فيها الصور والرسوم والمقتطفات الكتابية ضمن حقوق أصحابها الأصليين، وقد يستلزم استعمالها إذنًا مسبقًا.

جاء نشر هذا العنوان بنظام الوصول المفتوح دعمًا لسياسة الشفافية في الإفصاح عن التمويل وفق إرشادات لجنة أخلاقيات النشر (COPE)، إذ أسهمت مؤسسة الشيخ سعود بن صقر القاسمي لبحوث السياسات في توفير الدعم المالي الذي مكّن إصدار هذا العمل، وتولت ترجمة الكتاب (حنان محمود عبد الرحيم)، وأصدرته شركة نولِدج إي. هذه النسخة للكتاب باللغة العربية ترجمة الطبعة الثانية من الكتاب الصادر عام 2014.

الكتاب

تُعد الطرائق والنهج في التربية المقارنة ذات أهمية جليّة، إلا أنها لا تحظى دائمًا بالاهتمام الكافي. وتُسهم هذه النسخة العربية من كتاب نال استحسانًا واسعًا — نُشر في الأصل باللغة الإنجليزية وتُرجم إلى عشر لغات أخرى — في إثراء الحقل المعرفي بإضاءات جديدة ضمن تقاليده الراسخة.

ومن الخصائص المميزة لهذا العمل تركيزه على وحدات تحليلية متنوعة؛ إذ تتناول الفصول المختلفة مقارنات بين أماكن، ونُظم، وأزمنة، وثقافات، وقيم، وسياسات، ومناهج دراسية، وغيرها من الوحدات. وتُدرج هذه الفصول ضمن أطر تحليلية أوسع تُبرز أهداف التربية المقارنة ومواطن قوتها. كما يتناول الكتاب المقارنات داخل الدولة الواحدة إلى جانب المقارنات العابرة للحدود الوطنية، ويُبرز أهمية تناول القضايا التربوية من زوايا متعددة. ويُعد هذا العمل ذا قيمة كبيرة ليس فقط للباحثين في ميدان التربية المقارنة، بل أيضًا للممارسين والمهتمين الذين يسعون إلى فهم أعمق لمحددات هذا الميدان وأهميته.

المحررون

يشغل مارك براي منصب أستاذ التربية المقارنة التابع لليونسكو بجامعة هونج كونج. أما بوب آدمسون ومارك ميسون، فقد شغلا منصب أستاذين في قسم التربية الدولية بجامعة هونغ كونغ. وقد تولّى المحررون الثلاثة رئاسة الجمعية المقارنة للتربية في هونغ كونغ (CESHK)، كما شغلوا منصب مديرين لمركز أبحاث التربية المقارنة (CERC) بجامعة هونغ كونغ. ويُذكر أن مارك براي قد تولّى أيضًا رئاسة الجمعية الأمريكية للتربية المقارنة والدولية (CIES)، فضلاً عن رئاسته للمجلس العالمي لجمعيات التربية المقارنة (WCCES).

المترجمة

حنان محمود محمد عبد الرحيم هي أستاذ التربية المقارنة المساعد بكلية التربية، جامعة الإسكندرية، جمهورية مصر العربية. وهي أيضًا مدرّبة دولية معتمدة في ريادة الأعمال. وتُعد حنان عضوًا في الجمعية المصرية للتربية المقارنة والإدارة التعليمية.

المحتويات

مقدمة الدكتور خلف العبري، رئيس الجمعية الخليجية للتربية المقارنة
مقدمة المترجم
مقدمة
الفصل الأول: الجهات المؤثرة في التربية المقارنة وغاياتها
الفصل الثاني: البحث العلمي في ميدان التربية المقارنة
الفصل الثالث: النهج الكمية والنوعية في التربية المقارنة
الفصل الرابع: مقارنة الأماكن
الفصل الخامس: مقارنة النظم التعليمية
الفصل السادس: مقارنة الأزمنة
الفصل السابع: مقارنة العِرق والطبقة الاجتماعية والنوع الاجتماعي
الفصل الثامن: مقارنة الثقافات
الفصل التاسع: مقارنة القيم
الفصل العاشر: مقارنة السياسات
الفصل الحادي عشر: مقارنة المناهج الدراسية
الفصل الثاني عشر: مقارنة الابتكارات التربوية
الفصل الثالث عشر: مقارنة طرائق التعلم
الفصل الرابع عشر: مقارنة الإنجازات التعليمية
الفصل الخامس عشر: تباين النماذج واختلاف محاور التركيز وتنوّع الرؤى
المراجع

