الفصل الخامس عشر
يسعى هذا الفصل الأخير إلى جمع أبرز القضايا التي نوقشت في الفصول السابقة، ليقدّم بذلك نوعًا من المقارنة بين المقارنات. فقد عرضت الفصول الماضية مجموعة واسعة من محاور البحث، وتناولت تلك المحاور ضمن أطر معرفية ومناهج متعددة. وبناءً على الرؤى التي قدّمها الكتاب بأكمله، يبدأ هذا الفصل بمناقشة النماذج النظرية والبحثية في ميدان التربية المقارنة، ثم ينتقل إلى طرح ملاحظات حول مواطن التركيز وأولوياتها، ليختم بمناقشة الأبعاد المعرفية والاستبصارات التي يمكن تحصيلها من توظيف النهج والطرائق المقارنة في ميدان البحث التربوي.
كشف هذا الكتاب عن وجود نماذج متعدّدة يمكن من خلالها إجراء الدراسة المقارنة في التربية، ورغم تعذّر استعراضها جميعًا في هذا الموضع، فإن بعض الأمثلة التي تناولتها الفصول السابقة تستحق تسليط الضوء عليها ومناقشتها بمزيد من التفصيل. ويستهل هذا القسم بملاحظات تتعلق بعدد الوحدات الموازية المستخدَمة في المقارنات، ثم يعود ليستعرض المكعّب الذي وضعه (براي) و(توماس) والمشار إليه في المقدمة، لينتقل بعد ذلك إلى بحث علاقته بالقضايا المعرفية.
افتتحت (مانزون) فصلها حول مقارنة الأماكن بالنموذج الكلاسيكي الذي قدّمه (بيرداي) سنة 1964 للمقارنة بين نظم التعليم في دولتين. وقد لقي هذا النموذج انتشارًا واسعًا في الاستشهادات وحظي بتقدير بالغ في الدراسات التربوية. وإذ اقتصر على تناول دولتين، فقد أتاح للباحثين فرصة التعمق في التحليل إلى مستويات دقيقة مكّنت من استجلاء تفاصيل أوسع مما هو ممكن في المقارنات متعددة الدول.
أورد هذا المجلد نموذجًا من شرق آسيا، حيث أُشير إلى كتاب يتقاطع في كثير من ملامحه مع نموذج (بيرداي) في التربية المقارنة. وانصب اهتمام الكتاب على منطقتين إداريتين خاصتين داخل دولة واحدة، هما هونغ كونغ وماكاو، وقد امتلكتا مساحة واسعة من الاستقلال في مجالات متعددة تشمل التعليم، الأمر الذي جعل دراستهما في منزلة أقرب إلى دراسة دولتين مستقلتين. وقد أشرف (براي) و(كو) على تحرير الكتاب عام 2004، وجاء في خمسة عشر فصلًا تناولت التعليم قبل المدرسي والتعليم الأساسي والثانوي وتدريب المعلّمين، إلى جانب قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية مثل علاقة الكنيسة بالدولة والتعليم، والتعليم العالي والقوى العاملة، واللغة والتعليم. كما عرض سياسات المناهج وإصلاحها، وقضايا التربية المدنية والسياسية، واختُتم بفصول عن المنهجية والاستمرارية والتغيير في التعليم. إنّ كتابًا يقع في 323 صفحة ومكرّس لمكانين محدودين جغرافيًا، استطاع أن يقدّم معالجة معمّقة وواسعة. ويجسّد الشكل 15.1 هذا النموذج من الدراسات الثنائية "المكثّفة".
الشكل 15.1: التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة ذات موقعينيعتمد نموذج آخر على وضع التعليم في إقليم واحد في مركز التحليل، ثم الانطلاق منه لعقد مقارنات مناسبة مع أقاليم أو أماكن أخرى. ويتّضح هذا النموذج من خلال مثال يرتبط بهونغ كونغ، تمثّل في عدد خاص من مجلة التربية المقارنة بعنوان: التعليم والتحوّل السياسي: دلالات انتقال السيادة على هونغ كونغ (براي ولي 1997). وقد ركّز العمل على مرحلة انتقال هونغ كونغ عام 1997 في ختام الحقبة الاستعمارية، كما عقد مقارنات مع انتقالات شهدتها مستعمرات أخرى مثل فيجي ونيجيريا وروديسيا وسنغافورة. وقد عُرضت البيانات المتعلقة بهونغ كونغ بتفصيل وثراء، بينما بقيت البيانات الخاصة بالأماكن الأخرى سطحية ومقتضبة. ويقدّم الشكل 15.2 تمثيلًا مصوَّرًا لنوع كهذا من الدراسات المقارنة.
الشكل 15.2: التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة بموقع واحد في المركزيمثّل النمط الثالث امتدادًا للمقارنة التي أُجريت بين هونغ كونغ وماكاو، لكنه يضيف إليها عددًا أكبر من المواقع. ومن أبرز الأمثلة كتاب التعليم والتنمية في شرق آسيا (موريس وسويتنغ 1995)، الذي تناول في فصول مستقلة كُلًّا من الصين، وهونغ كونغ، واليابان، وماكاو، وماليزيا، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، وتايوان. ورغم التفاوت الواضح بين هذه الدول والأقاليم من حيث عدد السكان، والبنية التعليمية، والقدرات الاقتصادية، فقد جاء حجم الفصول متقاربًا في الطول. هذا النمط من الدراسات لا يتيح درجة العمق التي حقّقها العمل المخصّص لهونغ كونغ وماكاو، لكنه يُقدّم رؤية أوسع وأشمل. والشكل 15.3 يوضّح بصورة بيانية مبسّطة هذا النوع من المقارنات، حيث تُظهر الأسهم العلاقات بين أزواج المواقع، مع إمكان إضافة المزيد منها للإشارة إلى المقارنات المتعددة داخل المجموعة.
