الفصل الرابع

مقارنة الأماكن

ركّزت بحوث التربية المقارنة عبر تاريخها على تحليل الكيانات الجغرافية باعتبارها وحدات أساسية للمقارنة، إذ شكّلت هذه الكيانات إطارًا واضحًا لرصد التباينات والتماثلات بين النظم التعليمية في سياقات متعددة، ويكشف هذا الكتاب أن إمكانات التحليل المقارن لا تقتصر على البعد الجغرافي، بل تشمل وحدات تحليل أخرى ترتبط بالسياسات والمناهج والثقافات والأنظمة، ومع ذلك فإن هذه الوحدات لا تُفهم بمعزل عن مواقعها، إذ تظل الجغرافيا حاضرة في بنيتها ومؤثرة في دلالاتها، مما يجعل تحليل الكيانات الجغرافية خطوة تأسيسية لا غنى عنها في فهم التعليم من منظور مقارن.

صمّم براي وتوماس عام 1995 مكعّبًا يهدف إلى تصنيف الدراسات المقارنة في التربية استنادًا إلى مستويين من التحليل: مستوى طبيعة الوحدة المقارنة، ونوع التحليل المستخدم في الدراسة، وقد شدّدا على أن هذا التصنيف لا يمكن اعتباره شاملًا أو نهائيًا، بل أقرّا بإمكانية اكتشاف وحدات تحليل إضافية لم يشملها النموذج الأصلي. ويتناول هذا الفصل بالدراسة والتحليل البُعد الجغرافي ضمن مكعّب التحليل المقارن، مع التوسّع في استكشاف وحدات أخرى لم تُذكر صراحة في ذلك النموذج، لكنها كانت حاضرة ضمنًا في بعض تطبيقاته. وتستخدم الكاتبة مقال براي وتوماس باعتباره نقطة مرجعية تستند إليها في مراجعة الأدبيات التي نُشرت بعد صدور المقال، وتُجري من خلال هذا الاستناد مراجعة تحليلية تستهدف ثلاثة محاور رئيسة: أوّلها تتبّع تطوّر الخطاب المرتبط بوحدات التحليل في الأدبيات اللاحقة، وثانيها الكشف عن بعض الوحدات التي لم تُذكر بوضوح في نموذج براي وتوماس لكنها تشكّل امتدادًا ضمنيًا له، وثالثها عرض أمثلة توضّح كيف استُخدمت الأماكن كوحدات للمقارنة، سواء كانت المقارنة تتم على مستوى واحد أو على مستويات متعددة، بهدف إلقاء الضوء على الإشكالات المنهجية التي تُثيرها هذه الاستخدامات المتنوعة.

يتكوّن هذا الفصل من أربعة أقسام رئيسة، يفتتح أولها بعرض مجموعة من المداخل العامة التي يعتمد عليها الباحثون عند تناول الدراسات المقارنة في ميدان التربية، ويليه قسم ثانٍ يُخصّص لاستعراض ملاحظات إضافية تتعلّق بنموذج براي وتوماس وتسهم في توسيع فهم القارئ لهذا النموذج وأبعاده، ثم يأتي القسم الثالث، وهو الأوسع من حيث الحجم والأغنى من حيث الطرح، ليُركّز على تحليل البُعد الجغرافي، مُقدّمًا طيفًا متنوعًا من الأمثلة التي تُبيّن كيف يمكن اعتماد الكيانات الجغرافية نقاطًا مرجعية في تحليل الظواهر التربوية، ويُختتم الفصل بقسم رابع يُقدّم خلاصة منهجية تضمّ مجموعة من القضايا والأسئلة التي يتعيّن على الباحثين أخذها في الحسبان عند إجراء تحليل المقارنات بين الأماكن.

النهج والآليات البحثية المُستخدَمة في تحليلات التربية المقارنة

ينبغي أولًا توضيح مفهوم "وحدة التحليل"، لما له من أهمية بالغة في البحوث الاجتماعية، إذ يُقصد بها الكيان الأساسي الذي تُجرى عليه الدراسة ويتركّز عليه مجمل النشاط البحثي، فهي ما تجيب عن السؤال المحوري: "من هو محل التحليل؟" أو "ما الذي يُخضعه الباحث للتحليل؟" وتتمثّل وحدات التحليل الأكثر شيوعًا في الأفراد بوصفهم عناصر أولية، أو الجماعات الاجتماعية التي تُدرَس بوصفها كيانات مترابطة، أو المؤسسات التي تمثل بُنى تنظيمية ذات أدوار محددة، أو النتاجات الاجتماعية والثقافية، أو حتى التفاعلات والعلاقات بين الفاعلين في سياقاتهم اليومية. وقد ميّزت أدبيات علم الاجتماع المقارن، كما في أعمال (راغين، 2006)، بين معنيين أساسيين لهذا المفهوم: وحدة الملاحظة ووحدة التفسير. فالأولى تُشير إلى المستوى الذي تُجمَع عنده البيانات وتُحلّل وفقًا له، ويُقصد بها الإطار الذي تُرصَد فيه الوقائع وتُسجَّل المؤشرات، أما الثانية فهي المستوى الذي تُبنى عنده التفسيرات وتُعزى إليه الاتجاهات والنتائج، وقد يكون مختلفًا عن مستوى جمع البيانات، إذ يتطلّب تفسيرها الرجوع إلى أنساق أوسع أو مستويات أعلى. وفي هذا الفصل، تُستخدم الوحدات الجغرافية في كلا المعنيين؛ فهي من جهة تُعبّر عن المستوى الذي تُستقى فيه البيانات وتُعالَج تحليلًا، ومن جهة أخرى تُشير إلى المستويات التي تُبنى عندها التفسيرات النظرية، سواء أكانت فردية تُركّز على سلوك الأفراد وتوجّهاتهم، أم مؤسسية تُحلّل الهياكل التنظيمية، أم وطنية تُعالج السياسات العامة، أم إقليمية تنظر في التكتلات الجغرافية، أو متعددة المستويات تأخذ في الاعتبار تشابك العوامل وامتدادها بين مستويات مختلفة.

تميّزت الدراسات المقارنة في التربية بتركيزها الجغرافي الواضح، إذ انصرفت في معظمها إلى تحليل الظواهر التربوية كما تتجلّى في أماكن متعدّدة ومتنوعة، وقد اختارت هذه الدراسات في غالب الأحيان وحدات تحليل تنتمي إلى مستويات اجتماعية كبرى، كان أبرزها الدولة القومية، بوصفها الكيان الأشمل الذي يمكن رصد السياسات والممارسات التعليمية ضمنه. ويمكن ملاحظة هذا الاتجاه بوضوح في الأعمال التأسيسية لعدد من الباحثين البارزين، مثل (سادلر 1900) و(كاندل 1933) و(بيرداي 1964) و(فافونوا وآيسيكو 1982) و(غو 1986)، حيث اعتمدت جميعها على الدولة كوحدة مركزية لتحليل النظم التربوية ومقارنتها.

الجدول 4.1: تحليلات دراسة الحالة المقارنة

النُظم الأكثر اختلافًا (mdS)

النُظم الأكثر تشابهًا (msS)


الأنظمة الأكثر اختلافًا – النتائج الأكثر تشابهًا

(mdS) (msO)

الأنظمة الأكثر تشابهًا – النتائج الأكثر تشابهًا

(msS) (msO)

النتائج الأكثر تشابهًا (msO)

الأنظمة الأكثر اختلافًا – النتائج الأكثر اختلافًا

(mdS) (mdO)

الأنظمة الأكثر تشابهًا – النتائج الأكثر اختلافًا

(msS) (mdO)

النتائج الأكثر اختلافًا (mdO)

المصدر: بيرغ شلوسر (2001)، ص 2430.

تُستَخدم المقارنة في البحث التربوي لتحقيق أهداف متعددة ودوافع متنوعة، كما توضّح ذلك بعض الدراسات المرجعية من بينها ما أورده (فيليبس وشفايسفورث، 2007، ص 7–25). ومن بين هذه الدوافع، يبرز نوعان رئيسان يحددان مسار الدراسة ومنهجها بصورة مباشرة. الأول هو الدافع التفسيري، حيث يركّز الباحث على استجلاء المعنى الكامن وراء الظواهر التربوية، وفهم طبيعتها في سياقاتها المكانية والثقافية والاجتماعية. أما الثاني، فهو الدافع التحليلي السببي، الذي يستهدف الكشف عن الأسباب المعقدة خلف الظواهر، وتحليل مدى تعقيد الشبكة السببية المؤدية إلى نتائج معينة، سواء كانت هذه النتائج متشابهة أو متباينة. وقد أشار (راغين وأموروزو، 2011) إلى أن الطرائق المقارنة يمكن أن تُوظَّف لتفسير عناصر التشابه في النتائج أو تفسير أوجه الاختلاف بينها. وفي هذا السياق، يقدّم الجدول 4.1 تصنيفًا لأربعة أنماط من دراسات الحالة المقارنة، موضحًا الفرق بين المقارنة التي تركز على النُظم أو الحالات، وتلك التي تركز على النتائج المحققة.

قدّم (بيرداي) في كتابه الراسخ "الطريقة المقارنة في التربية" (1964) معالجة منهجية تُعد من أبرز الإسهامات في مسار الدراسات التفسيرية، إذ ميّز بين نوعين من الدراسات التحليلية: دراسات تُركّز على منطقة جغرافية واحدة داخل بلد أو إقليم معيّن، ودراسات تتناول المقارنة المتزامنة بين بلدان أو أقاليم متعددة بهدف تحليل أوجه الشبه والاختلاف في الظواهر التربوية. ومن أبرز ما ورد في هذا العمل، منهجه الرباعي في التحليل المقارن، والمبيّن في الشكل 4.1، والذي يقوم على أربع مراحل مترابطة: الوصف، ثم التفسير، فالمقابلة، وأخيرًا المقارنة المتزامنة. وقد أوضح (بيرداي) أن وظيفة مرحلة المقابلة هي تحديد الأساس الذي تُبنى عليه المقارنة الصائبة، وصياغة الفرضية التي يتم في ضوئها تفسير أوجه الشبه أو التباين (ص 9–10).

الشكل 4.1: نموذج بيرداي لإجراء الدراسات المقارنة

Shape1

المصدر: بيرداي (1964)، ص 28.

تُعدّ خطوة تحديد المعايير الأولية التي تتيح إجراء مقارنة عادلة بين وحدات التحليل ضرورة لا يمكن تجاوزها في أي بحث مقارن، إذ لا تكتسب المقارنة معناها وجدواها ما لم تنطلق من أساس مشترك قابل للقياس. وقد أشار (براي) عام 2004 (ص 248) إلى أن التحليل الإرشادي يصبح ممكنًا فقط حين تمتلك وحدات المقارنة قدرًا كافيًا من القواسم المشتركة يسمح بفهم الفروقات بينها وتحليلها بعمق. ومن هنا، فإن استكشاف بُعد محدد من أبعاد التشابه بين حالتين أو أكثر يشكّل أساسًا منهجيًا لا غنى عنه لإجراء مقارنة سليمة ومُبرّرة علميًا، كما بيّنت (شتاينر–خامسي) عام 2009. ولا ينبغي التعامل مع هذه المقارنات بطريقة آلية تقتصر على تسجيل أوجه التشابه والاختلاف بين الأماكن، بل يجب التعمّق في السياق الذي تتشكّل فيه هذه الأوجه، وتحليل مدى علاقتها السببية بالظاهرة التربوية موضع الدراسة. فالدراسة المقارنة ذات القيمة العلمية هي التي تنجح في الكشف عن مدى التشابه والاختلاف بين وحدات التحليل، وتفسير أسبابهما، والوقوف على العوامل المؤثرة فيهما، والعلاقات المتبادلة بين هذه العوامل. وقد قدّم كل من (كوبو) و(فوسوم) عام 2007 أداة مفيدة في هذا السياق، تمثّلت في جداول مقارنة توضّح الفروقات بين الدول التي دُرست، بناءً على عوامل ديموغرافية وجغرافية طبيعية وسياسية–اجتماعية تُسهم في تشكيل واقع التعليم في تلك السياقات، كما هو مبيّن في الشكل 4.2.

حين تهدف المقارنات إلى فهم العلاقة السببية بين حالتين أو أكثر، تكتسب معايير المقارنة أهميتها من مدى ارتباطها بأسباب المعضلة التربوية التي يسعى البحث إلى فهمها وتحليل أبعادها، وليس لمجرد تحقيق التماثل الشكلي بين الحالات المدروسة. وقد حدّد (راجن) سنة 1987، في الصفحات 45 و47 و48، ثلاث خطوات رئيسية يعتمد عليها الباحثون في البحوث المعتمِدة على دراسة الحالة، لتكوين فهم معمّق للعلاقات السببية في الظواهر التعليمية من خلال التحليل المقارن.

تختلف وحدات المقارنة في بعض الحالات من حيث الظاهر، غير أن الظواهر التربوية في كلٍّ منها تُفضي إلى نتيجة مشتركة (انظر النموذج "نُظم شديدة الاختلاف msO)) – نتائج شديدة التشابه mdS))" في الجدول 4.1). وقد أوضح (راجن) (1987، ص 47) ما يلي:

يتعين على الباحثين أن يضعوا في حسبانهم احتمال أن تكون السمات التي تبدو مختلفة في ظاهرها — مثل اختلاف نظم الحوافز من حيث النوعية أو طبيعة التطبيق — ذات نتائج متطابقة في الجوهر، إذ تنطوي هذه السمات على تكافؤ سببي عند تحليلها على مستوى تجريدي أعلى، حتى وإن لم يظهر هذا التكافؤ على المستوى القابل للرصد المباشر. وهذا يعني أن بعض أوجه التباين الظاهري بين عنصرين قد تُخفي وراءها سببًا مشتركًا غير مرئي على السطح، لكنه يتجلّى عند النظر في السياقات النظرية العميقة.

الشكل 4.2: نقاط التقارب في بيئات مختلفة

البرازيل

العوامل السكانية ودورها في تشكيل السياسات والممارسات التربوية




ما أثر السمات السكانية على المنظومة التعليمية؟

جنوب أفريقيا

السِمة: ارتكزت البنية الثقافية في البرازيل على مساهمات ثلاث جماعات إثنية رئيسة: السكان الأصليون أو ما يُعرف بالهنود، والبرتغاليون الأوروبيون، والأفارقة الذين جُلبوا للعمل قسرًا في مزارع المناطق الساحلية خلال فترة اتسمت بالاعتماد الكبير على العبيد.

السِمة: يُشكّل السكان من أصل أفريقي نحو ثلاثة أرباع إجمالي سكان جنوب أفريقيا، في حين يُشكّل المنحدرون من أصل أوروبي (وأغلبهم من أصول بريطانية أو هولندية) نسبة 10.9%، وتبلغ نسبة السكان ذوي الأصول المختلطة 8.9%، بينما تبلغ نسبة السكان من أصل آسيوي، ومعظمهم من أصول هندية، حوالي 2.6%.

الاستجابة: أدّت قرون من التزاوج بين الجماعات المختلفة وما رافقها من تمازج عرقي وثقافي إلى تكوين تركيبة سكانية فريدة في البرازيل، حيث تبلورت عبر هذه العملية هوية مجتمعية جديدة تُعبّر عن "عرق برازيلي" يحمل طابعًا موحّدًا لكنه في جوهره نتاج لتنوّع معقّد. ورغم أن معظم البرازيليين لا ينحدرون من سلالة تنتمي حصريًا إلى مجموعة واحدة، فإن الإحصاءات تشير إلى أن أكثر من نصف السكان يَعتبرون أنفسهم من ذوي البشرة البيضاء.