قائمة الجداول

الجدول 1.1بيانات إحصائية حول التعليم الثانوي الأدنى في مجموعة من الدول الآسيوية المختارة
الجدول 1.2التصنيفات وفقا لنتائج PISA في القراءة والرياضيات والعلوم
الجدول 2.1مجموعات الميادين المعرفية وطبيعة المعرفة
الجدول 4.1تحليلات دراسة الحالة المقارنة
الجدول 4.2معدلات إلمام الشباب بالقراءة والكتابة بحسب أقاليم العالم
الجدول 4.3مقارنة بين عدد من الدول والولايات الأمريكية من حيث نسبة الانحراف عن النتائج المتوقعة لاختبار الرياضيات للصف الثامن (1990)، ومستوى الإنفاق على التعليم للفرد
الجدول 4.4الخصائص السكانية والثقافية والاجتماعية للكانتونات في سويسرا
الجدول 5.1توزيع التلاميذ على نظام المدارس الابتدائية ذي السنوات الست في عدد من المقاطعات والبلديات بالصين الرئيسية لعام 2010
الجدول 5.2هيئات التعليم الابتدائي والثانوي في هونغ كونغ، 2012/2013
الجدول 5.3تصنيف المدارس الثانوية في هونغ كونغ وفق لغة التدريس، 1993/1994
الجدول 5.4المدارس في ماكاو، حسب الملكية ووسيلة التدريس
الجدول 11.1أيديولوجيات المناهج ومكوناتها
الجدول 11.2مظاهر المناهج وطرائق البحث النموذجية
الجدول 13.1متوسط معاملات الارتباط بين مقاييس مناهج التعلّم والتحصيل الأكاديمي وتقدير الذات ومكان الضبط
الجدول 14.1البنية الهرمية لمهارات الثقافة العلمية
الجدول 14.2عدد بنود الرياضيات من كل نوع ونقاط الدرجات للصف الثامن حسب فئة التقرير
الجدول 14.3نتائج الدرجات الفرعية لأول أربعة تلاميذ في الصف
الجدول 14.4نتائج مقارنة نسبية لأداء مدرسة مع مدارس مشابهة ومع عموم المدارس في هونغ كونغ
الجدول 14.5عرض إنجازات طلاب هونغ كونغ في دراسة TIMSS لعام 1999 ومقارنتها بالمتوسطات الدولية المعتمدة
الجدول 14.6نتائج التلاميذ في القراءة والرياضيات والعلوم في دراسة PISA 2006 وفق خصائص الأقاليم في كوريا
الجدول 14.7النِّسَب المئوية لتلاميذ الصف الخامس في فيتنام الذين بلغوا مستويات مهارية مختلفة في القراءة والرياضيات
الجدول 14.8نسب وأخطاء المعاينة لتلاميذ الصف الخامس في فيتنام بحسب مستويات الكفاءة في القراءة والرياضيات
الجدول 14.9نسب التلاميذ وهوامش خطأ العينات عند كل مستوى قياسي بحسب الأقاليم في فيتنام
الجدول 14.10نتائج مختارة من PISA 2009
الجدول 14.11توزيع الإنجاز في الرياضيات في دراسة TIMSS المتقدمة لعام 2008
الجدول 14.12معاملات الارتباط داخل الصفوف في مادة الرياضيات للصف الثامن وفق دراسة TIMSS 2007 لعدد من الدول

