الفصل العاشر

مقارنة السياسات

يشيع استعمال مصطلح السياسات في الوثائق الحكومية والكتابات الأكاديمية وأحاديث الناس اليومية، ويُقدَّم أبسط تعريف لها على أنه "ما تختار الحكومات القيام به أو الامتناع عنه" (داي 1992، ص 7)، وهو ما يكشف عن أن صياغة السياسات شأن حكومي بالدرجة الأولى وأنها تشمل قرارات الفعل وعدم الفعل على حد سواء، لكن التعريفات الأكثر تفصيلًا لمفهوم السياسات تظل محل نزاع وخلاف شديد، إذ يثور الجدل حول طبيعتها والطرائق التي يمكن من خلالها بحثها وفهمها وصياغتها، ويظل الأدب المتعلق بذلك متنوعًا ومجزأً وفي بعض الأحيان غير حاسم، حتى إن (بول 1994، ص 15) وصفه بأنه ينطوي على "لا يقينيات نظرية".

ومع ذلك تبرز أهمية تناول هذه الأسئلة، لا سيما في ظل ما يشهده العالم من احتدام متصاعد في النقاشات المرتبطة بالسياسات التعليمية، حيث أخذت الازدواجية في الظهور بشكل أوضح، فمن جانب تُعَدّ عملية صنع السياسات شديدة الارتباط بسياقاتها الخاصة ويزداد اعتماد تطبيقها على هذه السياقات أكثر فأكثر، ومن جانب آخر تتحرك السياسات عبر الحدود الجغرافية لتؤثر بعمق في بيئات بعيدة عن منطلقاتها الأصلية، ومن ثم صار الحوار حول السياسات التعليمية يتخذ في الغالب طابعًا دوليًا، بما في ذلك الدراسات المقارنة للسياسات التعليمية التي أخذت تحظى بقدر متزايد من الأهمية والاهتمام.

يُناقش هذا الفصل القضايا النظرية والمنهجية المرتبطة بالتحليل المقارن للسياسات التعليمية، مستهلًا باستعراض البيئة الدولية التي تتشكّل فيها السياسات وما تطرحه من إشكالات، ثم متجهًا إلى عرض النقاشات الدائرة حول تعريف مفهوم السياسات، قبل أن يوضّح الكيفية التي يمكن بها إجراء المقارنات بين السياسات التعليمية وبيان أهميتها.

ملامح البيئة الدولية المتحوّلة في مجال السياسات

لا تقوم السياسات بمعزل عن بيئتها المحيطة، فمنذ الحرب العالمية الثانية شهدت البيئة الدولية تحولات بارزة تركت انعكاسات مباشرة على كيفية صياغة السياسات الاجتماعية وآليات تنفيذها وطرائق بحثها، على أن هذه التحولات لم تتخذ صورة واحدة في جميع أنحاء العالم، بل اختلفت باختلاف السياقات الإقليمية، غير أن ما سيرد من ملاحظات ينصرف بالأساس إلى الدول الصناعية التي شكّلت مركزًا لهذه التغيرات.

تمثّل أول هذه التحولات في البعد الاقتصادي، إذ أعقبت الحربَ العالمية الثانية طفرة غير مسبوقة اتسمت بارتفاع معدلات النمو وشعور المجتمعات بازدهار اقتصادي واسع، غير أن هذه الطفرة توقفت في منتصف سبعينيات القرن العشرين، ليحل محلها تباطؤ في النمو وصل أحيانًا إلى حدود الركود، وفي مثل هذه الظروف يصبح المواطنون أكثر تحفظًا إزاء دفع الضرائب، ومنذ أواخر السبعينيات برزت في الولايات المتحدة، ثم امتدت إلى عدد من الدول الناطقة بالإنجليزية، موجات متتالية من الدعوات إلى خفض الضرائب وحركات التمرد الضريبي، وهو ما دفع الساسة في ظل ذلك المناخ إلى محاولة تقليص الإنفاق الموجّه إلى الخدمات العامة.

جاء التحول الثاني ذا طبيعة ديموغرافية، إذ أحدث تغييرات جوهرية في البنية السكانية للمجتمعات الغنية الكبرى، وقد تجلّى ذلك بوضوح في ظاهرة جيل الطفرة السكانية، أي الفئة التي وُلدت بين عامي 1946 و1964، حيث أثّر هذا الجيل بقوة في مجتمعاته منذ أن كان أفراده رُضّعًا، ثم مراهقين، ثم شبانًا بالغين، ومع تقدّمهم في العمر واقترابهم من سن التقاعد أضحى لزامًا على صانعي القرار أن يولوا اهتمامًا متزايدًا بتكاليف الرعاية الصحية، ذلك أن العقود المقبلة ستفرض توجيه مبالغ ضخمة من الأموال العامة والخاصة على حد سواء إلى خدمة الفئات المسنّة، وهو ما سيحدّ من الموارد المتوافرة لدعم خدمات عامة أخرى.

تمثّل التحول الثالث في المجال الأيديولوجي، إذ شهد الربع الأخير من القرن العشرين تحوّلًا جوهريًا في الأفكار السياسية، بدأ أولًا في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ثم انتقل إلى دول أخرى في العالم الناطق بالإنجليزية، ليمتد لاحقًا إلى مناطق متعددة من العالم، وقد اتجهت بوصلة السياسات من التركيز على المساواة الاجتماعية إلى التركيز على الجودة والتميز والمساءلة وتوسيع دائرة الاختيار، وكان لرجال الأعمال دور بارز في تكريس هذه الأفكار داخل النقاشات المتعلقة بالسياسات، حيث لم يميز كثير منهم بين المؤسسات العامة والخاصة، ووجّهوا انتقادات حادة إلى الخدمات العامة متهمين إياها بالقصور وعدم الاستجابة لمتطلبات السوق، كما ساهمت الأيديولوجيات السائدة في أوساط الأعمال وفي جماعات الضغط مثل "اليمين الديني" في الولايات المتحدة في تعزيز حالة التشكيك في المبادرات الحكومية، ولأن الخدمات العامة تعد جزءًا لا يتجزأ من جهاز الدولة، فقد أُدرجت بصورة تلقائية ضمن مكوّنات المشكلة بدل أن تكون جزءًا من الحل.

تمثّل التحول الرابع في إطار الدولة القومية، حيث جاءت العولمة لتقوّض الاعتقاد السائد بقدرة الدول على صياغة سياسات سيادية محصورة داخل حدودها الإقليمية (لينغارد وراوول 2011)، فلم يعد بمقدور الدول القومية أن تمارس سيطرة محكمة على التدفقات العابرة للحدود من أشخاص ومعلومات ورؤوس أموال، وأضحت بعض أنماط الممارسة السياسية التقليدية قابلة للتطبيق فقط في النظام الدولي الكلاسيكي الذي كانت فيه الدول القومية الفاعل الأبرز والأقوى، أما في النظام العالمي الحالي فقد برزت محدودية السياسات الوطنية بجلاء، في مقابل تنامي النفوذ الذي باتت تملكه القوى والجهات العابرة للقوميات.

كان خامس التحولات يتمثل في تنامي النزعة الفردانية، وهي ظاهرة تهدد كيان الوكالات العامة ومجمل الحياة السياسية، ففي الحقبة التي تلت تراجع مركزية الدولة القومية برز اتجاه مزدوج: من جهة انحسرت قوة البنى السياسية المنظمة تحت ضغط الرأسمالية العالمية التي أفسحت المجال أمام اتساع الفردنة، ومن جهة أخرى أدى صعود الفردنة نفسها إلى مزيد من إضعاف القوى السياسية، وبات الواقع المعاصر يفتقر إلى هوية واضحة للأحزاب السياسية والدول القومية على السواء، كما فقد المجتمع الكثير من رصيده من الثقة العامة، وهو ما جعل الهياكل السياسية الحكومية التقليدية عاجزة عن أداء دورها في تحقيق التكامل الاجتماعي والسياسي.

تمثل التحول الأخير في بروز شعور عام باللايقين وضمور الثقة في صانعي القرار السياسيين، ولا سيما في المجتمعات الغربية التي أخذت تتخلى تدريجيًا عن إيمانها العميق بقدرة العقل البشري وعن التصور التقليدي القائل إن المعرفة تجسّد القوة أو مصدر الاقتدار، واتجه الناس عوضًا عن ذلك إلى الإقرار بوجود لا يقينيات متعددة، بل ذهب بعضهم إلى اعتبار المعرفة البشرية ذاتها قوة مدمّرة، وقد أفضى هذا المناخ إلى بروز نزعات شكّية تجاه التكنوقراط وصانعي القرار السياسيين.