الاستجابة: بدأت عقيدة الفصل العنصري تترسخ بوضوح في جنوب أفريقيا مع صعود حزب الوطنيين المعروف بتوجهاته المؤيدة للفصل العنصري إلى السلطة عام 1948، حيث شرع في تطبيق سياسات تعليمية ممنهجة تهدف إلى تكريس التمييز العرقي، وكان أبرزها تأسيس نظام "تعليم البانتو" عام 1953 لتقييد تعليم السكان السود ضمن أطر ضيقة، تلاه في عام 1963 إنشاء منظومة تعليمية منفصلة لأبناء العرق المختلط الذين يُطلق عليهم "الملوّنون"، وكذلك للسكان من أصول هندية.

الأثر التعليمي: برغم ما تشير إليه المؤشرات من أن الجماعات العرقية المهمّشة في البرازيل تواجه تحديات في الحصول على فرص تعليمية عادلة، فإن النزوع الجماعي نحو الانتماء إلى العرق السائد ذي الهيبة الاجتماعية جعل من الصعب الاعتراف العلني بأن التمييز العنصري يشكّل عائقًا فعليًا في المجال التعليمي. وقد ترتّب على هذا الوضع غياب الاعتراف الرسمي أو الشعبي بتأثيرات التمييز العرقي في حرمان بعض الفئات من فرص تعليمية متساوية مع غيرها.

الأثر التعليمي: أرسى نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا بُنى تعليمية تفريقية تنطوي على أربعة نظم مدرسية متمايزة، إذ رسّخ هذا النظام في جوهره مبدأ التفاوت في فرص التعليم والوصول إليه بحسب الانتماء العرقي، وظل سائدًا حتى تصاعدت حركات المعارضة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، مما مهّد الطريق لانهياره وانتخاب (نيلسون مانديلا) عام 1994 كأول رئيس للبلاد من الأغلبية السكانية ذات الأصل الإفريقي.

المصدر: (كوبو) و(فوسوم)، 2007، ص 129.

تشير دراسات (راجن) إلى حالات تتشابه في ظاهرها، بما يُعرف بـ"تماثل سطحي ينطوي على أصل مشترك"، ولكنها تؤدي إلى نتائج متباينة، كما هو الحال في النمط msS–mdO في الجدول 4.1. في مثل هذه الحالات، ينبغي للباحث المقارن أن يتقصّى بعناية الفارق السببي الجوهري الذي يفسّر التباين في النتائج بين وحدات تبدو متشابهة نسبيًا. ويؤكد (راجن) في موضع آخر أن تحليل أوجه التشابه والاختلاف ضمن السياقات المختلفة يُتيح إمكانية الكشف عن كيفية امتلاك تراكيب شرطية متنوعة لقيمة سببية واحدة، أو كيف أن عوامل سببية متشابهة قد تُفضي إلى نتائج متضادة حين تعمل في سياقات متباينة. وفي هذا السياق، يُشيد (كروسلي) (2009)، الذي عُرف بمناصرته لأهمية السياق في البحوث التربوية، بإطار (براي) و(توماس) (1995) بوصفه نموذجًا فاعلًا يُمكّن من تحليل السياقات على مستوياتها المختلفة ومقارنتها ضمن منظور تربوي شامل.

تُعدّ النقاط المنهجية التي طُرحت في هذا الفصل أساسًا يمكن البناء عليه في الدراسات المقارنة التي لا تقتصر على الأماكن، بل تشمل وحدات تحليل أخرى ورد تناولها في فصول هذا الكتاب. وتُستخدم هذه النهج المنهجية هنا كعدسة تحليلية نُمعن من خلالها النظر في النماذج التوضيحية التي قورِنت فيها أماكن مختلفة، بغرض تحليلها وتقييمها وفق منظور نقدي منهجي. وتُتيح الكيانات الجغرافية تنوعًا واسعًا في وحدات التحليل المعتمدة في البحث التربوي المقارن، إذ تمتد هذه الوحدات من المستوى الكلي الذي يشمل الأقاليم الكبرى حول العالم، وصولًا إلى المستوى الجزئي الذي يتناول الفصول الدراسية، بل حتى الأفراد أنفسهم، وهو ما يجعل من تحليل الأماكن مدخلًا ثريًا لفهم الظواهر التربوية عبر مستويات متباينة وسياقات متعددة.

نموذج (براي) و(توماس) التحليلي في بحوث التربية المقارنة

يعرض مكعب براي وتوماس الوارد في مقدمة هذا الكتاب في الشكل 0.1 تصورًا تحليليًا ثلاثي الأبعاد يُستخدم لتصنيف محاور الدراسات المقارنة في التربية. يتضمن البُعد الأول الجانب الجغرافي أو المكاني ويشتمل على سبعة مستويات تبدأ من الأفراد وتنتهي بالمناطق العالمية. ويغطي البُعد الثاني المجموعات السكانية التي لا ترتبط بمكان جغرافي معين مثل الفئات العمرية أو العرقية أو الدينية. أما البُعد الثالث فيركّز على العناصر المرتبطة بالتعليم والمجتمع ويشمل المكونات التي تشكل البيئة التعليمية والسياق المجتمعي المحيط بها. وتستهدف هذه الأبعاد الثلاثة الإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسة في التحليل المقارن هي: أين تقع الظاهرة؟ من المعني بها؟ وما الذي يتم تحليله في محتواها؟

تناول عدد متزايد من الباحثين مفهوم "الحيز" منذ سبعينيات القرن الماضي، وهو ما أشار إليه كل من (سوبي) و(فيشر) (2009)، و(سيماكو) و(بروك) (2013)، باعتباره تحوّلًا مفاهيميًا نحو البُعد المكاني في الدراسات المعرفية خارج نطاق التربية المقارنة. وقد قدّم (ليفيبر) (1991) تصورًا للحيز بوصفه نتاجًا اجتماعيًا متجذرًا في منظومة من القيم التي تُوجّه الممارسات والتصورات الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، تبنّى هؤلاء الباحثون منظورًا ثقافيًا اجتماعيًا لفهم الحيز، متجاوزين بذلك النظرة الطبيعية أو المكانية المحضة. وقد انسجم هذا التوجه مع طروحات عدد من منظّري التربية المقارنة الذين تنبّهوا إلى أثر التحولات الجيوسياسية في هذا المجال، ودعوا إلى توسيع وحدات التحليل وإعادة النظر في فضاءات المقارنة، كما يظهر في أعمال (كووين) (2009أ)، و(كروسلي) و(واتسون) (2003)، و(ويلش) (2008). وبعيدًا عن البعد الثقافي، اقترح هؤلاء الباحثون توسيع نطاق التحليل ليشمل أبعادًا سياسية واقتصادية ذات صلة بالسياقات التربوية عند تصنيف الأماكن بهدف المقارنة. وقد ذهب (رابلي) (2010: 74) إلى أن الحيز لا بد من فهمه في علاقته المتبادلة مع الحيز الدولي الجمعي، ومع الحيز الاجتماعي النوعي الذي تنتظم فيه العلاقات بين الدول. وتتعدّد أشكال الحيز التي يمكن إدراجها ضمن البعد المكاني في نموذج (براي) و(توماس)، لتشمل التصنيفات الجغرافية المستندة إلى الخلفيات الاستعمارية، أو الانتماءات الدينية، أو التحالفات الاقتصادية، أو السمات الثقافية المعرفية. فعلى سبيل المثال، تُصنّف مناطق أفريقيا جنوب الصحراء بحسب القوى الاستعمارية السابقة، كالاستعمار البريطاني أو الفرنسي أو البرتغالي، وهو ما يوفّر أرضية ثرية لإجراء المقارنات. أما من زاوية الانتماء الديني والتاريخ السياسي المشترك، فتُقدّم دراسة (سيلوفا) وآخرين (2007) حول ست دول مستقلة حديثًا في آسيا الوسطى وأذربيجان مثالًا بارزًا على هذا النمط من المقارنة. ومن جهة أخرى، تتيح التكتلات الاقتصادية الإقليمية وحدات تحليلية ذات طابع إرشادي، وهو ما أكّده (كووين) (2002: 275) عند حديثه عن هذه الوحدات بوصفها مجالًا واعدًا للمقارنة التربوية:

شهدت أوروبا الغربية والوسطى، وأمريكا الشمالية، وشرق آسيا وجنوبها، وأمريكا الجنوبية نشوء تكتلات إقليمية ذات أثر متزايد على البنية التعليمية، إذ مهّدت هذه التكتلات لظهور أشكال من التكافؤ بين الأنظمة التعليمية، وساهمت في تنقّل الكفاءات المهنية عبر الحدود، وربطت بين الجامعات وقطاعات البحث والتطوير، إلى جانب نشوء هويات فردية مركبة تحمل سمات ثقافية متعددة. ومن المحتمل أن تؤدي هذه التغيرات إلى تقارُب ملحوظ في بعض عناصر التعليم، مثل المناهج والتقويم، بين نظم تعليمية كانت سابقًا وطنية ومنفصلة.

يمكن إدراج التكتلات الإقليمية بسهولة نسبية ضمن مكعب براي وتوماس، وتحديدًا في مستوى المناطق العالمية. وعلى الرغم من بروز هذه الوحدات الاجتماعية الجديدة التي تشهد نوعًا من التقارب، فإن هناك اتجاهًا معاكسًا يتجلى في تزايد النزعات الانفصالية داخل بعض المجموعات الاجتماعية التي تُعبّر عن هويّات دون وطنية قوية، كما هو الحال لدى البريتون والكتالونيين والأسكتلنديين، ممّا يفتح المجال أمام بؤر جديدة للمقارنة. ولذلك أشار (كوين 2000أ، ص 5) إلى أنّ الباحثين في التربية المقارنة يواجهون اليوم تحديًا يتمثّل في ممارسة تفكير متعدد الأبعاد، بما يشبه خوض مباراة شطرنج على ثمانية أو تسعة مستويات مختلفة من التحليل.

ارتبطت آثار العولمة الاقتصادية بظاهرة حديثة تُعرف باسم "شتات المعرفة"، وهو ما أشار إليه (ويلش 2008)، وأسفر عن نشوء مجتمعات معرفية جديدة تتجاوز الحدود الوطنية والإقليمية. وبرز تطور آخر يعيد تشكيل مشهد التربية المقارنة، ويتمثل في التوسّع الملحوظ في الجامعات "الافتراضية" والفصول الدراسية عبر الإنترنت، نتيجةً للتقدّم في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كما أوضح (غوري–روزنبلِت 2001). ولا تنتمي هذه الكيانات إلى موقع جغرافي معيّن، بل تنشط في "الفضاء الإلكتروني". وعلى الرغم من بقاء المدرسة أو الفصل الدراسي وحدةً أساسية للتحليل (في المستويين 5 و6 من مكعب براي وتوماس)، فإن الطابع الافتراضي لعمليتي التعليم والتعلّم يُدخل عناصر وقوى جديدة إلى ساحة المقارنة التربوية.

تبرز في سياق آثار العولمة الاقتصادية ظاهرة حديثة تُعرف بـ "شتات المعرفة" كما وصفها (ويلش 2008)، وهي ظاهرة ساهمت في نشوء مجتمعات معرفية جديدة تتخطى الحدود الوطنية والإقليمية، وتقوم على روابط فكرية ومهنية عابرة للجغرافيا التقليدية. كما برز تطوّر آخر غيّر من خرائط المقارنة التربوية وأعاد تشكيلها، ويتمثّل في ازدياد الجامعات والفصول الدراسية "الافتراضية"، التي ظهرت نتيجة التقدم المتسارع في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وما صاحبها من تحوّلات في أنماط التعلّم والتدريس. وهذه الكيانات التعليمية الجديدة لا تنتمي إلى مكان جغرافي فعلي، بل توجد وتعمل في فضاء رقمي افتراضي يُعرف بـ "الفضاء السيبراني". وعلى الرغم من أن المدرسة والفصل الدراسي لا يزالان يُعدّان وحدتين معتمدتين في التحليل (المستويين 5 و6 من المكعب)، فإن نمط التعليم الرقمي يُدخل عناصر وقوى جديدة وغير تقليدية على التجربة المقارنة، بما يتطلب إعادة التفكير في أدوات التحليل ومجالات المقارنة.

الكيانات الجغرافية بوصفها وحدات للتحليل

ينطلق هذا القسم من تحليل البعد المكاني في نموذج مكعب براي وتوماس، مُسلّطًا الضوء على المستويات الجغرافية السبعة التي تشكّل قاعدة للمقارنة، ابتداءً من النطاق الأوسع الذي يشمل الأقاليم العالمية والقارات، وانتهاءً بالمستوى الفردي الذي يعكس التجربة التعليمية على صعيد الشخص الواحد. وتُستعرض في هذا السياق دراسات مقارنة مختارة، لا بهدف التمثيل فقط، بل للكشف عما تحمله من دلالات منهجية، واستجلاء مدى قدرتها على توضيح الظواهر التربوية التي تتناولها وتحليلها بعمق ووعي نقدي.

المستوى الأول: الأقاليم العالمية والقارات

أوضح (براي) و(توماس) (1995، ص 474) طبيعة المقارنات التي تُجرى على مستوى المناطق العالمية والقارات، وكشفا عن الفرضيات التي تقوم عليها هذه المقارنات، والتحديات المنهجية التي يواجها الباحثون في التربية المقارنة عند الخوض فيها.

تناولت مؤلفات عديدة طبيعة الأنماط التعليمية السائدة في مناطق مختلفة من العالم، وغالبًا ما تُستخدَم تسميات شائعة للدلالة على هذه المناطق، مثل دول البلقان، والمجموعة الأوروبية، ومنطقة الكاريبي، وجنوب المحيط الهادئ للدلالة على هذه المناطق. وتشمل أعمال موازية على المستوى الكلي تحليلات تتّخذ القارة وحدة رئيسية، وتركّز على مواقع مثل أفريقيا، أو أمريكا الجنوبية، أو آسيا.

تفترض غالبية المقارنات الإقليمية وجود سمات مشتركة تُميّز كل منطقة عن الأخرى بطرق ذات دلالة تربوية. وقد تشمل هذه السمات الموحِّدة عناصر مثل اللغة، ونمط التنظيم السياسي، والتاريخ الاستعماري، والنظام الاقتصادي، والتطلعات الوطنية، والأصول الثقافية. وتواجه المقارنات العابرة للمناطق ثلاث تحديات رئيسة، أولها إقناع القارئ بأن السمات المطروحة على أنها موحِّدة للمنطقة هي في الواقع مشتركة بين أعضائها، ثم إثبات أن منطقتين أو أكثر تتشابهان أو تختلفان بشكل جوهري في هذه السمات، وأخيرًا، البرهنة على أن تلك التشابهات والاختلافات تحمل دلالات مؤثرة في الشأن التربوي.

تُشكّل هذه الملاحظات إطارًا استرشاديًا للنقاش التالي، الذي يتناول أمثلة توضح تنوع السبل التي يمكن من خلالها اعتماد المناطق بوصفها وحدات مقارنة في الدراسات التربوية. ويتناول المثال الأول مقارنة نوعية تستعرض الفروقات بين كتل اقتصادية إقليمية، أما المثال الثاني فيتناول دراسة كمية استندت إلى تقسيمات إقليمية عالمية مصطنعة صُمّمت خصيصًا لأغراض البحث المقارن.

