الفصل الخامس

مقارنة النظم التعليمية

ركزت بحوث واسعة في التربية المقارنة على دراسة النظم التعليمية، غير أنّ هذا التركيز كان في أحيان كثيرة ضمنيًا لا صريحًا، ولم تُوضَّح وحدات التحليل توضيحًا دقيقًا. ويبدأ هذا الفصل بذكر نماذج بارزة ركّز فيها الباحثون على النظم التعليمية أو أعلنوا انشغالهم بها، ثم يعرض الإشكالات المنهجية المتعلقة بتوظيف النظم التعليمية وحدةً للتحليل في بحوث التربية المقارنة، مبيّنًا أنّ وجود أكثر من نظام تعليمي داخل بعض البلدان يجعل البحث في النظم بحثًا داخل الدولة الواحدة أو ممتدًا ليشمل مقارنات بين الدول.

نهج شائعة يقابلها استعمال غير منضبط

حاز التركيز على النظم التعليمية تاريخًا طويلًا في ميدان التربية المقارنة، فعلى سبيل المثال جاء عنوان الخطاب الشهير لـ(سادلر) عام 1900: «إلى أي مدى يمكن أن نتعلم شيئًا ذي قيمة عملية من دراسة النظم التعليمية الأجنبية؟». كما تناول (كاندل) عام 1933 تنظيم النظم التعليمية الوطنية في ست دول، وجاء كتاب (كرامر) و(براون) عام 1956 بعنوان «التربية المعاصرة: دراسة مقارنة للنظم الوطنية»، ثم أعقب ذلك في العقد التالي كتاب (مولمان) الصادر عام 1963 بعنوان «النظم التعليمية المقارنة».

ظلّ التركيز على النظم التعليمية قائمًا في العقود اللاحقة، فقد ظهرت في ثمانينيات القرن العشرين كتب من أبرزها كتاب (إغناس) و(كورزيني) عام 1981 بعنوان «النظم التعليمية المقارنة»، والسلسلة المكوّنة من ثلاثة مجلدات التي حرّرها (كاميرون) وزملاؤه عام 1983 تحت عنوان «الدليل الدولي للنظم التعليمية». وتلا ذلك «الموسوعة في التربية المقارنة والنظم التعليمية الوطنية» التي حرّرها (بوستلثويت) وصدرَت طبعتها الأولى سنة 1988 والثانية سنة 1995. أما في السنوات الأحدث، فقد شملت الإصدارات كتاب (مارلو–فيرغوسون) عام 2002 «مسح عالمي للنظم التعليمية»، وكذلك المجلد الذي أصدره (غريغر) و(فالتروفا) عام 2012 بعنوان «تحوّلات النظم التعليمية في البلدان ما بعد الشيوعية».

على أنّ عددًا من هذه المؤلفات لم يوفّق في صياغة تعريفات واضحة، إذ بيّن الفصل السابق من هذا الكتاب أنّ المقارنات المكانية سيطرت على ميدان التربية المقارنة وأبرزت الدولة القومية في المقام الأول. وقد اتخذت كثير من الأعمال المشار إليها البلدان وحدةً رئيسة للتحليل، ورأى أصحابها أنّ استخدام مصطلح «النظام» مبرّر ما دام الحديث عن النظم التعليمية الوطنية، غير أنّ قليلًا منهم تطرّق إلى حدود هذه النظم من الناحية المفاهيمية أو بحث في مدى وجود نظم أخرى متداخلة ضمن الحدود الوطنية أو متجاوزة لها، حتى إنّ معظمهم عرض النظم التعليمية الوطنية وكأنّ الدولة لا تحتوي إلا على نظام واحد.

يمكن توضيح هذه الفكرة بجلاء من خلال مثالين يفصل بينهما ما يقارب أربعة عقود من الزمن. فقد افترض (مولمان) في كتابه الصادر سنة 1963، مسلِّمًا منذ البداية بأنّ القارئ يعرف مدلول النظم التعليمية، ثم مضى إلى عرض أحد عشر فصلًا خصّص كلًّا منها لدولة بعينها، وهو ما أوحى بأنّ الحدود السياسية للدولة تتطابق مع الحدود المفاهيمية للنظام التعليمي. وقد بدا الإيحاء بأنّ الولايات المتحدة تمتلك نظامًا تعليميًا موحدًا أمرًا مجانبًا للواقع، إذ أشار القسم المخصص لها (ص 79) إلى أنّ «كل ولاية من الولايات الخمسين تدير نظامها التعليمي الخاص»، غير أنّ هذه الملاحظة لم تُستثمر كما ينبغي للكشف عن التمايزات الجوهرية بين تلك النظم، بل اكتفى المؤلف بتقديم صورة عامة عن البلاد في مجملها (ص 75–81). وفي مطلع الألفية، صدرت موسوعة (مارلو–فيرغوسون) عام 2002، منظَّمة وفق تقسيم قطري يبدأ بأفغانستان وينتهي بزيمبابوي، مقدِّمةً التعليم في كل بلد وكأنه كيان موحَّد يخلو من التعدد أو التنوع. بل حتى الدول التي تحتوي داخليًا على نظم متمايزة بلغات مختلفة وبنى مؤسسية متفرّدة، مثل بلجيكا وكندا وفانواتو، عُرضت في صورة عامة توحي بوجود نظام وطني واحد. ولم يكن هذا التصوير مضلِّلًا فحسب، بل فوّت أيضًا فرصة ثمينة لتعميق الفهم المفاهيمي، إذ إنّ المقارنة بين النظم داخل الدولة الواحدة كانت ستسمح بتحديد أوجه تشابه واختلاف ذات دلالة، وتكشف في الوقت نفسه عن القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية التي أسهمت في تشكيل تلك الأنماط التعليمية.

يتبيّن كذلك أنّ التركيز على النظم التعليمية بحسب الدولة يحجب حقيقة أنّ بعض هذه النظم تتجاوز الحدود الوطنية وتعمل عبر أكثر من بلد. فالمدارس التي تديرها هيئات دينية مثل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، تُظهر في كثير من الحالات أوجه تشابه تمتد عبر الدول المختلفة (داون وآرجماند 2005؛ غريفين 2006؛ بروك 2010). واتجه النظر منذ عام 1999 إلى الجامعات في تسعٍ وعشرين دولة أوروبية، حيث بدأت تتقارب تدريجيًا وتتناغم تحت مظلة ما عُرف بـ«عملية بولونيا»، وهي التسمية التي ارتبطت بالمدينة الإيطالية التي اجتمع فيها ممثلو هذه الدول واتفقوا على خطوط توجيهية تهدف إلى تعزيز النظام الأوروبي للتعليم العالي (بولونيا 2013). وإذا انتقلنا إلى مثال آخر، نجد أنّ مدنًا كثيرة تضم جاليات دولية كبيرة تستضيف مدارس تتبع النظم التعليمية لبلدان أخرى، وتخضع في إشرافها أو اعتمادها لسلطات تربوية في تلك البلدان (هايدن وتومسون 2008؛ بيتس 2011).

تعريف النظم التعليمية وتحديدها:

يتعيّن الإقرار بأنّ الباحثين الذين يلزمون الدقة والحرص في توظيف المصطلحات يلقَون عسرًا بيّنًا حين يعرّفون النظم التعليمية، ويعرض (كاندل) سنة 1933 (ص 83) أمرَ النظم الوطنية ويقول: «تعريف النظام التعليمي الوطني ليس أمرًا بسيطًا، على الرغم من كثرة استخدام المصطلح»، ثم يضيف:

لا يرجع التعقيد أساسًا إلى تعدد المؤثرات، سواء كانت رسمية أو غير رسمية، التي تدخل في بناء مواقف أفراد الأمة وتصوراتهم، بل إلى غياب معيار جامع يُمكّن من اختبار وجود نظام وطني للتعليم.

لا يزال هذا الإشكال قائمًا بلا حلّ، ويزداد تعقيدًا بالنسبة لدارسي التربية المقارنة، إذ إنّ بعض اللغات تستعمل أكثر من مصطلح يمكن ترجمته إلى «نظام»، غير أنّ لكل مصطلح منها فروقه الدقيقة ودلالاته الخاصة. ففي اللغة الصينية على سبيل المثال نجد:

عند اعتماد هذا الفصل إطارًا مرجعيًا، يمكن النظر إلى النظام باعتباره مجموعة من الوحدات المتفاعلة والمتشابكة والمتعتمدة بعضها على بعض، لتكوّن معًا كيانًا معقدًا. وقد صاغ (أولبورت) سنة 1955 (ص 469) تعريفًا عامًا لهذا المفهوم جاء فيه:

إنّ النظام هو أي تجمّع محدّد المعالم من عناصر متحركة ترتبط فيما بينها بصلات متبادلة وتعتمد بعضها على بعض، وتستمر في أدائها بما يُنتج أثرًا كليًا ذا سمات خاصة. وبعبارة أخرى، فالنظام يتعلّق بنشاط معيّن، ويصون شكلًا من أشكال الوحدة والتكامل، ويُعرَف في استقلاله عن غيره من النظم التي قد يرتبط بها ارتباطًا ديناميًا.