فهم السياسات من زاويتين تحليليتين

شهد ميدان السياسات منذ ثمانينيات القرن العشرين توسعًا ملحوظًا أدّى إلى إذكاء النقاش حول مختلف أبعاد التحليل، ويعود أصل مصطلح السياسات إلى علم السياسة، لكنه ظل مفهومًا إشكاليًا معقّدًا، ويرجع ذلك في جانب منه إلى النزاعات الفلسفية المتعلقة بطبيعة الفرد والمجتمع، وهو ما ينعكس في اختلاف الفهم لمعاني القوة وللأدوار التي ينبغي أن تضطلع بها الدولة، ومن ثم تتباين التفسيرات المرتبطة بمفهوم السياسات وبآليات صنعها وتنفيذها (فاولر 2013)، وقد ذهب (كانينغهام 1963) إلى تشبيه السياسات بالفيل الذي يسهل التعرف عليه عند مشاهدته لكن يصعب تعريفه تعريفًا جامعًا، بل قد تُقارب السياسات الفيل الذي وصفته الحكاية الهندية عن العميان، حيث كان لكل واحد منهم تصور مختلف بحسب الجزء الذي لامسه، وبالمثل فإن السياسات تظل عرضة لتفسيرات شديدة التباين تبعًا لزوايا النظر.

يتّسم مفهوم السياسات باتساع شديد يجعله قابلًا للفهم والاستخدام بطرق مختلفة، منها أن يُنظر إليه بوصفه خططًا أو قرارات أو وثائق أو مقترحات. ويشمل هذا المفهوم أيضًا الأفعال والممارسات التي تباشرها الحكومات، بل وحتى مواقف الامتناع عن الفعل. وقد شاع في أوساط الباحثين والجمهور تعريف السياسات باعتبارها وثائق. غير أن توسيع هذا التعريف يكشف عن أشكال متعددة يمكن أن تتخذها الوثائق على مستويات متباينة (باو وآخرون 1992). فقد تكون نصوصًا قانونية رسمية ووثائق سياسية، وقد تتمثل في تعليقات تُنتج بطرق رسمية أو غير رسمية لتفسير النصوص، وقد تظهر في خطب السياسيين وأدائهم العلني، أو في تسجيلات مرئية رسمية تصدرها الدولة.

أوضح (هوغوود وغَن 1984) أن كلمة السياسات يمكن أن تُستعمل في تسعة سياقات مختلفة، فهي قد تعني مجال نشاط، أو تعبيرًا عن غرض عام أو وضع مرغوب فيه، أو مقترحات محددة، أو قرارات حكومية، أو تفويضًا رسميًا، أو نظرية أو نموذجًا، أو برنامجًا، أو ناتجًا، أو نتيجة. واقترحا فئة عاشرة هي السياسات بوصفها عملية (ص 19). وعلى هذا الأساس قدّم (تايلور وزملاؤه 1997) تصنيفًا إضافيًا، إذ قسّموا السياسات إلى: توزيعية أو إعادة توزيعية، رمزية أو مادية، عقلانية أو تراكمية، جوهرية أو إجرائية، تنظيمية أو رفع للتنظيم، ومن أعلى إلى أسفل أو من أسفل إلى أعلى. ويتوقف هذا التصنيف على طبيعة توزيع الموارد والمنافع، وعلى مستوى الالتزام بالتنفيذ، وعلى وجود أو غياب مراحل مقررة لتطوير السياسات. وتُعد هذه التصنيفات أدوات مساعدة لفهم معنى السياسات وتوضيحه، وإن بدا بعضها اعتباطيًا أو غير صارم.

من بين التصنيفات الأخرى للسياسات يبرز التمييز بين العام والخاص، على الرغم من تراجع وضوحه مع مرور الوقت. فالقطاع العام يتكوّن من مؤسسات تُمارس أنشطتها استنادًا إلى سلطة الدولة أو تسعى إلى تبريرها في ضوء هذه السلطة. ويُبنى على مبدأ المساواة في معاملة المواطنين، ويتسم بالمساءلة أمام المجتمع وبخضوعه لتوجيه ورقابة سياسية أشد من نظيره في القطاع الخاص. وقد غاب عن القطاع العام تقليديًا مفهوم ملكية المشروعات والسعي وراء الأرباح، لأنه يقوم على فكرة أن السلطة العامة يجب أن تُوظف حصريًا في خدمة المصلحة العامة. أما القطاع الخاص فيمنح الأفراد والشركات حرية واسعة للقيام بكل ما لا يحرّمه القانون من أجل تعظيم مكاسبهم الذاتية. ومن ثمّ فإن السياسة العامة تُعدّ بطبيعتها سياسة جماعية، ويصعب فصلها إلى أقسام متمايزة مثل الاقتصادية أو البيئية أو التعليمية. وهي في صميم الصراعات السياسية الكبرى بين من يختزلونها في نتائجها العملية والأداتية، وبين من يرون فيها وسيلة لتحقيق تحرر إنساني أشمل.

بيّن (دارندورف 1959) أن للمجتمع وجهين أساسيين: أحدهما يقوم على الصراع وما ينطوي عليه من تضارب المصالح، والآخر يقوم على التوافق وما يعبّر عنه من تكامل للقيم داخل المجتمع. وعلى هذا الأساس أمكن تصنيف النظريات السوسيولوجية إلى اتجاهين رئيسيين هما منظور التوافق ومنظور الصراع (جاري وجاري 2000). وبالطريقة ذاتها يتعامل الباحثون مع السياسات من خلال منظور عقلاني يركّز على التنظيم والاتساق، أو من خلال منظور صراعي يبرز التناقضات والاختلافات.

الاتجاه العقلاني في تفسير السياسات

يمثل المنظور العقلاني، أو ما يُسمى بالنموذج التقليدي لتطوير السياسات وتحليلها، اتجاهًا يقوم على البحث عن أفضل مسار تقني يمكن اتباعه لتنفيذ قرار أو تحقيق غاية محددة. ويُنظر إلى هذا المدخل على أنه يساعد الحكومات على اتخاذ قرارات تتميّز بالكفاءة الاقتصادية والفعالية. ويعكس هذا التصور نزعة وضعية ترى أن دراسة السياسات ينبغي أن تكون محايدة قيميًا، بما يسمح بتقليص التعقيدات السياسية أو تجاوزها. غير أن هذا المنظور يغفل بدرجة ملحوظة مسألة السلطة والكيفية التي تمارس بها الدولة نفوذها. وتعود جذوره النظرية إلى (أوغست كونت 1798–1857) الذي صاغ علم الاجتماع باعتباره «الفيزياء الاجتماعية» ودعا إلى تطبيق أساليب العلوم الطبيعية، من ملاحظة وتجربة ومقارنة، في دراسة الظواهر الاجتماعية.

أوضح (سيمون 1960)، في تحليله لعمليات صنع القرار، نظرية عقلانية لإنتاج السياسات تتصل اتصالًا وثيقًا بمراحل حل المشكلات التي سبق أن صاغها (ديوي 1910، ص 3) على هيئة تساؤلات متتابعة: ما المشكلة المطروحة؟ ما البدائل الممكنة؟ أي هذه البدائل هو الأنسب؟ ويقوم هذا المنهج على مبدأ أن اتخاذ القرار يستلزم انتقاء البديل الذي يحقق الأهداف بأكبر قدر من الاكتمال (سيمون 1945، ص 240). ومن ثم فإن العملية تقوم على اختيار المسار الأمثل من بين جميع البدائل المتاحة، عبر خطوات منهجية متسلسلة ومنظمة.

يُصوّر المنظور العقلاني عملية السياسات باعتبارها سلسلة متتابعة من الخطوات، تبدأ حين يواجه النظام السياسي قضايا عامة ويبحث لها عن بدائل مختلفة، ثم يختار أحد هذه البدائل، ويضعه موضع التطبيق، ويخضعه للتقويم. ويقدّم هذا المنظور تصورًا للعملية السياسية على أنها منظمة ومحكومة بالعقلانية. وهو يعكس افتراضات المدرسة الوظيفية التي ترى أن المجتمع يستند إلى توافق في القيم، وأن مؤسساته تسهم مجتمعة في تحقيق الاستقرار والحفاظ على تماسك الكل الاجتماعي.