الشكل 15.3: التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة لثمانية مواقع
يتقدّم مقياس المقارنات ليشمل نطاقًا أوسع عند تناول دراسات تُغطي عددًا كبيرًا من المواقع، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الدراسة الدولية لاتجاهات الرياضيات والعلوم (TIMSS) التي سبقت الإشارة إليها في الفصل الرابع عشر. ففي عام 2003، تناولت TIMSS تحصيل التلاميذ في مادة الرياضيات بالصف الرابع الابتدائي عبر 25 دولة أو نظامًا تعليميًا، كما تناولت تحصيل الصف الثامن في 46 دولة أو نظامًا (موليس وزملاؤه 2005). ويعرض الشكل 15.4 تمثيلًا تخطيطيًا لدراسة الصف الرابع، حيث حُذفت الأسهم ليبدو الشكل أقرب إلى غابة متشابكة بدلًا من مجموعة أشجار متفرقة. وتتعاظم هذه الصورة في حالة الدراسة الخاصة بالصف الثامن التي شملت 46 دولة ونظامًا تعليميًا، ثم بلغت أوجها في دراسة عام 2011 التي امتد نطاقها إلى 63 دولة ونظامًا تعليميًا (موليس وآخرون 2012).
الشكل 15.4: التمثيل التخطيطي لدراسة مقارنة لـ 25 موقعًا
1 |
2 |
3 |
4 |
5 |
6 |
7 |
8 |
9 |
10 |
11 |
12 |
13 |
14 |
15 |
16 |
17 |
18 |
19 |
20 |
21 |
22 |
23 |
24 |
25 |
عندما تتعدد الوحدات قيد التحليل بهذا الشكل، يصبح من المحتم أن تكون البيانات المتعلقة بكل دولة أو نظام تعليمي في دراسات TIMSS سطحية نسبيًا، غير أنّ اتساع العينة يمنح هذه الدراسات قوة منهجية بارزة. فقد جرى تنفيذ دراسات TIMSS برعاية الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA)، التي ناقشناها في الفصل الرابع عشر، وأُشير إليها أيضًا في فصول أخرى من هذا الكتاب. ففي الفصل الثالث تناول (فيربروذر) دراسات الرابطة حول محو الأمية، فيما ركّز (لي) و(مانزون) في الفصل التاسع على دراساتها الخاصة بالتربية المدنية. وفي السياق نفسه، قامت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بتنفيذ برنامجها لتقويم الطلبة الدوليين (PISA). وتوفّر هذه الدراسات قاعدة بيانات منظمة من خلال استبيانات موحّدة، مما يتيح إصدار أحكام قابلة للمقارنة بين الدول ومجموعاتها، فضلًا عن إجراء مقارنات على مستويات أخرى مثل الصف، والمدرسة، والمنطقة، والمقاطعة. ويقدّم هذا التنوع في مصادر البيانات أدوات قياس معيارية بالغة الأهمية لصنّاع القرار التربوي.
غير أنّ هذه الدراسات تعاني من قيود واضحة، أبرزها صعوبة ضمان تجانس العينات، وتعقّد وضع أسئلة تراعي الخصوصيات الثقافية المتباينة، بالإضافة إلى التحديات التي تواجه الترجمة الدقيقة إلى لغات مختلفة. ويضاف إلى ذلك أنّ نتائج التحليل غالبًا ما تُختزل في أرقام ومعاملات ارتباط، الأمر الذي يضعف القيمة التفسيرية النوعية الكفيلة بفهم الأنماط بعمق. وانطلاقًا من هذه الملاحظات، أعدّ فريق PISA تقارير على مستوى كل دولة، جمعت بين قاعدة البيانات المقارنة واسعة النطاق والمضامين النوعية الغنية (OECD 2011a، 2011b، 2012). كما قدّمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مقاطع فيديو تعليمية أسهمت في تعزيز البعد النوعي، فخصّص بعضها لدول مثل البرازيل وألمانيا واليابان وهولندا وبولندا، في حين ركّز البعض الآخر على تجارب محلية دون وطنية، مثل فلاندرز في بلجيكا، وأونتاريو في كندا، وشنغهاي في الصين.
تطرح مسألة عدد الوحدات التي ينبغي تناولها في الدراسات المقارنة إشكالية تتعلق بقدرة الباحثين على تنفيذ البحث على أرض الواقع. فالمسوحات الدولية الكبرى لا يمكن أن يقوم بها باحث فرد، بل تتطلب فرقًا متكاملة لما تنطوي عليه من جهد مضاعف وحاجة إلى إلمام بثقافات ولغات متعددة. ومع ذلك، يمكن للباحثين الأفراد تقديم إضافات مهمة من خلال التحليل الثانوي للبيانات التي تنتجها الفرق البحثية، غير أنّ إجراء بحوث أصيلة يتطلب جمع بيانات ميدانية من عدة دول يبقى خارج نطاق إمكاناتهم الفردية. وبالتالي فإن تحديد النموذج الملائم للبحث المقارن يتوقف، بالإضافة إلى موازنة الاتساع والعمق، على حجم الموارد البشرية والمالية واللوجستية المتاحة.
عند تصميم المشاريع البحثية، يبرز عامل أساسي يتمثل في كيفية الوصول إلى مصادر المعلومات. ففي معظم الأحيان تُجرى استطلاعات TIMSS وPISA إما مباشرة عبر الأجهزة الحكومية في الدول المشاركة، أو من خلال فرق تعمل بالتنسيق مع تلك الحكومات، وهو ما يمنح الباحثين ميزة الدخول إلى المدارس التابعة لها. ومع ذلك، قد يتردد بعض الباحثين أو يعجزون عن العمل من خلال قنوات حكومية، خصوصًا حين تكون طبيعة البحث مرتبطة بأنشطة تتعارض مع اللوائح الرسمية أو مع الأطر الأيديولوجية التي تفرضها الدولة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الضروري إيجاد مسارات بديلة للوصول إلى المعلومات. ويمكن أن تسهم المنظمات غير الحكومية والهيئات الإقليمية أو الدولية في تيسير العمل عبر الحدود، كما يمكن للباحثين الاعتماد على شبكات الاتصال الشخصية لتجاوز العوائق الرسمية.