يرتبط هذا التعريف ارتباطًا وثيقًا بما يُعرف في اللغة الصينية باسم الجياويو شيتونغ [教育系]، كما ينسجم مع التصوّرات التي يعتمدها مخطّطو التربية في المستويات الدولية (انظر مثلًا: غوتلمان وباهر 2012). ويمكن للتعريف أن ينطبق، بالإضافة إلى النظم الوطنية، على النظم التعليمية التي تعمل في نطاق دون وطني. وتُعدّ المؤسسات التعليمية المكوّن الأوضح لهذه النظم، إذ تعمل في إطار قانوني وإداري موحّد، وغالبًا ما تتأثر باتجاهات نحو امتحانات معيّنة، وبشروط خدمة المعلّمين، وأنظمة قبول الطلاب، وغيرها من العوامل.

يُستحسن هنا التذكير بكتاب (آرشر) سنة 1979 الأصول الاجتماعية للنظم التعليمية، الذي حظى باعتراف واسع بوصفه إسهامًا مرجعيًا بارزًا. ومثلها مثل كثير ممن سبقها، أولت (آرشر) اهتمامًا خاصًا بالنظم التعليمية الوطنية الخاضعة لإشراف الحكومات. وقد عرّفت النظام التعليمي للدولة (ص 54) على النحو الآتي:

منظومة شاملة على مستوى الدولة، تتكوّن من مؤسسات تعليمية متمايزة مكرَّسة للتعليم النظامي، ويخضع إشرافها العام ورقابتها بدرجة ما للسلطة الحكومية، على أن ترتبط أجزاؤها وعملياتها بروابط تجعلها وحدة مترابطة.

كما أوضحت (آرشر) أنّ النظم التعليمية تُبنى حين تتجاوز مكوّناتها حالة التشتت وعدم الترابط بين مؤسسات متفرّقة أو شبكات قائمة بذاتها، لتنتظم في علاقات تجعل منها كيانًا موحّدًا. ومن حيث النطاق الجغرافي، ركّزت في تحليلها على الدنمارك وإنجلترا وفرنسا واليابان وروسيا، ملاحِظةً أنّ الدولة في هذه البلدان كانت تتحمّل المسؤولية التكوينية والتنظيمية والرقابية في ما يخص النظم التعليمية.

قد لا تقتصر إدارة النظم التعليمية على الدولة وحدها، إذ قد تنهض بها جهات أخرى مثل المؤسسات الدينية أو بعض الهيئات الأهلية، وسيعرض هذا الفصل نماذج توضّح ذلك. وتستطيع الدولة نفسها أن تدير أكثر من نظام تعليمي واحد، إلى جانب نظم فرعية تتداخل معه. وهنا يطرح سؤال منهجي يتعلّق بالتصنيف: هل تُعدّ هذه الترتيبات نظمًا مستقلة قائمة بذاتها أم نُظمًا فرعية تابعة لبناء أشمل؟ وغالبًا ما يكون الجواب محكومًا بقدر من الذاتية، وهو ما يكشف عن مزيد من التحديات المنهجية التي تجعل هذا الميدان خصبًا وشيّقًا للبحث.

ما الدافع إلى مقارنة النظم التعليمية؟

في كثير من الحالات، تتشابه المبررات الدافعة لمقارنة النظم مع تلك التي تحكم المقارنات بين وحدات أخرى، ولا سيما الوحدات المكانية. وحين تتعلّق المقارنات بالنظم التعليمية الوطنية تحديدًا، فإنّ الحجج المسوِّغة لها قد تبدو قريبة مما عرضته (مانزون) في الفصل السابق. فقد أشارت (مانزون) إلى دوافع تفسيرية وأخرى تحليلية سببية وراء إجراء المقارنات، ولفتت الانتباه إلى أعمال بعض العلماء الراسخين. وكان (بيرداي) أحد هؤلاء، واتسم نهجه بتركيزه الظاهري على النظم، بينما كان في الممارسة يقدّم رؤًى أشمل. فعندما كتب عام 1964 (ص 5) أنّ «الناس يدرسون النظم التعليمية الأجنبية لمجرد رغبتهم في المعرفة، لأنّ الإنسان سيظل دائمًا يتململ بحثًا عن التنوير»، كان في الواقع يقدّم تبريرًا للميدان بأسره، أي للتربية المقارنة، لا لمجرد دراسة النظم بحد ذاتها.

يظل التساؤل قائمًا: ما السبب وراء هذا التركيز الكبير على النظم التعليمية، وبالأخص النظم الوطنية؟ يمكن تفسير ذلك بأنّ الدولة القومية، منذ القرن التاسع عشر، أضحت الوحدة المركزية لتنظيم شؤون المجتمع والسياسة والاقتصاد. وتولّت الحكومات الوطنية أدوارًا متعاظمة في ميدان التعليم، الأمر الذي ساعد في إظهار الاختلافات بين نظم التعليم الوطنية. ومنذ بدايات القرن التاسع عشر ترسّخ النظر إلى التعليم باعتباره وسيلة لتقوية الدولة القومية، وقد بلغ هذا التقليد أوجَه في النصف الثاني من القرن العشرين. أمّا في الحقبة المعاصرة، فقد أدت قوى العولمة إلى تآكل هذه الرؤية (انظر مثلًا: ميتر 2004؛ سبرنغ 2009؛ مارينغ وآخرون 2013). ومع ذلك، لا تزال مؤسسات دولية عديدة تبني برامجها على أساس مفهوم الدولة القومية، وتُبقي على فكرة النظم التعليمية الوطنية وتعمل على تعزيزها (انظر مثلًا: مكتب اليونسكو الدولي للتربية 2000؛ البنك الآسيوي للتنمية 2001؛ اليونسكو 2011؛ أمانة الكومنولث 2012). كما أنّ إنتاجًا علميًا غزيرًا ما زال، بشكل مباشر أو غير مباشر، يدعم هذا التصوّر (مثلًا: آدامز 2004؛ فولهوتر وآخرون 2007؛ تيمه وآخرون 2012).

من أبرز الأسباب التي تدفع إلى دراسة النظم التعليمية تجنّب الوقوع في التصوّر المبسّط الذي يفترض أن الدولة الواحدة تعني نظامًا واحدًا. ويتحقق هذا الهدف حين يُنظر مثلًا إلى بلجيكا الناطقة بالفرنسية باعتبارها متميزة عن بلجيكا الناطقة بالفلمنكية، أو تُدرَس زنجبار منفصلة عن تنزانيا البرية، أو يُفصل إقليم كيبك في كندا عن مقاطعة أونتاريو. ويتجلى الغرض نفسه أيضًا في المقارنات بين المدارس الخاصة والعامة، أو بين المدارس الكاثوليكية والبروتستانتية، أو بين المدارس التقنية والمهنية والمدارس الأكاديمية التقليدية. بيد أن مساواة الدولة بالنظام التعليمي تعرض الباحث إلى خطر اعتماد منظور جامد، لأن الحدود الوطنية نادرًا ما تتغير. أما التحليلات التي تعنى بالنظم غير المحددة جغرافيًا، فهي أكثر قدرة على إظهار مرونة الحدود وقابليتها للتحول. ومن ثم فإن التركيز على النظم التعليمية قد يسهم، في سياقات معينة، في تقليص مخاطر التعميم المفرط والتبسيط الشديد، وفي الوقت نفسه يكشف عن أنماط دينامية للتغير.

نماذج توضيحية من الصين

يمكن توضيح بعض النقاط السابقة من خلال أمثلة عملية، إذ يركّز هذا الجزء على ثلاثة مكوّنات رئيسة من جمهورية الصين الشعبية هي البرّ الرئيسي للصين وهونغ كونغ وماكاو1. وتتميّز النظم التعليمية في كل من هذه المناطق بخصائص متباينة بوضوح، غير أنّ الفوارق لا تظهر فقط فيما بينها، بل كذلك داخل كل منطقة على حدة. ومن ثم فإنّ دراسة حالة الصين الشعبية تكشف عن إمكانات واسعة لإجراء مقارنات إرشادية متعدّدة داخل حدود دولة واحدة.