ركّزت الدراسة الأولى على تحليل ثلاث تكتلات اقتصادية إقليمية بارزة، وهي: الاتحاد الأوروبي (EU)، واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA)، ومنظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (APEC). وقد عالجها (ديل) و(روبرتسون) (2002) بوصفها نماذج دالّة على العولمة وتأثيراتها المتنامية، وسعيا إلى كشف انعكاساتها على سياسات التعليم في الدول الأعضاء. وامتد نطاق الدراسة ليشمل ثلاث قارات، واستند إلى منهج نوعي تحليلي.

نتجت الهياكل التي تتجاوز حدود الولاية الوطنية مثل الاتحاد الأوروبي و(NAFTA) و(APEC) عن قرارات واعية اتخذتها الحكومات الوطنية، تهدف إلى منح هذه الكيانات مساحة من الاستقلالية من أجل تحقيق أهداف جماعية محددة. ومع أن هذه التكتلات تستند إلى تقسيمات جغرافية مشتركة، حتى وإن كانت مُصطنعة لغرض التحليل، فإن عنصر التماسك فيها ينبع من الإرادة السياسية لأعضائها، وهي إرادة قد تُخفف من وقع التفاوتات داخل الإقليم الواحد. ومن هذا المنطلق، تُوفّر المنظمات الإقليمية إطارًا تحليليًا عمليًا ونافعًا لفهم الإقليم بوصفه وحدة قابلة للدراسة.

أكّد (ديل) و(روبرتسون) (2002، ص 18) رغم ما سبق أن المنظمات الإقليمية تتداخل ضمن منظومة مؤسسية مركّبة، ترتبط فيها بممارسات ثقافية وسياسية متنوعة، وتتشابك مع تحوّلات عالمية أوسع نطاقًا. ومن أبرز ما يُميّز هذه المنظمات عن بعضها البعض اختلاف عدد أعضائها وتنوع خلفياتهم. ففي عام 2013، اقتصرت (NAFTA) على ثلاث دول، بينما بلغ عدد أعضاء الاتحاد الأوروبي 28 دولة، أما منظمة (APEC) فقد جمعت 21 دولة، من بينها دول لا تنتمي جغرافيًا إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وأكمل الباحثان (2002، ص 29) توضيح هذا الأمر قائلين إن:

ما يمنح منظمة (APEC) طابعًا فريدًا عن كلٍّ من الاتحاد الأوروبي و(NAFTA) هو تنوّع الدول المنضوية تحت مظلتها، إذ تشمل في عضويتها بلدانًا تتفاوت تفاوتًا شديدًا في مستويات الدخل، بدءًا من الولايات المتحدة وانتهاءً ببابوا غينيا الجديدة. كما تتباين هذه الدول في خلفياتها الثقافية والديانات السائدة فيها، فضلًا عن أن نظمها التعليمية لا تزال تحمل آثارًا موروثة من عصور استعمارية مختلفة، مما يجعل مشهد التعليم فيها بالغ التنوّع من حيث البنية والمضامين والغايات.

الشكل 4.3: رسم خرائط ديناميكيات العولمة من خلال المنظمات الإقليمية

متغيّرات لتحديد التأثيرات الخارجية في سياسات التعليم وممارساته

البنية التنظيمية للاتحاد الأوروبي وأهدافه

البنية التنظيمية لـ (NAFTA) وأهدافها

البنية التنظيمية لـ (APEC) وأهدافها

أنماط النفوذ التنظيمي، بما يشمل التأثيرات العلنية والخفية في اتخاذ القرار:

  • اتخاذ القرارات الحاسمة

  • صياغة جدول الأعمال

  • الأطر والقواعد التي تنظّم التفاعل بين الأطراف




طبيعة التأثير (سواء أكان مباشرًا أم غير مباشر) في:

  • العلاقات السياسية التي تُوجّه السياسات التعليمية

  • الديناميات السياسية داخل المنظومة التعليمية نفسها




آليات التأثير ووسائله:

  • الاستراتيجيات

  • الخطوات التنفيذية

  • الأدوات المُستخدمة




نطاق التأثير: مدى النفوذ المُمارس على المستويات المختلفة للنظام التعليمي، ويُقاس من خلال:

  • السيادة

  • الاستقلال الذاتي




المصدر: ديل وروبرتسون (2002)، ص 19.

يمثّل هذا المثال نموذجًا إرشاديًا من حيث منهجه المقارِن، إذ يعبّر في أحد أوجهه عن تأثّر بأسلوب بيرداي القائم على المقابلة والتحليل المتدرج لبناء المقارنة. وقد عمد الباحثان إلى توصيف وتحليل كل من شكل المنظمات الإقليمية الثلاث وغرضها، ثم ربط ذلك بأثرها في السياسات التعليمية، مستندَين إلى متغيّرات محورية مثل مدى النفوذ، ونطاقه، ووسائل التأثير (وفق الشكل 4.3). وقد نُفذت المقارنة تدريجيًا عبر تحليل حالة NAFTA أولًا، ثم جاءت مقارنة الاتحاد الأوروبي بها، وأُضيفت APEC في مرحلة ثالثة للمقارنة مع الكيانين السابقين. وتتميّز هذه الدراسة بما تتّسم به من تنظيم منهجي وتحليل متماسك للقضايا، يجعلها مثالًا يُحتذى في مجال الدراسات المقارنة.

تبرز في المقارنة بين الكيانات الإقليمية الثلاث فكرة محورية مفادها أن ازدياد التنوع بين الأعضاء في مجالات مثل الثروة الاقتصادية، والانتماء الديني، والخلفيات الثقافية، وطبيعة النظم التعليمية، مما يؤدي إلى ضعف مستوى الترابط والتكامل بينها. ويتجلّى ذلك بوضوح في تباين سياسات التعليم لدى الدول الأعضاء في APEC، مقارنةً بنهج التوحيد المعتمد في الاتحاد الأوروبي، والنظام القائم على القواعد في NAFTA. وتُعد الدراسة الإقليمية بهذا النطاق والعمق مدخلًا واعدًا لأبحاث مستقبلية تتتبّع الظروف المؤسسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشكّل موقع كل عضو في التجمّع، سعيًا إلى فهم العوامل التي تفسّر أسباب التقارب أو التباين في استراتيجياتها التعليمية.

ويعرض المثال الثاني شكلًا من أشكال التجمّع الإقليمي القائم على التقارب الجغرافي، وهو معيار تقليدي لطالما استُخدم في تصنيف الأقاليم. ويُظهر الجدول 4.2 بعضًا من معدّلات محو الأمية بين فئة الشباب في أقاليم رئيسة من العالم، إلى جانب تصنيفات أخرى وردت ضمن بيانات البنك الدولي (2013أ). ويلاحظ أن الجدول الكامل كما نشره البنك الدولي يتضمّن أيضًا تكتّلات مبنية على اعتبارات أخرى، مثل "الدول الصغيرة" و"الدول الأقل نموًا".

الجدول 4.2: معدلات إلمام الشباب بالقراءة والكتابة بحسب أقاليم العالم


النسبة المئوية من مجموع السكان

الوطن العربي

88%

شرق آسيا والمحيط الهادئ

%99

أوروبا ووسط آسيا

%99

أمريكا اللاتينية والكاريبي

97%

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

92%

جنوب آسيا

80%

الصحراء الكبرى في أفريقيا

70%

المصدر: مقتطفات من البنك الدولي (2013 أ).

تقتضي دراسة التجمّعات الإقليمية تحليلًا معمّقًا يتجاوز التصنيفات العامة، سواء استندت هذه التجمّعات إلى التقارب الجغرافي أو إلى عوامل أخرى. وتُعدّ منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نموذجًا على ذلك، إذ تشمل 21 دولة تتباين تباينًا واسعًا في المساحة، وعدد السكان، ومستوى الازدهار الاقتصادي، رغم ما يبدو من بعض عناصر الوحدة الدينية المتمثّلة في الإسلام. فالجزائر مثلًا تمتد على مساحة تبلغ نحو 1,479,941 كيلومترًا مربعًا، ويقطنها ما يزيد على 38.5 مليون نسمة، بينما لا تتجاوز مساحة البحرين 430 كيلومترًا مربعًا ويُقدّر عدد سكانها بنحو 1.3 مليون نسمة. وعلى مستوى الدخل الفردي، سجّلت الإمارات العربية المتحدة في عام 2011 ناتجًا محليًا إجماليًا للفرد بلغ 42,384 دولارًا أمريكيًا، في حين لم يتجاوز ذلك في اليمن 2,485 دولارًا فقط (البنك الدولي، 2013ب). ومن ثم، يُبرز هذا المثال نقطة منهجية مهمّة: فالتحليلات الإقليمية المجملة قد تُوحي بتجانس لا يعكس الواقع، إذ تخفي وراءها فروقات ديموغرافية واقتصادية حقيقية، وكلما ازدادت تلك الفروقات وضوحًا، وازدادت علاقتها بالظاهرة المدروسة رسوخًا، وجب توخّي الحذر في تفسير النتائج والاعتماد عليها.

تبرز هذه المناقشة أهمية المقارنات بين أقاليم العالم، إذ يُسهم تحليل البيانات المجمّعة ضمن الهياكل التي تتجاوز حدود الولاية الوطنية في الكشف عن أنماط وتوجّهات عامة، تعزّز الفهم النظري وتسهم في تحسين السياسات التربوية. غير أن هذه التجمّعات ليست كيانات طبيعية أو متجانسة بالضرورة؛ بل إنها كثيرًا ما تضم تباينات داخلية عميقة قد تُخفيها المظاهر الشكلية للوحدة الإقليمية.

تُعد التصنيفات المعتمدة على تقسيم العالم إلى أقاليم واسعة النطاق محلًّا للنقد أحيانًا، نظرًا لما تنطوي عليه من تعميمات قد تكون غير دقيقة. وقد يكون استخدام مصطلح "الإقليم" ذاته غير دقيق أو بعيدًا عن الانضباط المنهجي، كما هو الحال مع وصف "الأوروبي" (فوكس وآخرون، 2011؛ نوفوا، 2002)، و"الكاريبي" (لويسي، 2004)، و"المتوسطي" (براي وآخرون، 2013)، و"أمريكا اللاتينية" (بيتش، 2002). وقد شدّد هؤلاء الباحثون على أن التجمّعات الإقليمية ضمن الهياكل التي تتجاوز حدود الولاية الوطنية ليست كيانات طبيعية ناتجة فقط عن القرب الجغرافي، بل هي أيضًا تراكيب مصطنعة ومشحونة بالمعاني، تشكّلت بفعل قوى جيوسياسية. وينبغي على الباحثين، في هذا السياق، أن يدركوا تعدّد الهويات داخل كل إقليم، وأن يتعاملوا مع هذه التعدّدية بحسّ نقدي كي تأتي تحليلاتهم متوازنة ومعبّرة عن الواقع. ومع أن التصنيفات الإقليمية العالمية قد تُفيد في بعض المقارنات، فإنها غالبًا ما تُخفي تباينات جوهرية على المستويات الأدنى. لذا، فإن مستخدمي الدراسات المقارنة ذات المنظور النّظامي العالمي مدعوّون إلى التروّي عند تفسير البيانات واستنتاج التوصيات المستمدّة منها.

المستوى الثاني: الدول

تُعدّ الدولة وحدة التحليل الأبرز في الدراسات المقارنة منذ بدايات هذا الميدان، كما يظهر في أعمال (كاندل 1933؛ هانز 1949؛ بيرداي 1964)، ولا تزال تحتل موقعًا مركزيًا في الأدبيات التربوية المقارنة حتى يومنا هذا.

تتطلّب مناقشة القضايا النظرية والمنهجية المتعلقة بالتحليل على مستوى الدول توضيحًا لبعض المفاهيم الأساسية في مستهل العرض. فالدراسات المقارنة التي تتناول الدول كثيرًا ما تُظهر تداخلًا في استخدام مصطلحي "الدولة" و"الأمة" على نحو غير دقيق. لهذا كان لا بد من التوقّف عند دلالة هذه المصطلحات وتحديد الفروق فيما بينها بدقّة. وقد قدّم (غيتس وآخرون، 2011، ص 275–276) تمييزًا واضحًا بين مفاهيم الدولة، والبلد، والأمة، والدولة–الأمة:

تُعرَّف الدولة بأنها وحدة سياسية مستقلة، تشغل إقليمًا محددًا، مأهولًا بالسكان على نحو دائم، وتمتلك السيادة الكاملة على شؤونها الداخلية والخارجية. ويُستخدم مصطلح "البلد" باعتباره مرادفًا للمفهوم الإقليمي والسياسي للدولة. أما "الأمة"، فهي جماعة من الناس يجمعهم إقليم مشترك وثقافة موحّدة، وتربطهم مشاعر قوية من الانتماء والتماهي قائمة على معتقدات وعادات مشتركة. ويُطلق مصطلح "الدولة–الأمة" على الدولة التي يتطابق نطاقها الجغرافي مع الحيّز الذي تقطنه أمة متميزة، أو التي يتشارك سكّانها شعورًا عامًا بالتماسك والانتماء إلى منظومة قيم موحّدة.

تنطلق هذه المناقشة من التزام باستخدام دقيق للمصطلحات المطروحة.

يعرض هذا المثال الأول مفهوم "التشابه الوهمي" الذي طرحه (راجين)، وهو المفهوم الذي سبق تناوله في جزء سابق من هذا الفصل. ويُقصد به الحالات التي تبدو، من ظاهرها، شديدة التشابه، غير أنها تُفضي إلى نتائج مختلفة تُعزى في جوهرها إلى تباينات سببية خفيّة تختبئ خلف هذا التشابه الظاهري. وقد قامت (سيلوفا وآخرون، 2007) بدراسة مقارنة بين ست دول مستقلة حديثًا في منطقة أوراسيا، وهي: أذربيجان، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، وأوزبكستان، مركّزين على دور التربية في الحفاظ على التماسك الاجتماعي داخل هذه الدول. وقد استعرضت المقالة الموروثات التعليمية التي تعود إلى ما قبل الحقبة السوفييتية، وخلالها، حتى عام الاستقلال 1991، مستكشفةً التشابكات المعقّدة بين الهوية والدين والتعليم. ثم انتقلت لتحليل الأزمات المنهجية التي ألمّت بأنظمة التعليم العلماني المدعوم من الدولة في أعقاب الاستقلال. وقد رصدت الدراسة اختلافًا ملحوظًا في مستوى التدهور التعليمي بين هذه الدول، نتيجةً لما تعانيه كل منها من اختلالات سياسية واقتصادية داخلية. ففي أوزبكستان وتركمانستان، بلغت أزمة التعليم حدًّا سياسيًا حرجًا؛ أي بلغت النقطة التي انهارت فيها القدرات المؤسسية والمهنية إلى درجة تعذّر معها تجدد النظام التعليمي ذاتيًا. أما في قيرغيزستان وطاجيكستان، فكانت أنظمة التعليم أقرب إلى شريحة وسطى، لكنها باتت تقترب تدريجيًا من نقطة انهيار اقتصادي. في حين شهدت أذربيجان وكازاخستان أنظمة تعليم علماني متدهورة، لكنها لم تصل بعد إلى حدّ الأزمة الكاملة.

سلّطت هذه الدراسة الضوء على نقطة منهجية محورية تتعلّق بأهمية انتقاء وحدات مقارنة تبدو متشابهة ظاهريًا، لكنها تُخفي فروقًا سببية مؤثرة فيما بينها، وهو ما يُعرف بـ "التشابه الوهمي". فوجود أساس مشترك بين هذه الوحدات يُتيح فهمًا أعمق للاختلافات الناتجة في الظواهر التعليمية قيد الدراسة. وينتقل المثال التالي لتسليط الضوء على نمط آخر من المقارنة، وهو ما يُسمّى بـ "الاختلاف الوهمي"، ويشير إلى الحالات التي تبدو متباينة من حيث الشكل، لكنها تصل إلى نتائج متقاربة. ومن أبرز النماذج على ذلك دراسة (كانن، 1995).