قدّم (براي) و(توماس) في منتصف التسعينيات نموذجًا متعدّد المستويات أبرز ملاحظة مفادها أنّ أغلب الدراسات في التربية المقارنة ركّزت على المقارنات العابرة للدول، في حين أغفلت إلى حدّ كبير المقارنات الداخلية على مستوى الدولة، مع أنّ لهذه الأخيرة قيمة معرفية ومنهجية معتبرة. وقد حاز النموذج صدى واسعًا في الأدبيات الأكاديمية، وأصبح أداة مرجعية ساعدت على توسيع آفاق البحث وتوجيهه نحو مسارات جديدة. وبالنظر إلى مرور عقدين على ظهوره، فإنّ إعادة تقييمه تبدو ضرورية لاستكشاف ما يمكن إضافته من صقل أو تطوير من شأنه أن يثري هذا الميدان.
يعالج فصل (مانزون) في هذا الكتاب الوجه الأمامي للمكعّب بصورة مباشرة، حيث يشير إلى أنّ التصنيف الجغرافي يمكن أن يتجاوز المستويات التقليدية للدول والأقاليم ليشمل تكتلات مستندة إلى التاريخ الاستعماري أو الشراكات الاقتصادية أو الانتماءات الدينية. فبلدان إفريقيا جنوب الصحراء، مثلًا، يمكن تصنيفها بحسب كونها مستعمرات سابقة بريطانية أو فرنسية أو برتغالية، كما يمكن النظر إلى التكتلات الاقتصادية الكبرى مثل (الاتحاد الأوروبي) أو (اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية). وعلى المنوال نفسه، يمكن اعتبار الانتماءات الدينية أساسًا للتصنيف، كالتفريق بين الدول ذات الأغلبية المسلمة وتلك التي يغلب عليها المسيحية أو البوذية أو غيرها من الديانات. بل إن الكيانات الجغرافية يمكن أن تُوسَّع لتشمل المدن أو القرى، وهو ما يمكن إدماجه ببساطة من خلال إضافة فئات جديدة في الواجهة الأمامية للمكعّب.
تبدو مسألة عرض مكعّب الوحدات التي لا تحتل مناطق جغرافية متصلة أكثر إرباكًا في الظاهر، لكن من الممكن أيضًا استيعابها داخل المكعّب، إذ جرى في الفصل الخامس النظر إلى النظام لا إلى الدولة باعتباره الوحدة المعتمدة في التحليل، مما أتاح المقارنة بين المدارس الفلمنكية في بلجيكا والمدارس الفرنكوفونية، لأن كلّ مدرسة منها تشغل موقعًا ماديًا قائمًا بذاته، ويمكن النظر إلى النظام برمّته باعتباره محصّلة تلك المواقع المادية حتى وإن لم تكن متجاورة، ويصحّ القياس نفسه على المؤسّسات والأنظمة التي تقدّم خدماتها لأسر من طبقات وأعراق وأنماط ثقافية متباينة، كما جرى توضيحه في الفصلين السابع والثامن، غير أنّ التحدي الأشد يتمثّل في تصوّر التعليم الذي يُمارس عبر الشبكة العنكبوتية حيث يوجد في فضاء إلكتروني لا في فضاء مادّي، ومع ذلك فإنّ المعلّمين والمتعلمين في مثل هذه الدروس يشغلون أماكن مادية ملموسة، الأمر الذي يتيح اعتبار الإقليم الجغرافي مجموعًا لتلك الأماكن. يُمكن القول إنّ الفصل السادس المتعلّق بالمقارنة بين الأزمنة يمثّل الحالة الوحيدة في الجزء الثاني من هذا الكتاب التي لا يغطيها مكعّب التحليل، مع أنّ (براي) و(توماس) كانا قد تناولا مسألة المقارنة عبر الزمن في عام 1995 (ص 474)، لكنهما اكتفيا بوضعها في حاشية بغية التركيز على جوهر المقال، وقد احتوت المسوّدة الأولى للمقال على رسم يوضّح المكعّب في ثلاثة تكرارات متتابعة تمثل الماضي والحاضر والمستقبل، كما هو مبين في الشكل 15.5، ويظهر في ذلك الرسم مربع مظلّل يشير إلى مقارنة المناهج في ولاية أو مقاطعة واحدة عبر ثلاث محطات زمنية، ومن الممكن بطبيعة الحال تغيير التسميات بحيث تعكس مثلًا ثلاث نقاط زمنية سابقة.
الشكل 15.5: المقارنات عبر الزمن باستخدام مكعب (براي) و(توماس)
تتّجه الفئات التي يشتمل عليها مكعّب (براي) و(توماس) إلى إمكانية التفريع إلى فئات أدق تُستخدم في المقارنة، وهو ما يظهر مثلًا في دراسة النظام التعليمي في هونغ كونغ المعروضة في الفصل الخامس، حيث جرى التركيز على المزوّدين الحكوميين والخاصين للتعليم، وعلى تنوّع وسائل التدريس، وتعدّد المناهج الدراسية، غير أنّ تحديد هذه الفئات الفرعية مسبقًا على المكعّب قد يقود إلى تقييد مسار البحث، ومع ذلك فإنّ تثبيت نقاط المقارنة منذ البداية قد يكون مفيدًا لبعض الدراسات، وبخاصة تلك التي تهدف إلى تقويم جوانب محدّدة، في حين يفضّل الباحثون الذين ينهجون مسلكًا تأويليًا أو استقرائيًا ترك هذه الفئات تنبثق مباشرة من البيانات.