قائمة الأشكال

الشكل 1.1الأطفال في سن المدرسة الابتدائية الذين كانوا خارج المدرسة، حسب المنطقة العالمية النسبة المئوية لتوزيع الأطفال في سن التعليم الابتدائي غير الملتحقين بالمدارس (%)
الشكل 1.2رواتب المعلمين في مرحلة التعليم الثانوي الأدنى، محسوبة بما يعادلها بالدولار الأمريكي بعد تحويلها باستخدام معاملات تعادل القوة الشرائية
الشكل 2.1تصنيف (أوليفيرا) المنهجي للميادين المعرفية المتعلقة بالتربية
الشكل 2.2خريطة شاملة للنماذج الإرشادية والنظريات في ميدان التربية المقارنة والدولية
الشكل 4.1نموذج بيرداي لإجراء الدراسات المقارنة
الشكل 4.2نقاط التقارب في بيئات مختلفة
الشكل 4.3رسم خرائط ديناميكيات العولمة من خلال المنظمات الإقليمية
الشكل 4.4مقارنة بين أنماط تنظيم الحصص الدراسية
الشكل 5.1النُظم التعليمية في ماكاو كما وردت في وثيقة رسمية عام 1989
الشكل 5.2النُظم التعليمية في ماكاو كما وردت في وثيقة رسمية عام 1993
الشكل 8.1تصنيف الداخلين والخارجيين في البحث الإثنوغرافي إلى فئات أولية وثانوية
الشكل 9.1تباينات في التركيزات المنهجية ضمن الدراسات المقارنة للقيم
الشكل 9.2مخطّط تصميم العيّنات في البحوث المعتمدة على دراسة الحالة
الشكل 9.3أربع استراتيجيات استدلالية في البحوث المقارنة المعتمدة على دراسة الحالة
الشكل 11.1إطار منهجي لمقارنة المناهج
الشكل 11.2تقييم نماذج التعليم ثلاثي اللغات في الصين
الشكل 11.3قراءات تفسيرية للتعلّم القائم على المهام ابتداءً من نوايا السياسات وانتهاءً بمرحلة التنفيذ
الشكل 12.1تمثيل الحالات السبع للابتكار على الإطار المفاهيمي الذي وضعه (كامبيلِس وآخرون) لتصنيف الابتكارات ورصد مساراتها
الشكل 12.2تمثيل مستوى المشاركة المطلوب للتوافق الاستراتيجي في مقابل مستوى الوصول ضمن دراسة (SCALE CCR)
الشكل 14.1المكوّنات الرئيسة لمجال الرياضيات كما يقدَّم في إطار (PISA)
الشكل 14.2مثال على معايير التصحيح لبند أدائي
الشكل 14.3تباين تحصيل التلاميذ في القراءة موزّعًا بحسب الإقليم والمدرسة والصف داخل المدرسة والتلاميذ داخل الصفوف في فيتنام
الشكل 15.1التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة ذات موقعين
الشكل 15.2التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة بموقع واحد في المركز
الشكل 15.3التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة لثمانية مواقع
الشكل 15.4التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة لـ 25 موقعًا
الشكل 15.5المقارنات عبر الزمن باستخدام مكعب (براي) و(توماس)

مقدمة الدكتور خلف العبري، رئيس الجمعية الخليجية للتربية المقارنة

إنه لمن دواعي سروري أن أكتب هذا التقديم للنسخة العربية من الطبعة الثانية من كتاب "بحوث التربية المقارنة: مناهج وأساليب"، الذي حرّره الأساتذة مارك براي وبوب آدمسون ومارك ماسون، وهم من أبرز الباحثين في مجال التربية المقارنة والدولية. يُعدّ هذا الكتاب حجر الزاوية في هذا الحقل، ليس فقط لعمقه الفكري وانتشاره العالمي، بل أيضًا لفائدته العملية للباحثين والطلبة والمتخصصين في التربية في سياقات وطنية وإقليمية متنوعة. إنه مرجع علمي أصيل، يستخدمه العديد من الأكاديميين والباحثين حول العالم في تأطير أبحاثهم، كما يدّرس في برامج التربية المقارنة، وقد سمعت عددًا من الزملاء يشيدون به لما يتمتع به من سهولةٍ في الاستخدام ولغة مناسبة لمختلف الفئات.