أنظمة التعليم في البر الرئيسي الصيني

يبلغ عدد سكان البرّ الرئيسي للصين نحو 1.3 مليار نسمة، منهم أكثر من 220 مليونًا يدرسون في المدارس والجامعات. وتضم البلاد 289 مدينة، من بينها 48 مدينة يتجاوز عدد سكان كل منها نصف مليون نسمة، فيما تبلغ المساحة الإجمالية 9.6 مليون كيلومتر مربع. ومنذ انطلاق الإصلاح التعليمي في منتصف ثمانينيات القرن العشرين عام 1985 شهدت الصين الرئيسية تحولات كبرى في مجال التعليم. وقد أشار تشينغ عام 1991 إلى أن النظام التعليمي في الصين يتسم بدرجة مدهشة من التجانس إذا ما قورن باتساع مساحتها الجغرافية وضخامة عدد سكانها، وكان هذا الطابع في الأساس ثمرة لأسلوب إداري شديد المركزية. غير أن الإصلاحات اللاحقة أدت إلى بروز تنوع متزايد، لا بين الأقاليم المختلفة فحسب، بل كذلك داخل كل إقليم على حدة، وهو ما أبرزته دراسات لاحقة لعدد من الباحثين مثل موك وغونغ وتسانغ وتشيي.

اتبعت الصين في كثير من أقاليمها، وعلى امتداد عقود طويلة، نظامًا تعليميًا متدرجًا يبدأ بست سنوات في المرحلة الابتدائية، تليها ثلاث سنوات للمرحلة الثانوية الدنيا، ثم ثلاث سنوات أخرى للثانوية العليا، وأربع سنوات للتعليم العالي، ليشكّل بذلك مسارًا تعليميًا واضح المعالم. ولم تسر جميع الأقاليم على النهج نفسه؛ فقد ظلّت بعض المناطق، حتى مطلع تسعينيات القرن العشرين، متمسكة بصيغ أخرى، مثل خمس سنوات للابتدائية وأربع للثانوية الدنيا، أو خمس سنوات للابتدائية وثلاث للثانوية، أو خمس سنوات للابتدائية وسنة انتقالية تعقبها ثلاث للثانوية، فضلًا عن نظام مدمج يمتد لتسع سنوات متصلة، وأنماط أخرى متعددة. وحين حلّ عام 2010 كان معظم أطفال المقاطعات قد التحقوا بمدارس ابتدائية مدتها ست سنوات، غير أن بعض الفوارق ظل قائمًا كما يوضحه الجدول 5.1. وقد أفرزت هذه البنى المتنوعة مناهج مختلفة وأدت إلى نتائج متباينة بين إقليم وآخر، مما أظهر أثر التعددية في صياغة المسار التعليمي. ورغم أن السياسات المركزية دفعت بوضوح في اتجاه توحيد الهياكل، فإن مظاهر التنوع لم تندثر، لأن الدولة حرصت في توجهها العام على ترك مساحة للامركزية، بما تحمله من مرونة وقدرة على مراعاة اختلاف الأقاليم وظروفها.

الجدول 5.1: توزيع التلاميذ على نظام المدارس الابتدائية ذي السنوات الست في عدد من المقاطعات والبلديات بالصين الرئيسية لعام 2010

محافظة/ بلدية

العدد الإجمالي من تلاميذ المرحلة الابتدائية

نسبة الطلاب في نظام تعليمي مدته 6 سنوات

محافظة/ بلدية

العدد الإجمالي من تلاميذ المرحلة الابتدائية

نسبة الطلاب في نظام تعليمي مدته 6 سنوات

بكين

653.225

99.99

تشينغهاي

518.992

98.06

فوجيان

2,388,917

100.00

شاندونغ

6,292,476

86.77

قويتشو

4,334,971

100.00

شنغهاي

701.578

12.25

هيلونغجيانغ

1,879,609

69.69

تيانجين

505.895

88.63

خنان

10,705,303

99.99

يونان

4,352,084

99.99

هوبى

3,655,512

99.99

شينجيانغ

1,935,789

99.99

هونان

4,791,601

100.00

بر الصين الرئيسي

99,407,043

99.78

المصدر: الصين (2011)، الصفحات 526 و534.

لم تقتصر الاختلافات على النظم التعليمية الكبرى، بل ظهرت أيضًا داخل النظم الفرعية. ففي مراحل سابقة عمدت السلطات إلى تصنيف بعض المؤسسات باعتبارها مدارس نموذجية، تمركز أغلبها في المدن وعواصم المقاطعات. وحظيت هذه المدارس بامتيازات واضحة، وضُم إليها أفضل التلاميذ والمعلمين والموارد المتاحة في نطاقها الجغرافي، انطلاقًا من منطق يرى أن تركيز الموارد في المتفوقين يتيح إعدادهم للالتحاق بالتعليم العالي. ولم يقتصر دور هذه المدارس على التدريس، بل غدت أيضًا مراكز لتدريب المعلمين أثناء الخدمة، ومنصات لتجريب المناهج الجديدة واستحداث الأساليب التعليمية. وبرغم أنّ نسبتها لم تتجاوز خمسة في المئة من مجموع المدارس، فإنها كانت المصدر الأكبر لمرشحي الجامعات في امتحان القبول الوطني المعروف بشدة تنافسيته. وفي مقابل ذلك، وضعت الحكومة المركزية نصب عينيها هدف تحقيق العدالة في التعليم الإلزامي، فجاء المخطط الوطني لإصلاح التعليم وتنميته للمدى المتوسط والطويل (2010–2020) ليؤكد على تقليص التمايز. غير أنّ وزارة التربية نفسها أقرت بأن إنهاء نظام المدارس المفتاحية في التعليم الابتدائي والثانوي سيستلزم وقتًا طويلًا وإجراءات متدرجة.

تجلّى التنوع كذلك في أسلوب التعامل مع التعليم الموجّه للقوميات الأقلية. فقد بلغت أعداد هذه القوميات الخمس والخمسين، وفق تقديرات عام 2010، نحو 105 ملايين نسمة، أي ما يعادل 8.6 في المئة من مجموع سكان البلاد. وأقرت السياسة الوطنية مبدأ التعليم الثنائي اللغة، داعية إلى الجمع بين لغات الأقليات المحلية واللغة الصينية المعيارية داخل النظام التعليمي. بيد أنّ تطبيق هذا المبدأ لم يكن متساويًا في جميع الأقاليم؛ إذ تفاوتت درجات الالتزام به من منطقة إلى أخرى. ومع ذلك، فإن لغات معظم الأقليات وجدت طريقها إلى المدارس الابتدائية على الأقل، بما يضمن لها حدًّا أدنى من الاستمرار في الحياة اليومية والتعليمية.

أدخلت المدارس الخاصة مظهرًا جديدًا من مظاهر التنوع في التعليم الصيني. فمع مطلع عام 2010 وصل عدد التلاميذ الملتحقين بالمدارس الابتدائية الخاصة إلى أكثر من خمسة ملايين وثلاثمئة ألف، أي ما يعادل قرابة 5.4 في المئة من مجموع تلاميذ الابتدائي في البلاد. وفي المرحلة الثانوية ارتفع العدد إلى نحو عشرة ملايين تلميذ يشكلون ما يقارب 9.8 في المئة من الإجمالي. ولعل هذه النسب لا تبدو مرتفعة إذا قورنت بحجم السكان الهائل، غير أنّ قيمتها الحقيقية تبرز عند التذكير بأن الصين لم تعرف وجود المدارس الخاصة أصلًا قبل ثلاثة عقود فقط. أما في التعليم الثانوي المهني فقد تجاوزت نسبة الملتحقين بالمدارس الخاصة تسعة في المئة، وهو ما يعكس حضورًا متزايدًا لهذا النمط من التعليم. وغالبًا ما أنشئت هذه المؤسسات في المدن الكبرى لتلبية طموحات أبناء الفئات الجديدة التي حققت ثراء سريعًا، في حين ظهرت أخرى في المناطق الريفية حيث فضّلت بعض الأسر البحث عن مناهج تختلف في توجهاتها ومضامينها عمّا هو متاح في التعليم الحكومي.

برزت سمات جديدة متنوعة في التعليم الصيني مع انتشار المدارس الدولية، ولا سيما في المدن الكبرى مثل بكين وشنغهاي، حيث ارتبط عدد منها بأنظمة تعليمية أجنبية. وبرغم أن حجم هذه المؤسسات لم يكن كبيرًا، فإن أهميتها كانت واضحة من حيث الاتجاهات التي مثّلتها. ففي عام 2012 مثلًا، ضمّت العاصمة بكين تسع عشرة شعبة دولية في ست عشرة مدرسة ثانوية عامة، إلى جانب خمس مدارس ثانوية دولية أُنشئت بالتعاون بين الصين ومؤسسات أجنبية، فضلًا عن عدد من الشعب الدولية التابعة لمدارس خاصة. ولم يقتصر هذا النمو على بكين، بل شهدت شنغهاي وأقاليم أخرى تطورات مماثلة. وتنوّعت مناهج هذه المدارس بين تلك التي تعتمد اللغة الإنجليزية، وتلك التي تركّز على لغات قومية لدول مثل اليابان وكوريا. وكل المؤشرات تدل على أن هذا التنويع مرشّح للتوسع الكبير في الأعوام القادمة.