ومع أنّ هذه الإشارات تبدو محافظة على سلامة المكعّب ومؤكّدة صلابته من منظور تصوّري، يتعيّن الاعتراف بأنّ استخدامه يظل أكثر ملاءمة في الجانب المفاهيمي، خصوصًا في الدراسات الكمية، حيث لا يكفي عدد الوحدات في المستويات العليا لإجراء اختيارات عشوائية أو تحليلات إحصائية موثوقة.
أكّدت الفصول الأولى من هذا الكتاب على نقطة جوهرية تتعلق بطبيعة الفئات، إذ جرى التنويه في أكثر من موضع إلى صعوبة ضبط بعض وحدات المقارنة عند السعي إلى صياغة تعريف قاطع لها، ومثال ذلك ما ورد في الفصل الحادي عشر حول المناهج، الذي يمكن فهمه إمّا بصفته مجمل التجربة التعليمية، أو باعتباره جسدًا معرفيًا محدّدًا للدراسة، وقد عرضت (مانزون) هذه الإشكالية بوضوح في الفصل الرابع، حيث رأت أنّ المستويات في الواجهة الأمامية من المكعّب، وربما الفئات في الواجهتين الأخريين أيضًا، ينبغي النظر إليها في كثير من السياقات على أنّها ذات حدود مطموسة وربما متداخلة، وقد عبّرت عن ذلك بقولها (ص 129–130):
تتباين المستويات الجغرافية في طبيعتها وإن تمايزت، لكنها لا تُفهم باعتبارها فضاءات منغلقة أو منعزلة، بل تتشكّل في صورة بيئات إيكولوجية تتوالى طبقاتها وتتداخل بنياتها في نسق متعاقب، فيحتوي المستوى الأعلى ما دونه ويؤثّر فيه، ويستجيب الأدنى لما فوقه ويتشكّل به، لتنشأ بين الطرفين علاقة جدلية تجمع بين العالمي والمحلي، ويصبح الوعي بهذه الروابط المتبادلة بين مختلف المستويات المكانية ضرورة علمية لفهم شامل يكشف حقيقة الظواهر التربوية في جوهرها.
وبناءً على هذا المنظور، قد يكون الأصلح من الحدود الضبابية حدود تظل في حركة مستمرة وتدفّق متغيّر، ولهذا السبب دعا (سوبِه) و(كوالشِك) (2014) إلى "تفجير المكعّب" منعًا لاستخدام فئات جاهزة مفروضة مسبقًا، بينما لجأ (وايزمان) و(هوانغ) (2011)، في سياق تحليل البحوث التربوية المتعلقة بإصلاح السياسات في دولة بعينها، إلى مقاربة بديلة تقوم على استبدال أوجه المكعّب بمحاور وموضوعات وأساليب تغيّر، وبيّنا (ص 13–14) أنّ ذلك يسمح بـ:
تتداخل مجموعات غير متبلورة من العوامل الاجتماعية-الثقافية، وما يتوافر من شواهد كمية وكيفية، إلى جانب العلاقات والثقافات اللا ملموسة، لتعمل جميعها عبر "غيوم شبيهة بالمكعّب" تنحت فضاءً يتقاطع مع هذه العوامل والقوى والقضايا، فيتشكّل هذا الفضاء من الطبقات التي يحدّدها إطارنا التحليلي، لكنه في الوقت نفسه لا يخضع لقيودها.
وقد يواجه باحثون آخرون تعقيدًا في التعامل مع مثل هذه الأطر، لكنها مع ذلك تطرح رؤى مبتكرة وتدعو إلى النظر في احتمالات بديلة يمكن أن تُثري مجال البحث.
وبالطبع يتجاوز النظر في النماذج مجرد عدّ الوحدات للمقارنة أو تحديد المستويات الجغرافية على واجهة المكعّب، أو حتى العمل عبر "غيوم شبيهة بالمكعّب"، إذ تشمل النماذج في معناها الأوسع النهج المعرفية الجوهرية، وكما ورد في الفصل الثاني فإنّ ميدان التربية المقارنة يستوعب طيفًا واسعًا من البارادايمات، وقد قام (بولستون) برسم خريطة لبعضها كما أعيد نشره في الشكل 2.2، ويُلاحظ أنّ بعض الباحثين الذين يفضّلون نماذج إرشادية محدّدة نادرًا ما يتواصلون مع باحثين يعتنقون نماذج إرشادية أخرى، بل يعيش كل فريق في عوالم أكاديمية منفصلة تهيمن عليها نماذج مفاهيمية مختلفة كثيرًا ما تكون غير قابلة للتوافق.
ومن خلال متابعة الملاحظات المتعلّقة بمكعّب (براي) و(توماس)، يتبيّن أنّ هذا المكعّب يُستخدم بصورة أساسية كنموذج وصفي لتصنيف الدراسات المقارنة القائمة، أكثر من كونه أداة بحثية تهدف إلى توجيه العلماء نحو إجراء أنواع بعينها من المقارنات، وهو وإن كان يحثّ على إجراء تحليلات عبر مستويات متعدّدة، فإنّ ذلك ليس أمرًا ضروريًا في جميع السياقات، ومع ذلك فإنّ الباحثين المتمكّنين في ميدان التربية المقارنة يجدون من المفيد دراسة العوامل على طول كل محور قبل اختيار المتغيّرات ذات الصلة بفرضياتهم، ويستلزم ذلك منهم ربط المنهجيات البحثية بمدى اتساقها مع الإطار المعرفي المعتمد، أي التساؤل عمّا إذا كان ذلك الإطار وما يقترن به من منهجية قادرَين على توليد نوع البحث المطلوب، وهذا يقود في النهاية إلى ضرورة أخذ أهداف الدراسة وسياقها في الاعتبار، وهي مسائل ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالأسئلة المعيارية التي ترافق دائمًا البحوث في العلوم الاجتماعية، والتي تستمدّ جذورها من الخطابات والقيم المؤثّرة في كل دراسة.