حلّلت (كانن) في دراستها حالتي البرازيل والمملكة المتحدة، مبيّنة أوجه التشابه في أثر تصوّرات المعلّمين على الطابع الانتقائي للأنظمة التعليمية في كلٍّ منهما. وعلى الرغم من الفروق السياقية الواسعة بين البلدين، فقد أشارت إلى أنّ كليهما واجه تحديات متقاربة ترتبط بالتنوّع الثقافي الواسع في مجتمعه. وقد اعتبرت هذا التنوّع سمة سياقية مشتركة ذات أثر ملموس، أدّت إلى نتيجة متقاربة في النظامين التعليميين، على الرغم من التباينات الأخرى القائمة بين السياقين. وخلصت إلى ما يلي (ص 235):

رغم اختلاف التركيبة السكانية في كلّ من البرازيل والمملكة المتحدة، فإنّ المجتمعين يواجهان مظاهر انتقائية في أنظمتهما التعليمية، تستهدف فئات معيّنة من السكان، حيث تؤدي تصوّرات المعلّمين وتوقعاتهم دورًا محوريًا في هذه الانتقائية. وقد شهدت البرازيل معدلات رسوب مرتفعة بين الأطفال المنتمين إلى الطبقات الاجتماعية والاقتصادية الأقل حظًا، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى تمييز ثقافتين على الأقل داخل البيئة المدرسية: ثقافة شعبية وأخرى مهيمنة. وقد شدّد هؤلاء على ضرورة إعداد المعلّمين بما يتيح لهم البناء على ثقافة التلاميذ وتوظيفها لتحقيق تعليم فعّال. أما في المملكة المتحدة، فقد أثيرت الحاجة إلى تربية متعددة الثقافات تشمل كلًا من الأطفال البيض والأقليات العرقية، بهدف الحد من التحيّز والعنصرية، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص في النظام التعليمي.

رغم ما تنطوي عليه مقالة (كانين) من قيمة تحليلية، فإنها لم تُبرز بما يكفي حجم التباينات العميقة بين البرازيل والمملكة المتحدة، لا سيّما أنّ كِلا البلدين يضمّان تفاوتات داخلية كبيرة على مستوى المناطق دون الوطنية، وتظهر بوضوح في الإحصاءات المرتبطة بالسكان والتنوّع العِرقي والواقع التعليمي. وكان من الأجدر أن تُوجَّه المقارنة نحو تحليل انتقائية الأنظمة التعليمية على المستوى الإقليمي، بالنظر إلى الفوارق الملحوظة داخل كلّ بلد. فالبرازيل تنقسم تقليديًا إلى خمس مناطق رئيسية: الشمال الشرقي، والشمال، والجنوب الشرقي، والجنوب، والوسط الغربي، بينما تختلف الممارسات التعليمية في المملكة المتحدة بين إنجلترا، وويلز، واسكتلندا، وأيرلندا الشمالية. ومع ذلك، تظل دراسة (كانين) مثالًا جديرًا بالاهتمام لما تقدّمه من تحليل يُبرز أهمية المقارنة التربوية بين سياقات تتباين في ملامحها السطحية لكنها تقود إلى نتائج متقاربة في جوهرها.

تُعَدّ الدراسة الثالثة مثالًا على المقارنات الدولية الواسعة النطاق، حيث يُقارن عدد كبير من الدول في مجالات تربوية متعددة. وقد دأب الباحثون على توظيف هذا النوع من الدراسات لتحليل مؤشرات التحصيل الدراسي، ومستويات الإنفاق التعليمي، وغيرها من الجوانب التربوية ذات الصلة. وتُستخدم في مثل هذه الدراسات أدوات كمية ونوعية بحسب السياق والمنهجية. ومن الأمثلة على ذلك، دراسة (فيرير وآخرون، 2004) التي تناولت أنماط التقارب في التعليم الثانوي الأدنى ضمن خمس عشرة دولة أوروبية منضوية تحت مظلة الاتحاد الأوروبي. وقد عمدت الدراسة إلى إجراء مقارنة صريحة بين أبعاد متعددة من التعليم الثانوي في هذه الدول، شملت إدارة النظام التعليمي، والمحتوى الدراسي، وبرامج تأهيل المعلمين.

أقرّ الباحثون بالتعقيدات المنهجية التي تعترض سبيل الحصول على بيانات قابلة للمقارنة الدقيقة، نتيجةً للتنوّع القائم بين دول الاتحاد الأوروبي من جهة، والتباينات الإضافية على المستويين دون الوطني والمدرسي من جهة أخرى، وذلك رغم ما تقدّمه المقارنات الدولية من قيمة في رصد أنماط التقارب بين الأنظمة التعليمية. ويُشار هنا إلى أنّ هيكل التعليم الثانوي الأدنى يختلف اختلافًا ملحوظًا بين الدول الخمس عشرة، حيث تتراوح مدته بين ثلاث وست سنوات، وتتباين أعمار الالتحاق به بين سن العاشرة والثالثة عشرة. وتُظهر بعض الدول، وخصوصًا دول الشمال الأوروبي والبرتغال، تمييزًا مؤسسيًا واضحًا بين التعليم الابتدائي والثانوي، في حين تعتمد دول أخرى مثل النمسا وألمانيا وإيرلندا والمملكة المتحدة نظامًا متصلًا يربط بين المرحلتين الدنيا والعليا من التعليم الثانوي. أما بقية الدول، فتفصل بوضوح بين التعليم الابتدائي والثانوي الأدنى والثانوي الأعلى، كما ورد في (نايا 2004، ص 45–46).

يمكن أيضًا إضافة نقطة منهجية أخرى تتّصل بطريقة تصنيف ما يُسمّى "دول الاتحاد الأوروبي" كما وردت في تصنيفات شبكة (يوريـدايس 2013)، حيث أُدرجت على سبيل المثال "الجماعة الفرنسية في بلجيكا" و"إنجلترا ضمن المملكة المتحدة" كيانين مستقلين. غير أنّ الجماعة الفرنسية في بلجيكا ليست دولةً ولا كيانًا وطنيًا ذا سيادة1، كما أنّ إنجلترا، من ناحية مماثلة، لا تُعدّ دولة قائمة بذاتها، بل هي إقليم دون وطني ضمن المملكة المتحدة. وتُخفي الجداول التلخيصية التي تُدرج هذه الكيانات جنبًا إلى جنب، مع تخصيص حيز متساوٍ لكلٍّ منها، مثل هذه الفروقات البنيوية، الأمر الذي يُنتج انطباعًا مضلّلًا بأنّ جميع "الدول" المذكورة متكافئة أو متماثلة من حيث الكيان والسياق.

تُظهر هذه الدراسة جانبًا من التعقيد الملازم للمقارنات الدولية واسعة النطاق، مؤكّدة في الوقت ذاته على وجود اختلافات جوهرية وعميقة بين الدول الأوروبية نفسها، على الرغم من انتمائها إلى الإقليم الجغرافي ذاته. ومن الطبيعي أن تتفاقم التحديات وتزداد تعقيدًا عند توسيع نطاق المقارنة ليشمل دولًا تنتمي إلى أقاليم مختلفة تتباين في ظروفها التاريخية والسياسية والثقافية. وقد سبق أن أشار (براي وتوماس 1995، ص 478) إلى أن المقارنات الدولية الموسعة "تُهمل حقيقة كون الحدود الوطنية مصطنعة بالكامل، وأن عوامل الجغرافيا والتاريخ والسياسة قد أفرزت وحدات متفاوتة كليًا في الحجم والمضمون". تُستدعى من هذه الملاحظات ضرورة توخّي أقصى درجات الحذر عند عرض نتائج هذه الدراسات وتحليلها وتفسيرها، سواء من جانب القائمين عليها أو من جانب المتلقّين لها، بالرغم من إسهامها الملحوظ في تشكيل فهم مفاهيمي أعمق لطبيعة النظم التربوية في مختلف الدول والسياقات.

إن أخذ الدولة كوحدة تحليل هو ممارسة مشروعة بالنظر إلى أن كل بلد لديه تُعدّ الدولة وحدة تحليل مشروعة في الدراسات المقارنة، نظرًا إلى أنّ لكل دولة حكومة تُعدّ الكيان السياسي الأعلى، وتمارس سيادتها الكاملة على شؤونها الداخلية والخارجية، كما تُعترف بها تقليديًا بوصفها الوحدة الأساسية في منظومة الحوكمة الدولية. ويُضاف إلى ذلك أنّ العديد من الدول تنتهج نماذج مركزية في إدارة قطاعاتها التعليمية، حيث تتولّى السلطات الوطنية تنظيم السياسات التعليمية وتوجيه مسارها بما ينعكس على تشكيل نظام تعليمي موحّد على المستوى الوطني. وبناءً على هذا الطابع المركزي، غالبًا ما تكون البيانات التعليمية متاحة بمستوى تجميعي على الصعيد الوطني، مما يجعل من المقارنات بين الدول أداة فعّالة لفهم العلاقات بين التعليم والمجتمع، على غرار المقارنات التي تُجرى على مستوى النظم العالمية.

تعرّض اعتماد الدولة أو الدولة–القومية بوصفها إطارًا بحثيًا مهيمنًا في الدراسات المقارنة لانتقادات مستمرة في الأدبيات الحديثة، كما ورد في أعمال (كووين 2009ب؛ كارني 2010؛ أليكسيادو وفان دي بونت–كوخويس 2013). ويُشير عدد من الباحثين إلى أنّ تحليل النُظُم العالمية، فضلًا عن التباينات الإقليمية القائمة داخل حدود الدولة الواحدة، يُعدّان من أبرز العوامل التي تُبرز قصور الدولة–القومية عن أن تكون وحدة تحليل كافية أو ملائمة. وتتمثّل الحجج الأساسية في أنّ الأنظمة المدرسية الوطنية لا تعمل في فراغ، بل تنشأ وتؤدّي وظائفها ضمن سياقات دولية تتّسم بعلاقات قوى غير متكافئة بين الأمم، كما أوضح ذلك (كيلي وألباخ 1988، ص 14)، وأنّ التباينات في التعليم داخل الدولة–القومية الواحدة قد تُضاهي، بل وقد تفوق في بعض الأحيان، تلك التباينات القائمة بين الدول المختلفة، وهو ما يُضفي على المقارنات داخل الدولة الواحدة أهمية مماثلة – إن لم تكن أحيانًا أعمق – من المقارنات بين الدول. كما سلّط (غيتيس وآخرون 2011) الضوء على عناصر أخرى تُقوّض المنظور القائم على مركزية الدولة في التحليل الاجتماعي، من بينها تدفّقات الهجرة عبر الحدود، ونشوء الحركات القومية والانفصالية، والانتشار المتزايد للمنظمات غير الحكومية، وهي جميعها عوامل تُعيد رسم حدود التأثير بعيدًا عن الإطار القومي التقليدي

المستوى الثالث: الولايات/المقاطعات

يُشير المستوى الثالث من المقارنات الجغرافية إلى داخل الدولة، وتحديدًا إلى مستوى الولايات أو المقاطعات، وهو مستوى يُعدّ ملائمًا لتحليلات التربية المقارنة في سياقات تتّسم بدرجات عالية من اللامركزية. وتُظهر تجارب دول كبرى مثل أستراليا، وكندا، والهند، والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك دول أصغر مثل سويسرا، أن اللامركزية الواسعة تتيح تنوّعًا ملحوظًا في السياسات والممارسات التربوية (براي 2013). كما تُعدّ المملكة المتحدة مثالًا مهمًا لإجراء أبحاث تُعرف باسم "الأبحاث الدولية الداخلية" (رّاف وآخرون 1999؛ تايلور وآخرون 2013). وتشمل الوحدات البديلة على هذا المستوى الإداري أيضًا المناطق الإدارية الخاصة، مثل هونغ كونغ وماكاو، اللتين تتمتّعان بدرجة عالية من الحكم الذاتي داخل جمهورية الصين الشعبية (براي وكو 2004).

تُوصى النهج التربوية باعتماد مستوى الولاية أو المقاطعة وحدةً للتحليل حينما تظهر تفاوتات إقليمية ملحوظة داخل الدولة الواحدة، إذ إنّ المقارنات الداخلية على هذا المستوى تُفضي إلى تفسيرات أكثر دقة وعمقًا مقارنةً بالمقارنات الدولية الإجمالية. ويمكن في هذا السياق مقارنة وحدات دون وطنية داخل الدولة الواحدة، أو مقارنتها بنظيراتها في دول أخرى، أو حتى في مناطق مختلفة من العالم. وتُقدّم الأمثلة التالية نماذج توضيحية لمثل هذه المقارنات، كاشفةً عن أبرز ما تتيحه من فرص لفهم أفضل للظواهر التربوية، وفي الوقت ذاته مُنبهة إلى بعض القيود المنهجية مقارنة بالدراسات التي تتناول مستويات تحليل أكثر تفصيلًا.

استعرض (غولدشميدت وآيرمان 1999) دراسة كمية ذات طابع داخلي ركّزت على تحليل أداء الولايات المتحدة في اختبارات التحصيل الدولية في مجالي القراءة والرياضيات، من خلال دراسة العلاقات بين مستويات الإنفاق التعليمي ونتائج التحصيل في الولايات المختلفة. استخدم الباحثان مؤشّرات مفصّلة، حيث اعتمدا نسبة الإنفاق العام الجاري لكل تلميذ إلى الناتج المحلي الإجمالي على مستوى الدولة، أو إلى الناتج الإجمالي المحلي على مستوى الولاية (GSP). أما على صعيد نتائج التلاميذ، فقد تمثّلت في درجات التقييم الوطني للتقدّم التعليمي (NAEP) للصف الثامن في مادة الرياضيات، وذلك في 41 ولاية أمريكية. ثم قارن الباحثان البيانات الخاصة بالولايات المتحدة كدولة واحدة مع بيانات 11 دولة أخرى، باستخدام نتائج التقييم الدولي للتقدّم التعليمي (IAEP) لعام 1991 للصف الثامن في الرياضيات. وإزاء غياب نتائج دالة في هذا التحليل، قام الباحثان بمحاولة أكثر تفصيلًا، إذ قاما بمقارنة كل ولاية على حدة بالدول الإحدى عشرة، كما هو مبيّن في الجدول 4.3.

أثمر هذا التوجّه البحثي المبتكر عن نتائج لافتة، وقد علّق عليها الباحثان (ص 37–38):

تُظهر نتائج المقارنة الدولية أن بعض الولايات الأمريكية تؤدي أداءً جيدًا نسبيًا، بينما تتدنّى نتائج ولايات أخرى. إذ تُظهر ولايات مثل داكوتا الشمالية وآيوا ومين ونبراسكا وويسكونسن نتائج مماثلة لتلك التي تحققها المجر وسويسرا وإيطاليا، ما يدل على أن تلك الولايات والدول تستفيد فعليًا من حجم الاستثمار التعليمي الذي تنفّذه. أما ولايات مثل ألاباما ولويزيانا وميسيسيبي، فتقع ضمن المستوى نفسه الذي تسجّله الأردن، ما يشير إلى أن هذه الولايات لا تخصص استثمارات كافية للنهوض بالتحصيل الأكاديمي.