النظم التعليمية في هونغ كونغ

تبدو هونغ كونغ ضئيلة الحجم إذا قيست بالبرّ الرئيسي الصيني؛ فعدد سكانها لا يتجاوز سبعة ملايين نسمة، ومساحتها لا تزيد على 1,071 كيلومترًا مربعًا. وقد خضعت جزيرة هونغ كونغ للسيطرة البريطانية عام 1842 حين أُعلنت مستعمرة، ثم جرى توسيع الإقليم بإضافة أجزاء من البرّ الرئيسي والجزر القريبة. وفي عام 1997 استعادتها الصين، غير أنّ هونغ كونغ احتفظت بقدر واسع من الحكم الذاتي باعتبارها منطقة إدارية خاصة، لها عملتها الخاصة ونظامها القانوني المستقل، وتشرف محليًا على قطاع التعليم. وبرغم وجود أطراف ريفية، فإن ملامحها العامة تبقى ملامح مجتمع حضري. ومن هذا المنطلق يصبح الأنسب في دراسات التربية المقارنة الداخلية أن يُوجَّه الاهتمام إلى اختلاف أنماط النظم المدرسية داخل هذا المجتمع الحضري، لا إلى نظم تخدم مناطق جغرافية بعينها.

شابهت هونغ كونغ البرّ الرئيسي للصين في كون غالبية مدارسها جزءًا من نظام تعليمي واحد يمتد على كامل الإقليم. غير أن بعض المدارس ظل خارج هذا الإطار، وحتى داخله ظهرت نظم فرعية متمايزة. ويبيّن الجدول 5.2 أنه في عام 2012/2013 لم تتجاوز المدارس الخاضعة للإدارة المباشرة من الحكومة 6.1 في المئة، بينما استحوذ القطاع المُعان على 72.2 في المئة من المدارس، وهو قطاع يخضع لرقابة واسعة ويُعد جزءًا من التعليم العام. ومع ذلك، فقد تبلورت داخل هذا القطاع "نظم داخل النظم"، مثل المدارس التي أدارتها الكنيسة الكاثوليكية وهيئات دينية وخيرية أخرى. وبرزت كذلك ثلاث مدارس عُرفت باسم caput، ارتبطت بالقطاع المُعان لكنها اعتمدت على منح حكومية تُصرف وفقًا لعدد التلاميذ، استنادًا إلى صيغة مالية وُضعت منذ عقود.

الجدول 5.2: هيئات التعليم الابتدائي والثانوي في هونغ كونغ، 2012/2013


ابتدائي

ثانوي

إجمالي

حكومي

34

32

66

مدعوم حكوميا

423

362

785

رأس مال (Caput)

0

3

3

نظام الدعم المباشر

21

61

82

خاص

50

32

82

دولي

41

29

70

الإجمالي

569

519

1.088

المصدر: هيئة التعليم في هونغ كونغ – www.edb.gov.hk

إلى جانب المدارس الحكومية والمدارس المعانة والمدارس شبه الخاصة المعروفة بالكابوت (Caput)، ظهرت فئتان إضافيتان من المدارس الخاصة التي اكتسبت أهمية خاصة في المشهد التعليمي. ففي عام 1991 أُنشئ برنامج الدعم المباشر (DSS) الذي فتح الباب أمام المدارس المعانة للتحوّل إلى مؤسسات خاصة مع احتفاظها بامتياز الحصول على منح حكومية تضمن استمرارية عملها، كما منح المدارس الخاصة فرصةً للحصول على دعم مالي من الدولة متى التزمت بالمعايير الأكاديمية والتنظيمية المفروضة عليها. وقد أدّى اختلاف البنية المالية والرقابية لبرنامج الدعم المباشر عن النظام التعليمي السائد إلى إيجاد ما يشبه النظام الموازي أو «النظام داخل النظام». وفي المقابل، فإن المدارس التي صُنّفت في الجدول 5.2 باعتبارها مدارس خاصة لم تتلقَّ منحًا تشغيلية متكررة من الحكومة، لكنها استفادت في بعض الحالات من تخصيص أراضٍ أو أشكال أخرى من المساندة، الأمر الذي أتاح لها مرونة أكبر في صياغة مناهجها التعليمية واتخاذ قراراتها التنظيمية على نحوٍ أكثر استقلالًا.

شكّلت المدارس الدولية الفئة الأخيرة في هذا التصنيف، وقد تنوّعت بدورها تنوّعًا واسعًا، إذ شملت في العام الدراسي 2011/2012 خمس عشرة مدرسة تابعة لمؤسسة المدارس الإنجليزية (ESF) التي جرى تنظيمها ضمن مجموعة تسعى في معظمها إلى اعتماد منهج البكالوريا الدولية باعتباره إطارها الأكاديمي الموحِّد، في حين اتجهت مدارس أخرى إلى استلهام المناهج الوطنية لدول مثل أستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا واليابان وكوريا والنرويج وسنغافورة (مكتب التعليم في هونغ كونغ 2012)، وبذلك أضحت بعض هذه المدارس بمثابة امتداد مباشر لأنظمة تعليمية أجنبية أخذت تعمل داخل هونغ كونغ وتفرض حضورها التربوي فيها (بري وياموتو 2003، ص 58–59؛ نغ 2012، ص 124).

قدّمت بعض المؤسسات التعليمية نموذجًا منهجيًا غنيًا حين جمعت في إطارها أكثر من نظام تعليمي، فجسّدت المدرسة الدولية الألمانية–السويسرية هذا التنوّع بإنشائها قسمًا يسير على المنهج الألماني وآخر يطبّق المنهج الإنجليزي، وسارت المدرسة الدولية الفرنسية في الاتجاه نفسه إذ انقسمت إلى قسم يتبع المنهج الفرنسي وقسم آخر يطبّق منهج البكالوريا الدولية، بينما احتوت المدرسة الدولية الكورية على قسم يعتمد المنهج الكوري وآخر يلتزم بالمنهج الإنجليزي. وأفضى هذا التعدد إلى اختلاف التوقعات المهنية المفروضة على المعلمين، كما انعكس على التلاميذ في المدرستين الفرنسية والكورية الذين تكبّدوا رسومًا متفاوتة بحسب القسم الذي ينتمون إليه، وبذلك أصبح من الممكن إجراء المقارنة بين النظم التعليمية داخل حدود هونغ كونغ العامة وحتى في صميم المؤسسة الواحدة.

أبرزت المؤسسات التعليمية داخل النظام السائد تمايزها من خلال لغة التدريس التي اعتمدتها، وأظهر هذا التمايز في الوقت نفسه أبعادًا تاريخية تكشف عن تطور مسار التعليم. فقد عرض الجدول 5.3 التصنيف الرسمي في منتصف تسعينيات القرن العشرين، حيث تميّزت المدارس الثانوية بين الأنجلو–صينية التي تولّت التدريس باللغة الإنجليزية باستثناء مادتي اللغة الصينية والتاريخ الصيني، والمدارس الصينية الوسطى التي اعتمدت اللغة الصينية في تدريسها مع استثناء مادة اللغة الإنجليزية. واتبعت المدارس الأنجلو–صينية نظامًا دراسيًا يقوم على 5+2، بينما التزمت المدارس الصينية الوسطى حتى مطلع التسعينيات بنظام 5+1. وأسست السلطات عام 1963 جامعة هونغ كونغ الصينية لتكون قمة هذا النظام وقدّمت برنامجًا أساسه أربع سنوات، في حين ظلّت جامعة هونغ كونغ تمثل في تلك الفترة قمة النظام الأنجلو–صيني ببرنامج دراسي مدته ثلاث سنوات.

الجدول 5.3: تصنيف المدارس الثانوية في هونغ كونغ وفق لغة التدريس، 1993/1994


الحكومة

الدعم

الخاص

الإجمالي

أنجلو–صيني

33

299

56

388

الصيني

2

14

7

23

الأنجلو صيني والصيني

3

5

4

12

الإنجليزي

1

5

15

21

أخرى

-

-

2

2

الإنجليزي وغيره

-

-

2

2

الإجمالي

39

323

86

448

ملاحظة: تشير هذه الأرقام إلى المدارس النهارية فقط.

المصدر: إدارة التعليم في هونغ كونغ (1993)، ص 55.

تلاشت مع مرور الوقت الحدود التي كانت تفصل بين المسارين اللغويين، إذ راحت أعداد متزايدة من المدارس الأنجلو–صينية تعلن أنها تعتمد الإنجليزية لغة للتدريس بغرض اجتذاب الطلاب، غير أنّ الواقع العملي في قاعات الدراسة فرض تدريس كثير من المواد باللغة الصينية. وبدأت الجامعة الصينية في هونغ كونغ تختار طلابها بشكل متزايد من المدارس الأنجلو–صينية إلى جانب المدارس الصينية الوسطى (لي 1993). وفي عام 1988 اتخذت الحكومة قرارين مهمّين: أولهما أن تكون ثلاث سنوات هي المدة الأساسية لبرامج الدراسة الجامعية في جميع المؤسسات، بما في ذلك الجامعة الصينية في هونغ كونغ، وثانيهما أن تلتزم المدارس الثانوية ضمن النظام العام بتطبيق نموذج 5+2. وهكذا، غدت الأنظمة الفرعية التي كانت تمثل هذين المسارين اللغويين أقل تميّزًا وأقل وضوحًا، وأصبحت تُشكّل إطارًا للمقارنة الداخلية في ميدان التربية المقارنة.