ساهم الكتاب منذ صدوره عام ٢٠٠٧ في صياغة الخطاب الأكاديمي عالميًا في مجال التربية المقارنة، وقد أسهمت ترجمته إلى لغات متعددة –منها الصينية والفرنسية واليابانية والإسبانية والفارسية والإيطالية – في توسيع نطاق تأثيره. وتأتي هذه النسخة العربية لتفتح المجال أمام جيل جديد من الباحثين والطلاب وصنّاع السياسات العرب للانخراط بعمق في الأسس المنهجية والتطوّرات المتسارعة في هذا المجال الحيوي. ونأمل أن تُستثمر هذه النسخة في تأطير البحوث والمنشورات العربية في التربية المقارنة.

ومن الجدير بالذكر أن الطبعة الثانية التي صدرت عام ٢٠١٤، جاءت استجابةً لملاحظات مهمة من مستخدمي الطبعة الأولى، وكذلك للتطورات الحاصلة في مجال التربية المقارنة. وقد حافظت هذه الطبعة على نقاط القوة الأساسية في الطبعة الأصلية، مع إدخال تحديثات جوهرية، كان من أبرزها إضافة فصل جديد حول العرق والطبقة والجنس، مما يعكس النقاشات العالمية المعاصرة حول المساواة والشمول. كما تم حذف بعض المحتوى من الطبعة الأولى لطوله، دون أن يمس ذلك تماسك الهيكل العام للكتاب من الناحية التربوية. وتمثل هذه الطبعة إضافة علمية منقحة تعكس التغيرات العالمية والأجندات التعليمية المستجدة.

ومن الجدير بالذكر أيضا أن الإطار المفاهيمي للكتاب المتمثل في "مكعب براي وتوماس" (١٩٩٥)، يتصدر هذه الطبعة، حيث يوضح ثلاثة أبعاد رئيسية للبحث المقارن: مستويات التحليل (من الأفراد إلى مناطق العالم) والمجموعات غير المحلية (مثل اللغة أو العرق أو الدين) و الموضوعات (مثل المناهج الدراسية أو أصول التدريس أو التمويل أو السياسات). ويعد هذا المكعب، الذي أُعيد النظر فيه في هذه الطبعة، أداةً فعّالة لتأطير البحوث متعددة المستويات والأبعاد. ولا يزال من أكثر الأطر استخدامًا في الدراسات العليا حول العالم. وقد استخدمت هذا الإطار شخصيًّا في أبحاثي وفي تدريسي لمقرر سياسات التعليم ضمن برنامج ماجستير الإدارة التربوية، وكانت موجّها فعّالًا في تنفيذ أبحاث تربوية مقارنة.

تكمن إحدى نقاط القوة الرئيسية في هذه الطبعة في تركيزها على "وحدات المقارنة"، التي تشكّل جوهر الجزء الثاني من الكتاب، والذي يتناول منهجيًّا كيفية مقارنة الأماكن والأنظمة والسياسات وأساليب التدريس والثقافات والقيم والإنجازات. وقد لقيت هذه الفصول استحسانًا واسعًا من المراجعين والمعلمين، وتعدّ مصدرا لا غنى عنه للتدريس والإشراف الأكاديمي في مرحلتي الماجستير والدكتوراه.

ولا شك في أن أهمية هذا الكتاب بالنسبة للمنطقة العربية لا تُضاهى، إذ تأتي في لحظة تتسارع فيها التحولات التعليمية وتتزايد التحديات الاستراتيجية التي تواجه نظم التعليم. فمع أن الدول العربية تختلف في ظروفها السياسية والثقافية والاقتصادية، فإنها تشترك في إشكاليات مركزية، من أبرزها: الحاجة إلى إصلاح الحوكمة التعليمية وتحديث المناهج الدراسية وتحسين جودة التعليم العالي وتوسيع فرص التعليم للجميع دون تمييز. وفي هذا السياق يبرز البحث المقارن كأداة تحليلية تُمكّننا من تجاوز الرؤى الانعزالية والنظر في تجاربنا الوطنية في ضوء الخبرات الدولية، دون السقوط في فخ التقليد أو النقل غير المدروس.