قدّم (أندرسون 1984) تصورًا للنموذج العقلاني في إطار العلوم السياسية، ورأى أن عملية السياسات تمر بسلسلة من المراحل المتتابعة. تبدأ المرحلة الأولى بصياغة المشكلة، أي تعريف طبيعتها، وتحديد العوامل التي تجعلها قضية عامة، وبيان الكيفية التي تُدرج بها على جدول أعمال الحكومة. وتليها مرحلة صياغة البدائل، حيث تُطوَّر الخيارات الممكنة لمعالجة المشكلة، ويُحدد من يشارك في هذه العملية. ثم تأتي مرحلة التبني، التي تشمل كيفية اعتماد أحد البدائل أو إقراره، والشروط الواجب استيفاؤها، والجهات المسؤولة عن اتخاذ القرار. وفي المرحلة الرابعة، أي التنفيذ، يُنظر إلى ما يُنجز من إجراءات فعلية لوضع السياسة موضع التطبيق، وتأثير ذلك في مضمونها. وتُختتم العملية بمرحلة التقييم، حيث يجري قياس فعالية السياسة وآثارها، وتحديد الجهات القائمة بالتقييم، ورصد النتائج وما قد تثيره من مطالب بالتغيير أو الإلغاء.

أوضح (هوغوود وغَن 1984) أنهما عند تفضيل تعريف السياسات بوصفها عملية، شبّها الاستخدامات التسعة التي وضعاها سابقًا بالصور الثابتة، مثل لحظة اتخاذ قرار أو تحوّل مشروع قانون إلى قانون نافذ، في حين أن الأنسب هو ما يشبه الفيلم الذي يسمح بمتابعة تعقيدات صنع السياسات وهي تتكشف عبر الزمن. ومن هنا قدّما إطارًا تحليليًا لصنع السياسات يتكون من تسع مراحل مترابطة: البدء بقرار الانخراط في عملية صنع القرار من خلال البحث عن القضايا أو وضعها على جدول الأعمال، ثم تحديد الكيفية التي ستُتخذ بها القرارات أو ما يُعرف بترشيح القضايا، يلي ذلك تعريف المشكلة، ثم التنبؤ بمساراتها، وتحديد الأهداف والأولويات، وتحليل البدائل المطروحة، ثم مرحلة التنفيذ بما يصاحبها من متابعة ورقابة، يعقبها التقييم والمراجعة، وتنتهي العملية إما بصيانة السياسة واستمرارها أو بانتقالها إلى سياسة بديلة أو بإنهائها.

وعلى الرغم من أن هذا التصور يقدم إطارًا يبدو منسقًا لفهم عملية السياسات وكيف تُصنع، إلا أن النموذج العقلاني وُوجه بانتقادات حادة، لأنه يوحي بأن العملية السياسية أكثر انتظامًا، وبأن مراحلها محددة بدقة، وأنها تتسم بعقلانية أكبر مما هي عليه في الواقع (رضوي ولنغارد 2010). والحقيقة أن كل مرحلة من مراحل صنع السياسات تنطوي على تفاعلات معقدة. ففي المرحلة الأولى مثلًا، أي مرحلة إدراج القضايا على جدول الأعمال، يبرز اختلاف واضح بين الفاعلين الذين تتباين قيمهم ومصالحهم ورؤاهم بشأن ما ينبغي أن يُدرج، وما المنطق الذي يجب أن يحكم ترتيب الأولويات، ومن يملك سلطة الحسم، وما الأسباب التي تبرر القرار. ومن ثمّ فإن صانعي القرار لا يتعاملون مع مشكلات محددة بدقة، إذ إن النموذج العقلاني يغفل البعد السياسي الجوهري في عملية صنع القرار.

يذهب النقاد إلى أن افتراض إمكانية استعراض جميع البدائل ثم الحسم في اختيار الأنسب بينها أمر غير واقعي، إذ تظل إمكانات التطوير قائمة على الدوام. وتجدر الإشارة إلى أن بعض القرارات قد تُعتمد بآليات اعتباطية تفتقر إلى المنطق. وتبيّن مراجعة المرحلتين الأوليين أن العلاقة بينهما وثيقة لدرجة تجعل من الصعب التمييز بينهما، كما أن الخلافات بين الفاعلين الذين يحملون قيمًا ومصالح متباينة تجعل الوصول إلى توافق أمرًا معقدًا للغاية. وبسبب كثرة أوجه عدم اليقين وتشابك العوامل، فإن الفصل بين هاتين المرحلتين يبدو أقرب إلى الاستحالة.

فيما يتعلق بالمرحلة الأخيرة من دورة السياسات، فإن بعض السياسات قد تُنهى عن قصد إما بقرارات جديدة أو بسياسات بديلة، غير أن إنهاءها لا يعني بالضرورة اختفاء آثارها أو توقف نفوذها بشكل مفاجئ. فكثيرًا ما تستمر هذه الآثار فترة طويلة، بل قد يصعب التراجع عن بعض النتائج بعد أن تترسخ. بل إن السياسات المستحدثة قد تحمل في طياتها تأثيرات السياسات القديمة أو تُشتق منها. وفي المقابل، قد تتلاشى آثار سياسات معينة بفعل عوامل مختلفة، حتى وإن تردد واضعوها في الاعتراف بانحسارها. سعى (ليندبلوم 1959) إلى تجاوز المآخذ المرتبطة بالنموذج العقلاني فاقترح منهجًا تدرجيًا في اتخاذ القرارات. واختلف هذا المنهج عن النموذج العقلاني في أن صانع القرار لا يستعرض جميع البدائل الممكنة، بل يقتصر على بعضها ويقيّم عددًا محدودًا من النتائج ذات الأهمية لكل بديل. ورأى (ليندبلوم) أن التدرجية تمثل وصفًا أقرب للواقع في الطريقة التي تُصنع بها القرارات والسياسات بالفعل. واعتبر أن أبرز مزايا ما سماه «التقدّم عبر التدرج» يكمن في تقليل احتمالات الوقوع في أخطاء فادحة، ما دامت التغييرات جزئية، وفي تسهيل الوصول إلى اتفاق بين الجماعات المختلفة. وبدت التدرجية أكثر واقعية من النموذج العقلاني لأنها أخذت في الاعتبار حدود الزمن والعقلانية والموارد المتاحة في عملية صنع السياسات.

تعرّض المنهج التدرجي لانتقادات بسبب طابعه المحافظ المفرط وعجزه عن التعامل مع المواقف الطارئة، مما جعله حاجزًا أمام الابتكار والتغيير. وسعى (إتزيوني 1967، ص 389) إلى تجنب هذه الثغرات من خلال تطوير مقاربة المسح المختلط التي جمعت بين عناصر القوة في كل من النموذج العقلاني والنموذج التدرجي. واعتمد في صياغتها على استعارة بصرية تقوم على كاميرتين: الأولى ذات عدسة واسعة تغطي المشهد العام بأكمله وإن دون تفاصيل دقيقة، والثانية مركزة على الأجزاء التي تكشفها الكاميرا الأولى باعتبارها بحاجة إلى تحليل أعمق. ووصف (سميث وماي 1980) هذه المقاربة بأنها النهج الثالث الذي يزوّد صانعي القرار بإمكانية اختيار ما بين العقلانية والتدرجية تبعًا لمتطلبات الموقف. ويبدو هذا التوجه أكثر اتساقًا مع الواقع العملي، حيث يصعب الجزم مسبقًا بمدى ملاءمة المنهج العقلاني أو المنهج التدرجي لكل حالة بعينها.

رأى بعض الدارسين أن السياسة ينبغي النظر إليها في آن واحد بوصفها منتجًا وعملاً متواصلاً، بما يجعلها عملية ديناميكية مفتوحة، أكثر تركيبًا وتفاعلية وتعددًا في مستوياتها من التصورات التي تقدّمها النماذج العقلانية (وايلدافسكي 1979؛ تايلور وآخرون 1997). وأكد هؤلاء أن المسارات السياسية تتشكل قبل صياغة النصوص الرسمية للسياسة وبعدها على السواء، وذلك عبر مراحل التنفيذ وإعادة التأويل. وبناءً على ذلك فإن النص السياسي، الذي يتخذ غالبًا صورة وثائق مكتوبة، لا يُعد نهاية لمسار صنع السياسة. وحتى إنتاج النص النهائي يظل عملية معقدة ومليئة بالتحديات، حيث يصعب في كثير من الأحيان تحديد الأسباب أو المقاصد الدقيقة التي تقف وراء إطلاق سياسة معينة، وحتى إذا تم التصريح بهذه الأسباب بصورة جلية فقد لا تعكس الدوافع الحقيقية.