تُثير نتائج بعض الولايات قلقًا بالغًا، إذ تُظهر ولايات مثل فلوريدا، ووست فرجينيا، وأركنساس معدلات إنفاق مرتفعة على التعليم مقارنةً بدخل الفرد، غير أنّ هذه الاستثمارات لا تُترجم إلى تحسّن ملموس في نتائج اختبارات التقييم الوطنية، ما يطرح تساؤلات حول كفاءة توظيف الموارد التعليمية وفعالية السياسات المعتمدة. وفي المقابل، تنجح ولايات مثل مينيسوتا، ونيوهامبشير، وأيداهو، ويوتاه في تشغيل أنظمة تعليمية عالية الكفاءة تقترب في فعاليتها من النماذج المتقدمة عالميًا، وعلى رأسها كوريا الجنوبية، التي تُعد مرجعًا في جودة التعليم وأثره على الأداء الأكاديمي.

رأى الباحثان أن هذا النمط من التحليل أتاح للولايات المتحدة فرصة استنباط نماذج تعليمية داخلية تتميّز بالكفاءة والجدوى الاقتصادية، بما يجعلها أقرب إلى التطبيق العملي من النماذج الأجنبية التي يصعب محاكاتها كمثال سويسرا أو كوريا الجنوبية. غير أنّ هذا لا يُلغي الحاجة إلى التوسّع في النظرة المقارنة، إذ يبقى من المهم النظر إلى ما هو خارج الحدود الوطنية، واستكشاف التجارب التربوية في بلدان أخرى بوصفها مرآة لفهم الذات ومجالًا لاحتمالات التطوير البنّاء.

الجدول 4.3: مقارنة بين عدد من الدول والولايات الأمريكية من حيث نسبة الانحراف عن النتائج المتوقعة لاختبار الرياضيات للصف الثامن (1990)، ومستوى الإنفاق على التعليم للفرد

النسبة المئوية للانحراف في:

النسبة المئوية للانحراف في:


NAEP*

النفقات


NAEP*

النفقات

كوريا الجنوبية

6.7

-25.4

شمال داكوتا

5.8

17.7

مينيسوتا

5.0

1.8-

أيوا

5.7

10.8

نيو هامبشاير

3.5

-13.8

المجر

5.1

21.5

آيداهو

2.8

6.8-

سويسرا

4.1

32.1

يوتا

2.7

20.9-

مين

3.8

12.7

إسرائيل

2.5

-13.4

نبراسكا

3.5

2.5

النسبة المئوية للانحراف في:

النسبة المئوية للانحراف في:


NAEP*

النفقات


NAEP*

النفقات

فرنسا

2.4

-14.1

ويسكونسن

3.5

8.7

كونيتيكت

1.2

-6.1

إيطاليا

2.2

8.1

ماساشوسيتس

1.1

10.2-

وايومنغ

1.9

3.2

ميسوري

1.0

-11.7

جمهورية أيرلندا

1.7

3.2




كولورادو

1.6

2.6




بنسلفانيا

1.4

14.5




كندا

1.1

6.1




إنديانا

0.7

2.8




نيوجيرسي

0.6

0.9




أوكلاهوما

0.2

4.0

أوهايو

0.2-

-2.2

ميشيغان

0.2-

11.5

فرجينيا

0.5-

-10.5

رود أيلاند

0.9-

23.5

إسبانيا

0.7-

-27.6

نيويورك

1.1-

7.3

أريزونا

0.9-

0.5-

تيكساس

1.2-

3.2

كنتاكي

2.3-

-17.9

جسر ماريلاند

1.5-

5.8

ديلاوير

-2.4

-12.9

كارولينا الجنوبية

2.5-

8.0

جورجيا

3.3-

-15.1

نيومكسيكو

3.0-

4.5

كاليفورنيا

3.3-

26.1-

فلوريدا

3.1-

11.8

تينيسي

3.6-

-15.3

ويست فرجينيا

3.2-

23.1

شمال كارولينا

3.7-

-7.7

البرتغال

3.4-

19.8

هاواي

4.4-

-40.9

أركنسو

-4.4

6.1

ألاباما

6.2-

6.8-




الأردن

6.6-

-99.5




لويزيانا

7.3-

-31.3




ميسيسيبي

8.2-

4.5-




ملاحظة: * تم ربط نتائج اختبار التقدّم الدولي في التحصيل التعليمي (IAEP) لعام 1991 للدول الأجنبية بنتائج التقييم الوطني للتقدّم التعليمي (NAEP) لعام 1990.

المصدر: مقتبس من (غولدشميدت وآيرمان 1999، ص 40).

رغم ما تنطوي عليه هذه الدراسة من ابتكار وعمق تحليلي، فإنها تستدعي بعض الملاحظات من زاوية منهجية، نظرًا لما قد يطرأ من تحديات ناجمة عن التفاوتات بين الوحدات المدروسة سواء على المستوى الدولي أو داخل الدولة الواحدة. وقد أقرّ الباحثون أنفسهم (ص 40) بوجود فوارق جهوية واضحة، سواء بين المناطق داخل الولايات المتحدة أو عند المقارنة مع الدول الأخرى، وهي فوارق تؤثر في تفسير نتائج التحصيل والإنفاق التعليمي.

قد تختلف درجة الثراء الاقتصادي بدرجة كبيرة من منطقة إلى أخرى داخل الدولة الواحدة، كما قد تتفاوت مستويات التحصيل التعليمي داخل الأقاليم التي تنتمي إلى خلفيات اجتماعية وثقافية متباينة، وذلك تبعًا لاختلافات محلية تؤثّر في فرص التعليم ونوعيته.

تُثير هذه الفقرة ثلاث نقاط منهجية مهمّة، أولها يتعلّق بمسألة تكافؤ القدرة الشرائية عند احتساب معدلات الإنفاق على التعليم للفرد الواحد؛ إذ تختلف أسعار السلع والخدمات بين الدول والمناطق، ما يؤثر في دقة المقارنة. أما النقطة الثانية فترتبط بإشكالية موازنة نتائج الاختبارات بين أنظمة تعليمية تُدرّج التلاميذ ضمن فئات عمرية مختلفة، مما قد يُضعف من صلاحية المقارنة بين النتائج. وبما أن هاتين المسألتين تُناقَشان في فصول أخرى من هذا الكتاب، فإن التركيز هنا ينصبّ على بُعد منهجي ثالث لا يقل أهمية. فقد أوضح المثال قيد التحليل القيمة المنهجية التي تُضفيها المقارنات داخل الدولة الواحدة، خصوصًا في سياق النظم التعليمية اللامركزية كما هو الحال في الولايات المتحدة. غير أنه أغفل في المقابل الطبيعة اللامركزية المشابهة في بعض الدول الأخرى التي استُخدمت كوحدات مقارنة شاملة، مثل كندا وسويسرا. إذ أدى تقديم هاتين الدولتين باعتبارهما كيانين موحّدين إلى طمس الفروق الجوهرية داخل مناطقهما الفرعية، على الرغم من أن أنظمتهما التعليمية تنطوي على مستوى عالٍ من الاستقلالية المحلية، كما هو الحال في النموذج الأمريكي. ومن هذا المنطلق، فإنّ مقارنة ولايات أمريكية مثل داكوتا الشمالية وآيوا مع دول بأكملها، تغفل البعد الجهوي اللافت داخل تلك الدول. لذا، كان من الأجدر – من منظور منهجي أكثر دقة – إجراء المقارنة مع وحدات دون وطنية، مثل مقاطعتي أونتاريو وكولومبيا البريطانية في كندا، أو كانتونات بعينها في سويسرا، بما يوفّر إطارًا أكثر اتساقًا وإنصافًا للتحليل المقارن.

تُقدّم سويسرا نموذجًا فريدًا لإجراء مقارنات داخلية دقيقة في المجال التربوي، إذ تتمتع حكومات الكانتونات فيها بصلاحيات واسعة تتيح لها اتخاذ قرارات مستقلة تتعلق ببنية المناهج ومضامينها، وعدد أيام الدراسة في العام، ولغة التدريس المعتمدة، التي قد تكون الألمانية أو الفرنسية أو الإيطالية أو الرومانشية. ويجعل هذا النظام اللامركزي، الذي يتّسم بتعدديته الثقافية واللغوية (انظر الجدول 4.4)، من الحالة السويسرية مثالًا كلاسيكيًا يصلح لتحليل الفروقات التربوية داخل الدولة الواحدة. وقد أجرى (فيلوزيس وشارميلو 2013) تحليلًا متعدد المستويات شمل 12 كانتونًا سويسريًا، بهدف استقصاء العلاقة بين نظام الفرز المدرسي وأوجه التفاوت في فرص التعليم. وقد أظهرت نتائج دراستهما أن الكانتونات السويسرية تشكّل ما يشبه المختبر المدرسي، إذ تتماثل أنظمتها التربوية في البنية العامة بدرجة تسمح بإجراء المقارنات، مع إمكانية التلاعب ببعض المكوّنات جزئيًا في كل كانتون، بما يتيح قياس تأثير هذه الاختلافات في النتائج التعليمية.

سلّطت (هيغا 2001) الضوء في دراستها التحليلية على ديناميات صنع السياسات التعليمية ضمن الكانتونات السويسرية الستة والعشرين، مع تركيز خاص على السياسات المتعلقة بتعليم اللغة الثانية. وقد أبرزت الدراسة كيف تسهم الخلفيات الثقافية واللغوية والدينية المتمايزة لكل كانتون في تشكيل ثقافات تعليمية محلية فريدة، تتجلى في تفاصيل دقيقة تشمل اختيار المواد الدراسية، وطرائق التدريس، وأنماط تنظيم المؤسسات التعليمية وإدارتها، إلى جانب أساليب إعداد المعلمين الذين يتلقّون تدريبهم على نحو يعكس هذه الخصوصيات ويؤدي إلى تبنّي مواقف ومهارات تعليمية متمايزة. ووفقًا لما أشارت إليه الباحثة (ص 223)، فإنّ هذه الثقافة التربوية المتجذّرة محليًا أو إقليميًا ليست مجرد انعكاس للعادات، بل تشكّل الإطار المرجعي الذي يُبنى عليه النظام التعليمي من حيث فلسفته وممارساته اليومية.

الجدول 4.4: الخصائص السكانية والثقافية والاجتماعية للكانتونات في سويسرا

كانتون

فئات السكان الأولى بالرعاية

الناطقون بالألمانية

الناطقون بالفرنسية

الناطقون بالإيطالية

الناطقون بالرومانشية

%


بالآلاف

%

%

%


زيورخ

1,392

85

3.5

5.8

0.3

بيرن

985

85.7

11.0

3.2

*

لوزيرن

382

90.7

1.9

3.1

*

يوري

35

94.1

*

*

*

شويز

148

90.3

*

3.5

*

أوبفالدن

36

94

*

*

*

نيدوالدن

41

95.5

*

*

*

قلاؤوس

39

90.2

*

*

*

زوغ

115

86.1

3.1

3.6

*

فريبورغ

285

29.4

68.1

2.0

*

سولوتورن

257

89.5

2.6

4.8

*

مدينة بازل

186

80.8

6.1

6.8

*

بازل

275

89.3

4.0

5.6

*

شافهاوزن

77

89

*

*

*

أبنزل أوسرهودن

53

92.7

*

*

*

أبنزل إنرهودن

16

93.8

*

*

*

سانت غالن

483

90.0

1.2

3.5

*

غراوبوندن

193

76.3

*

12.3

15.6

أرجاو

618

89.4

2.3

5.1

*

ثاكرقون

252

91

1.3

4.1

*

كانتون

فئات السكان الأولى بالرعاية

الناطقون بالألمانية

الناطقون بالفرنسية

الناطقون بالإيطالية

الناطقون بالرومانشية

%


بالآلاف

%

%

%


تيشينو

337

11.1

5.3

87.7

*

فود

726

7.1

85

5.2

*

فاليز

317

28.0

66.5

3.7

*

نويشاتل

173

5.9

88.8

6.1

*

جينيف

460

5.8

80.8

7.3

*

جورا

70

6.7

92.2

3.7

*

سويسرا

7,956

65.6

22.8

8.4

0.6

المصدر: المكتب السويسري للإحصاءات الفدرالية (SFSO)، لعام 2013.

* إذا تجاوز معامل التباين نسبة 10%، فإن المكتب السويسري للإحصاءات لا يعرض القيمة.

يُبيّن هذا المثال من منظور منهجي التعقيدات الداخلية والتفاعلات المتشابكة التي تنشأ داخل الأنظمة التي تتسم بقدر عالٍ من اللامركزية والتنوّع الثقافي، وتُبرز المقارنات داخل الدولة أبعادًا دقيقة لكنها ذات دلالة عميقة في فهم الظواهر التربوية، وهي أبعاد لا تظهر عادة في الدراسات القطرية العامة التي تكتفي برصد الظواهر على مستوى الدولة، الأمر الذي قد يُفضي إلى تأويلات تبسيطية تختزل الواقع وتعجز عن الإحاطة بتعقيداته.

كما هي الحال في المقارنات التي تُجرى على المستويات العليا، تؤدي المقارنات على المستوى الكلي إلى حجب التفاوتات الدقيقة والجوهرية القائمة في المستويات الجزئية، والتي كثيرًا ما تكون حاسمة في فهم السياقات التعليمية والاجتماعية. ويُقدَّم في هذا السياق مثال أخير لمقارنة دولية استندت إلى تحليل مزدوج لمنطقتين دون وطنيتين، حيث ركّز (فراي) و(كيمبنر، 1996) على شمال شرق البرازيل وشمال شرق تايلاند، وهما منطقتان تنتميان إلى إقليمين جغرافيين مختلفين ويشتركان في خصائص إنمائية متشابهة. بدأ الباحثان بتحليل المناطق دون الوطنية في البرازيل، وسلّطا الضوء على التفاوتات الإقليمية اللافتة، مع التأكيد على أن شمال شرق البلاد يُعدّ أفقر الأقاليم البرازيلية وأكثرها تهميشًا. أعقب ذلك تحليل متعدد التخصصات تناول شمال شرق البرازيل من حيث ظروفه الجغرافية القاسية، ووضعه الاقتصادي الهش، وبُناه الثقافية، وأنماط الهجرة الداخلية، والديانات السائدة، فضلًا عن الفلسفات التعليمية التي تشكّل رؤى السكان حول التعليم. وأُجري تحليل مماثل لتايلاند، كُشف فيه عن أنماط متقاربة من الإهمال البنيوي والتهميش التنموي في إقليمها الشمالي الشرقي. وأُجريت في المرحلة الأخيرة مقارنة متزامنة بين المنطقتين، انطلاقًا من التشابه في وضعهما الاقتصادي المتدنّي مقارنة ببقية المناطق داخل كل من البرازيل وتايلاند، وقد خلُص التحليل (ص 357) إلى ما يلي:

قد يكون الإهمال الذي تتعرض له منطقة ما وسكّانها متجذّرًا في بنية الإمبريالية داخل الدولة أو ما يُعرف بالاستعمار الداخلي، إذ كثيرًا ما تستغل المنطقة الأكثر تصنيعًا داخل البلد نفسه الموارد والثروة البشرية للمناطق الأقل نموًا. وتُعد البرازيل مثالًا حاسمًا على ذلك؛ حيث أدّت ديونها الخارجية الضخمة إلى ترسيخ هذا الخلل، إذ إن الأموال المُقترَضة من صندوق النقد الدولي تخدم بدرجة أساسية مصالح الجنوب الصناعي، في حين تتضرر منها مناطق الشمال الشرقي والمناطق الريفية التي تعاني أصلًا من التهميش وغياب التنمية.