أدّت السياسات التعليمية في أواخر تسعينيات القرن العشرين إلى إحداث تمييز أوضح بين المدارس التي تعمل بلغات تدريس مختلفة. وفرضت السلطات، بعد عملية فرز دقيقة وصارمة، أن يُسمح فقط لـ 114 مدرسة ثانوية حكومية – أي ما يقارب ربع العدد الإجمالي – باستخدام الإنجليزية لغة للتدريس لطلاب دفعة 1998 وما تلاها. وأدّى تنفيذ هذه السياسة إلى انقسام جديد بين فئتين من المدارس محدّدتين بوضوح على أساس لغة التدريس، وهو ما أتاح إمكانية إجراء مقارنات مباشرة بينهما (اللجنة الدائمة لتعليم اللغة والبحث 2003؛ لجنة التعليم 2005).

أطلقت حكومة هونغ كونغ عام 2009 إصلاحًا جديدًا (هونغ كونغ 2011) غيّر هيكل النظام التعليمي من نموذج 6+5+2+3؛ أي ست سنوات في المرحلة الابتدائية، وخمس سنوات من التعليم الثانوي تنتهي بامتحانات شهادة الثانوية، وسنتين في المرحلة الثانوية العليا تنتهي بامتحانات المستوى المتقدّم، وثلاث سنوات للحصول على الدرجة الجامعية الأساسية. واستبدلت الحكومة هذا النموذج بآخر هو 6+3+3+4؛ أي ست سنوات ابتدائي، وثلاث سنوات ثانوي أدنى، وثلاث سنوات ثانوي أعلى، وأربع سنوات للدرجة الجامعية الأساسية. ومنحت هذه التغييرات الباحثين والممارسين فرصًا لإجراء مقارنات بنّاءة عبر الزمن، من خلال الموازنة بين النظام القديم والنظام الجديد.

وأصبح المجال اللغوي أكثر التباسًا مع تطوّر السياسات الحكومية. وألزمت الحكومة المدارس من عام 1997 حتى 2008 باتباع سياسة "التوجيه الصارم"، التي فرضت العمل وفق اختيارات لغوية دقيقة وفئات منفصلة. ثم أطلقت بعد ذلك مرحلة "التعديل الدقيق"، فأتاحت مجالًا أوسع للتساهل وأدّت إلى ظهور فئات لغوية أقل وضوحًا وأكثر غموضًا (موريس وآدمسون 2010، ص 152–154).

تُظهر الخلاصة أنّه رغم إمكانية النظر إلى نظام التعليم في هونغ كونغ باعتباره وحدة قائمة بذاتها، فإن الفحص الدقيق يبرهن على وجود تباينات ملحوظة في أساليب إدارة المدارس وفي محتوى المناهج. ولذلك يمكن القول إن هونغ كونغ تضم أنظمة متعدّدة داخل إطارها التعليمي، وأن هذه البُنى خضعت لتحولات كبيرة عبر الزمن.

النظم التعليمية في ماكاو

تبدو هونغ كونغ صغيرة مقارنةً بالصين القارية، لكن ماكاو أصغر حجمًا منها بكثير. إذ لا يتجاوز عدد سكانها 560 ألف نسمة، ولا تزيد مساحتها عن 28 كيلومترًا مربعًا. ومنذ منتصف تسعينيات القرن العشرين بذلت الحكومة جهودًا واضحة لتشييد نظام تعليمي لماكاو (ليُنج 2011؛ وانج 2011؛ ماكاو 2012أ). ومع ذلك استمر وجود تنوّع داخلي واسع.

يعود تاريخ ماكاو بوصفها وحدة متميّزة إلى عام 1557، حين حصل التجار البرتغاليون من السلطات الصينية على حق الاستيطان. وظلّت المنطقة تحت الإدارة البرتغالية حتى عام 1999، حين عادت السيادة إلى الصين. وقد جاء نموذج الانتقال مشابهًا لما جرى في هونغ كونغ، حيث تُعد ماكاو أيضًا منطقة إدارية خاصة تحتفظ بعملتها ونظامها القانوني وإدارتها للتعليم (براي وكو 2004).

لم تُولِ الإدارة الاستعمارية في ماكاو عناية جدّية بالتعليم قبل تسعينيات القرن الماضي. واكتفت بتسيير عدد قليل من المدارس التي اعتمدت المنهج البرتغالي، موجّهة بالدرجة الأولى لأبناء الموظفين البرتغاليين وأبناء الأسر المحلية ذات الصلة المباشرة بالبرتغال. ولم تَخدم هذه المدارس سوى أقل من 10% من السكان. واضطر باقي الأطفال إمّا إلى الالتحاق بمدارس خاصة أو إلى البقاء خارج النظام التعليمي. ولم يكن للحكومة أي دور في تمويل هذه المدارس الخاصة أو الإشراف عليها أو حتى متابعتها. وقد تولّت هيئات دينية إدارة جانب منها، بينما أنشأت منظمات للخدمات الاجتماعية وشركات تجارية مدارس أخرى (لاو 2009).

حدّد أحد الوثائق الرسمية (ماكاو 1989، ص 178) طريقة لتصنيف مدارس ماكاو، إذ ميّزت بين أربعة أنظمة تعليمية كما هو موضّح في الشكل 5.1. وحملت النماذج مسميات: البرتغالي، والأنجلوساكسوني، والصيني التقليدي، وجمهورية الصين الشعبية. غير أنّ هذه التسميات استندت إلى فهم جزئي ومشوّه للأنظمة في البلدان التي زُعم أنّ النماذج استُوردت منها. ويُعدّ ذلك بحد ذاته مثالًا على الحاجة إلى نشر معلومات أوضح حول تنوّع الأنظمة التعليمية داخل كل بلد. وكان وصف النموذج بالأنجلوساكسوني تسمية خاطئة، إذ استُورد النموذج من هونغ كونغ لا من المملكة المتحدة، ثم إنّ النموذج السائد في هونغ كونغ كان الأنجلو–صيني 5+2 لا النظام الصيني الأوسط 5+1. كما أنّ توصيف نموذج 6+5 بأنه نموذج لجمهورية الصين الشعبية لم يكن دقيقًا، لأن النموذج السائد فيها هو 6+3+3، ولم يكن أي من النماذج الأخرى 6+5. أما تسمية "الصيني التقليدي" فكانت تعود إلى نموذج مستورد من تايوان، مع بقاء أسباب اختيار هذا الوصف غير واضحة.

الشكل 5.1: النُظم التعليمية في ماكاو كما وردت في وثيقة رسمية عام 1989

Shape1

(*) كان لبعض المؤسسات في هذا النظام الصف الثاني عشر. يمكن اعتبار هذا عاما قبل جامعي

المصدر: ماكاو (1989، ص 178).

الشكل 5.2: النُظم التعليمية في ماكاو كما وردت في وثيقة رسمية عام 1993

Shape2

اتبعت بعض المدارس نظامًا يقوم على ست سنوات مقسّمة إلى ثلاث سنوات ثانوية دنيا وثلاث سنوات ثانوية عليا، في حين اعتمدت مدارس أخرى نظامًا ثانويًا من خمس سنوات. وقدّمت مجموعة من مدارس هذا النظام سنة إضافية (الفصل السادس) للطلاب الساعين إلى استكمال تعليمهم العالي.

المصدر: ماكاو (1993 أ)، ص 205.

عقب الاعتراف بمحدودية بعض جوانب التصنيف السابق وما أثاره من تساؤلات، لجأت منشورات رسمية صدرت لاحقًا (مثل ماكاو 1993أ) إلى اعتماد تصنيف جديد لثلاثة من الأنظمة التعليمية، على نحو أبسط وأكثر مباشرة، يقوم على أساس لغة التدريس (انظر الشكل 5.2). ومع ذلك لم يكن هذا التصنيف قائمًا على اللغة وحدها، إذ اعتُبرت المدارس اللوسو–صينية فئة مستقلة بحد ذاتها. وقد شغّلت الحكومة هذه المدارس في معظم برامجها باللغة الصينية، غير أنّها أولت في الوقت ذاته أهمية واضحة للبرتغالية باعتبارها لغة ثانية ينبغي إكسابها للطلاب. وامتاز النظام اللوسو–صيني ببنية مختلفة ومتمايزة عن المدارس الصينية اللغة من جهة، والمدارس البرتغالية اللغة من جهة أخرى، بما جعله نموذجًا وسطًا له خصوصيته. ويبيّن الجدول 5.4 عدد المدارس في تلك المرحلة وفق لغة التدريس، مظهرًا ملامح التوزيع اللغوي السائد آنذاك. فقد كانت الغالبية العظمى من المدارس الخاصة تعتمد الصينية لغةً للتعليم، بينما لم يتجاوز عدد المدارس الثانوية التي اعتمدت البرتغالية مدرستين فقط (استوعبتا 2% من الطلاب)، في حين بلغ عدد المدارس الثانوية التي استخدمت الإنجليزية سبع مدارس شكّلت نسبة 19% من إجمالي الطلاب. كما يبرز الجدول التحولات التي طرأت عبر العقود، والتي انعكست أولًا في تقليص عدد المدارس الابتدائية الصغيرة، وثانيًا في تراجع حضور البرتغالية تدريجيًا لصالح اللغتين الأخريين الأكثر انتشارًا.