بيّن (بو وآخرون 1992) أن السياسة لا تحمل معنى واحدًا، بل تتحدد ملامحها بحسب السياق. ففي سياق التأثير تُفهم السياسة بوصفها نوايا وأفكارًا ومقاصد وخططًا واستراتيجيات، وفي سياق إنتاج النصوص السياسية تُترجم إلى وثائق مكتوبة أو مقالات أو منتجات رسمية، وفي سياق الممارسة تتجسد في أنشطة عملية وأداءات وسلوكيات. ومع ذلك فإن السياسة لا تقتصر على هذه الأبعاد الثلاثة، بل تنطوي على عمليات وأفعال متشابكة تتفاعل في ما بينها بصورة مستمرة. ويعني اعتبار السياسة عملية حيوية أنها تتوزع بين سياقات متداخلة تتأثر ببعضها البعض على نحو متبادل، وهو ما يفرض تضمينها جميعًا في أي مقاربة لصنع السياسات أو تحليلها. وتُعد السياسة محصلة تراكمية لهذه السياقات مجتمعة، وإن كان أثرها في الواقع متفاوتًا وغير متكافئ. ويرجع هذا التفاوت إلى جوهر السياسة ذاته بوصفها ممارسة سلطوية وصراعًا على القوة، وهو ما فسّره المنظور الصراعي بوضوح عند تناوله للسياسة.

منظور الصراع في تفسير السياسات

انطلق المنظرون النقديون من رؤية صراعية، إذ اعتبروا المجتمع فضاءً تتنافس فيه جماعات مختلفة تتباين في منظوماتها القيمية وفي مستويات وصولها إلى القوة. ولم تُصَغ السياسات في معزل عن هذا الواقع، بل جاءت نتيجة تسويات وصيغ توافقية بين مصالح متنازعة. وبذلك بدت قضايا السياسات أعقد من أن تُختزل في مقاربات تقنية مبسطة، لأن عملياتها ذات طبيعة تفاعلية متشابكة ومتعددة المستويات (رزفي ولينغارد 2010). وأبرز المنظرون النقديون أن العلاقة بين السياسة والسياسات علاقة جوهرية تنكشف حتى في اللغة، إذ يتقاسمان الجذر ذاته، ما يعني أن كل سياسة هي فعل سياسي بالضرورة، حيث تشير السياسة هنا إلى عملية فرض إرادة أو مصلحة جماعة على أخرى، وليس إلى النشاط الحزبي الضيق فحسب.

شدّد المنظور الصراعي على أن السلطة تشكّل العامل المحدِّد في بروز الصراعات الاجتماعية المنتظمة (دارندورف 1959، ص 165). ورأى المنظّرون الصراعيون أن القوة تضطلع بدور أساسي في الحفاظ على النظام الاجتماعي وضبطه. وتوزَّع مواقع الأفراد داخل المجتمع على نحو غير متكافئ من حيث السلطة، فيملك بعضهم سلطة ونفوذًا أكبر من سواهم، ومع ذلك فإن من يتبوأ موقعًا سلطويًا في سياق معين قد لا يتمتع بالسلطة نفسها في سياق آخر. ويظل الصراع الكامن حاضرًا باستمرار، فيما تبقى شرعية السلطة عرضة للاهتزاز والشكوك (دارندورف 1959، ص 268). ومن هذا المنطلق يظهر المجتمع في صورة ساحة لصراع اجتماعي دائم، حيث تتقاطع مصالح الأفراد والجماعات والمؤسسات وتتعارض. وتتحرك السلطة وتتحول بين مواقع وسياقات متعددة، الأمر الذي يجعل السياسات بطبيعتها غير ثابتة أو نهائية، بل صالحة في سياقات محددة ولأزمنة معينة.

أوضح (فاولر 2013) أن ثمة وجوه شبه لافتة بين عملية السياسة والألعاب، إذ يتشارك الاثنان في وجود قواعد تحكم الأداء ولاعبين يتنافسون ضمنها، كما يشتركان في طابع معقد يميل إلى الاضطراب أحيانًا، وفي تعدد الساحات التي تجري فيها الأحداث، وفي اعتماد واضح على القوة، فضلًا عن النتيجة التي تفرز في النهاية فائزين وخاسرين. وكما هو الحال في الألعاب الواقعية، فإن مفهوم العدالة في لعبة السياسة ليس نتاج اتفاق جماعي دائمًا، إذ قد يُنظر إلى ما يُعد منصفًا لفئة معينة على أنه مجحف بحق فئة أخرى. ومن هنا اعتُبرت السياسة تعبيرًا عن "قواعد اللعبة" (أوفي 1985، ص 106). غير أن هذه الاستعارة تفتح المجال أمام أسئلة أعمق تتعلق بمن يسنّ القواعد، وبالآليات التي تُصاغ بها، وبالأسباب الكامنة وراء اختيار هذا النمط دون غيره، وبما إذا كانت هذه القواعد قد صُممت على نحو عادل فعلًا، وهي كلها قضايا تحيل في جوهرها إلى منظومات القيم الفردية وإلى تضارب المصالح وترتيب الأولويات.

أشار (تومبسون 1984، ص 132) إلى أن علاقات القوة التي تحكم تسويات السياسات على المستوى المؤسسي تتسم بخلل بنيوي منتظم، إذ يمتلك بعض الأفراد أو الفئات قدرة مميزة على فرض معانيهم وترسيخها، بينما تُستبعد فئات أخرى أو تظل عاجزة عن النفاذ إلى دوائر القرار. ويؤكد ذلك أن السياسة، بما هي فعل سياسي في جوهرها، لا تتيح إلا لبعض التأثيرات والأجندات أن تُعترف بها باعتبارها مشروعة، ولا تُسمع إلا أصوات بعينها (بال 1994، ص 16). وهكذا تظهر السياسات كمحصلة للصراع والتجاذب بين قوى ومصالح متعارضة، حيث يحدد السياق بدوره طبيعة هذا الصراع وأبعاده.

قدّمت السياسة قيم الجماعة ذات النفوذ التي تمتلك سلطة التوجيه في عملية صنع القرار، حتى وإن ارتدت غطاء العمومية أو ظهرت في صورة شاملة وبديهية. ومع ذلك فإن هذه القيم والمصالح لا تكون سوى جزئية وانتقائية (غايل ودينسمور 2003). ومن هذا المنطلق يصبح من المشروع توصيف السياسة بأنها توزيع سلطوي للقيم. ورأى (برنتي 1985، ص 136) أن هذا المنظور يوجّه النظر إلى محورية القوة والسيطرة في مفهوم السياسة، ويدفع إلى التفكير في القيم التي تجسدها السياسات، وفي الكيفية التي تُرسَّخ بها تلك القيم داخل البنى المؤسسية لتصبح جزءًا من النظام القائم.

أوضح (بال 1990) في إطار تبنيه الرؤية الصراعية أن السياسة لا يمكن أن تُعد انعكاسًا لرأي توافقي يشمل جميع مكوّنات المجتمع. ورأى أن عملية صنع السياسات بعيدة عن أن تسير في خط عقلاني أو منطقي متسلسل، بل هي نتاج صراعات لا تهدأ وتسويات مستمرة بين جماعات المصالح، لتتحول في النهاية إلى رمز للقيم السائدة التي تفرضها الجماعة المهيمنة. وهذه القيم بدورها لا تُفهم إلا ضمن سياقها الاجتماعي. ومن هنا يطرح سؤال محوري: قيم مَن التي تُشرعنها السياسات، وقيم مَن التي تُقصى من دائرة الاعتراف؟ وقد شدّد (غايل 2003) على أن الاعتقاد بأن العملية السياسية ديمقراطية وأن السياسات وليدة اتفاق متبادل بين ممثلين منتخبين ليس إلا طرحًا ساذجًا نظريًا ومستهجنًا سياسيًا. ومن هذا المنطلق يتضح أن الصراع بين جماعات المصالح المختلفة يمثل الدينامية الدائمة التي تقود إلى التغيير الاجتماعي، في حين يواجه صانع القرار العمومي عادة وضعًا يتسم بتضارب القيم أكثر مما يتسم بتوافقها.

تحوّل تفسير السياسات إلى ميدان صراع، إذ يقوم الممارسون بقراءتها من منظور خبراتهم وتجاربهم السابقة وقيمهم وأهدافهم. وتُبنى استجاباتهم للنصوص السياسية في كثير من الأحيان على "تفسيرات للتفسيرات" (رزفي وكيمس 1987، ص 14). ويصعب ضبط مخرجات السياسات أو التنبؤ بآثارها على نحو دقيق. وتختلف سلطة الممارسين باختلاف السياقات، فقد يملك المشرّعون سلطة قوية في إطار التأثير، غير أنهم قد يفقدون جزءًا من تلك السلطة عند الانتقال إلى سياق الممارسة. وهكذا تنتقل السلطة من سياق إلى آخر، الأمر الذي يجعل آثار السياسات كثيرًا ما تأتي غير متوقعة أو بعيدة عن النوايا الأصلية. وتتيح سلطة الممارسين لهم أن يفسروا السياسات وفقًا لتصوراتهم الذاتية، التي قد تختلف جذريًا بل وتتناقض مع ما قصده صانعوها.