إن المقاربات المنهجية التي يعرضها هذا الكتاب، مثل تحليل السياسات عبر "الوحدات المقارنة" والمستويات المتداخلة من الفرد إلى النظام الوطني، توفر أدوات فعّالة لتحليل السياسات التعليمية في الدول العربية، خصوصًا في سياق "الاستيراد التربوي" أو "استعارة السياسات". فكما يشير العديد من الباحثين في التعليم المقارن، فإن نجاح أي سياسة تعليمية منقولة لا يعتمد فقط على جودتها التقنية، بل على مدى ملاءمتها للسياق الثقافي والاجتماعي والاقتصادي الذي تُطبَّق فيه. وهنا تتجلى أهمية البحث المقارن في تفكيك السياسات واختبار فرضياتها وتحديد عناصر النجاح أو الإخفاق بمنهجية علمية دقيقة ومتعددة الأبعاد. لقد شهدت بعض البلدان العربية خلال العقدين الماضيين موجة من "المقارنات المُعجلة" مع الدول ذات الأداء المرتفع في مؤشرات التعليم الدولية، خاصة في آسيا وأوروبا، ما أدى أحيانًا إلى تبني نماذج تقييم أو مناهج تعليمية مستوردة دون فهم عميق لمنطلقاتها الفكرية والسياقية. ومن هنا، فإن نشر هذا الكتاب باللغة العربية يُعدّ فرصة ثمينة لتمكين الباحثين العرب من فهم هذه النماذج ضمن أطرها النظرية والتطبيقية الصحيحة، وتحليلها نقديًا، مما يُعزز إنتاج سياسات تعليمية أكثر وعيًا وارتباطًا بالسياق المحلي.

بالإضافة لما ذكر، توفر هذه النسخة لأعضاء هيئة التدريس في كليات التربية العربية أساسًا غنيًا وشاملًا لتدريس مناهج البحث والإشراف على الرسائل العلمية، كما تمكنهم من توجيه المقررات متعددة التخصصات في دراسات السياسات والتنمية والتعليم الدولي. أما طلاب الدراسات العليا، لاسيما الساعين للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، فيجدون في الكتاب وضوحًا في التأطير المفاهيمي والخيارات المنهجية، مما يدعم البحوث الأكاديمية الدقيقة التي تنطلق من الحقائق المحلية وتستنير بالمعرفة العالمية. وبالنسبة للباحثين ومستشاري السياسات، يقدّم الكتاب أدواتٍ لفهم الاقتراض التعليمي من الدول الأخرى ونقل السياسات وتحليل أداء النظم التعليمية مع الحفاظ على الحساسية تجاه السياقات الثقافية المختلفة.

كما أؤكد أن هذه النسخة العربية تُسهّل الوصول إلى أدوات ومفاهيم أساسية في التربية المقارنة، وتسهم في معالجةِ فجوةٍ طويلة الأمد في توافر أدبيات عالية الجودة في هذا المجال باللغة العربية. وهي أيضًا دعوة للمجتمع الأكاديمي العربي للمشاركة الفاعلة في الحوارات العالمية، وإنتاج بحوث سياقية تُسهم في المعرفة المحلية والدولية على حد سواء.

وأخيرًا، أود أن أُشيد بالمحررين على قيادتهم العلمية، وبالمترجمين والناشرين على إتاحة هذا العمل المهم للقراء الناطقين بالعربية. وأؤكد أن الطبعة الثانية من كتاب "البحوث التربوية المُقارنة: مناهج وأساليب" تُمثل مرجعًا رائدًا في ميدان التربية المقارنة والبحوث التربوية، إذ لا يُعلّمنا هذا الكتاب كيفية المُقارنة فحسب، بل يدعونا أيضا إلى التفكير النقدي في أغراض المقارنة وأخلاقياتها وتداعياتها. وأنا على ثقة بأن هذه النسخة ستكون مرجعًا دائمًا في منطقتنا، يعزز التفاعل الأعمق مع التربية المقارنة وإمكاناته التحويلية.

مقدمة المترجم

أما قبل..،

حين كنت معيدًا، وقبل تسجيل أطروحتي لنيل درجة الماجستير، كنت أتلقى محاضرات على يد أستاذي الدكتور عبد الفتاح أحمد حجاج، رحمه الله. وكان يبث فينا وقتئذٍ أهمية أن يكون للأكاديمي دورٌ فاعلٌ في الميدان المعرفي الذي ينتمي إليه. وكان يحثّنا على المبادرة منذ ذلك الحين. ومع صدور الطبعة الأولى من كتاب "طرائق ونُهج البحث في التربية المقارنة" –وتحديدًا في عام 2008م– كان يحفزنا على البدء في ترجمة الكتب الأصيلة في التخصص، وقد ضرب لنا مثالًا رائعًا في هذا الصدد؛ فكتاب "مناهج البحث العلمي في التربية وعلم النفس" لفاندلين ترجمه أساتذة بارزون كانوا آنذاك من الأكاديميين الناشئين (معيدين).