الجدول 5.4: المدارس في ماكاو، حسب الملكية ووسيلة التدريس


ابتدائي

ثانوي


1992/93

2010/11

1992/93

2010/11

الحكومية

الصينية

6

1

1

4

البرتغالية

2

0

1

1

الخاصَّة

الصينية

55

18

24

24

البرتغالية

4

1

2

1

الإنجليزية

6

6

7

8

الإجمالي

73

26

35

38

ملاحظة: حُسبت المدارس التي تضم مرحلتين ابتدائية وثانوية كمؤسستين منفصلتين.

المصدر: ماكاو (1993 ب)، ص 2، ماكاو (2012 ب)، ص 70.

أظهر الجدول 5.4 تمييزًا واضحًا بين المدارس الحكومية والمدارس الخاصة من حيث الملكية والإدارة، غير أنّ المدارس الخاصة لم تكن كتلة واحدة متجانسة، بل تفرّعت إلى مجموعات متنوّعة. وبرز من بينها اتحاد المدارس الكاثوليكية الذي شكّل في أوائل تسعينيات القرن الماضي ما يقارب نصف المدارس الخاصة، قبل أن تتراجع نسبته قليلًا بحلول العقد الأول من الألفية الجديدة، وقد خضعت مؤسساته لإشراف مباشر من الأسقف مما منحها طابعًا أقرب إلى النظام المستقل. وفي العقد الثاني من الألفية برز تجمع أكبر حجمًا تمثّل في المدارس المرتبطة بجمعية المربّين الصينيين التي تمتّعت بعلاقة وثيقة مع حكومة البرّ الرئيسي للصين، واستمدّت توجهاتها من السياسات المتّبعة هناك (ليوونغ 2011، ص 173).

أظهر العقد الثاني من الألفية معيارًا إضافيًا لتجميع المدارس وتصنيفها، إذ ارتبط الأمر بانضمامها إلى برنامج التعليم المجاني الذي تبنّته الحكومة، وهو البرنامج الذي قدّم إعانات مالية مكّنت تلك المؤسسات من إتاحة التعليم بلا مقابل، في الوقت نفسه الذي فرض فيه تنظيمات دقيقة تحدّد الحد الأقصى لأعداد الطلاب داخل الصفوف الدراسية (ليوونغ 2011، ص 173؛ ماكاو 2012أ، ص 316). وأوضحت بيانات العام الدراسي 2010/2011 أنّ 82.8% من المدارس الخاصة التحقت بالفعل بهذا البرنامج وأصبحت جزءًا من منظومته.

لم تستطع سلطات ماكاو أن تُقيم نظامًا تعليميًا موحّدًا رغم الزيادة الكبيرة في التمويل الحكومي وما رافقها من تشريعات وضوابط جديدة، إذ وقفت القوى السياسية سدًّا أمام اعتماد امتحانات موحّدة على مستوى الإقليم. وأكّد ليوونغ (2011، ص 181) أن الدولة حين اندفعت في مسار الإصلاح، مثل إصلاح المناهج الدراسية، وجدت نفسها مكبّلة بقدرة محدودة على الفعل. وزاد الأمر تعقيدًا أنّ معظم المعلّمين تخرّجوا وتدرّبوا في الصين القارية أو في تايوان أو في هونغ كونغ، فجاؤوا بثقافات تربوية مستوردة من هناك، كما اعتمدت غالبية المدارس مناهج مدرسية أُعيدت صياغتها انطلاقًا من مواد تعليمية مستجلبة من تلك المناطق. وهكذا بدا أنّ الحكومة، وإن أنشأت ما يمكن وصفه بنظام تعليمي خاص بماكاو يصلح للمقارنة بالنظم السائدة في هونغ كونغ والصين القارية في الإطار الصيني العام، فإن مدارسها في العقد الثاني من الألفية ظلّت تُظهر تنوّعًا واسعًا يعبّر عن تعددية داخلية يصعب دمجها في نظام واحد.

مزيد من النماذج التوضيحية من المملكة المتحدة

أظهر التنوع التعليمي في المملكة المتحدة جذورًا تاريخية مختلفة وصورًا معاصرة مغايرة لما هو قائم في الصين، وهو ما يمنحه أهمية خاصة عند مقارنته بالتجربة الصينية. ويتضح ابتداءً أنّ المملكة المتحدة لم تعرف في أي مرحلة من تاريخها نظامًا تعليميًا واحدًا يغطّي أراضيها كافة، ولذلك كان عنوان مقالة (بوث 1985) المعنونة "المملكة المتحدة: نظام التعليم" عنوانًا مضلّلًا وبعيدًا عن الدقة. وتمتلك كل من إنجلترا وإيرلندا الشمالية واسكتلندا وويلز نظمًا تعليمية مستقلة، ويظهر في داخل كل واحدة من هذه المناطق قدر آخر من التنوع يعكس اختلاف الجماعات الدينية والاقتصادية والاجتماعية التي تخدمها تلك النظم. ومع ذلك، يركّز النقاش اللاحق أساسًا على النظم التعليمية المميّزة في كل بلد من بلدان المملكة المتحدة.

قدّم (راف 1999) وزملاؤه ورقة بحثية بالغة الفائدة في هذا الموضوع، أرست إطارًا اعتمد عليه باحثون مثل (بريساد 2007) وزملاؤه و(منتر 2009) وزملاؤه. واستعان (راف) وزملاؤه باستعارة من لعبة كرة القدم لتيسير تحليل التعليم (ص 9).

تشارك المملكة المتحدة في ميدان كرة القدم بأربع فرق وطنية مستقلّة، هي فرق إنجلترا واسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية، وقد عُرفت المباريات التي كانت تدور بينها في الماضي باسم "المباريات الدولية الداخلية". ويعكس هذا التمايز الرياضي صورة أوسع للحقل التعليمي، إذ إنّ كل دولة من هذه الدول الأربع تمتلك نظامًا خاصًا بها في التعليم والتدريب، ومن هنا تأتي هذه الورقة لتدافع عن فكرة عقد مقارنات "دولية داخلية" بين تلك النظم باعتبارها سبيلًا إلى فهم أعمق لتعددية التعليم داخل المملكة المتحدة.

لفت المؤلفون الانتباه إلى أنّ عددًا كبيرًا من الناس لا يميّزون بين النظم التعليمية الأربعة، بل يعتبر بعضهم أنّ هذه الفروق مجرد إزعاج لا يستحق عناء التفسير والتدقيق، ثم أكّدوا في الصفحة 10 أنّ:

انتقل عدد من الباحثين في تركيزهم بين إنجلترا وبريطانيا العظمى والمملكة المتحدة وفقًا للسياقات المؤسسية أو بحسب ما تتيحه البيانات من معطيات، وقدّم آخرون دراسات زعموا فيها أنهم يعالجون المملكة المتحدة بأسرها غير أنهم لم يتجاوزوا وصف إنجلترا وحدها، مكتفين بذكر اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية في هامش تقليدي. وتجاهل فريق ثالث الفروق تمامًا وتعامل مع إنجلترا وبريطانيا العظمى والمملكة المتحدة كأنها كيانات مترادفة بلا اختلاف.

أعطت الفروق القائمة بين النظم التعليمية في المملكة المتحدة انطباعًا لا يشي بوجود معضلة بقدر ما يفتح الباب أمام فرص بحثية جديدة، إذ شكّلت هذه الفروق ساحة للتحديات النظرية والتجريبية، كما أمدّت السياسات والممارسات التربوية بمصادر غنيّة يمكن الاستفادة منها.

امتدّت السياقات السياسية بجذورها إلى الماضي البعيد، لكنها شهدت في الوقت نفسه تطوّرات حديثة (بِل وجرانت 1977؛ جننغ وراف 2011؛ ريتشاردسون 2011). ودُمجت ويلز سياسيًا مع إنجلترا خلال القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي تطوّر فيها نظامها التعليمي، ونتيجة لذلك ظلّت الفروق بين التعليم الويلزي والتعليم الإنجليزي محدودة تاريخيًا. غير أنّ هذه النظم تباينت مع نهاية القرن العشرين، إذ نصّ المنهاج الوطني لويلز على إلزامية تدريس اللغة الويلزية في جميع المدارس المموّلة من الدولة، كما دعمت فروقًا أخرى في محاور المناهج بوجود هيئات منفصلة للامتحانات العامة وللإشراف العام على شؤون التعليم (غوراد 2000؛ بريساد وزملاؤه 2007).