أوضح المنظور الصراعي أن عملية صنع السياسات في المجتمعات الحديثة والمعقدة تُمارَس غالبًا من دون سند تجريبي واضح أو منطق متماسك، على الرغم من إصرار صانعي السياسات على الادعاء بخلاف ذلك. ووجد هذا الطرح امتداده في التحليل النقدي للسياسات، الذي يسعى إلى تقصّي المستفيدين الحقيقيين والمتضررين من الترتيبات الجديدة، وإلى فضح علاقات القوة التي تحدد مكاسب طرف وخسارة آخر. ومن هذا المنطلق تبرز ضرورة جوهرية لفحص القيم والافتراضات العميقة التي يستند إليها بناء السياسات التعليمية، وذلك بطرح أسئلة مركزية مثل: من الرابح ومن الخاسر؟ وبأي آليات تُحوَّل قيمهم إلى أعراف مؤسسية راسخة؟ (تايلور وآخرون 1997).

إدراك أبعاد المقارنة في سياسات التعليم: مجالات توظيفها ومواطن انحرافها

شدّد (هالاك 1991، ص 1) منذ أكثر من عشرين عامًا على أن الدراسات المقارنة، متى وُضعت في تصميم دقيق ونُفذت وفق منهجية محكمة واستُخدمت على نحو سليم، تمثل أداة لا غنى عنها لتحسين السياسات التعليمية وتطوير عملية اتخاذ القرار. وأضحى مفهوم الاستعارة السياسية أحد المفاهيم المركزية في أدبيات التربية المقارنة (فيليبس وأوكس 2007؛ شتاينر–خامسي ووالدو 2012). ومع تنامي الأجندات العالمية التي توجه بحوث التعليم ليكون لها دور في تشكيل مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل الدول، توسعت الأدبيات في بحث ظاهرة الانتقال المتزايد للسياسات التعليمية عبر الحدود الوطنية. واهتمت هذه الأدبيات بتقصي الكيفية التي تُستثمر بها المعارف حول السياسات والترتيبات الإدارية والمؤسسات والأفكار في سياق سياسي معيّن لتُستخدم في تطوير سياسات وترتيبات ومؤسسات وأفكار داخل سياقات سياسية أخرى.

أشار (كروسلي وواتسون 2003) إلى أن التحولات الراهنة في العلاقات الجيوسياسية، والمقترنة بتأثيرات تسارع العولمة، عمّقت من أهمية الروابط بين السياقات إلى حد فرض إعادة نظر جذرية في الكيفية التي تُصاغ بها إشكاليات البحث المقارن. وأضحت العولمة، من هذا المنظور، تمثل تحديًا تجريبيًا ماثلًا بقدر ما تقدم إطارًا نظريًا جديدًا للتربية المقارنة. ومع ذلك، بقيت السياقات الوطنية حاضرة بأهمية لا يمكن تجاوزها. ومن ثمّ يُعد بالغ الخطورة اللجوء إلى استنتاجات متعجلة أو مبسطة تستند إلى مقارنات سطحية بين سياسات التعليم في الدول، لما لذلك من أثر في تشويه الفهم العلمي وتقويض صدقية التحليل المقارن.

استمر شيوع الدراسات المتعلقة بسياسات التعليم التي تُفصل عن سياقاتها، مما جعلها ميدانًا تتجاور فيه الاستخدامات السليمة والإساءات المنهجية. ولا يمكن في الغالب رسم خط فاصل حاد بين هذين الوجهين، إذ يمثل أفضل الاستخدامات وأسوأ الانحرافات طرفين على متصل واحد. وتقتضي الاستفادة المثلى من المقارنة في سياسات التعليم استيفاء شروط أساسية مسبقة، وإلا تحولت تلك المقاربات إلى صور من الإساءة أو الانحراف البحثي، وهو ما تكشف عنه بجلاء العديد من الدراسات المعاصرة في التربية المقارنة.

السياق ودوره الجوهري

أجمع كبار علماء التربية المقارنة على أنّ مكمن الخطر يتمثّل في كل مسعى يبتغي نقل السياسات والممارسات التعليمية نقلاً مبسّطًا من بيئة اجتماعية–ثقافية إلى أخرى، وهو ما شدّد عليه (سادلر) في محاضرته المفصلية عام 1900 (ص 310):

لا يجوز أن نتعامل مع أنظمة التعليم في العالم كما لو كنّا أطفالًا يتنزّهون في حديقة، ينتزعون زهرة من غصن هنا وورقة من غصن هناك، ثم يظنون أنّ جمع تلك الأجزاء وتثبيتها في تربة الوطن كفيل بأن ينشئ نباتًا حيًّا قادرًا على النمو والبقاء.

يُنظر إلى هذا الاقتباس الشهير لـ(سادلر) باعتباره العلامة الفارقة التي دشّنت المرحلة الحديثة للتربية المقارنة. وقد ظلّ هذا الميدان منذ نشأته مشدودًا إلى تحليل السياقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية المحيطة بالظواهر التعليمية. وعند استشراف ما ينتظر المستقبل، يتبيّن أنّ الطابع التعددي والغنى البين–تخصّصي الذي يميّز التربية المقارنة يمنحها موقعًا متقدّمًا في مواجهة قضايا القرن الحادي والعشرين ذات الطابع العالمي والثقافي المتداخل والمتزايد تعقيدًا. ومنذ وقت طويل، تنبّه الباحثون في هذا الميدان إلى الدور المحوري للقوى العالمية في البحث والتطوير التربوي، وكرّسوا جهودهم لمساءلة التحديات والمعضلات الملازمة لعمليات نقل السياسات والممارسات التعليمية بين البيئات الثقافية المتباينة.

مثّلت العولمة تحديًا جذريًا للمقاربات التقليدية في دراسة السياسات التعليمية (لينغارد وروول 2011)، إذ إنّها أعادت بناء معادلات السلطة ووظائف الدولة وأدوارها (وايزمان 2010). ومع تغيّر النظام الدولي، وجدت الدول الوطنية نفسها أمام ضرورة إعادة مواءمة بنيتها ووظائفها لتطوير استراتيجيات متماسكة تتيح لها التفاعل مع عالم يتزايد انفتاحًا وتشابكًا. ولم يعد بإمكان الحكومات الانغلاق، بل اتجهت نحو سياسات تعاون خارجية، غير أنّ نفاذ الأجندات العالمية لا يتحقق إلّا من خلال إدماجها في عمليات الحوكمة وصنع القرار داخل الدول. وهنا تبرز الجدلية التي أشار إليها (أرنوف 2013)، حيث تتفاعل القوى العالمية مع الفاعلين المحليين والوطنيين في عملية أخذ ورد تؤدّي إلى إعادة تشكيل هذه التوجهات وصبغها بغايات محلية. وهكذا تتحول العولمة من قوة مفروضة من الخارج إلى عملية معقّدة يعاد إنتاجها داخل السياقات الوطنية.

إنّ التفاعل الجدلي بين الأبعاد العالمية والمحلية، والذي صاغه (روبرتسون 1992، ص 100) في مفهوم "الترابط العالمي–المحلي"، يكشف بوضوح أنّ السياق يشكّل عنصرًا مركزيًا لا غنى عنه في دراسات سياسات التربية المقارنة. فكل سياسة تظل مشروطة بظروف سياقية بعينها، ولا يمكن الإحاطة بها أو صياغتها أو إخضاعها للتحليل العلمي إلّا في ضوء تلك الظروف. ويترتّب على ذلك أنّ تحليل السياسة لا ينفصل عن تحليل السياق، بل يتكافأ معه في الأهمية، إذ يصبح فهم السياق بمثابة المفتاح لفهم السياسة نفسها ومساراتها التطبيقية.

أفضى تزايد نفوذ شبكات السياسات وتوسّع عبور النخب لصنّاع القرار التعليمي عبر الحدود الجغرافية والمفهومية إلى تشكّل خطاب عالمي مشترك حول قضايا السياسات التعليمية. ومع ذلك، فإن هذا التشابك لا يُفضي بالضرورة إلى اندماج عابر للقوميات في السياسات والممارسات المؤسسية، بل إنّ ما يحدث عند تلاقي الاتجاهات العالمية مع الخصوصيات المحلية هو ظهور عملية تهجين تُدمج فيها عناصر مختلفة لتكوين الحزمة النهائية لانتقال السياسات (ويل 2005). ومن هنا يصبح التقارب أو التباعد التعليمي نتاجًا للتكيّف الواعي حينًا، وللتقليد الأعمى حينًا آخر، ولضغوط الامتثال للمعايير العالمية في أحيان كثيرة (سترومكويست 2002). وبحلول السياسات إلى المؤسسات التعليمية المحلية، تكون قد خضعت لتحولات متكرّرة تجعل العناصر الجوهرية لبرنامج ما، وإن أثبت نجاحه في بيئة معينة، بحاجة إلى آليات مغايرة جوهريًا لتحقيق الفاعلية في بيئة أخرى. وغالبًا ما يتم تعويض هذا "الجزء المفقود" عبر الاستعارة أو المحاكاة من تجارب في مواقع أخرى، مما يجعل العملية برمتها مركّبة ومتعددة المستويات.