تزداد فرص الباحثين في التعرف إلى مصادر التباين عندما يشرعون في تصميم دراساتهم بعد أن يضعوا فرضيات مسبقة عن العوامل التي قد تسهم في تفسير ذلك التباين، وربما يبدو المثال بسيطًا، غير أنّ واضعي دراسات الرابطة الدولية لتقويم التحصيل الدراسي (IEA) في مجال محو الأمية القرائية ما كانوا ليبحثوا عن الفروق من خلال مقارنة ألوان عيون التلاميذ، لأنّهم على الأرجح قد كوّنوا نظرية قبل بداية الدراسة تحدّد ما يمكن أن يكون له أثر في القدرة على القراءة وما لا يكون، ومع ذلك فإنّ نتائج البحث قد تكشف عن وجود علاقة ارتباطية قوية بين القدرة على القراءة وبين متغيّرات مثل حجم الحذاء أو عدد المصابيح في البيت، وذلك لأنّ هذه المتغيّرات قد تعمل كمؤشّرات لعوامل أخرى أكثر صلة بالموضوع، مثل العمر ومستوى النمو الفردي في حالة حجم الحذاء، أو الوضع الاجتماعي-الاقتصادي في حالة عدد المصابيح، والنتيجة أنّ العوامل التي تبدو غير ذات أهمية قد تكتسب دلالة، وأنّ الباحثين لا يمكنهم الشروع في بناء تصاميمهم البحثية قبل أن يصوغوا فرضيات حول صلة تلك العوامل أو عدمها.
ويظهر بُعد آخر في الطريقة التي يتعامل بها الباحثون مع بياناتهم ويفسّرونها، إذ تميّز العلوم الاجتماعية بين منظور داخلي للمشاركين في الدراسة يستند إلى تعريفات محلية متجذّرة في الثقافة تحدّد القيم وتفصل بينها، ومنظور خارجي يتجاوز الثقافات ويعتمد تعريفات مفروضة من الخارج لتمييز القيم واختلافاتها. وللوهلة الأولى قد يبدو المنظور الخارجي أكثر نفعًا للدراسات المقارنة، فقد افترض نموذج (بيرداي) أنّ الباحثين قادرون وينبغي لهم أن يحافظوا على انفصال وموضوعية، غير أنّ (آرثر) (2004، ص 1) بيّن أنّ ذلك لا يتحقق إلا للباحثين الذين يدرسون دولًا لم يسبق لهم أن عاشوا خبرتها، وهو ما يُنظر إليه عادة على أنّه مثلبة في التربية المقارنة لما يترتب عليه من فقدان للفهم السياقي. وقد لاحظ (آرثر) (ص 4) أنّ أغلب البحوث المقارنة عمليًا تحتاج إلى بناء فهم مشترك وبناء جسور معرفية (انظر أيضًا: (كروسلي) 2000، 2006)، وهو ما يتطلّب تفاعلًا شخصيًا من الباحثين وإضفاء طابع ذاتي على عملية البحث.
وتُظهر هذه الملاحظات أنّ مجرّد زيادة عدد الحالات المدروسة أو المستويات المفحوصة في إطار المكعّب لا يؤدّي بذاته إلى صياغة فرضيات سليمة، لذلك يتعيّن على الباحثين أن يقرنوا القضايا المعرفية بالنموذج الذي يعتمدونه في بحوثهم، بحيث يقوم التفاعل بين المنهج والأساس النظري، ويحتاجون في هذا السياق إلى تصوّرات تستند إلى أساس نظري واضح، سواء لما يتأملونه من موضوعات أو لما يستهدفونه من معطيات، كما يحتاجون إلى صياغة فرضيات توضّح المحاور التي يمكن أن تتوزع عبرها عناصر البحث بشكل متفاوت، وهذه الفرضيات بدورها تقود إلى اختيار المجالات الملائمة للتقييم، بل وللقياس متى كان ذلك مناسبًا.
ويُفضي النقاش أعلاه إلى تناول محاور التركيز في نطاق التربية المقارنة، إذ أوضحت مقدّمة هذا الكتاب أنّ كل عقد زمني حمل معه تحولات وتطورات ملحوظة، وقد ذكر (كازامياس) و(شوارز) (1977، ص 151) أنّه رغم ما شاب خمسينيات القرن العشرين من ارتباك عند تثبيت دعائم التربية المقارنة كميدان أكاديمي معتبر، فقد كان من الممكن آنذاك التعرف إلى أصوات فكرية مرجعية ونصوص محدِّدة رسمت الملامح الكبرى للميدان وموضوعاته، إلا أنّهما رأيا أنّ هذا الاتساق الداخلي قد ضاع في منتصف السبعينيات، حيث لم يعد هناك بنيان معرفي متكامل، ولا منظومة من المبادئ أو القوانين محلّ اتفاق عام بين العاملين في الميدان، وقد عبّر (ألتباخ) و(كيلي) (1986، ص 1) عن موقف مشابه بعد عقد واحد.
وقدّم عدد من المعلّقين في ما بعد قراءات أكثر إيجابية، حيث جرى النظر إلى التنوّع باعتباره مصدر قوة بقدر ما يُعَدّ نقطة ضعف (انظر مثلًا: (كوبو) و(فوسوم) 2007، ص 18–24؛ (راست) وآخرون 2009، ص 133)، وقد قيّم (نينّس) و(ميهتا) (2004، ص 1) الانتقائية نظرة إيجابية، إذ "تستوعب طيفًا من النظريات والمناهج المستمدّة من العلوم الاجتماعية، وتتقاطع مع فروع فرعية مثل علم اجتماع التعليم، والتخطيط التعليمي، وأنثروبولوجيا التعليم، واقتصاديات التعليم، والتعليم والتنمية"، وفي السياق ذاته لاحظ (أرنوف) (2013، ص 12) "استمرار نمو الميدان وحيويته"، وأضاف (ص 14) أنّ هذه الحيوية "تتوقف على توطيد الحوار المتبادل والانفتاح على مقاربات متنوعة لجمع البيانات وتحليلها بشأن علاقة التعليم بالمجتمع".