احتفظ النظام التعليمي في اسكتلندا بهوية متميّزة ومستقلة على امتداد تاريخه الطويل (ماثيسون 2000؛ ريتشاردسون 2011)، على العكس من نظيره في إنجلترا وويلز. وبدأ فرض التعليم الإلزامي بموجب قانون صدر في القرن الخامس عشر، كما بدأ التعليم الاسكتلندي يتطور بوصفه نظامًا وطنيًا متميّزًا حتى قبل اتحاد اسكتلندا مع إنجلترا عام 1707. وفي الزمن المعاصر، يظهر التباين بوضوح في هيكل التعليم الثانوي الأعلى، حيث يؤدّي في اسكتلندا إلى امتحانات "هاير" التي تفتح الطريق أمام درجة جامعية أساسية تستمر أربع سنوات، في حين ينتهي التعليم الثانوي الأعلى في إنجلترا بامتحانات المستوى المتقدم (A-Level) التي تقود إلى درجة جامعية أساسية مدتها ثلاث سنوات فقط. ويختلف المشهد في اسكتلندا عن إنجلترا وويلز أيضًا من حيث عدم وجود منهاج وطني موحّد، إذ لم تصدر السلطات سوى خطوط توجيهية عامة من دون إلزام. وتشمل الفروق كذلك مدة التعليم الابتدائي، وآليات تفتيش المدارس، واللوائح المنظمة للحد الأقصى لأعداد التلاميذ داخل الصفوف، إلى جانب طبيعة الحوكمة المدرسية. وقد تعمّقت هذه الفوارق مع بداية القرن الحالي، حين أسهمت عمليات اللامركزية السياسية في تعزيز استقلالية التعليم الاسكتلندي (أندروز ومارتن 2010؛ أرنوت وأوزكا 2010).

شرعت أيرلندا في اعتماد نظام تعليمي منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أي في فترة مبكرة سبقت تطبيق مثل هذا النظام في أماكن أخرى، غير أنه جاء منقسمًا على أسس دينية (بِل وجرانت 1977، ص 47–51). ثم انفصل الجزء الأكبر من أيرلندا عن المملكة المتحدة عام 1920 ليصبح جمهورية مستقلة، في حين ظلّت أيرلندا الشمالية تابعة للمملكة المتحدة، فتباعد نظامها التعليمي عن نظام الجمهورية، واقترب شيئًا فشيئًا من نظامي التعليم في إنجلترا وويلز. ومع هذا التقارب، حافظت أيرلندا الشمالية على سمات مميّزة؛ إذ ظلّ التعليم الثانوي فيها انتقائيًا، بحيث يُوجَّه الطلاب نحو المدارس الثانوية النحوية أو المدارس الثانوية المتوسطة بحسب قدراتهم الأكاديمية. وفي المقابل، اعتمدت اسكتلندا وويلز نموذج المدارس الشاملة تقريبًا في جميع مدارسها الحكومية، بينما جاء المشهد في إنجلترا أكثر تنوعًا، إذ تُصنّف معظم المدارس على أنها شاملة بالاسم، لكن بعض المناطق احتفظت بالمدارس النحوية الانتقائية. وإلى جانب ذلك، تختلف أيرلندا الشمالية في لوائح الحوكمة المدرسية، التي صاغها تاريخها السياسي والديني بشكل عميق (دن 2000؛ ماغنِس 2012).

انبثقت فروق أخرى من طبيعة تفاعلات صانعي السياسات في أقاليم المملكة المتحدة مع بعضهم بعضًا من جهة، ومع مؤسسات وجهات عالمية من جهة أخرى. وقد لاحظ (جننغ وراف 2011، ص 254) أنّ المملكة المتحدة، على عكس النظم الفيدرالية أو شبه الفيدرالية، لا تمتلك آليات رسمية متينة تكفل تحقيق قدر من الاتساق أو حتى الوعي المتبادل بين صانعي السياسات في أقاليمها المختلفة. وأسهمت التغييرات المتكررة في بنية الحكومات والتبدلات السريعة في المسؤولين في الحد من تأثير الروابط الشخصية وغير الرسمية على التنسيق. وبيّن (غريك وأوزكا 2010) أنّ صانعي السياسات في اسكتلندا، بالمقارنة مع نظرائهم في إنجلترا، أبدوا انفتاحًا أوضح على تطورات الاتحاد الأوروبي، وتأثروا بها إلى حدٍّ أكبر.

استنادًا إلى ما حدّده (راف وزملاؤه 1999، ص 17–18) وتحديثًا لملاحظاتهم، يمكن صياغة الملخّص الآتي:

  1. كشفت النظم التعليمية في المملكة المتحدة عبر تاريخها عن درجة من الاعتماد المتبادل تفوق بكثير ما تشهده الدول القومية المنفصلة عادة. وقد جاءت هذه الروابط معقّدة ومتشابكة، ومع ذلك ظلّت الأقاليم الأربعة جزءًا من النظام السياسي الواحد، وبقي كل إقليم منها خاضعًا لقيود تفرضها عوامل مثل السياسة المالية للمملكة المتحدة وهيكل مؤسسات سوق العمل.

  2. غلبت أوجه التشابه على الاختلافات بين النظم الأربعة، فقد اشتركت جميعها في سمات أساسية تمثّلت في البنية المؤسسية العامة للمدارس والكليات، وفي هيكل الشهادات ووظائفها ومواعيد منحها، إضافةً إلى حجم التعليم العالي وبنيته والوظائف التي يضطلع بها.

  3. اختلفت مظاهر التباين باختلاف الأقاليم، فرغم مسار التباعد بين النظم، بقيت إنجلترا وويلز محتفظتين بقدر مهم من أوجه التشابه، بينما تميّزت اسكتلندا بأنها الأبعد عن غيرها والأكثر تمايزًا في ملامح نظامها التعليمي.

  4. مثّلت الفروق بين النظم في كثير من الجوانب تنويعات على موضوعات مشتركة، حيث أُدّيت وظائف متشابهة بطرائق مختلفة قليلًا، وقامت مؤسسات وهياكل متشابهة بأداء وظائف متباينة إلى حد ما. فعلى سبيل المثال، أدّت المدارس وكليات التعليم المستمر وظائف متقاربة في الأقاليم الأربعة، غير أنّ الفروق بينها تظل ذات دلالة.

  5. أظهرت العلاقات الاجتماعية والمضامين المجتمعية للتعليم والتدريب تباينًا محدودًا بين الأقاليم الأربعة للمملكة المتحدة مقارنة بما هو مألوف عادة بين الدول القومية المستقلة. واتضح أنّ الفوارق الثقافية الأكثر أهمية لا ترتبط بسلوك الأفراد، بل تتمحور حول السياسات التعليمية وما تحمله من أبعاد سياسية، وحول مسألة الهوية الوطنية وما تثيره من دلالات.

  6. أنتجت البُنى السياسية وضعًا يسمح للعلاقات بين النظم التعليمية الأربعة بأن تتبدّل في وقت قصير، فتنفتح أمامها إمكانات إيجاد أرضية مشتركة تعزّز التقارب، وفي الوقت نفسه تظلّ قائمة احتمالات السير في اتجاه مغاير يقود إلى تباعد أكبر في الأولويات وفي الأطر المؤسسية التي يقوم عليها كل نظام.

الاستنتاجات الختامية

برزت النظم التعليمية منذ زمن طويل بوصفها وحدة تحليل رئيسة في التربية المقارنة، وذلك على المستوى الظاهري على الأقل. غير أنّ التدقيق يكشف أنّ الباحثين نادرًا ما يعرّفون المقصود بالنظم، إذ مال الميدان إلى مساواة النظم بالدول، ولم تتناول إلا دراسات قليلة النظم دون الوطنية أو العابرة للحدود. وتتمثل إحدى الإشكالات في صعوبة تعريف النظم التعليمية أو رسم حدودها. غير أنّ هذا التحدي يمكن أن يتحوّل إلى فرصة، إذ يستطيع الباحثون دراسة تبعات التعريفات المختلفة والحدود المتباينة، كما يمكنهم تبيّن الكيفية التي تؤدي بها طرائق مختلفة في تصور النظم التعليمية إلى رؤى وفهم متباين.