يمثّل اختزال تصاعد انتقال السياسات الدولية في ميدان التعليم على أنّه اندماج عالمي للسياسات والممارسات التعليمية خطأً تحليليًا واضحًا. ومع تفاقم ظاهرة الاستعارة غير النقدية للسياسات عبر الحدود، تبرز الحاجة الملحّة إلى عدم إغفال التعقيدات والتناقضات الملازمة للوساطات الوطنية والمحلية في تفاعلها مع التوجهات العالمية. ومن هنا تنشأ أهمية الموازنة المستمرة بين المحلي والعالمي في مسار تطوّر السياسات. ولا تخفى حقيقة أنّ العولمة عملية معقدة، متنازع عليها، ومتعددة الأوجه. وحين يُختزل مفهوم العولمة في فكرة التجانس السياسي، فإنّه يتحوّل إلى أداة بالغة التبسيط وغير صالحة لتحليل إصلاح التعليم نقديًا. واللافت أنّ عددًا ضئيلًا من الدراسات التي تناولت العولمة ارتكز بالفعل على فحص معمّق لظروف تاريخية وجغرافية بعينها (أوكي 2009).

أفضى الدور الحاسم للسياق إلى تقويض هيمنة الدولة القومية باعتبارها الوحدة المهيمنة للتحليل في الدراسات المقارنة لسياسات التعليم، ذلك أنّ القوى العالمية أعادت رسم وظيفة الدولة التعليمية ودفعت إلى توجيه الانتباه بدرجة أكبر نحو العوامل المؤثرة في المستويات فوق الوطنية ودون الوطنية. ومع أنّ الثقافات الوطنية ما تزال تضطلع بدور مهم في التوسّط بين المؤثرات العالمية، فإنّ الاعتراف الأكاديمي يتزايد اليوم بجدوى وحدات تحليل أخرى (براي وتوماس 1995؛ براي 2003)، على رأسها الوحدات التي تولي الأولوية لتقصّي الانعكاسات المحلية لعمليات التوطين وما تخلّفه من نتائج ملموسة في البيئات التعليمية المختلفة.

يمثّل اعتبار الصين وحدة واحدة في الدراسات المقارنة للتعليم العالي مضلّل إلى حد كبير، لأنّ واقعها الداخلي يكشف عن فجوات تاريخية عميقة بين المناطق الحضرية والريفية، وبين الطبقات الثرية والفقيرة. وتتجلّى الفوارق بوضوح في فرص الحصول على التعليم عبر الأقاليم الجغرافية والشرائح الاجتماعية المختلفة، وهي فجوات ازدادت اتساعًا منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي مع انفتاح الصين على الاقتصاد العالمي وتركيزها على استغلال سواحلها الشرقية. وغالبًا ما تمتلك الحكومات المحلية في المناطق الغنية موارد مالية تمكّنها من دعم التعليم العالي بقدرات تفوق بأضعاف إمكانات الأقاليم الداخلية، مما أدى إلى نمو التعليم العالي على نحو أكثر حيوية واندفاعًا في المناطق الساحلية الموجّهة نحو التصدير مقارنة بالمناطق الداخلية (لي ويانغ 2013).

الهيمنة المستمرة للمنح الدراسية الأنجلو–أمريكية

أفضى النظام المعرفي العالمي، المؤلف من الأشخاص والمؤسسات المنتجة للمعرفة ومن الهياكل الناقلة لها، إلى تقسيم الدول إلى مركز وأنصاف مراكز وأطراف (ألتباخ 1998). وقد ازدادت قوة هذا النظام مع النمو المتسارع لشبكة الإنترنت (دينارديس 2009)، ومع تحوّل الإنجليزية إلى لغة عالمية مهيمنة (كريستال 1997؛ كايمان 2004). وباتت المعارف التي تقع خارج نطاق الشبكات الغربية في الدوريات المعتبرة والكتب ومؤشرات الإنتاج العلمي الأخرى تُقصى ولا تُعدّ معرفة حقيقية. كما أنّ أحدث ما أُنجز من ابتكارات في مجال الاتصالات العلمية وقواعد البيانات وشبكات المعلومات لا يزال متركّزًا في الدول الصناعية، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة. وهكذا يغدو النظام العالمي للاتصالات العلمية نظامًا مركزيًا تهيمن عليه الدول المنتجة للبحث. وقد انعكس هذا التفاوت بوضوح في دراسات التربية المقارنة للسياسات، إذ يُثير المفارقة أن يبقى هذا الميدان، الذي يقدَّم بوصفه مجالًا عابرًا للثقافات في تعريفه الذاتي، منغلقًا انغلاقًا ملحوظًا على الأطر المحلية والضيّقة (ولش 2003).

نظرًا لاختلاف آثار العولمة من مكان إلى آخر، تبرز الحاجة إلى إعادة التركيز على طبيعة هذه الآثار وتداعياتها التفاضلية، حتى على المستوى الوطني. ومع ذلك، فإن الدراسات التجريبية التي قارنت هذه الفروق بصورة منتظمة قليلة للغاية، وما أُنجز منها انصرف في معظمه إلى المجتمعات الغربية الصناعية. أما تأثير العولمة في المجتمعات الفقيرة وما بعد الاستعمارية في "الجنوب"، فقد حظي باهتمام أقل بكثير، رغم ما ينطوي عليه من تداعيات حاسمة على مسارات التنمية في تلك السياقات. فعلى سبيل المثال، يفرض عالم اليوم المترابط عبر الشبكات على الجامعات، بحكم التزامها بتطوير المعرفة الإنسانية، الانخراط في تعاون دولي أوسع. كما أنّ البحث العلمي والتدريس يتطلّبان مقاربة دولية لتجنّب الانغلاق وضمان تحفيز التفكير النقدي والاستقصاء حول القضايا والمصالح المعقّدة التي تؤثر في العلاقات بين الدول والمناطق والفواعل المختلفة.

وعلى الرغم من استمرار هيمنة المعرفة الأنجلو–أمريكية وترسّخ الإنجليزية بوصفها الوسيلة المركزية للتواصل العلمي، فإنّ دولًا آسيوية مثل الصين دخلت في سباق على الريادة داخل اقتصاد المعرفة العالمي المرتكز إلى التكنولوجيا. وقد أخذت في الظهور ضمن حقل التربية المقارنة كتلة بحثية غير غربية تزداد قوةً وتأثيرًا، وتفرض إعادة التفكير في كثير من المفاهيم والنظريات التي طالما هيمنت على الحقل (براي وغوي 2007؛ مانزون 2011). ومع تزايد هذا الحراك، لم يعد إنتاج المعرفة حكرًا على المراكز الغربية، بل غدا موزّعًا على مراكز علمية متعددة تنتج بحوثًا أساسية وذات أثر ملموس، الأمر الذي يساهم في موازنة التفوق الأوروبي والأمريكي الشمالي ويعيد رسم خريطة القوى المعرفية عالميًا (أرنوف 2013).

تتضح قيمة دراسة سياسات التعليم العالي في بلدان العالم، ولا سيما في آسيا، لما توفره من إمكانات لفهم التحوّلات الجارية في مشهد التعليم العالي العالمي. فقد ارتبط النجاح الاقتصادي المدهش لبلدان شرق آسيا بتركيز جوهري على قطاع التعليم، وخاصة في ما يتعلّق بمشروعات تطوير جامعات عالمية المستوى (ليو وآخرون 2011). ويُحتمل أن يغيّر صعود الجامعات الآسيوية ملامح التعليم العالي عالميًا على نحو عميق. بيد أنّ هيمنة المعرفة الأنجلو–أمريكية ما تزال تفرض نفسها، إذ غالبًا ما يتوجّه الباحثون في شرق آسيا إلى نظرائهم في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لاستلهام الأفكار والسياسات. وقد أظهرت دراسة تحليلية شملت 114 مقالًا بحثيًا في سياسات التعليم نُشرت خلال 2003–2004 في قسم التعليم في مركز المعلومات للعلوم الاجتماعية بجامعة الصين (رِنْدا) أنّ نسبة المراجع المكتوبة بالإنجليزية قد شهدت ارتفاعًا حادًا بين المواد الأجنبية المستشهد بها (يانغ 2006).