وتناول
الفصل الثاني من هذا الكتاب دراسة مسحية
أجراها (فوستر)
وآخرون
(2012)،
قاموا فيها بتحليل مقالات منشورة في أربع
دوريات كبرى باللغة الإنجليزية، وقد
أبرزت هذه الدراسة ميل الباحثين في التربية
المقارنة إلى التركيز على القضايا الكلية
أكثر من الجزئية، وإغفالهم موضوعات مثل
تكنولوجيا المعلومات والاتصال، والقيادة
التربوية، والامتحانات، والكتب المدرسية،
وقد بُني هذا التحليل على دراستي (راست)
وآخرون
(1999) و(وولهتر)
(2008) اللتين
وجدتَا أنّ نسبة كبيرة من المقالات اعتمدت
على المراجعات الأدبية والأساليب الكيفية،
ومع ذلك فقد سجّل الباحثون في كلا الدراستين
تنويعًا في النماذج الإرشادية، حيث أشار
(راست)
وزملاؤه
(ص
106) إلى
أنّ "المشتغلين
بالتربية المقارنة يميلون إلى النظر
للواقع باعتباره متعددًا ونسبيًا لا
واحديًا وموضوعيًا"،
كما "يميلون
إلى عدم اعتبار البحث خاليًا من القيم
والتحيّز، بل يقبلون بأنّ بحوثهم محمّلة
بالقيم وتعكس انحيازيات الباحث نفسه"،
وتنسجم فصول هذا الكتاب مع هذه الملاحظات،
إذ تعتمد بدورها على المراجعات الأدبية
إلى حد كبير، مع تناول الأدبيات الكمية
والكيفية معًا، كما تعترف كل الفصول،
صراحة أو ضمنًا، بدور الباحث في اختيار
البيانات وتفسيرها.
ومن المهم التنبيه أيضًا إلى أنّ الدراسات المسحية التي أجراها (راست) وآخرون (1999) و(وولهتر) (2008) و(فوستر) وآخرون (2012) استندت إلى مجلات نُشرت باللغة الإنجليزية وحدها وفي دولتين فقط، ورغم أنّ تلك المجلات جذبت مؤلفين يجيدون لغات أخرى وينتمون إلى بلدان مختلفة، فإنّ عمليات الاختيار الذاتي من المرجّح أن تكون قد ولّدت تحيزات في النتائج، كما أنّ مراجعة الدوريات والأنشطة الأخرى للجمعيات المهنية التسع والثلاثين الأعضاء في (المجلس العالمي لجمعيات التربية المقارنة WCCES) تُظهر أنّ لكل جمعية سماتها الخاصة ومحاور تركيزها المميّزة، سواء من حيث التوجه النظري أو التطبيقي، أو من حيث اختيار الموضوعات المطروحة للبحث.
وبالانتقال إلى مسألة الموضوعات، يتبيّن حتى من تحليل أولي أنّ قضايا الجندر تشكّل سمة أوضح في العروض والمؤتمرات وسائر الأنشطة البحثية التابعة لجمعية التربية المقارنة والدولية الأمريكية (CIES) مقارنةً بجمعية التربية المقارنة اليابانية (JCES)، وعلى مستوى آخر يظهر أنّ باحثي الجمعية البريطانية للتربية الدولية والمقارنة (BAICE) يولون اهتمامًا ملحوظًا بالقارة الإفريقية بدرجة تفوق اهتمام أعضاء جمعية التربية المقارنة الكورية (KCES)، كما أنّ نقاشات الهوية ما بعد الاستعمار ترد كثيرًا في مؤتمرات جمعية التربية المقارنة والدولية في أستراليا ونيوزيلندا (ANZCIES) أكثر من حضورها في مؤتمرات جمعية التربية المقارنة الأوكرانية (UCES)، وتعكس هذه الفوارق في جانب منها القيادة داخل الجمعيات، وفي جانب آخر الروابط الدولية الناشئة عن عوامل اللغة والسياسات الخارجية للحكومات والروابط التاريخية المتأتية من الاستعمار أو من قوى أخرى، كما تُبرز الأدبيات الأكاديمية المكتوبة بالصينية أو الإنجليزية أو الكورية أو الروسية أو الإسبانية اختلافات بارادايمية لافتة، ومن ثمّ يغدو من الأليق – كما لاحظ (كُوِّون) و(كازامياس) (2009، ص 1295) – النظر إلى الميدان باعتباره "تربويات مقارنة متعدّدة" بدلًا من اعتباره ميدانًا واحدًا متجانسًا (انظر أيضًا: (كُوِّون) 1990، ص 322؛ (كُوِّون) 2000، ص 333؛ (مانزون) 2010، ص 83؛ (ويسمان) و(أندرسون) 2013، ص 221–226).
وفي السياق ذاته، فإنّ طائفة واسعة ممن يقومون بدراسات مقارنة في التربية لا ينخرطون في الجمعيات المتخصّصة، وربما لا يعترفون أصلًا بانتمائهم إلى الميدان، وقد أشار الفصل الأول إلى أنّ هذه الفئات تضم صانعي السياسات وموظفي الوكالات الدولية فضلًا عن الأكاديميين، وغالبًا ما يركّز صانعو السياسات على استجلاء تجارب دول أخرى يظنون أنّها تحمل دروسًا عملية يمكن الإفادة منها، كما يُتوقع من الوكالات الدولية أن تسلك بدورها منحًى عمليًا في تقديم الاستشارات لعملائها، ومن ثمّ يغدو اهتمامهم النظري أقل بكثير من الأكاديميين، بل وحتى بين الأكاديميين نجد من يركّز على العمل الاستشاري والعملي أكثر من تركيزه على التنظير والتأصيل، ومع مجيء العولمة باتت كل من صناعة السياسات الحكومية وأعمال الاستشارة أكثر حضورًا على المستوى الدولي، غير أنّ هذه الفئات العملية، ولعلّ هذا مؤسف، تظل في معظمها بعيدة عن تعريف نفسها ضمن ميدان التربية المقارنة أو عن توظيف أدواته البحثية.