بيّن هذا الفصل أنّ النظم التعليمية لا تُدرَك على نحو واحد، بل يمكن أن تتحدد وفق أشكال متعددة ومعايير متباينة، منها ما هو مكاني ومنها ما هو وظيفي. فالمعيار المكاني يركّز على النظم التي تُحدَّد على أساس جغرافي، مثل الصين القارية وهونغ كونغ وماكاو، أو مثل إنجلترا وإيرلندا الشمالية واسكتلندا وويلز. أما المعيار الوظيفي فيتمثل في النظم التي تقوم على مناهج خاصة أو ترتيبات إدارية بعينها، كما هو الحال في المدارس النموذجية بالصين القارية أو برنامج الدعم المباشر في هونغ كونغ. ويضاف إلى ذلك أنّ النظم قد تُعرَّف بحسب كونها عامة أو خاصة، أو بحسب السلطة الإدارية المشرفة عليها كالكنائس أو سائر الهيئات الراعية. وقد يجادل بعض الباحثين بأنّ هذه التصنيفات تعبّر في جوهرها عن نُظُم فرعية داخل كيانات أوسع، لا عن نُظُم مستقلة تعمل على قدم المساواة. وتبقى مثل هذه المسائل ذات قيمة في النقاش والبحث، إذ تساعد على فحص طبيعة الحدود المرسومة للنظم في سياقات وظروف زمنية محددة.

أتاحت المقارنة بين أشكال التنوع داخل حدود الدولة الواحدة للباحثين أن يتعرّفوا إلى عناصر تتقارب وأخرى تتباعد، وذلك رغم وجود أطر عامة شاملة تجمعها. وقدّمت هذه المقارنة منظورًا تحليليًا متميزًا يختلف عمّا تقدّمه المقارنات العابرة للدول، إذ تسلّط الضوء على أبعاد داخلية قد لا تُدرك في النهج التقليدي. وقد أولى هذا الفصل اهتمامًا خاصًا بالدراسات التي عُرفت باسم "المباريات الدولية الداخلية"، ومن أبرزها ما قدّمه (راف وآخرون 1999) و(بريساد وآخرون 2007) و(جننغ وراف 2011). وتكتسب المبادئ التي أرستها هذه الدراسات أهمية لا تقتصر على المملكة المتحدة، بل تمتد لتشمل الصين القارية وهونغ كونغ وماكاو، فضلًا عن كثير من الدول الأخرى التي قد تستفيد من هذا المدخل المقارن.

سجّل (راف وآخرون 1999، ص 22) ملاحظة أخرى ركّزت على الصعوبات العملية والاعتبارات التطبيقية المرتبطة بالقيام ببحوث مقارنة داخل الدولة الواحدة. وقد أوضحوا أنّ المملكة المتحدة تمثل حالة يمكن أن يُنفّذ فيها هذا النوع من البحوث بيسر أكبر وتكلفة أقل، وذلك لأن طبيعة العمل البحثي فيها تستند إلى:

تستمد البحوث المقارنة في المملكة المتحدة سهولتها من مجموعة من العوامل المترابطة، في مقدمتها وحدة اللغة التي تزيل عوائق التفاهم، والألفة الثقافية التي تقرّب بين الباحثين، والإطار الإداري المشترك الذي يسهّل العمل، ثم القرب الجغرافي الذي يختصر المسافات. ويؤدي ذلك إلى انخفاض تكاليف السفر وسهولة التواصل، الأمر الذي يجعل فرص التعاون بين الجامعات البريطانية والمعاهد البحثية، حيث تُدار البحوث وتُموَّل على أسس متشابهة، أوفر وأسهل بكثير من التعاون بين مؤسسات واقعة في دول قومية مختلفة تُدار شؤونها بطرق متباينة.

يمكن القول إن هذه الملاحظة تصلح للتطبيق على دول عديدة، منها تنزانيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من السياقات العالمية المتنوعة. غير أنّ (راف وآخرون) نبّهوا إلى ضرورة عدم المبالغة في هذا الاستنتاج، فقد وجدوا أنّ التوفيق بين الفروق في التصميم والتعريف لمسوح الفئات الشبابية في إنجلترا وويلز واسكتلندا وأيرلندا الشمالية لم يكن أقل صعوبة من بناء قاعدة بيانات مقارنة تضم أيرلندا وهولندا واسكتلندا معًا. بل إنّ المقارنات داخل الدولة الواحدة في البلدان الواسعة المساحة مثل الولايات المتحدة قد لا تقل تكلفة من حيث السفر والتواصل عن المقارنات الدولية بين دول متجاورة كالمجر وبولندا. وإضافة إلى ذلك، فإن ميزة الاعتماد على لغة واحدة في المملكة المتحدة تظل خاصة بها، إذ تغيب عندما يتعلق الأمر بمقارنة النظم التعليمية في بلجيكا بين المناطق الناطقة بالفلمنكية وتلك الناطقة بالفرنسية، أو في كندا بين مقاطعة كيبيك الناطقة بالفرنسية وأونتاريو الناطقة بالإنجليزية. وهكذا تُثير هذه الملاحظة سؤالًا مقارنًا إرشاديًا جديرًا بالاهتمام حول ما إذا كان تنفيذ بحوث مماثلة أيسر أو أعسر في بيئات وسياقات مختلفة.

يمكن دفع هذا النقاش خطوة إضافية عبر تصوّر مصفوفة منهجية تجمع بين الدراسات الداخلية والدراسات العابرة للدول. فمثلًا، نظرًا لأن كندا والكاميرون وفانواتو تملك جميعها نظمًا تعليمية أنغلوفونية وأخرى فرنكوفونية، فإن المجال يظل مفتوحًا أمام الباحثين لإجراء ثلاث دراسات منفصلة، كل واحدة منها تقتصر على بلد بعينه، كما يمكنهم في الوقت نفسه صياغة دراسة مقارنة موحّدة تضع الحالات الثلاث في إطار واحد. وبطريقة أخرى، إذا عُدّت اللغة عاملًا ثابتًا، فإن التنوع داخل كندا الأنغلوفونية يكشف عن أوجه شبه مع الولايات المتحدة وأستراليا، مما يسمح أيضًا بإنجاز دراسات منفردة إلى جانب دراسة مقارنة تجمع بين الحالات الثلاث على نحو متكامل.

تنفتح أمام الدراسات فوق الوطنية للنظم التعليمية أسئلة متعدّدة لا تزال بحاجة إلى بحث معمّق، خاصة مع تنامي تأثير قوى الإقليمية والعولمة وتوغّلها بصورة أوضح. وتبرز عملية بولونيا في التعليم العالي الأوروبي مثالًا دالًا، فقد شكّلت مجالًا خصبًا لبحوث مقارنة واسعة أفضت إلى بلورة مسارات نظرية ومفهومية جديدة (كُراج وآخرون 2012؛ كروسييه وبارفيفا 2013). وفي السياق نفسه، يمكن للدراسات أن تركّز على موضوعات مثل أثر الامتحانات فوق الوطنية، وعلى رأسها البكالوريا الدولية، التي تسهم في بناء نظم مدرسية عابرة للحدود تستند إلى المناهج الدراسية المشتركة (بونيل 2008؛ هايدن وتومبسون 2008). كما يمكن استكشاف دور اتفاقيات منظمة التجارة العالمية في تيسير انتشار وتشغيل النظم التعليمية للدول القوية والمؤثرة خارج حدودها الوطنية (تيلاك 2011؛ فيرجر وروبرتسون 2012).

تتعدّد أبعاد دراسة النظم التعليمية وتتنوّع مساراتها؛ فهي قد تنصرف إلى النظم الوطنية التي شكّلت تقليديًا مركز الاهتمام في التربية المقارنة، وقد تتجه أيضًا إلى النظم داخل الدولة الواحدة وإلى النظم العابرة للحدود. وتُظهر أقاليم صغيرة مثل ماكاو قدرتها على أن تكون تربة خصبة للدراسات التحليلية، كما تكشف بعض المدارس الدولية في هونغ كونغ عن إمكانية إجراء المقارنة على المستوى المؤسسي ذاته. وتتسع الموضوعات الجديرة بالبحث لتشمل دور الآليات التنظيمية وأثرها، وتوزيع السلطة، ووظائف الامتحانات الخارجية، والسياسات اللغوية، فضلًا عن الإيديولوجيات التي تصوغ التوجهات التعليمية. ورغم ما ينطوي عليه اتخاذ النظم وحدةً للتحليل من صعوبات وتعقيدات، فإن هذا المسار البحثي يظل قادرًا على أن يفتح آفاقًا مثمرة ويوفر معارف عميقة وإضاءات إرشادية بالغة القيمة.

1 يُذكر أنّ اسم هذه المنطقة يُكتب في الإنجليزية بصيغتين شائعتين هما Macau وMacao. فقد ظلّ الشكل الأول مستخدمًا على نطاق واسع لفترة طويلة، وهو ما يزال الشكل الرسمي المعتمد في اللغة البرتغالية. غير أنّ الحكومة قررت في عام 2000 أن يكون الشكل الرسمي في الإنجليزية هو Macao، وهو صيغة بديلة ظلّت متداولة منذ زمن بعيد. ويعتمد هذا الفصل تهجئة Macao باستثناء الحالات التي يقتضي فيها الأمر الاقتباس المباشر أو الإشارة إلى منشورات تستعمل تهجئة Macau.