دفعت هيمنة البحوث الغربية، وبالأخص الأمريكية، الدراسات الصينية في السياسات التعليمية نحو آفاق جديدة، غير أنّ غياب دراسات متعمقة تعالج تلك النظريات والأساليب المستوردة بصرامة منهجية أدّى إلى نشوء فهم هش ومجزأ لها. وحين انتقلت هذه النماذج إلى التطبيق، انكشفت محدوديتها، إذ انتهت محاولات استدعائها – وهي التي وُصفت في الأدبيات بـ"المتقدمة" – إلى نتائج متعثرة. فالاستخدام غير النقدي لهذه الأطر، في ظل غياب إدراك دقيق للبيئات المحلية، لم يوفّر للصين القدرة على تشخيص المشكلات السياساتية أو صياغتها أو تقديم حلول عملية لها. وقد شكّل إصلاح المناهج الذي أطلقته وزارة التعليم عام 2001 مثالًا صارخًا على ذلك، إذ طغت عليه التناقضات ولم يُفضِ إلى نتائج إيجابية تُذكر (ما وتشنغ 2011). ويُعزى فشله بدرجة كبيرة إلى استنساخ سياسات مناهج غربية استنساخًا أعمى من دون تكييف مع الواقع المحلي.

التباينات والاتجاهات المتعارضة في أدبيات السياسات

أظهرت المناقشات السابقة أن العالم الأكاديمي يعاني انقسامات متعدّدة الأوجه، ويُعدّ الانقسام الداخلي في العالم الصناعي الغربي أحد أبرزها وأكثرها إهمالًا. ولم تكن دراسات سياسات التعليم بمنأى عن هذا الواقع، إذ تتجسد إحدى صور هذا الانقسام في البحوث المنتَجة ضمن البيئات اللغوية الكبرى. فالناطقون بالإسبانية، على سبيل المثال، أسّسوا مجلات علمية مرموقة يهيمن على محتواها الاستشهاد بأعمال مكتوبة بالإسبانية، مع تركيز أساسي على قضايا مجتمعاتهم المحلية. وبرغم استمرار بعض قنوات التفاعل بينهم وبين غيرهم، فإن الاعتماد الحصري للباحثين الاجتماعيين على الأدبيات الإنجليزية جعلهم يغفلون بدرجة كبيرة عن النتاج البحثي الضخم المكتوب بالإسبانية والمتعلق بسياسات التعليم. والمشهد ذاته يتكرر في الدوائر البحثية الناطقة بالروسية والصينية وغيرها من اللغات.

يُعَدّ الانقسام الداخلي في الدوائر الأكاديمية الناطقة بالإنجليزية أكثر المفارقات إثارة للانتباه، رغم قلّة ما حظي به من معالجة جادّة. ويتضح هذا الانقسام بجلاء بين الدائرة التي تقودها الولايات المتحدة في أمريكا الشمالية، ونظيرتها التي تتمحور حول المملكة المتحدة وتشمل بصورة رئيسة المستعمرات السابقة مثل أستراليا ونيوزيلندا وجنوب إفريقيا. وتكشف الممارسات البحثية في هذه البيئات عن نزعة إلى الانغلاق على الذات؛ إذ يميل باحثو السياسات التعليمية في الولايات المتحدة إلى تجاهل الكمّ الكبير من الأدبيات المنتَجة في أماكن أخرى، حتى في الدول الناطقة بالإنجليزية، بينما يُكثِر الباحثون الأستراليون والنيوزيلنديون من الاستشهاد حصريًا بالأدبيات البريطانية، دون أن يقابل ذلك حضور موازٍ لأعمالهم في الساحة البريطانية. ويكتسب هذا الانقسام أبعادًا أعمق عند النظر في نتائجه الممتدة، حيث إن الطلبة الدوليين الذين يتلقون تعليمهم داخل أحد هذين المعسكرين يكتسبون شعورًا بالانتماء إليه، وينقلون هذا الشعور إلى مجتمعاتهم الأصلية، كما أن الأكاديميين القادمين من مجتمعات غير غربية أو أقل تطورًا أكاديميًا يتأثرون بدورهم بما يَرونه في هذه المعسكرات، ويعودون بصورة مجتزأة يتعاملون معها كما لو كانت المشهد الكامل للواقع الأكاديمي العالمي.

يتجلّى التمركز الأمريكي في بعض المؤلفات المرجعية، مثل كتاب تشكيل السياسة التعليمية: السلطة والعملية (ميتشيل وآخرون 2011)، الذي يضم ثلاثة عشر فصلًا لعشرين باحثًا جميعهم ينتمون إلى مؤسسات أمريكية، وقد اعتمدوا بصورة شبه مطلقة على الأدبيات المنتَجة داخل الولايات المتحدة. ورغم أنّ هذا التركيز قد يبدو مبرَّرًا في سياقه، إلا أنّه يضيّق من تنوّع الإسهامات المرجعية ويثير تساؤلات حول أفق المقاربات التحليلية. ويتكرر المشهد في كتاب دراسات السياسات لقادة التعليم (فاولر)، الذي لقي استحسانًا واسعًا في أمريكا الشمالية، غير أنّ طبعاته الثلاث الأولى أغفلت بصورة لافتة الاستشهاد بأعمال لباحثين من خارج الولايات المتحدة. ولم يرد اسم عالم الاجتماع البريطاني المعروف في السياسات التعليمية (ستيفن ج. بول) إلا إشارة عابرة في الطبعة الرابعة (2013)، دون أن يُدرج ضمن قائمة التعريفات الأساسية لمفهوم السياسة (فاولر 2013، ص 5–4).

باتت هذه الانقسامات في غير انسجام مع روح العصر، إذ تهدد بفرض حدود ضيقة تقلّل من تنوع الرؤى البحثية وإثراء النقاش الأكاديمي. وفي المقابل، يتبدّى حضور (بول) واضحًا في أدبيات سياسات التعليم الصادرة في المملكة المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا، سواء في أعمال الأكاديميين البارزين أو في كتابات طلبة الدراسات العليا. ويُعدّ خطاب (غايل) الرئاسي أمام الجمعية الأسترالية للبحث في التربية عام 2005 مثالًا دالًا، حيث استند فيه إلى سبعة وثلاثين مرجعًا، ارتبط أربعة وعشرون منها مباشرة بالسياسات الاجتماعية والتعليمية. ومن بين هذه المراجع، كان خمسة عشر لكتّاب أستراليين، وثمانية لباحثين بريطانيين، بينما لم يُستشهد سوى بعمل واحد لباحث أمريكي هو (شون 1979). وعلى النقيض، وردت أربعة مراجع لـ(بول)، ثلاثة منها مؤلفات فردية وواحد بالتأليف المشترك، الأمر الذي يبرهن على قوة تأثيره في هذا التيار البحثي.

يتكرر المشهد ذاته في بحوث طلبة الدراسات العليا، كما يتضح في أطروحة الدكتوراه التي أنجزها (تشانغ) عام 2012 في جامعة موناش الأسترالية حول قضايا العدالة في سياسة التعليم العالي بالصين، عبر دراسة لسياسة التوسّع في القبول منذ أواخر التسعينيات. فقد بُنيت الأطروحة بأكملها على إطار الدورة السياسية لـ(بول)، الذي يشتمل على سياق التأثير وسياق إنتاج النصوص السياسية وسياق الممارسة. ورأى (تشانغ) أنّ هذا الإطار شديد الإثمار من الناحية النظرية، لأنه وفّر له أدوات تحليلية قادرة على استيعاب التعقيد وفهمه بشكل متكامل. وأشار في الصفحة الخامسة إلى أنّه "على الرغم من أنّ نظرية (بول) قد نشأت في سياق المملكة المتحدة، إلا أنّ مفهوم الدورة السياسية أثبت صلاحية مماثلة في تفسير السياسات في الصين وسواها من الدول". ومع ذلك، فإن الأطروحة لم تُعر كبير اهتمام إلى إسهامات الباحثين الأمريكيين، كما أغفلت الأدبيات التي أنتجها الباحثون الصينيون أنفسهم في هذا المجال، الأمر الذي جعل بنيتها المرجعية محدودة وضيقة الأفق.

العوامل الثقافية المهمَّشة

ينبغي النظر إلى السلوك البشري بوصفه نتاجًا لظروف اجتماعية وثقافية متداخلة، حيث يحتل الأفراد مواقع متفاوتة في المجتمع تعكس مصالحهم وتحدد رؤاهم، فينظر كل منهم إلى القضايا من زاوية موقعه الاجتماعي والاقتصادي. ويزداد وضوح ذلك عند تناول السياسات، لكونها تمثل جوهر تنظيم المجتمع وتحدد أنماط الحكم التي يراها الناس أكثر ملاءمة. وتتعقد الصورة بصورة لافتة عندما تعبر السياسات الحدود الثقافية، إذ تميل الشعوب المختلفة، بحكم أنماط تفكيرها الثقافي، إلى تفضيل أنماط حكم متباينة. وما يلقى قبولًا واسعًا في مجتمع ما قد يواجه رفضًا في مجتمع آخر. ويبرز هذا الأثر الثقافي في كل مراحل السياسات التعليمية، بدءًا من صياغة الأجندات ومرورًا باتخاذ القرارات وانتهاءً بالتنفيذ. ومع ذلك، ورغم مركزية هذا البعد، فإن الأدبيات البحثية أغفلته إلى حد يثير الدهشة، فظل الحضور الثقافي في الدراسات النظرية محدودًا.