وفي الخاتمة يتّضح أنّ هذا الكتاب يجمع بين الثبات والتغيّر في مضمونه، إذ تناول الجزآن الأول والثالث قضايا النهج الكمية والكيفية والهوية البارادايمية بما ينسجم مع ما تراكم في الأدبيات، كما أنّ وحدات التحليل في الجزء الثاني تمتد إلى سوابق بحثية معروفة، غير أنّ كل فصل أضاف طابعًا معاصرًا ورؤى مبتكرة، فكان للكتاب أثر في الدفع بالميدان إلى تقدّم مفاهيمي جديد، وقد لقي وضع وحدات التحليل جنبًا إلى جنب في الفصول الإحدى عشرة من الجزء الثاني قبولًا كبيرًا لدى قرّاء الطبعة الأولى، لذلك حُوفظ عليه في الطبعة الثانية، ومع أنّ كثيرًا من الباحثين سبق أن أجروا مقارنات في التربية بين أماكن ونُظم وأزمنة وثقافات مختلفة، كما تشهد بذلك المراجع في كل فصل، فإنّ أي كتاب سابق لم يتناول وحدات التحليل بالأسلوب الذي طُرِح في هذا العمل.
كما تنشأ في هذا الكتاب موضوعات جديدة مستمدّة من التحوّلات الجيومورفية المشار إليها في الفصل الثاني، إذ أثّرت إعادة الاصطفاف السياسي والاقتصادي في ميدان التربية المقارنة كما أثّرت في ميادين أخرى، فصاغت بدورها اختيارات البلدان التي شكّلت محور تركيز الباحثين الدوليين، وقد أظهر الفصل الثاني تباينًا بين درجة بروز الصين في مؤتمرات التربية المقارنة وأديباتها خلال سبعينيات القرن العشرين، وبين حضورها المكثّف في بدايات القرن الحالي، ويعود تصاعد الاهتمام بالصين إلى عاملين متكاملين: سياستها القائمة على الانفتاح من جهة، وقوتها الاقتصادية المتنامية من جهة أخرى، ومع بروز مدينة شنغهاي ككيان مستقل في دراسات (بيزا) واحتلالها الصدارة في مؤشرات أساسية، توجّه جانب كبير من الاهتمام إلى هذا الجزء من الصين فضلًا عن الاهتمام بالبلد بأكمله.
كما عمد الباحثون إلى ابتكار صيغ جديدة للمقارنة، فقد عرض الفصل الرابع دراسة وضعت نتائج الاختبارات المدرسية في ولايات متفرّقة من الولايات المتحدة جنبًا إلى جنب مع نتائج مماثلة في عدد من دول العالم، كما نوّه بدراسة أخرى اتخذت الأقاليم دون الوطنية في بلدان متعددة وحدة للتحليل، حيث جرت المقارنة بين التعليم والتنمية في شمال شرق البرازيل والأنماط القائمة في شمال شرق تايلاند، وعلى مستويات مختلفة قارن الفصل الثاني عشر ابتكارات تربوية، بينما تناول الفصل الثالث عشر أساليب التعلّم، وقد دفعت هذه المقاربات ميدان التربية المقارنة إلى آفاق أوسع بكثير من المقارنات التقليدية بين الدول الكاملة التي ظلّت مهيمنة لسنوات طويلة.
ورغم هذه الملاحظات، ما زالت أبعاد مفاهيمية عديدة في التربية المقارنة تحتفظ بوجاهتها وقيمتها كما كانت منذ نشأة الميدان، فقد استشهد الفصل الأول بكلمة (سادلر) المشهورة، الذي كتب عام 1900 (وأُعيد نشرها سنة 1964، ص 310) حول أهمية دراسة النظم التعليمية الأجنبية لكي نصبح "أقدر على دراسة نظمنا وفهمها"، وهو ما يتوافق مع المقولة المعروفة لـ(يوهان فولفغانغ غوته) الذي كتب (نقله (راست) 2002، ص 54): "من يجهل شيئًا عن اللغات الأجنبية يجهل شيئًا عن لغته".
ويتصل هذا المنظور بدور الدراسات المقارنة في "إعادة تأطير الأنماط الغريبة لتصبح مألوفة، والأنماط المألوفة لتصبح غريبة"، إذ يركّز الشطر الأول على التوجّه نحو الخارج لاكتشاف أنماط غير معروفة في العادة ضمن أماكن أخرى، بينما يركّز الشطر الثاني على المراجعة الذاتية النقدية التي تدفع إلى مساءلة المسلَّمات المرتبطة بأنماط مألوفة قد تستوجب إعادة التفكير (انظر: (سبيندلر) و(سبيندلر) 1982، ص 43؛ (تشوكسي) و(داير) 2011، ص 271).
وبعد قرابة مئة عام من كلمات (سادلر)، لاحظ (واتسون) في عام 1996 (ص 387) ما يتّسم به ميدان التربية المقارنة من غموض وتعدّدية، وأضاف مع ذلك أنّ:
ولا ريب أنّ البحث في التربية المقارنة أدّى إلى زيادة ملحوظة في وعينا وفهمنا للأنظمة التعليمية وعملياتها في مناطق العالم المتعددة، كما كشف عن تنوّع لا متناهٍ في الأهداف والمرامي والفلسفات والبنى، وأبرز في الوقت نفسه أوجه التشابه المتنامية بين القضايا التي يتعامل معها صانعو السياسات التعليمية عالميًا.