أشار الكاتبان إلى أن أي دراسة اقتصادية وتعليمية شاملة للبرازيل وتايلاند، تكتفي بتقييم المؤشرات الوطنية الإجمالية، قد تُفضي إلى مبالغة في تقدير الأداء الكلي لكلٍّ من البلدين، وتُسهم في الوقت ذاته في التعتيم على ما سمَّياه 'البرازيل الأخرى' و'تايلاند الأخرى' (ص 335). ويُعدّ هذا المثال لمقارنة بين الثقافات، استندت إلى تحليل منطقتين دون وطنيتين تتشابهان فيما تواجهانه من أزمات تنموية، نموذجًا دالًّا على ما يمكن أن تكشفه الدراسات المقارنة من دروس لم يكن لها أن تُرصد في المقارنات الكلية بين الدول، أو في المقارنات بين الأقاليم داخل الدولة الواحدة. وتتجلّى هذه الفكرة بدقة في ملاحظة براي (2004، ص 250) بأن الدراسات المقارنة "تجعل الأنماط المألوفة غريبة، والأنماط الغريبة مألوفة".

أظهرت الأمثلة الثلاثة التي تناولها هذا القسم ما تنطوي عليه المقارنات داخل الدولة من آفاق تحليلية غنيّة وعميقة لفهم الظواهر التربوية، وهي آفاق كثيرًا ما تُهمَل أو تُحجَب حين تُعتمد المستويات المكانية العليا أُسسًا للتحليل. ففي المثال الأول، سعى الباحث إلى إجراء مقارنة ذات مغزى بين 41 ولاية ضمن دولة كبرى ومجموعة من الدول الأجنبية، بينما تناول المثال الثاني سويسرا بوصفها اتحادًا فيدراليًا يتكوّن من 26 كانتونًا، كاشفًا عن التنوّع الإقليمي الكامن في بنيتها الداخلية. أما المثال الثالث، فقد قدّم نهج بديلة تمثّلت في اختيار منطقتين دون وطنيتين متشابهتين من بلدين مختلفين يقعان في نصفين مختلفين من الكرة الأرضية، واعتمادهما نقطة انطلاق للمقارنة بهدف رصد أوجه الشبه والاختلاف في ظروفهما التنموية والتربوية.

المستوى الرابع: المناطق

قبل الانتقال إلى عرض بعض الأمثلة على تحليلات تُجرى على مستوى المناطق، من المفيد أولًا توضيح المقصود بمصطلح "المنطقة" في هذا السياق. تُعرَّف المنطقة باعتبارها وحدة جغرافية داخل مدينة أو دولة، تُحدَّد حدودها رسميًا لأغراض إدارية. وتمثّل هذه الوحدة مستوىً وسيطًا أدنى من مستوى الولاية أو الإقليم، وأعلى من مستوى المدرسة أو المؤسسة التعليمية. وتشمل المناطق وحدات حضرية مثل المدن والبلدات، إلى جانب وحدات ريفية كالقُرى وغيرها من التجمّعات السكانية الصغيرة.

تكتسب المقارنات التي تُجرى على مستوى المناطق قيمة تحليلية خاصة في السياقات التي تظهر فيها تباينات كبيرة داخل الإقليم الواحد، أو حين تكون الإحصاءات المجمّعة على المستوى الوطني أو مستوى الإقليم غير موثوقة أو مضلّلة نتيجة التفاوتات الكبيرة بين المناطق المختلفة، أو بسبب صعوبات تقنية تتعلّق بجمع البيانات على المستويات الإدارية العليا (براي وتوماس، 1995، ص 480–481)، وستُعرض هذه النقاط بوضوح من خلال الأمثلة التالية التي تعتمد المدينة والقرية والوحدات دون الإقليمية وحداتٍ للتحليل.

تناول (لو، 2004) مناهج التاريخ في المرحلة الثانوية الدنيا في كلّ من هونغ كونغ وشنغهاي، مركّزًا على أوجه التشابه والاختلاف في السياقين السياسي والاقتصادي والتعليمي. فقد شكّلت المدينتان مركزين ماليين نشطين يتنافسان على حصص أوسع من الاقتصاد الصيني، في حين تميّزت شنغهاي عن باقي المدن الصينية بكونها مدينة عالمية تتسارع فيها وتيرة التحديث والانفتاح، ما جعلها أكثر شبهًا بهونغ كونغ من حيث البنية الاقتصادية وجاذبية الاستثمار. لكنّ النظامين السياسيين في المدينتين بقيا مختلفين: رأسمالي في هونغ كونغ واشتراكي في شنغهاي، غير أن التحوّلات السياسية في السنوات الأخيرة قلّصت هذا التباين. فبعد إنهاء الاستعمار البريطاني وعودة هونغ كونغ إلى السيادة الصينية عام 1997، اتجه منهج التاريخ فيها إلى تعزيز الهوية الوطنية الصينية، في حين انعكست سياسات التحديث والانفتاح في الصين على إصلاح المناهج في شنغهاي، بما يعزّز الوعي العالمي. وتُعدّ مقارنة هاتين المدينتين فرصة تحليلية ثرية لتتبّع المسار الذي سلكته مناهج التاريخ في ظل ديناميات سياسية وثقافية متغيرة.

يُتيح المنظور المنهجي إبراز تمايز دقيق بين الحالتين: فبينما تُصنّف شنغهاي ضمن المدن الصينية التابعة إداريًا للدولة المركزية، تتميّز هونغ كونغ بوضع سياسي خاص، إذ تُعدّ منطقة إدارية تعمل ضمن منظومة قانونية وتنظيمية تختلف عن تلك التي تُطبَّق في سائر المدن الصينية، بما في ذلك شنغهاي، رغم ما يجمع الطرفين من توجهات ليبرالية اقتصادية. وتُعدّ هذه الخصوصية عاملًا جوهريًا لا بد من استحضاره عند تحليل مسارات التقارب أو التباين في السياسات المنهجية.

ركّز المثال الثاني على القرية بوصفها وحدةً للمقارنة، إذ درست (بوتشنر، 2003) أربع قرى تقع ضمن منطقة في جنوب مالي، وركّزت على تحليل الأدوار التي تؤدّيها علاقات النفوذ في تشكيل محو الأمية لدى النساء. وانطلقت هذه الدراسة الإثنوغرافية، كما ورد في الصفحتين 440–441، من منظور يربط بوضوح بين السلطة وممارسات التعلم لدى النساء في السياق المحلّي.

تَبرز ضرورة ملحّة لفهم أنّ السياسات المتّبعة وهياكل السلطة السائدة داخل المجتمع لا تقتصر على التأثير غير المباشر في دور محو الأمية، بل تُشكّل عاملًا حاسمًا يُحدّد فعليًا مستوى تأثير محو الأمية على المجتمع بوجه عام، وعلى النساء بوجه خاص، بما يعكس العلاقة البنيوية بين المعرفة والسّلطة في هذا السياق المحلي.

كشفت هذه الدراسة، من خلال مقارنة معمّقة للممارسات في المجتمعات الأربعِ، عن العلاقات الدقيقة للنفوذ التي تتوزع بين القرى، وقدّمت حجة تدعو صنّاع السياسات المركزيين إلى ضرورة أخذ العوامل الحاسمة التي تحدّد موقع النساء ومكانتهن في المجتمع بعين الاعتبار، قبل تنفيذ أي تعديلات بنيوية تهدف إلى تحسين محو الأمية (ص 457). ومن منظور منهجي، تُظهر الدراسات الإثنوغرافية المقارنة على هذا المستوى الدقيق سُبلًا لتحليل العناصر المؤثرة في تشكيل الظواهر التربوية. غير أنّه كان من الأنسب أن تتضمّن هذه الدراسة إحالة إلى السياق الاجتماعي والسياسي الأوسع من نطاق القرية، كالإقليم والدولة، وإلى دور الثقافة والدين كذلك.

من الأمثلة المرتبطة بهذه الفئة البحث الذي أجرته (داير، 1996) بأسلوب إثنوغرافي حول الابتكار في السياسات التعليمية في مرحلة التعليم الابتدائي في الهند، حيث اختارت ثلاث مناطق ضمن منطقة بارودا، في ولاية غوجارات، لتكون مواقع لدراسة الحالة. وقد جرى اختيار ثلاث مجموعات من المدارس الابتدائية لتمثيل تنوّع السياقات الاجتماعية والاقتصادية في تلك المنطقة، بما يعكس الصورة الأوسع للهند، وهي: منطقة قبلية تُعرف بـ "تشوتا أوديبور"، ومنطقة ريفية تُدعى "كارجان"، وسياق حضري في مدينة بارودا. وقد كشفت الدراسة عن وجود تنوّع داخلي ملحوظ على مستوى المناطق ضمن الولاية نفسها، وما يترتّب على ذلك من آثار (ص 38).

تُظهر نتائج الدراسة أهمية أن يُولي صنّاع السياسات في المستويات العليا اهتمامًا فعليًا بالتنوّع الكبير الذي يطبع السياقات التعليمية، إذ إنّ التنوّع الداخلي القائم داخل منطقة واحدة من ولاية واحدة كفيل بإبطال أي افتراض عن تجانس تلك الوحدات، الأمر الذي يقتضي التعامل مع هذا التفاوت بوصفه مكوّنًا جوهريًا لا يمكن إغفاله عند صياغة السياسات التعليمية في بلد متنوّع مثل الهند.

أوضحت الأمثلة التي سبق عرضها مدى فاعلية التحليل على مستوى المناطق في تسليط الضوء على جوانب سببية مؤثرة في تَشكّل العلاقة بين التعليم والمجتمع، وهي الجوانب التي كثيرًا ما تغفل عنها الدراسات التي تعتمد مؤشرات كليّة ومُجمّعة. ويمكن في هذا المستوى الاعتماد على وحدات تحليل متفاوتة، تتراوح بين المدن والبلدات في أحد أطراف الطيف، والقرى والمناطق دون الإقليمية في الطرف الآخر، ما يُفضي إلى استخلاص نتائج تحليلية تكمّل ما يُرصَد عند المستويات الأعلى وتُغني الصورة النهائية للفهم المقارن.

المستوى الخامس: المدارس

عندما تُعتمَد المدرسة نقطة انطلاق للتحليل، تتغيّر طبيعة الجوانب التي يُسلَّط عليها الضوء. وقد أشار (براي وتوماس، 1995، ص 481) إلى أن الدراسات التي تتناول مناطق عالمية أو دولًا أو ولايات أو مناطق محلية، غالبًا ما تشمل فئات غير ملتحقة بالمدارس إلى جانب التلاميذ الملتحقين، في حين ينصبّ تركيز الأبحاث التي تتناول المدارس على المجتمعات المصغّرة التي تنتمي إليها كلّ مدرسة بعينها. ويستلزم هذا النوع من التحليل النظر في الثقافة المؤسسية الداخلية، وهي ثقافة تختلف بطبيعتها عن تلك التي تسود في السياقات الأكبر. وقد أضاف المؤلفان في الصفحة 482 ما يلي:

يُتيح هذا النوع من الدراسات تقديم ملامح ميدانية شديدة التخصيص، تُبرِز تأثير الاختلافات الفردية لدى الفاعلين التربويين في السياق اليومي. وتُعد وفرة المدارس عاملًا مساعدًا على إجراء عينات عشوائية ذات مغزى، وهو أمر نادر الإمكان عند تحليل الأقاليم الكبرى أو الدول أو الأقاليم، وإنْ كان ممكنًا في بعض الحالات على مستوى المناطق.

تركّز غالبية الدراسات المقارنة التي تتناول المدارس باعتبارها وحدة تحليل على مؤسسات تعليمية تنتمي إلى السياق المحلي نفسه، سواء على مستوى الدولة أو الإقليم أو المنطقة، كما في دراسة (هانسن وورونوف، 2013)، مع وجود بعض الدراسات التي تجاوزت الحدود الوطنية، مثل دراسة (فيدوفيتش، 2004). وتجدر الإشارة إلى أنّ المقارنة الدولية بين المدارس يمكن أن تتم أحيانًا ضمن الولاية ذاتها. فقد بيّن (براي وياماموتو، 2003) أن المدارس الدولية في هونغ كونغ، رغم صغر نطاقها الجغرافي، تنتمي إلى نظم تعليمية أجنبية متنوّعة. ويُعرض أدناه مثالان توضيحيان.

انطلق (بيناڤوت) و(ريش، 2001) في دراسة مقارنة للمنهج الدراسي المطبّق داخل المدارس الإعدادية اليهودية–العلمانية في إسرائيل، معتمدَين على عينة طبقية تمثّل التوزيع الوطني، وضمت 104 مدرسة. وقد كشفت النتائج عن تفاوت واضح في تطبيق السياسات المنهجية، رغم مركزية النظام التعليمي. وتُقدّم هذه الدراسة النوعية مثالًا على القيمة المنهجية التي تمنحها التحليلات الميدانية، في زعزعة الفرضيات الشائعة حول العلاقة بين مركزية القرار وتجانس المخرجات.

درست (ڤيدوڤيتش، 2004) حالتين لمدرستين في سنغافورة وأستراليا شرعتا في تدويل مناهجهما التعليمية. كانت المدرسة في سنغافورة علمانية وتُصنّف ضمن المدارس "المستقلة"، مما منحها استقلالًا إداريًا أكبر من المدارس الحكومية، وإن ظلّت تحت إشراف وزارة التعليم. أما المدرسة الأسترالية، فكانت تابعة لطائفة بروتستانتية تقليدية، وقد حافظت على استقلالها عن القطاع الحكومي طوال تاريخها الممتد.

أظهرت الدراسة المقارنة بين المدرستين نقاط التقاء واختلاف في ما يتعلّق بالعوامل الخارجية المؤثرة على سياسات تطوير المناهج. فبينما لعبت القوى العالمية دورًا في تدويل مناهج كلتا المدرستين، كانت استجابة سنغافورة للعولمة الاقتصادية أوضح من استجابة أستراليا. وعلى مستوى التأثيرات الوطنية، ورغم تصنيف المدرستين على أنهما "مستقلتان"، فقد اعتبرت المدرسة السنغافورية أن وزارة التعليم هي الجهة الأشد تأثيرًا في توجهاتها، في حين رأت المدرسة الأسترالية نفسها مؤسسة تعليمية رفيعة الشأن داخل الولاية، تتميّز عن سائر المؤسسات الأخرى (ص 449).

تشير هذه النتائج المتباينة إلى اختلافات عميقة في السياقات الوطنية الكبرى التي تُؤثّر بشكل مباشر في السياسات التعليمية على مستوى المدرسة. وعلى الرغم من القيمة الإجرائية لمقارنة مدرستين في بيئتين متباعدتين، فإن التعامل الجاد مع تأثير العوامل السياقية الكبرى يظل ضرورة لفهم آليات صنع السياسات التربوية في كل بلد. فحجم الدولة، وتركيبتها السياسية، وتاريخها الثقافي، جميعها عناصر تؤطر العلاقة بين الأجهزة المركزية والمؤسسات التعليمية، وتمنح مفهوم "الاستقلالية" دلالات متباينة. ففي سنغافورة، الدولة محدودة المساحة، ذات التجربة الوطنية القائمة على تكثيف الجهود لتحقيق التنافسية الاقتصادية وتعزيز التماسك الاجتماعي، ظلّت السياسات التعليمية خاضعة لإشراف صارم من وزارة التعليم، على الرغم من الخطابات التي تُروّج للامركزية. أما في أستراليا، فإن الامتداد الجغرافي الواسع، وتاريخ الحُكم اللامركزي، أتاحا مجالًا أوسع لتجسيد استقلالية المدارس عن الإدارة الحكومية بصورة تختلف جوهريًا عن النموذج السنغافوري.