ولطالما تمنيت أن أشرع في ترجمة كتاب "طرائق ونُهج البحث في التربية المقارنة"، خاصة مع كونه علامةً فارقةً ومضيئةً تهمُّ كثيرينَ من المتخصصين في ميدان التربية المقارنة. وبدأت بالفعل، ثم توقفت، ثم حاولت أن أشكِّل –بمعاونة زملائي– فريقًا لترجمة هذا العمل، ولكننا لم نبدأ لانخراطنا في استكمال مهامنا البحثية. ولكنني –ومع انخراطي في أطروحتَيَّ للماجستير والدكتوراه– كان يُعاودني ذلك الحلم، الحين بعد الحين، خاصة وأنني عبَرْتُ جنباتِ هذا الكتاب مرارًا وتكرارًا، وعاونني خلال رحلتي البحثية كأحد الأعمدة الرصينة في ميدان التربية المقارنة. وتكوَّنت لديَّ مُسوَدَّات لترجماتٍ لفصولٍ وأجزاءٍ عديدةٍ من هذا الكتاب خاصة مع ظهور طبعته الثانية في عام 2014. وظل هذا الحلم يرافقني إلى أن قَدّم لي الدكتور مارك براي –مؤلف هذا الكتاب– فرصة رائعة، وحثني على ترجمته إلى اللغة العربية، ليُفيد الباحثين. وحقيقة الأمر أنه لن يسع المجال هنا لتقديم جزيل العرفان والشكر إلى دكتور مارك براي على دعمه السديد، ومتابعته الدؤوبة منذ لقائنا الأول، الذي كان حلمًا بالنسبة لي.

أما بعد،

فكتاب "طرائق ونُهج البحث في التربية المقارنة" ليس عملًا علميًا في ميدان التربية المقارنة فحسب؛ وإنما لبنة في جدار هذا الميدان. يمكنك من خلاله تتبُّع مراحل تطوره، والتعمق في قضاياه التي يحتاجها الباحثون التربويون المقارنون في سبر أغوار ميدانهم العلمي، والمضي قدمًا في تحديد ملامحه.

ويتكون الكتاب من (15) فصلًا يجمعها بنيان رائع يجعلها أشبه بفسيفساء لا يمكن نزع جزء منه، فتنقل الباحث في رحلة شائقة للغاية لا يستطيع التوقف عنها؛ ليكمل جزءًا تلو الآخر حتى ينتهي منه.

فالكتاب قدَّم في مقدمته مختصرًا لتطور ميدان التربية المقارنة منذ بزوغه تقديمًا رصينًا، وشرعيته الفكرية بوصفه ميدانًا علميًا، وانتهى بالإسهام القيِّم الذي قدمته الورقة البحثية لبراي وتوماس، وتركيزها على التحليل متعدد المستويات، وضرورته في الدراسات التربوية المقارنة.

وربما كان هذا دافعًا آخر لديّ لترجمة الكتاب؛ فلا يزال الاهتمام الصارخ بالكيانات الجغرافية كبؤرة للاستقصاء المقارن يُميز بحوثنا العربية في ميدان التربية المقارنة، في دعوة للتخلص من هذا، والخروج نحو أفق أوسع لعددٍ من وحدات التحليل الجامعة لاتجاهات المكعب الثلاثة: (الجوانب الجغرافية، والجوانب الديموغرافية، وجوانب التربية والمجتمع).