لفت (واتسون) إلى ثراء المشهد العالمي بما يتوافر من بيانات إحصائية ومصادر معلومات متنوعة، مبيّنًا أنّ الكمّ والنوع قد ارتقيا بشكل لافت منذ ذلك الوقت، وأنّ فرص الوصول إليها قد ازدادت بدرجة كبيرة عبر التطورات التقنية وفي مقدمتها الإنترنت. غير أنّه، وبرغم هذا التقدّم الكمي والكيفي، نبّه إلى أنّ هذه البيانات والمعارف تظل عصيّة على الفهم العميق والتحليل الدقيق، واصفًا إيّاها بأنّها "ليست سهلة الفهم أو التحليل". ومن هنا أكّد أنّ الحاجة ماسة إلى دور التربية المقارنة الذي يتجاوز مجرد جمع البيانات إلى بناء قراءات تفسيرية ونقدية تتيح إدراك أعمق للقضايا التعليمية.
ويتجلّى ما هو أهم من أي جانب آخر في الوعي المتزايد بأنّ التعليم والتنمية، والتعليم والتغيّر الاجتماعي، بل وأثر الإصلاح التعليمي في بنية المجتمع، جميعها علاقات تتسم بدرجات عالية من التعقيد، وأنّ هذه التعقيدات تتجاوز بكثير ما كان يُفترض في البدايات من بساطة أو خطّية.
وتقتضي هذه الإشارة تسليط الضوء والتوسّع في المناقشة، لأنّ كثيرًا من الباحثين يعتبرون أنّ أهم ما تقدّمه التربية المقارنة يتمثل في تحديد النماذج المطبّقة في أنظمة تعليمية أخرى بغية استجلابها إلى بيئات جديدة، وهذا بالفعل دافع عملي كبير وراء المقارنات، لكن مكمن الخطر يظهر عند الاقتصار على معالجة سطحية أو الركون إلى أدوات منهجية غير دقيقة. وقد كان وعي هذا التحدي حاضرًا في ميدان التربية المقارنة منذ بداياته، ويكفي أن نعود إلى ما سطّره (سادلر) عام 1900 (وأُعيد نشره سنة 1964، ص 310):
لا يجوز أن نتعامل مع أنظمة التعليم في العالم كما لو كنّا أطفالًا يتنزّهون في حديقة، ينتزعون زهرة من غصن هنا وورقة من غصن هناك، ثم يظنون أنّ جمع تلك الأجزاء وتثبيتها في تربة الوطن كفيل بأن ينشئ نباتًا حيًّا قادرًا على النمو والبقاء.
وتتطلّب هذه الدروس تكرارًا في سياقات متعددة ومناسبات شتّى، نظرًا إلى أنّ الإغراء كبير باللجوء إلى تحليلات تبسيطية أو باستنساخ نماذج يُظن أنّها نجحت في بيئات أخرى. ومن ثمّ، فإنّ بحوث التربية المقارنة يمكن أن تعين الساسة وغيرهم على التعرّف إلى الممارسات التي قد تصلح للتطبيق المحلي، غير أنّ عليها في الوقت نفسه أن تكشف عن التعقيدات التي تنطوي عليها تلك الممارسات.
ولكي يتحقق البحث المقارن في التربية على نحو رصين، يتعيّن على الباحث أن يتعامل مع مسألة اختيار الطرائق وتطبيقها بوعي دقيق وبصرامة علمية، لأنّ المقارنة التربوية عملية مركّبة تتشابك فيها عوامل معرفية وثقافية ولغوية. فكل تهاون أو معالجة سطحية سرعان ما تنكشف من خلال مزالق قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في الواقع تقوّض مصداقية البحث برمّته. ويتجلّى ذلك في مثال "المدرسة المتوسطة"، إذ يختلف مدلولها باختلاف السياق: ففي المملكة المتحدة تمثل مرحلة انتقالية بين التعليم الابتدائي والثانوي، بينما في الصين يشير مصطلح (تشونغشويه) إلى المرحلة الثانوية الواقعة بين الابتدائي والعالي. ولو أغفل الباحث هذه الفوارق الاصطلاحية والثقافية لأنتج استنتاجات مضلِّلة. ويظهر الأمر ذاته في حالة مناهج التاريخ في هونغ كونغ التي تنقسم إلى منهجين ذوي أهداف وأدوار مميزة تختلف اختلافًا جوهريًا عن مناهج التاريخ في الولايات المتحدة، مما يؤكد أنّ التشابه الظاهري بين "الموضوع" لا يلغي التباين الجوهري في "المحتوى والوظيفة". ولا يبرّر تزايد فرص الوصول إلى البيانات عبر الإنترنت أي تراجع في التحقق من دقة المعلومة، إذ إنّ الاعتماد غير النقدي على مصادر "يُفترض أنّها موثوقة" قد يقود إلى نتائج مغلوطة. من هنا، فإنّ الصرامة الأكاديمية ليست ترفًا بل شرطًا لازمًا، لأنّ غيابها يحوّل البحث المقارن إلى ممارسة هاوية قد تنطوي على أخطار تتجاوز حدود الخطأ الفردي لتؤثر في القراءات العامة للميدان بأسره.
ولم يُرِد هذا الكتاب أن يوفّر كتيّبًا تقنيًا يحدّد طرائق استخدام أدوات بعينها، وإنّما هدف إلى رسم صورة بانورامية لأصناف الأدوات التي يمكن أن يستعين بها الباحث، وإلى إبراز الاعتبارات السياقية الرئيسة التي ينبغي أن تُوجّه عملية الاختيار. فإذا نجح في تشجيع القارئ على إعادة النظر مليًّا في ميدان التربية المقارنة، وعلى تأمّل مكامن قوّته وما يواجهه من تحديات وما يفتحه من آفاق، فإنّه يكون قد أنجز الغرض المنشود.