تُظهر الأمثلة المطروحة أهمية التوجّه نحو وحدات تحليل أصغر مثل المدرسة، لما تتيحه من فهم أكثر عمقًا ودقة للواقع التربوي من منظور مقارن. فقد أوضح المثال الأول، من خلال مقارنة وطنية شملت مدارس عديدة في ظل نظام مركزي، أن وجود سلطة مركزية لا يعني بالضرورة فرض نمط واحد، بل يمكن أن يتيح مجالًا للتنوّع والتكيّف المحلي. في المقابل، سلّط المثال الثاني الضوء على مدى تأثّر نتائج السياسات التربوية بسياقاتها المحلية، مبرزًا أهمية الوعي بالاختلافات السياقية العميقة بين المدرستين المقارنتين وتحليل آثار هذه الفروقات على المخرجات التربوية داخل كل منهما.

المستوى السادس: الفصول الدراسية

انصرف معظم الباحثين في ميدان التربية المقارنة التقليدية إلى تحليل السياسات التعليمية العليا وهياكل النظم، دون أن يولوا الصفوف الدراسية اهتمامًا يُذكر بوصفها وحدة تحليل قائمة بذاتها. غير أن (ألكساندر، 1999، ص 109) أشار إلى بروز هذا المستوى مؤخرًا ضمن أولويات البحث المقارن، موضحًا أن تزايد التركيز على الصفوف الدراسية يعود إلى ما يلي:

شهدت البحوث التربوية تحوّلًا لافتًا نحو الاهتمام بالعوامل المرتبطة بسير العمليات التعليمية داخل الفصول، كما يتضح في دراسات المدخلات والمخرجات التي تُجريها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). هذا التوجّه أفسح المجال أمام تصاعد بحوث فعالية المدارس، التي لم تَعُد تقتصر على تحليل أداء النظام التعليمي أو المدرسة، بل امتدت لتتناول ما يدور داخل الصفوف الدراسية. كما أقبل الإحصائيون التربويون على تطوير نماذج تحليلية تراعي بنية التعليم ككل، متضمّنة ممارسات التدريس وآلياتها. وجاء هذا الاهتمام المتأخر نتيجة وعي متنامٍ لدى صنّاع السياسات، بأن ما يجري في الفصل الدراسي يشكّل بُعدًا حاسمًا في جودة التعليم، خاصة في ظلّ السباق المحموم نحو المراتب المتقدّمة في التصنيفات الدولية. ولم يكن أقلّ تأخرًا من ذلك، إدراك الباحثين أن علم التدريس يجب أن يكون في قلب جداول الأعمال البحثية في التربية.

تُعَدّ الفصول الدراسية ميدانًا خصبًا للتحليل المقارن، إذ تفتح آفاقًا جديدة لاستكشاف مساحات ناشئة، من أبرزها الفصل الدراسي عبر الإنترنت. ويركّز المثال الآتي على الحصص الدراسية بوصفها وحدة فرعية متفرعة عن الفصول، وموقعًا مكانيًا يكتسب أهمية متزايدة في البحث المقارن.

في دراسة تحليلية مقارنة، تناولت (أندرسون–ليفيت، 2004) دروس القراءة في الصفين الأول والثاني في كل من فرنسا، وغينيا، والولايات المتحدة الأمريكية (انظر الشكل 4.4). وقد وقع الاختيار على فرنسا وغينيا نظرًا لعلاقتهما الاستعمارية السابقة التي انعكست على المنظومة التعليمية في غينيا، في حين أُدرجت الولايات المتحدة بوصفها حالة ثالثة تتيح المقارنة من منظور مختلف، لا سيّما في ظل التنافس القائم بينها وبين فرنسا على التأثير في طرائق تعليم القراءة داخل النظام التعليمي الغيني.

الشكل 4.4: مقارنة بين أنماط تنظيم الحصص الدراسية

الولايات المتحدة: المنهج التكاملي

الولايات المتحدة: النموذج التقليدي

غينيا

فرنسا: التيار السائد

فرنسا: المنهج التحليلي الكلّي

قراءة ضمن مجموعات صغيرة

إعداد المفردات (فهم المقروء)

اقتراح نص (فهم المقروء)

إنتاج جماعي للنص (فهم المقروء)

استكشاف أو إنتاج جماعي للنص (فهم المقروء)

قراءة فردية

قراءة ضمن مجموعات صغيرة

قراءة جماعية

قراءة جماعية

قراءة جماعية

إنتاج فردي للنصوص (فهم المقروء)

أسئلة لفحص الفهم القرائي

إعداد المفردات

إعداد المفردات

إعداد المفردات

قراءة المعلم للنص مع التلاميذ أو لهم (فهم المقروء)

تعليم الصوتيات (رمز: تحليل)

عزل الصوت (رمز: تحليل)

عزل الصوت (الرمز: التحليل)

عزل الصوت (الرمز: التحليل)

تعليم الصوتيات (رمز: تحليل)

استمارات تدريبية تعليمية

تدريبات

تدريبات

تدريبات

أنشطة مكتبية، مراكز تعلم



إملاء (رمز: تركيب)


المصدر: مقتبس من أندرسون–ليفيت (2004)، ص 246.

أشارت (أندرسون–ليفيت) إلى نقطة منهجية تتعلق باعتبار الحصة الدراسية وحدةً للتحليل (ص 233–234):

اعتمدتُ في تحليلي على "الحصة الدراسية" باعتبارها الوحدة التي تُبنى عليها المقارنة، غير أن هذا المصطلح لا يخلو من إشكالات دلالية. ففي البحوث المنشورة باللغة الإنجليزية، تُفهم "الحصة" على أنها جلسة تعليمية واحدة ومتواصلة. غير أنّ الأمر يختلف في كل من فرنسا وغينيا، إذ يُعرّف التربويون الحصة على أنها مجموعة من الجلسات المتتابعة التي تُقدَّم خلال يومين أو أكثر، تدور حول نفس المحتوى وتخدم أهدافًا تعليمية واحدة. أما في الصفوف الأمريكية، فإن تعدد الأنشطة الناجمة عن استخدام المجموعات الصغيرة والمشروعات الفردية يجعل مفهوم الحصة أكثر تعقيدًا، إذ قد تتضمّن جلسة اللغة أنشطة متزامنة ومتنوعة.

بدأت الدراسة من تركيز دقيق على الحصة الدراسية، غير أنّها جسّدت منهجًا مقارَنًا متعدد المستويات، إذ تجاوزت نتائجها حدود الصف، وكشفت أوجه التشابه والاختلاف بين دروس القراءة في كلّ من غينيا وفرنسا والولايات المتحدة.

المستوى السابع: الأفراد

يتحدّد المستوى الأخير من مستويات إطار بري وتوماس عند الفرد، إذ يُنظر إليه بوصفه وحدة تحليل مستقلة، وفقًا لما شرحه المؤلفان في الصفحة 483:

تُوجّه بعض الدراسات اهتمامها إلى الأفراد مثل المديرين والمعلمين وأولياء الأمور والتلاميذ، وتتنوع مناهجها بين تخصصات علمية شتى، غير أنّها غالبًا ما تمنح الأولوية للمنظور النفسي مقارنةً بالدراسات التي تركز على مستويات تحليل أوسع.

أشار المؤلفون إلى مجموعة من الحالات، من بينها تقارير شخصية تركّز على أساليب التعلّم لدى الطلاب أو على تنظيم المعلمين للدروس، بالإضافة إلى دراسات استقصائية واسعة النطاق وغير موجهة لأشخاص بعينهم، تستهدف المعلمين أو التلاميذ أو غيرهم من الأفراد، وتُجريها الحكومات أو جهات أخرى. ومن بين هذه الدراسات، تناول (أندروز 2013) أربع حالات لمعلمين في مادة الرياضيات يعملون في مدارس فنلندية شاملة، فيما أجرى (بانتيتش وآخرون 2011) استطلاعًا شمل معلمين في خمس دول من دول البلقان الغربية.

تُعد دراسة "الجودة في الأنظمة التعليمية عبر الدول" (QUEST) مثالًا على محاولة تجاوز مستوى الفرد، والاعتراف بتأثير العوامل الأوسع، حيث سعت إلى تحليل أثر الثقافة الوطنية في مواقف التلاميذ، والممارسات الصفية، ونتائج التعلم في كل من إنجلترا وفرنسا (برودفوت 1999، ص 241). وقد أُجريت الدراسة على عينة من 800 طفل تراوحت أعمارهم بين 9 و11 سنة (400 من كل دولة)، اختيروا من أربع مدارس ضمن منطقتين متباينتين في كل دولة، ليبلغ المجموع 16 مدرسة (8 في كل بلد). وقد لاحظ فريق الدراسة ما يلي (ص 251):

تُبرز هذه الدراسة بوضوح كيف يمكن لاختلافات الثقافة الوطنية أن تؤثر بشكل مباشر في نتائج التعلّم، وهو ما يتجلّى في ضيق نطاق درجات التلاميذ في فرنسا مقارنة بالتفاوت الواسع في درجات نظرائهم في إنجلترا. ويبدو أن التقاليد التعليمية الفرنسية، التي تقوم على تقديم محتوى موحّد لجميع التلاميذ مع توقّع النجاح من الجميع، تؤدّي إلى تمكّن الغالبية من إتقان الدرس. أما النموذج الإنجليزي، الذي يُقسّم الدرس تبعًا لمستويات التلاميذ، فمع أنه يتيح للبعض بلوغ مستويات رفيعة من التعلّم، إلا أنه يخلّف وراءه عددًا غير قليل من المتعثرين.

ولم يقف المؤلفون عند حدود الملاحظة الكمية، بل دعّموا دراستهم بتقارير إثنوغرافية شخصية من الطلاب أنفسهم، فتبيّن لهم أن الطلاب في إنجلترا يميلون إلى الفردانية ويتمتعون بقدر كبير من الحرية في التعبير عن ذواتهم، بينما اتّسم الطلاب الفرنسيون بنزعة أكثر تحفظًا، حيث اقتصر تفاعلهم على تنفيذ المطلوب دون إبداء تعبيرات شخصية واضحة. وفي ختام الدراسة، سجّل المؤلفون الاستنتاج التالي (ص 254):

إن التباين في قدرات التلاميذ من المجموعتين يعكس اختلافًا في تصوّرات المعلمين المستندة إلى خلفيات ثقافية حول ما يُنتظر من الأطفال تحقيقه، إلى جانب تباين في فهمهم لأهداف العملية التعليمية. كما تتعزّز هذه الفروقات نتيجة لاختلافات ثقافية مماثلة في طرق التفكير التي تؤثّر في صنع السياسات التعليمية.

يعكس هذا البحث نموذجًا لتحليل متعدد المستويات، حيث يربط بين ما يُرصَد على مستوى التلميذ والفصل الدراسي، وبين ما يتعلّق بالسياقات الثقافية الأوسع وتقاليد التعليم في المجتمعات المختلفة. ويتناغم هذا النهج مع أحد المفاهيم الأساسية في علم النفس، الذي يرى أن الفرد في طور التشكّل يوجد ضمن منظومة بيئية متراكبة، "تحيط ببعضها بعضًا كدمى ماتريوشكا الروسية" (برونفنبرنر 1979، ص 3)، وهي منظومة لا يمكن فهمها إلا بتحليل تفاعلاتها المتبادلة. كما يمثّل هذا البحث مثالًا على الاستخدام المتكامل للمنهجَين الكمي والنوعي، وهو ما يتطلب موارد كبيرة من حيث الوقت والكوادر والتمويل، إلا أنّه يقدم إسهامًا عميقًا في فهم العمليات التعليمية وتعقيداتها.

المقارنة عبر المستويات

عرضت المناقشة السابقة المستويات السبعة للوحدات الجغرافية للمقارنة في مكعّب (براي وتوماس)، ويُعقّب هذا القسم بالإشارة إلى الفوائد التي يقدّمها التحليل المقارن متعدد المستويات.

أشار براي وتوماس (1995، ص 484) إلى ما يلي:

اعتمدت دراسات عديدة تصميمًا متعدد المستويات في محاولة للوصول إلى فهم لا يقتصر على جانب واحد بل يتسم بالشمول والتوازن، وبرغم ما يعتري كثيرًا من هذه الدراسات من أوجه قصور أو هنات منهجية أو تطبيقية، فإن تنوّع الزوايا التي تتناول من خلالها موضوعاتها، وما يترتب على ذلك من تعدد في المنظورات، قد أتاح بناء معالجة أكثر شمولًا وغنى وربما أكثر دقة للظواهر التي سعت إلى تفسيرها والكشف عن أبعادها.

انحصر الشكل الغالب للبحوث التي جرى تصنيفها تحت مسمّى التحليل متعدد المستويات في التركيز أساسًا على مستويات الفرد والفصل الدراسي والمدرسة، في حين أهملت هذه الدراسات غالبًا التعمق في دراسة مستويات الولاية أو الإقليم والدولة والمنطقة العالمية، الأمر الذي جعل تفسيراتها تبقى غير متوازنة وغير مكتملة رغم ما تحمله من قدر أوفر من المعلومات والمعطيات مقارنة بما سبق.

رحّب باحثو التربية المقارنة بالدعوة إلى اعتماد التحليلات المقارنة متعددة المستويات، وتزايد عدد الدراسات التي تبنّت هذا التوجّه وأصبحت حاضرة بوضوح في الأدبيات (مثل: هيكلنغ–هدسون 2004؛ شابايا وكونادو–أجييمانغ 2004؛ ألكسيا دو وفان دي بونت–كوخيوس 2013). وكما أوضح ألكسندر (2001، ص 511)، فإن المقارنات المتعددة المستويات تُعدّ شرطًا أساسيًا لتحقيق فهم متوازن ورؤية شمولية للظواهر التربوية، إذ يتيح هذا النهج الجمع بين مستويات مختلفة من التحليل بما يمنع الاختزال ويكشف عن أبعاد أعمق للظاهرة.

لا تبدأ البيداغوجيا ولا تنتهي داخل جدران الفصل الدراسي، وإنما يُدرك جوهرها الحقيقي حين تُوضَع الممارسة في سياق دوائر متداخلة تشمل المحلي والوطني، والفصل والمدرسة والنظام والدولة، وحين يجري التنقّل باستمرار بين هذه المستويات لاستكشاف الكيفية التي يُجسّد فيها ما يقوم به المعلّمون والتلاميذ في الصفوف القيمَ السائدة في المجتمع الأوسع، ويعكسها في آن واحد.

يُتيح هذا التنقّل المستمر بين مستويات متعددة تشمل الوطني والإقليمي والمحلي والمدرسة والفصل والفرد، فضلًا عن تجاوزه للحدود الوطنية والإقليمية، للباحث أن يستخلص مسارات الامتداد المكاني، مميزًا بين ما هو كوني في البيداغوجيا وما يرتبط بخصوصيات ثقافية محددة، على نحو ما أوضحه (ألكسندر) (2001، ص 519).