تكشف الدراسات المقارنة في سياسات التعليم عن مفارقة لافتة، إذ غالبًا ما عجزت عن معالجة التنوّع الثقافي الفعلي في المجتمعات. فعندما تُهمل العوامل الثقافية، تصبح التحليلات سطحية من الناحية النظرية، محدودة الجدوى في الممارسة، بل وقد تُفضي إلى نتائج مضللة. ويظهر ذلك جليًا عند مقارنة المواقف في الصين بما هو قائم في مجتمعات غربية كثيرة؛ إذ يُظهر الصينيون استعدادًا أكبر لتقبّل السياسات الحكومية والامتثال لها، حيث تقترب تعريفاتهم للسياسة من التعريفات الرسمية التي تعتمدها الحكومات على مستوياتها المختلفة (يوان 1998؛ تشانغ 2002). ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن فجوة التنفيذ بين ما يُراد بالسياسة وما يتحقق فعليًا أضيق في الحالة الصينية، إذ يمتلك الصينيون أساليب مميزة قد تؤدي إلى تحريف تطبيق السياسات أو إعادة تشكيلها بطرائق خاصة (دينغ ودينغ 2004؛ دينغ 2011).

تُجسّد فكرة الجامعة الغربية واحدة من أبرز الأمثلة على التصدير الثقافي الذي ارتبط بالإمبريالية والاستعمار. فقد وُلدت الجامعات الحديثة في أوروبا، ثم انتشرت إلى مختلف أنحاء العالم في سياقات السيطرة الاستعمارية، حتى إن المجتمعات التي لم تخضع للاستعمار المباشر تبنّت بدورها النموذج الغربي (ألتباخ 2001). وليس من المبالغة القول إن مفهوم الجامعة يُعدّ أنجح ما صدّره الغرب إلى بقية العالم، حيث أثّرت تقاليدها الممتدة عبر القرون في أنماط التعليم العالي عالميًا وفي صلات المؤسسات الأكاديمية عبر الحدود. ويقوم النموذج الأوروبي على منظومة قيمية لم تتح في تاريخها مجالًا واسعًا للبدائل الثقافية، بل تركت مساحات محدودة جدًا أمام النماذج غير الأوروبية. وقد ساهم انتشار هذا النموذج، مدفوعًا بسطوة اللغة الإنجليزية، في تكريس هيمنة الغرب على ميادين المعرفة والتنمية الثقافية، الأمر الذي انعكس في ضعف أداء الجامعات في السياقات غير الغربية. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال الجامعات في العالم غير الغربي تنظر إلى نظيراتها الغربية العريقة – وبخاصة الأمريكية منها – باعتبارها مرجعًا رئيسًا للمعايير الأكاديمية وللاستراتيجيات والسياسات والابتكارات وحلول قضايا التنمية (تايشلر 2009؛ يانغ 2013).

الاستنتاجات

تجدر الإشارة إلى ما أوضحه (بول 1994) من أنّ الدلالات التي تُعطى للسياسة تحدد بصورة مباشرة الكيفية التي ينهجها الباحثون في دراساتهم، والطريقة التي يفسرون بها ما يتوصلون إليه من نتائج. ومع ذلك، يظل مفهوم السياسة عصيًّا على تعريف جامع، حتى إنّ (كينواي 1990، ص 6) ذهب إلى أنّ الأنسب هو التفكير في "العملية السياسية" بما تتضمنه من تسويات مركّبة يغلب عليها الطابع السياسي، لكنها تمتد لتشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، وما تحمله من تباينات في المنطلقات القيمية واختلال في موازين القوى. ومن ثمّ، فالسياسة لا تمثل كيانًا ثابتًا بقدر ما هي مسار متشابك من الخيارات، تُعتمد فيه اتجاهات محددة وتُستبعد أخرى، وهي نتاج مساومات مستمرة بين أجندات متعددة وصراعات مصالح متنافسة في سياقات متغيرة. وغالبًا ما تُدار هذه الصراعات في فضاء الخطاب، حيث تُسمع بعض الأصوات بينما يُقصى غيرها عن طاولة صانعي القرار.

تتبدل النصوص السياسية على نحو ملحوظ خلال عملية صياغتها، إذ كثيرًا ما تبتعد الصيغة النهائية عمّا تضمنته المسودة الأولى نتيجة للتسويات والمساومات والأنشطة الملازمة لتطوير السياسات. وقد عبّر (راب 1994، ص 24) عن هذه الفكرة استعاريًا بقوله إنّ "ما يُتذوَّق في النهاية يختلف اختلافًا كبيرًا عن الوصفة الأصلية". وتزداد هذه التحولات وضوحًا في ظل الواقع العالمي المعاصر، حيث تؤدي التشابكات بين الدول وظهور القضايا العابرة للحدود ونمو دور المنظمات الدولية إلى جعل تبادل الخبرات السياسية والمقارنة بين السياسات أمرًا لا غنى عنه وحتميًا لإيجاد حلول للمشكلات المحلية. وعندما تصل السياسات في نهاية المطاف إلى المؤسسات التعليمية، تكون قد مرت بسلسلة طويلة من التحولات، بحيث تفقد صلتها بشكلها الأولي وتكتسب سمات جديدة.

تشكّل لعبة الطفولة الشهيرة "التليفون" – والمعروفة باسم "لعبة همسة" في العالم العربي – استعارة لافتة لفهم تحوّل السياسات عند انتقالها. ففي هذه اللعبة يبدأ أحد المشاركين بالهمس برسالة في أذن جاره، ثم تنتقل الرسالة من شخص إلى آخر، حتى تصل إلى اللاعب الأخير الذي يعلنها بصوت مسموع. وغالبًا ما تصل الرسالة وقد تغيّر مضمونها تغيرًا كبيرًا، خصوصًا إذا كانت عبارتها الأصلية معقدة. وبالقياس إلى ذلك، تخضع السياسات التعليمية التي تُصاغ ضمن شبكات عالمية أو عابرة للقوميات لسلسلة مماثلة من التحولات عند انتقالها من المستوى العالمي إلى الإقليمي ثم الوطني وأخيرًا المحلي، لتصل في صورة قد تختلف جذريًا عن صياغتها الأولى (ويل 2005).

غير أنّ دراسات التربية المقارنة والدولية في مجال السياسات لا تزال تعكس العديد من حالات الفرض القسري لنموذج تنموي موحّد، وتطبيقات غير مناسبة لمعايير تُصوَّر باعتبارها عالمية. ويظل التحدّي قائمًا في إقناع بعض المستشارين الأجانب، ولا سيما أولئك الذين يعملون في مشاريع تموَّل من مانحين دوليين، بأن أدوات الإصلاح التي قد تحقق نجاحًا في سياقات محددة لا يمكن بالضرورة أن تُستنسخ أو تعمل بالفاعلية نفسها في سياقات أخرى مغايرة.

يُظهر الواقع أنّ الخطاب العالمي في السياسات يستدعي قراءة نقدية دقيقة على كل مستوى من مستويات صناعة القرار. غير أنّ اختيار الأدوات البحثية والمنهجيات المناسبة لإجراء هذا النوع من التحليل يظل رهينًا بمجموعة من العوامل، منها الغايات التي يُراد بلوغها من التحليل، وطبيعة السياسات ذاتها، والمسارات المعرفية التي ينطلق منها الباحثون، فضلًا عن الخصوصيات السياقية التي تُمارَس فيها هذه السياسات. ويتحدد نمط الأسئلة التي تُطرح أثناء التحليل وفقًا لغايته، والموقع الذي يتبناه المحلّل، وما يواجهه من محددات أو قيود (تايلور وآخرون 1997). وعليه، يصبح من غير الواقعي بل ومن غير المنهجي إصدار أحكام معيارية موحّدة تطبَّق على جميع السياسات، في ظل التباينات الأيديولوجية العميقة بين المحلّلين. وبالرغم من أنّ الالتزام بالمقدّمات السابقة لا يضمن الوصول إلى الاستخدام الأمثل للبحوث المقارنة والدولية في سياسات التعليم، فإنّ تجاهل أي منها يقود حتمًا إلى الانزلاق نحو ممارسات مشوَّهة أو مضللة.