ويقدم الكتاب –في القسم الأول– ثلاثة فصول، يعرض أولها إطلالةً على الفاعلين والأغراض المتنوعة في الميدان، ثم ينتقل في فصله الثاني إلى إسهامٍ مميزٍ آخر، ليعبر عن موقع ميدان التربية المقارنة كميدان علمي رصين، ويُفرِّق بين الميدان المعرفي والحقل الدراسي. وقد استدعى استعارة رائعة في هذا الصدد، استقاها من تحليله لكتاب قدمه كلٌ من توني بيشر، وبول تراولر –الصادر في عام 2001م– موضحًا التحولات الجيومورفولوجية في ميدان التربية المقارنة.

وينقلنا الفصل الثالث من الكتاب إلى هدف آخر، صرنا نُوصي الباحثين في الآونة الأخيرة بتحقيقه، والممثَّل في تطبيق المقاربات النوعية والكمية في الدراسات التربوية المقارنة، ليوضح الفصل، في تناغم مثير للاهتمام، كيف دُرست قضية واحدة (محو الأمية)، من خلال المقاربات بشقيها: النوعي والكمي، وأثرها في تبيان الظاهرة المدروسة.

وينتقل الكتاب في قسمه الثاني –والذي يشكل الشطر الأكبر– إلى تناول عددٍ من وحدات التحليل التي يمكن أن تكون محورًا لبحوث التربية المقارنة، ويبدأ بالوحدة الأشهر والأكثر ذيوعًا (الأماكن)، ثم ينتقل منها إلى وحدة (مقارنة الأنظمة التعليمية)، واللتان يصعب الفصل بينهما في بحوثنا العربية. وينتقل بعدها إلى الفصول المتعلقة بالوحدات الأخرى: مثل الأزمنة والعرق والطبقة الاجتماعية والنوع الاجتماعي والقيم والسياسات والمناهج والإبداعات التربوية وطرائق التعلم والإنجازات التربوية، ليبين في كل منها كيف يمكن استخدام هذه الوحدات في الدراسات التربوية المقارنة. كما حوى هذا العرض في جنباته تبيانًا واضحًا لنمو ميدان التربية المقارنة وتطوره، وتجدد محتواه العلمي؛ مما يوجب ضرورته كأحد الميادين العلمية التربوية الرصينة.

ويقدم القسم الأخير فصلًا استنتاجيًا، عرض مؤلفوه بتدقيقٍ بالغٍ كيف رُتِّبت تلك الفصول معًا لتشكل فسيفساء فائقة التدقيق، تنقل لباحثي التربية المقارنة والمعنيين بها طبيعة واهتمامات بحوث ميداننا المعرفي.

ولا يمكن في هذا الصدد إخفاء حقيقة أنني حين شرعت في ترجمة هذا الكتاب، كنتُ مدفوعة بالرغبة في تقديم إجابات عن أسئلة كثيرة تثير انتباه المتخصصين في الميدان وباحثيه، بشأن تطوره وأهمية تحليل الدراسات التربوية المقارنة، وتبيان كيف يمكن إجراء بحوث تربوية مقارنة تحوي تحليلات متعددة المستويات لوحدات عديدة ثرية تنبئ عن ثراء ميداننا المعرفي.

غير أنه قد بزغت لديَّ العديدُ من التساؤلات بانتهاء ترجمتي لهذا الكتاب، والتي تحرك شغف الباحث وتفتح له آفاقًا واسعةً للبحث والتدقيق الدؤوبين لمواصلة العمل في هذا الميدان.

وأخيرًا، فالكمالُ للهِ وحدَه، إليهِ يرجعُ الأمرُ كلهُ، هو نِعْمَ المولى ونِعْمَ النصيرِ، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدَ للهِ ربِّ العالمينَ.

المترجمة

حنان محمود عبد الرحيم

إهداء

أُهدي هذا العمل

إلى أمي، وكفى بها نعمة منحني الله إياها؛ فاللهَ أسألُ أن يمتِّعَها اللهُ بموفورِ الصحةِ والعافيةِ، وجعلَ أنفاسِي –قبلَ أعمالِي– في ميزانِ حسناتِها.

كما أهديه لدكتور مارك براي، امتنانًا لدعمه السديد وعطائه الدائم.

وكذلك لأساتذتي الأجِلَّاء وأصحابِ الفضلِ عليَّ، البازغين في الصورة، والكامنين بقوةِ إخلاصِهِم خلفها.

خالصُ الشكرِ والتقديرِ لهم جميعًا