يُستقى المثال الأخير على عملية التحليل متعدد المستويات من دراسة (مكناس 2004)، حيث بحثت في عمل المعلّمين في إنجلترا والدنمارك من خلال اعتماد نهج موسَّع لدراسة الحالة ربطت بين سياقات السياسات الدولية والوطنية على المستوى الكلّي (Macro) وبين دراسات الحالة على مستوى المدرسة والفرد (Meso). وقد استخدمت مفهوم "المرشح التكراري" (2004، ص 318) لتوصيف آلية التحليل متعدد المستويات باعتبارها عملية متتابعة من الانتقال بين المستويات وربطها ببعضها للكشف عن أبعاد الظاهرة بشكل أوفى:

تمثّل ذلك في عملية تركيز متدرّجة ومتواصلة جرى خلالها ترشيح المعلومات عبر سياقاتها العالمية والوطنية من أجل توضيح الأولويات المحلية وممارسات التعليم داخل الصفوف. ويعكس هذا التصوّر مفهوم (برونفنبرنر 1979، ص 3) حول "البيئة الإيكولوجية"، بما تتضمنه من علاقات تستوجب التحليل لاستيعاب الكل بصورة متكاملة. ومن هنا انتقل التحليل من مستوى السياسات الكلّي (Macro) إلى المستوى الجزئي (Micro) المرتبط بالمعاني الفردية، مرورًا بالمستوى الوسيط (Meso) الذي يتجسّد في بنى المدرسة والفصل، مع الأخذ بالاعتبار النظام البيئي للمدرسة في إطار مجتمعها المحلي والإقليمي. ولم يكن هذا الانتقال أحادي الاتجاه، بل جاء ضمن حلقة متكرّرة يتداخل فيها كل مستوى مع الآخر، بحيث أسهمت البيانات المجمّعة في كل مستوى في تشكيل أسئلة البحث وصياغة نتائجه من جديد. وقد استُخدم هذا التبادل بين الجزئي والكلّي لبناء المعنى وصقله، وللتحقق في الوقت نفسه من مصداقية البيانات أثناء جمعها.

أبرزت العملية التكرارية الممتدة عبر المستويات الكلّي والوسيط والجزئي لوحدات المجتمع وأنشطتها، في هذه الحالة تحديدًا، المعنى المتموضع لمفهوم "جودة التعليم". وأظهرت الدراسة أنّ الجودة ليست كونية ولا ثابتة، بل تتسم بالطابع الفردي والظرفي، وتتحدد بدرجة كبيرة وفق العادات والممارسات الراسخة، والسياسات السائدة، وتجارب المعلّمين الشخصية (ص 326). وقد قدّمت دراسة الحالة الموسَّعة هذه مسارًا منهجيًا يُمكّن من بلوغ تفسيرات واقعية ذات مغزى ومتوازنة، من دون الحاجة إلى استثمارات كبيرة في الموارد البشرية أو المالية، وهو ما يفتح المجال أمام نهج بحثية أكثر فاعلية وأقل تكلفة.

الاستنتاجات الختامية: قضايا وإشكالات منهجية في تحليل المقارنات بين الأماكن

ناقش هذا الفصل اعتماد المكان باعتباره وحدة للتحليل المقارن، مستندًا إلى البُعد الجغرافي/المكاني في إطار (براي وتوماس 1995) للتحليلات المقارنة ومتعددة المستويات باعتباره نموذجًا ومعيارًا مرجعيًا. وقد استكشف مختلف المستويات التي يمكن إجراء المقارنات بينها من منظور المكان، كما عرّف وحدات مكانية بديلة ورد ذكرها في الأدبيات ذات الصلة. وهذه الوحدات المكانية المشتقة، التي نشأت جزئيًا بفعل تحولات جيوسياسية واقتصادية وتكنولوجية واجتماعية وثقافية، يمكن القول إنها متضمَّنة في الإطار الأصلي وقابلة للتمثيل على المكعّب. واستندت المناقشة إلى مجموعة من الأمثلة المستخلصة من الأدبيات المتخصصة في التربية المقارنة لتوضيح آلياتها وتقويم جدواها، وشملت هذه الأمثلة التحليلات أحادية المستوى وتلك متعددة المستويات على السواء. وفي سياق ذلك، طُرحت بعض الملاحظات المتعلقة بالإشكالات المنهجية.

استهلّ الفصل بمقدمة تناولت المناهج العامة للبحث المقارن في التربية، ممهّدًا بذلك لتقديم إطار (براي وتوماس) في القسم الثاني. وقد بيّن أنّ الدراسات المقارنة، سواء كانت تفسيرية أو تحليلية سببية، ينبغي أن تولي اهتمامًا بالغًا لتحديد الأسس التي تُقيم عليها المقارنة، بما يوفّر قاعدة صلبة لتفسير النتائج تفسيرًا ذي معنى. ويُستفاد من ذلك أنّ الباحثين، عند اختيارهم وحدات المقارنة، مطالبون بتحديد معايير أولية للمقارنة بدقة، إلى جانب إبراز علاقتها السببية بالظواهر التربوية قيد الدراسة. ولتحقيق هذا الغرض، يلزم فحص أوجه التشابه والاختلاف بين الوحدات المدروسة ضمن سياقها، من أجل تقويم ما إذا كانت ذات أهمية حقيقية تربويًا. كما يتعيّن على الباحثين الانتباه لمحور التباين، أي المحور الذي يمكن ترتيب الاختلافات على أساسه وفق درجة أهميتها السببية في تفسير الظاهرة التربوية موضوع البحث.

كما أُشير في المناقشات السابقة، فإن جعل المقارنة ذات معنى يستلزم أن تُظهر وحدات التحليل قدرًا كافيًا من أوجه التشابه يجعل اختلافاتها ذات دلالة. غير أنّ هذا المبدأ لم يُراعَ في بعض الحالات؛ إذ بدت (كانن 1995) وكأنها أغفلت التنوع البارز داخل الدولة الواحدة في كلٍّ من البرازيل والمملكة المتحدة، بينما أولت (فيدوفيتش 2004) اهتمامًا غير كافٍ للاختلافات الواضحة بين أستراليا وسنغافورة على المستوى الدولي. وقد تعامل المثالان مع الدولتين موضوع البحث بوصفهما وحدات متجانسة ومتكافئة للمقارنة، وهو ما قد يؤدي إلى تفسيرات غير متوازنة ومضلِّلة للبيانات. وفوق ذلك، فإن مقارنة المناهج في أستراليا وسنغافورة لدى (فيدوفيتش 2004) أغفلت الفارق الكبير في الحجم بين البلدين، وهو عامل جوهري يغيّر المشهد التربوي والسياسي برمّته.

تستدعي هذه الأمثلة التذكير بالتحذيرات التي أطلقها باحثو التربية المقارنة، الذين شدّدوا على ضرورة تحديد شروط المقارنة، أي إيجاد قاعدة دنيا من أوجه التشابه المشتركة، على أن تكون لهذه التشابهات دلالة سببية مرتبطة بالظواهر التربوية موضوع البحث. ومن هذا المنظور، تبدو الدراسات المقارنة إلى حد ما شبيهة بالتجربة المخبرية، إذ لا تكون التجربة صحيحة وذات معنى إلا إذا حُفظت بعض المتغيرات ثابتة. وتتحقق هذه الغاية من خلال اختيار وحدات للتحليل تتوافر بينها تشابهات كافية وذات صلة تربوية مباشرة. غير أنّ التباينات في الحجم والسياق، كما اتضح في مثال أستراليا وسنغافورة، وما ينجم عنها من تعقيدات في إدارة التعليم واستقلاليته، تُعدّ عوامل مؤثرة على مستوى النظام تترك بصماتها على المستويات الأدنى كالمدارس والمناهج. ولهذا، فإن مقارنة بلد واسع المساحة شديد التنوع واللامركزية مثل أستراليا بدولة صغيرة، لكنها متنوّعة ومركزية مثل سنغافورة، تستحق إعادة نظر جادّة. ومع ذلك، قد تتمكن مثل هذه الدراسات من الوصول إلى نتائج ذات مغزى، شريطة أن تُزيل ما أسماه (راجين 1987) "الاختلافات الظاهرية الخادعة"، وأن تُثبت أن هذه الفروق، على المستوى التجريدي أو السببي، ليست ذات أهمية. وفي الحد الأدنى، يمكن لهذه الدراسات أن تعترف بدور العوامل الخارجية وبالقيود التي تفرضها على نتائجها.

عرض القسم الرئيس من هذا الفصل الإمكانات التي يتيحها البُعد المكاني في مكعّب (براي وتوماس)، والذي يتكوّن من سبعة مستويات: الأقاليم العالمية، والدول، والولايات/المقاطعات، والمناطق، والمدارس، والفصول الدراسية، والأفراد. كما نوقشت وحدات مكانية بديلة مثل التكتلات الاقتصادية الإقليمية، والمدن، والفصول الدراسية عبر الإنترنت (غير المادية). ويكشف كل مستوى مكاني زاوية مختلفة من الواقع التربوي المدروس، وله مزاياه وحدوده. وتُسهم التحليلات في المستويات العليا من المكعّب (الأقاليم العالمية، الدولة، الولاية/المقاطعة، المنطقة) في بناء إطار واسع وعام للأنماط التعليمية والديموغرافية. غير أنّ الدراسات التي تقتصر على المستويات الكلّية، على الرغم من فائدتها، تميل إلى إغفال أنماط مهمة وسمات مميزة في المستويات الوسيطة والجزئية، وما تتركه من أثر على الأحداث التربوية. وقد أظهر مثال (ديل وروبرتسون 2002)، الذي حلّل الاستراتيجيات والأجندات التعليمية لثلاثة تكتلات اقتصادية إقليمية، أنّ ثمة تنوعًا داخليًا ملحوظًا بين مكوّنات الإقليم الواحد. ومن ثَمّ، فإن استكمال الصورة يتطلب التعمق في دراسة المستويات الجزئية (المدرسة، الفصل، الأفراد)، وفي حالة الدول شديدة اللامركزية والمتنوعة أيضًا دراسة المستويات الوسيطة (المقاطعة، المنطقة)، للوصول إلى رؤية متكاملة وواقعية لمحددات الظواهر التربوية في هذه الكيانات. وفي هذا السياق، دعا (كروسلي وفوليامي 2011) إلى إنجاز دراسات سياقية تراعي الظواهر الديناميكية والوجودية على مستوى المدرسة والفرد، وخاصة في الدول الكبيرة التي تشهد فروقًا واسعة داخل الدولة الواحدة.

يقترن الانتقال من المستويات العليا في مكعّب (براي وتوماس) إلى المستويات المكانية الدنيا بحركة عكسية صاعدة من هذه المستويات الدنيا إلى العليا. غير أنّ الدراسات التي تُجرى عند المستويات الأدنى من المكعّب قد تميل أحيانًا إلى الانفصال عن السياق الكلّي الذي تندرج فيه، فتُعاني من ضعف في إمكانية تعميم نتائجها على سياقات أخرى، ومن قصور في تقدير العوامل المحدِّدة للظواهر التربوية عند تلك المستويات. وقد حذّر (سادلر 1900، ص 310) من ذلك بقوله: "إن ما يحدث خارج المدارس أهم بكثير مما يحدث داخلها، وهو الذي يوجّه ما بداخلها ويفسّره". ويشير هذا بوضوح إلى ضرورة فهم الدراسات التي تتناول المستويات الدنيا (الفرد، الصف، المدرسة) في إطار أوسع يشمل المستويات العليا للنظام والدولة، إذ لا يمكن للدراسات أن تقدّم صورة ذات مغزى وشاملة عن العلاقات بين المستويات الكلّية والجزئية إلا من خلال هذا التكامل.

تكشف المزايا والقيود النسبية للتحليلات المقارنة التي تقتصر على مستوى واحد من الهرم الجغرافي عن أهمية البحث متعدد المستويات من أجل بلوغ فهم متوازن وشامل للتعقيد الذي تتسم به الظواهر التربوية. فكل مستوى يشكّل نافذة تطل على الثقافة الأشمل (ألكسندر 2000، ص 531). وعلى الرغم من تمايز المستويات الجغرافية، فإنها ليست كيانات منفصلة أو مغلقة بإحكام، بل تُشبه البيئات الإيكولوجية التي تُتصوَّر كبنى متداخلة، يحيط كل منها بالآخر (برونفنبرنر 1979، ص 3). وتؤثر المستويات الجغرافية العليا والدنيا بعضها في بعض، وتشكل ملامحها المتبادلة في إطار ما وصفه (أرنوفي 2013، ص 1) بـ "الجدلية بين العولمي والمحلي". ومن ثم فإن إدراك هذه العلاقات المتبادلة عبر مختلف المستويات المكانية وفهمها يُعد شرطًا لا غنى عنه لفهم شمولي لجوهر الظواهر التربوية (انظر أيضًا شريور 2006). ويكتسب هذا التحليل الدقيق للعلل البنيوية في التربية أهميته لا على المستوى المفاهيمي فحسب، بل كذلك – وربما بصورة أشد – في توجيه سياسات التعليم نحو الإصلاح والتحسين.

يُستحسن في بحوث التربية المقارنة أن يتجاوز التحليل متعدد المستويات حدود الأدوات التقليدية للبحث التربوي، ليتحول إلى ممارسة بحثية متعددة التخصصات. وقد أشار (براي وتوماس 1995، ص 488) إلى أهمية "التخصيب المتبادل بين الحقول"، حيث تستفيد الدراسات الكمية في المستويات الصغرى من الإسهامات النوعية القادمة من الدراسات المقارنة عبر الدول. وعلى نحو موازٍ، تكتسب البحوث الكلية قيمة أوضح حين تنفتح على ميادين أخرى تكشف التنوع القائم في المستويات الأدنى، بدءًا من الدولة والمناطق وصولًا إلى المدارس والفصول والأفراد، وهو ما يمنح نتائجها توازنًا وعمقًا وشمولًا.

يمثل التحليل المقارن متعدد المستويات هدفًا مرغوبًا وقابلًا للتطبيق. صحيح أنّ مثل هذه الدراسات تتطلب غالبًا حشدًا كبيرًا للموارد سواء داخل الدولة أو عبر عدة دول، غير أن هذا الفصل قدّم نماذج توضّح إمكانية إجراء مقارنات متعددة المستويات بوسائل متاحة أمام معظم الباحثين في التربية المقارنة الذين يركّزون عادة على المستويات الصغرى مثل الصفوف الدراسية والأفراد (أندرسون–ليفيت 2004؛ مكنس 2004). ويمكن للباحثين الذين يكتفون بمستوى واحد من التحليل أن يوضحوا نطاق نتائجهم وحدودها عبر تحديد موقعهم بجلاء على خريطة المعرفة، وذلك بالاستعانة بالإطار المخصَّص للتحليلات المقارنة الوارد في هذا الفصل.

تُسهم البحوث المقارنة في توفير أدوات لفهم الواقع التعليمي المعقّد والكشف عن العلاقات ذات الدلالة، وذلك من خلال السعي لتحقيق التكافؤ المفاهيمي واللغوي معًا، والتأكيد على الارتباط الزمني والمكاني للظواهر الاجتماعية المحددة (مكْنِس 2004، ص 326). وقد بيّن هذا الفصل أنّ تحليل المقارنات بين الأماكن يشكّل مجالًا مثيرًا لدراسة ظواهر تربوية متنوّعة عبر مستويات مختلفة من الطيف، كما يفتح الباب أمام بحث وحدات تحليل أخرى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمكان.

1 شهدت بلجيكا في عام 1993 إنشاء بنية دولة تتألف من ثلاثة مستويات متوازية، شملت: الدولة الفيدرالية، والمجتمعات اللغوية، والمناطق الإقليمية، وقد نُظر إلى هذه المكونات الثلاثة على أنها متساوية من الناحية القانونية. وتضمّنت هذه البنية ثلاث مجتمعات لغوية، هي: المجتمع الناطق بالفرنسية، والمجتمع الفلمنكي، والمجتمع الناطق بالألمانية؛ إلى جانب ثلاث مناطق إدارية هي: المنطقة الفلمنكية، ومنطقة بروكسل العاصمة، والمنطقة الوالونية، وكل منها يتمتع بسلطات تنفيذية وتشريعية ضمن اختصاصاته المحددة.